الإسلام > القرآن > سور > سورة 94 الشرح > الآية ٨ من سورة الشرح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨ من سورة الشرح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها.
( وإلى ربك فارغب ) قال الثوري : اجعل نيتك ورغبتك إلى الله عز وجل .
آخر تفسير سورة " ألم نشرح " ولله الحمد .
وقوله: ( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) يقول تعالى ذكره: وإلى ربك يا محمد فاجعل رغبتك، دون من سواه من خلقه، إذ كان هؤلاء المشركون من قومك قد جعلوا رغبتهم في حاجاتهم إلى الآلهة والأنداد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) قال: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) قال: اجعل رغبتك ونيتك إلى ربك.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) قال: إذا قمت إلى الصلاة.
آخر تفسير سورة ألم نشرح
وقرئ ( فرغب ) أي فرغب الناس إلى ما عنده .قال ابن العربي : روي عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد ، فقال ما بهذا أمر الشارع .
وفيه نظر ، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم العيد ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر .
ودخل أبو بكر في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة - رضي الله عنها - وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان فقال أبو بكر : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
فقال : " دعهما يا أبا بكر ، فإنه يوم عيد " .
وليس يلزم الدءوب على العمل ، بل هو مكروه للخلق .
{ وَإِلَى رَبِّكَ } وحده { فَارْغَبْ } أي: أعظم الرغبة في إجابة دعائك وقبول عباداتك .ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ذكره، فتكون من الخاسرين.وقد قيل: إن معنى قوله: فإذا فرغت من الصلاة وأكملتها، فانصب في الدعاء، وإلى ربك فارغب في سؤال مطالبك.واستدل من قال بهذا القول، على مشروعية الدعاء والذكر عقب الصلوات المكتوبات، والله أعلم بذلك تمت ولله الحمد.
( وإلى ربك فارغب ) قال عطاء : تضرع إليه راهبا من النار راغبا في الجنة .
وقيل : فارغب إليه في جميع أحوالك .
قال الزجاج : أي اجعل رغبتك إلى الله وحده .
«وإلى ربك فارغب» تضرع.
فإذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها فَجِدَّ في العبادة، وإلى ربك وحده فارغب فيما عنده.
وبعد هذا التعديد لتلك النعم العظيمة ، أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم فى الاجتهاد فى العبادة فقال - تعالى - : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب وإلى رَبِّكَ فارغب ) .وأصل الفراغ خول الإِناء مما بداخله من طعام أو غيره ، والمراد به هنا الخلو من الأعمال التى تشغل الإِنسان ، والنصب : التعب والاجتهاد فى تحصيل المطلوب .أى : فإذا فرغت - أيها الرسول الكريم - من عمل من الأعمال ، فاجتهد فى مزاولة عمل آخر من الأعمال التى تقربك من الله - تعالى - ، كالصلاة ، والتهجد ، وقراءة القرآن الكريم .واجعل رغبتك فى جميع أعمالك وعباداتك ، من أجل إرضاء ربك ، لا من أجل شئ آخر ، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد ، وتحقيق آمالك .فالمقصود بهاتين الآيتين حثه صلى الله عليه وسلم وحث أتباعه فى شخصه على استدامة العمل الصالح ، وعدم الانقطاع عنه ، مع إخلاص النية لله - تعالى - فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها ، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة .ولقد استجاب صلى الله عليه وسلم لهذا الإِرشاد الحكيم ، " فقد قام الليل حتى تورمت قدماه ، وعندما سئل مل كل هذه العبادة ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟
قال : " أفلا أكون عبدا شكورا " " .وسار أصحابه من بعده على هذا الهدىالقويم : فعمروا حياتهم بالباقيات الصالحات من الأعمال ، دون أن يكون للفراغ السيئ ، مكان فى حياتهم ، بل واصلوا الجهاد بالجهاد ، وأعمال البر بمثلها .ومن أقوال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : إنى لأكره لأحدكم أن يكون خاليا ، لا فى عمل دنيا ولا دين " .وفى رواية أنه قال : " إنى لأنظر إلى الرجل فيعجبنى ، فإذا قيل : إنه لا عمل له سقط من عينى " .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون أوقاتهم بالأعمال الصالحة ، والخالصة لوجهه الكريم .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ففيه وجهان: أحدهما: اجعل رغبتك إليه خصوصاً ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه.
وثانيها: ارغب في سائر ما تلتمسه ديناً ودنيا ونصرة على الأعداء إلى ربك، وقرئ فرغب أي رغب الناس إلى طلب ما عنده، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فإن قلت: فكيف تعلق قوله: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب (7) ﴾ بما قبله؟
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة ووعده الآنفة، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا يخلي وقتاً من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى.
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء.
وعن الحسن: فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة.
وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك.
وعن الشعبي: أنه رأى رجلاً يشيل حجراً فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، وقعود الرجل فارغاً من غير شغل أو اشتغاله بما لا يعينه في دينه أو دنياه: من سفه الرأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة، ولقد قال عمر رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغاً سهللاً لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
وقرأ أبو السّمّال: فرغت- بكسر الراء- وليست بفصيحة.
ومن البدع: ما روى عن بعض الرافضة أنه قرأ: ﴿ فانصب ﴾ بكسر الصاد، أي: فانصب علياً للإمامة؛ ولو صحّ هذا للرافضي لصحّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض عليّ وعداوته ﴿ وإلى رَبِّكَ فارغب (8) ﴾ واجعل رغبتك إليه خصوصاً، ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه.
وقرئ: ﴿ فرغب ﴾ أي: رغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ألم نشرح، فكأنما جاءني وأنا مغتمّ ففرج عني» .
﴿ فَإذا فَرَغْتَ ﴾ مِنَ التَّبْلِيغِ.
﴿ فانْصَبْ ﴾ فاتْعَبْ في العِبادَةِ شُكْرًا لِما عَدَدْنا عَلَيْكَ مِنَ النِّعَمِ السّالِفَةِ وَوَعَدْناكَ مِنَ النِّعَمِ الآتِيَةِ.
وقِيلَ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الغَزْوِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، أوْ فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ بِالدُّعاءِ.
﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ بِالسُّؤالِ ولا تَسْألْ غَيْرَهُ فَإنَّهُ القادِرُ وحْدَهُ عَلى إسْعافِكَ، وقُرِئَ «فَرَغِّبْ» أيْ فَرَغِّبِ النّاسَ إلى طَلَبِ ثَوابِهِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ ألَمْ نَشْرَحْ فَكَأنَّما جاءَنِي وأنا مُغْتَمٌّ فَفَرَّجَ عَنِّي» .
{وإلى ربك فارغب} واجعل وغبتك إليه خصوصاً ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه وعلى الله فليتوكل المؤمنون
سورة التين مكية وهي ثمان آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ وإلى رَبِّكَ ﴾ وحْدَهُ ﴿ فارْغَبْ ﴾ فاحْرِصْ بِالسُّؤالِ ولا تَسْألْ غَيْرَهُ تَعالى فَإنَّهُ القادِرُ عَلى الإسْعافِ لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ أيْ: إذا ﴿ فَرَغْتَ ﴾ مِنَ الصَّلاةِ ﴿ فانْصَبْ ﴾ في الدُّعاءِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْ: إذا ﴿ فَرَغْتَ ﴾ مِنَ الفَرائِضِ ﴿ فانْصَبْ ﴾ في قِيامِ اللَّيْلِ.
وعَنِ الحَسَنِ أيْ: إذا ﴿ فَرَغْتَ ﴾ مِنَ الغَزْوِ فاجْتَهِدْ في العِبادَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ؛ أيْ: إذا فَرَغْتَ مِن أسْبابِ نَفْسِكَ، وفي لَفْظٍ: مِن دُنْياكَ ( فَصَلِّ )، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ نَحْوَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأنْسَبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ.
وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن مَعَهُ فَهو تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ العِباداتِ فَراغًا وشُغْلًا إمّا مِثالًا لِأنَّ اللَّفْظَ خاصٌّ وهو الأظْهَرُ وكَذا يُقالُ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإمّا لِأنَّ الصَّلاةَ أُمُّ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ فَهُما هُما.
وقَوْلُ الحَسَنِ فِيهِ ما شاعَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»».
وهُوَ قَرِيبٌ إلّا أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والأمْرَ بِالجِهادِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ بِمَدَنِيَّتِها أوْ مَدَنِيَّةِ هَذِهِ الآيَةِ أوْ أنَّها مِمّا تَأخَّرَ حُكْمُهُ عَنْ نُزُولِهِ كَآياتٍ أُخَرَ.
وقَوْلُ مُجاهِدٍ نَظَرَ فِيهِ إلى أنَّ الفَراغَ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخُلُوِّ عَنِ الأشْغالِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««اغْتَنِمْ فَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ»».
وهُوَ أضْعَفُ الأقْوالِ لِبُعْدِهِ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وتُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ.
وقالَ عِصامُ الدِّينِ: الأنْسَبُ أنْ يُرادَ ﴿ فَإذا فَرَغْتَ ﴾ مِن يُسْرٍ ﴿ فانْصَبْ ﴾ بِعُسْرٍ آخَرَ طَلَبًا لِلْيُسْرَيْنِ، فَإذا كُنْتَ كَذَلِكَ فَكُنْ راغِبًا إلى رَبِّكَ يَعْنِي لا تَتَحَمَّلْ عُسْرَ الدُّنْيا طَمَعًا في يُسْرَيْنِ فِيها، بَلْ تَحَمَّلْ عُسْرَ طَلَبِ الرَّبِّ وقُرْبَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِلْيُسْرَيْنِ انْتَهى.
ولَعَمْرِي إنَّهُ خِلافُ ما يَفْهَمُهُ مَن لا سَقَمَ في ذِهْنِهِ مِنَ اللَّفْظِ.
وأشْعَرَتِ الآيَةُ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ العَبْدِ أنْ يَسْتَغْرِقَ أوْقاتَهُ بِالعِبادَةِ أوْ بِأنْ يَفْرَغَ إلى العِبادَةِ بَعْدَ أنْ يَفْرَغَ مِن أُمُورِ دُنْياهُ عَلى ما سَمِعْتَ مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيها، وذَكَرُوا أنَّ قُعُودَ الرَّجُلِ فارِغًا مِن غَيْرِ شُغْلٍ أوِ اشْتِغالَهُ بِما لا يَعْنِيهِ في دِينِهِ أوْ دُنْياهُ مِن سَفَهِ الرَّأْيِ وسَخافَةِ العَقْلِ واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ.
وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنِّي لَأكْرَهُ أنْ أرى أحَدَكم فارِغًا سَبَهْلَلًا لا في عَمَلِ دُنْياهُ ولا في عَمَلِ آخِرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّ شَرِيكًا مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: ما بِهَذا أُمِرَ الفارِغُ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «فَرِغْتَ» بِكَسْرِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَتْ بِفَصِيحَةٍ.
وقَرَأ قَوْمٌ: «فانْصَبْ» بِشَدِّ الباءِ مَفْتُوحَةً مِنَ الِانْصِبابِ، والمُرادُ فَتَوَجَّهْ إلى عِبادَةٍ أُخْرى كُلَّ التَّوَجُّهِ.
ونُسِبَ إلى بَعْضِ الإمامِيَّةِ أنَّهُ قَرَأ: «فانْصِبْ» بِكَسْرِ الصّادِ فَقِيلَ: أيْ: ﴿ فَإذا فَرَغْتَ ﴾ مِنَ النُّبُوَّةِ ﴿ فانْصَبْ ﴾ عَلِيًّا لِلْإمامَةِ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِيَّةِ الفُعُولِ، فَلِلسُّنِّيِّ أنْ يُقَدِّرَهُ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنِ احْتَجَّ الإمامِيُّ بِما وقَعَ في غَدِيرِ خُمٍّ مَنَعَ السُّنِّيُّ دَلالَتَهُ عَلى ما ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلى النَّصْبِ، وصِحَّتُهُ عَلى ما يَرْوِيهِ الإمامِيُّ.
واحْتَجَّ لِما قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مُرُوا أبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنّاسِ»».
وقالَ: إنَّهُ أوْفَقُ بِ «إذا فَرَغْتَ» لِما أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَرَضِ وفاتِهِ قَبْلَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِلافِ ما كانَ في الغَدِيرِ؛ فَإنَّهُ لا يُظْهِرُ أنَّ زَمانَهُ فَراغٌ مِنَ النُّبُوَّةِ ظُهُورُ كَوْنِ زَمانِ الأمْرِ كَذَلِكَ وإنْ رَجَعَ.
وقالَ: المُرادُ ﴿ فَإذا فَرَغْتَ ﴾ مِنَ الحَجِّ ﴿ فانْصَبْ ﴾ عَلِيًّا، ورُدَّ عَلَيْهِ أمْرُ مَكِّيَّةِ السُّورَةِ مَعَ ما لا يَخْفى.
وقالَ في الكَشّافِ: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِلرّافِضِيِّ لَصَحَّ لِلنّاصِبِيِّ أنْ يَقْرَأ هَكَذا ويَجْعَلَهُ أمْرًا بِالنَّصْبِ الَّذِي هو بُغْضُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعَداوَتُهُ وفِيهِ نَظَرٌ.
ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ المَفْعُولَ خَلِيفَةً، والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عَنْ عالِمٍ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «فَرَغِّبْ» أمْرٌ مِن رَغِبَ بِشَدِّ الغَيْنِ أيْ: فَرَغِّبِ النّاسَ إلى طَلَبِ ما عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ.
قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً يعني: مع الشدة سعة، يعني: بعد الشدة سعة في الدنيا.
ويقال: بعد شدة الدنيا سعة في الآخرة، يعني: إذا احتمل المشقة في الدنيا، ينال الجنة في الآخرة.
ثم قال عز وجل: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً على وجه التأكيد.
وروي عن ابن عباس، أنه قال: لا يغلب العُسْرُ يُسْرَينْ.
وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن أنه قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسرٌ واحد يُسْرَين، فقال ابن مسعود- : لو كان العسر في حُجر، جاء اليسر حتى يدخل عليه، لأنه قال تعالى إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ويقال: إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبيّ يُسْراً، وهو دخوله يوم فتح مكة، مع عشرة آلاف رجل في عز وشرف.
ثم قال عز وجل: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ يعني: إذا فرغت من الجهاد، فاجتهد في العبادة وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ يعني: اطلب المسألة إليه.
قال قتادة: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء.
هكذا قال الضحاك، وقال مجاهد، فَإِذا فَرَغْتَ من اشتغال نفسك فَانْصَبْ يعني: فَصَلِّ ويقال فَإِذا فَرَغْتَ من الفرائض فانصب في الفضائل، فيقال فَإِذا فَرَغْتَ من الصلاة، فانصب نفسك للدعاء والمسألة، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ يعني: إلى الله فارغب في الدعاء، برفع حوائجك إليه، والله أعلم وأحكم بالصواب.
سُورَةُ الِانْشِراحِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ الشَّرْحُ: الفَتْحُ بِإذْهابِ ما يَصُدُّ عَنِ الإدْراكِ.
واللَّهُ تَعالى فَتَحَ صَدْرَ نَبِيِّهِ لِلْهُدى والمَعْرِفَةِ بِإذْهابِ الشَّواغِلِ الَّتِي تُصْدِرُ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ.
ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ: التَّقْرِيرُ، أيْ: قَدْ فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ أيْ: حَطَطْنا عَنْكَ إثْمَكَ الَّذِي سَلَفَ في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الوِزْرِ: ما حَمَلَهُ الإنْسانُ عَلى ظَهْرِهِ، فَشُبِّهَ بِالحِمْلِ فَجُعِلَ مَكانَهُ.
ومَعْنى ﴿ أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أثْقَلَهُ حَتّى سُمِعَ نَقِيضُهُ، أيْ: صَوْتُهُ.
وهَذا مَثَلٌ، يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ كانَ حِمْلًا يُحْمَلُ لَسُمِعَ نَقِيضُ الظَّهْرِ مِنهُ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِهَذا تَخْفِيفُ أعْباءِ النُّبُوَّةِ الَّتِي يُثْقِلُ القِيامُ بِها الظَّهْرَ، فَسَهَّلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ حَتّى تَيَسَّرَ عَلَيْهِ الأمْرُ.
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «عَنْ رَسُولِ اللهِ أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إذا ذُكِرْتُ [ذُكِرْتَ] مَعِي.» قالَ قَتادَةُ: فَلَيْسَ خَطِيبٌ، ولا مُتَشَهِّدٌ، ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
والثّالِثُ: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ في الآخِرَةِ كَما رَفَعْناهُ في الدُّنْيا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ عِنْدَ المَلائِكَةِ في السَّماءِ.
والخامِسُ: بِأخْذِ المِيثاقِ لَكَ عَلى الأنْبِياءِ، وإلْزامِهِمُ الإيمانَ بِكَ، والإقْرارِ بِفَضْلِكَ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ضَمَّ سِينَ " العُسْرِ "، وسِينَ " اليُسْرِ " أبُو جَعْفَرٍ و " العُسْرُ " مَذْكُورٌ في الآيَتَيْنِ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ.
و " اليُسْرُ " مَذْكُورٌ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العُسْرَ واحِدٌ، واليُسْرَ اثْنانِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في هَذِهِ [الآيَةِ]: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ إذا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أعادَتْها بِنَكِرَةٍ صارَتِ اثْنَتَيْنِ، كَقَوْلِكَ: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقْ دِرْهَمًا، فالثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ، وإذا أعادَتْها مَعْرِفَةً، فَهي كَقَوْلِكَ: إذا كَسَبْتَ دِرْهَمًا فَأنْفِقِ الدِّرْهَمَ، فالثّانِي هو الأوَّلُ.
ونَحْوَ هَذا قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ العُسْرَ بِالألِفِ واللّامِ، ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ.
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ يَحْيى الجُرْجانِيُّ -وَيُقالُ لَهُ: صاحِبُ النَّظْمِ-: مَعْنى الكَلامِ: لا يُحْزِنْكَ ما يُعَيِّرُكَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الفَقْرِ ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ \[عاجِلًا في الدُّنْيا، فَأنْجَزَهُ بِما وعَدَهُ، بِما فَتَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَصْلًا آخَرَ فَقالَ: ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ \] والدَّلِيلُ عَلى ابْتِدائِهِ تَعَرِّيهِ مِنَ الفاءِ والواوِ، وهو وعْدٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أنَّ مَعَ عُسْرِ المُؤْمِنِينَ يُسْرًا في الآخِرَةِ، فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرُ الدُّنْيا اليُسْرَ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، فاليُسْرَ الَّذِي وعَدَهم في الآخِرَةِ، إنَّما يَغْلِبُ أحَدُهُما، وهو يُسْرُ الدُّنْيا.
فَأمّا يُسْرُ الآخِرَةِ، فَدائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، كَقَوْلِهِ [ ]: " «شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ» "، أيْ: لا يَجْتَمِعانِ في النَّقْصِ.
وحُكِيَ عَنِ العَتَبِيِّ قالَ: كُنْتُ ذاتَ لَيْلَةٍ في البادِيَةِ بِحالَةٍ مِنَ الغَمِّ، فَأُلْقِيَ في رُوعِي بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ، فَقُلْتُ: أرى المَوْتَ لِمَن أصْبَ حَ مَغْمُومًا لَهُ أرْوَحْ فَلَمّا جَنَّ اللَّيْلُ سَمِعْتُ هاتِفًا يَهْتِفُ: ألا يا أيُّها المَرْءُ الَّـ ∗∗∗ ـذِي الهَمُّ بِهِ بَرَّحْ وقَدْ أنْشَدَ بَيْتًا لَمْ ∗∗∗ يَزَلْ في فِكْرِهِ يَسْنَحْ إذا اشْتَدَّ بِكَ العُسْرُ ∗∗∗ فَفَكِّرْ في " ألَمْ نَشْرَحْ ∗∗∗ " فَعُسْرٌ بَيْنَ يُسْرَيْنِ ∗∗∗ إذا أبْصَرْتَهُ فافْرَحْ فَحَفِظْتُ الأبْياتَ وفَرَّجَ اللَّهُ غَمِّي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ أيْ: فادْأبْ في العَمَلِ، وهو مِنَ النَّصَبِ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، الدُّؤُوبُ في العَمَلِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ في قِيامِ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فانْصَبْ في الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عَمَلِ آخِرَتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ التَّشَهُّدِ فادْعُ لِدُنْياكَ وآخِرَتِكَ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ.
والخامِسُ: إذا صَحَّ بَدَنُكَ فاجْعَلْ صِحَّتَكَ نَصْبًا في العِبادَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الشَرْحِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ﴿ وَوَضَعْنا عنكَ وِزْرَكَ ﴾ ﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ عَدَّدَ اللهُ عَلى نَبِيِّهِ نِعَمَهُ في أنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلنُّبُوَّةِ وهَيَّأهُ لَها، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ شَرْحَ الصَدْرِ المَذْكُورِ هُوَ: تَنْوِيرُهُ بِالحِكْمَةِ وتَوْسِيعُهُ لِتَلَقِّي ما يُوحى إلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَماعَةٌ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى شَرْحِهِ بِشَقِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهُ في وقْتِ صِغَرِهِ، وفي وقْتِ الإسْراءِ؛ إذِ التَشْرِيحُ شَقُّ اللَحْمِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ: "ألَمْ نَشْرَحْ" بِنَصْبِ الحاءِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: أضْرِبْ عنكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ ومِثْلُهُ في نَوادِرِ أبِي زَيْدٍ: مِن أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ ∗∗∗ أيْوَمٌ لَمْ يُقْدَرَ أمْ يَوْمُ قُدِرْ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "ألَمْ نَشْرَحَنَّ"، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ النُونِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَها تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ.
وَ"الوِزْرُ" الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ الثِقَلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ وحِيرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقْلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقَلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ ، وكانَ رَسُولُ اللهِ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المُشاهِدِ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبِهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَحَلَلْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ "وَحَطَطْنا عنكَ وِقْرَكَ"، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ صَوَّبَ جَمِيعَها.
وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقَلِ وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها.
وَ"أنْقَضَ" مَعْناهُ: جَعَلَهُ نَقْضًا، أيْ هَزِيلًا مَعِيبًا مِنَ الثِقْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أسْمَعُ لَهُ نَقِيضًا وهو الصَوْتُ، وهو مِثْلُ نَقِيضِ السُفُنِ، وكُلُّ ما حَمَّلْتَهُ ثِقَلًا فَإنَّهُ يُنْقَضُ تَحْتَهُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وأنْقَضَ ظَهْرِي ما تَطَوَّقْتُ مِنهم ∗∗∗ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ مُشْفِقًا مُتَحَنِّنًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ مَعْناهُ: نَوَّهْنا بِاسْمِكَ، وذَهَبْنا بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ في الأرْضِ، هَذا ورَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ، أيْ: قَرَنّا اسْمَكَ بِاسْمِنا في الأذانِ والخُطَبِ، ورُوِيَ في هَذا حَدِيثُ "إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: إذا ذُكِرْتُ ذْكِرْتَ مَعِي"، وهَذا مُتَّجِهٌ إلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا والأذانُ شُرِعَ بِالمَدِينَةِ، ورَفْعُ الذِكْرِ نِعْمَةٌ عَلى الرَسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وكَذَلِكَ هو جَمِيلٌ حَسَنٌ لِلْقائِمِينَ بِأُمُورِ الناسِ، وخُمُولُ الذِكْرِ والِاسْمِ حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِينَ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى النِعَمَ أقْسامًا بِحَسَبِ ما يَصْلُحُ لِشَخْصٍ شَخَصَ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يُوقِفُ عَبْدًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ألَمْ أفْعَلْ بِكَ كَذا وكَذا؟
يُعَدِّدُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ-، ويَقُولُ في جُمْلَتِها: ألَمْ أحْمِلْ أخْمَلَ ذِكْرَكَ في الناسِ"؟» والمَعْنى في هَذا التَعْدِيدِ الَّذِي عَلى النَبِيِّ أيْ: يا مُحَمَّدُ قَدْ جَعَلْنا جَمِيعَ هَذا فَلا تَكْتَرِثُ بِأذى قُرَيْشٍ، فَإنَّ الَّذِي فَعَلَ بِكَ هَذِهِ النِعَمَ سَيُظْفِرُكَ بِهِمْ ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَوّى رَجاءَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ ، أيْ ما تَراهُ مِنَ الأذى فَرَجٌ يَأْتِيكَ، وكَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ مُبالَغَةً وتَبَيُّنًا لِلْخَيْرِ، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الدُنْيا، وإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا في الآخِرَةِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، مِن حَيْثُ "العُسْرُ" مَعْرُوفٌ لِلْعَهْدِ، و"اليُسْرُ" مُنْكَرٌ، فالأوَّلُ غَيْرُ الثانِي، وقَدْ رُوِيَ في هَذا التَأْوِيلِ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"،» وأمّا قَوْلُ عَمَرَ بِهِ فَنَصٌّ في المُوَطَّأِ في رِسالَتِهِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَرَأ عِيسى، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "العُسْرُ، واليُسْرُ" بِضَمَّتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" واحِدَةٌ غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ.
ثُمَّ أمِرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا فَرَغَ مِن شُغْلٍ مِن أشْغالِ النُبُوَّةِ والعِبادَةِ أنْ يَنْصِبَ في آخِرَ، والنَصْبُ: التَعَبُ، فالمَعْنى أنْ يَدْأبَ عَلى ما أُمِرَ بِهِ ولا يَفْتُرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَإذا فَرَغْتَ مِن فَرْضِكَ فانْصَبْ في التَنَفُّلِ عِبادَةً لِرَبِّكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فانْصَبْ في قِيامِ اللَيْلِ، وعن مُجاهِدٍ فَإذا فَرَغْتَ مِن شَغْلِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عِبادَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا فَرَغْتَ مِنَ الرَكَعاتِ فاجْلِسْ في التَشَهُّدِ وانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَعْنى الكَلامِ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ العِبادَةِ فانْصَبْ في الدُعاءِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ فانْصَبْ في العِبادَةِ، ويَعْتَرِضُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ الجِهادَ فُرِضَ بِالمَدِينَةِ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فَرِغَتْ" بِكَسْرِ الراءِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ قَوْمٌ "فانْصَبَّ" بِشَدِّ الباءِ وفَتْحِها، ومَعْناها: إذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ "فانْصَبَّ" إلى المَدِينَةِ، ذَكَرَها النَقّاشُ مُنَبِّهًا عَلى أنَّها خَطَأٌ، وقَرَأ آخَرُونَ الإمامِيَّةُ "فانْصِبَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى إذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ النُبُوَّةِ فانْصِبْ خَلِيفَةً، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ ضَعِيفَةُ المَعْنى لَمْ تَثْبُتْ عن عالِمٍ، ومَرَّ شُرَيْحٌ عَلى رَجُلَيْنِ يَصْطَرِعانِ فَقالَ: لَيْسَ بِهَذا أمْرُ الفَراغِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ أمْرٌ بِالتَوَكُّلِ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وصَرْفُ وجْهِ الرَغَباتِ إلَيْهِ لا إلى سِواهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَرَغِّبْ" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الغَيْنِ مَكْسُورَةً.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الشَرْحِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
عُطِفَ على تفريع الأمر بالشكر على النعم أمر بطلب استمرار نعم الله تعالى عليه كما قال تعالى: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ [إبراهيم: 7].
والرغبة: طلب حصول ما هو محبوب وأصله أن يعدى إلى المطلوب منه بنفسه ويعدى إلى الشيء المطلوب ب (في).
ويقال: رغب عن كذا بمعنى صرَف رغبتهُ عنه بأن رغب في غيره وجُعل منه قوله تعالى: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ [النساء: 127] بتقدير حرف الجر المحذوف قبل حرف (أنْ) هو حرف (عَن).
وذلك تأويل عائشة أم المؤمنين كما تقدم في سورة النساء.
وأما تعدية فعل ﴿ فارغب ﴾ هنا بحرف ﴿ إلى ﴾ فلتضمينه معنى الإِقبال والتوجه تشبيهاً بسير السائر إلى من عنده حاجته كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي ﴾ [الصافات: 99].
وتقديم إلى ﴿ ربك ﴾ على ﴿ فارغب ﴾ لإِفادة الاختصاص، أي إليه لا إلى غيره تكون رغبتك فإن صفة الرسالة أعظم صفات الخلق فلا يليق بصاحبها أن يرغب غير الله تعالى.
وحُذف مفعول «ارغب» ليعم كل ما يرغبه النبي صلى الله عليه وسلم وهل يرغب النبي إلا في الكمال النفساني وانتشار الدين ونصر المسلمين.
واعلم أن الفاء في قوله: ﴿ فانصب ﴾ [الشرح: 7] وقوله: ﴿ فارغب ﴾ رابطة للفعل لأن تقديم المعمول يتضمن معنى الاشتراط والتقييد فإن تقديم المعمول لما أفاد الاختصاص نشأ منه معنى الاشتراط، وهو كثير في الكلام قال تعالى: ﴿ بل الله فاعبد ﴾ [الزمر: 66] وقال: ﴿ وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ﴾ [المدثر: 3 5]، وفي تقديم المجرور قال تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمَن سأل منه أن يَخرج للجهاد: " ألكَ أبَوان؟
قال: نعم: فقال ففيهما فجاهد ".
بل قد يعامل معاملة الشرط في الإِعراب كما روي قول النبي صلى الله عليه وسلم " كما تَكونُوا يُوَلَّ عليكم " بجزم الفعلين، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ في سورة يونس (58).
وذكر الطيبي عن «أمالي السيد» (يَعني ابنَ الشَجَري» أن اجتماع الفاء والواو هنا من أعجب كلامهم لأن الفاء تعطف أو تدخل في الجواب وما أشبَهَ الجوابَ بالاسم الناقص، أو في صلة الموصول الفعلية (لشبهها بالجواب)، وهي هنا خارجة عما وضعت له ا ه.
ولا يبقى تعجب بعد ما قررناه.
سُورَةُ الشَّرْحِ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ وهَذا تَقْرِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ انْشِراحِ صَدْرِهِ لِما حَمَلَهُ مِن نُبُوَّتِهِ.
وَفي (نَشْرَحْ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أزالَ هَمَّكَ مِنكَ حَتّى تَخْلُوَ لِما أُمِرَتْ بِهِ.
الثّانِي: أيْ نَفْتَحُ لَكَ صَدْرَكَ لِيَتَّسِعَ لِما حَمَلْتَهُ عَنْهُ فَلا يَضِيقُ، ومِنهُ تَشْرِيحُ اللَّحْمِ لِأنَّهُ فَتَحَهُ لِتَقْدِيدِهِ.
وَفِيما شَرَحَ صَدْرَهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بِأنْ مُلِئَ حِكْمَةً وعِلْمًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: بِما مَنَّ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ والِاحْتِمالِ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: بِحِفْظِ القُرْآنِ وحُقُوقِ النُّبُوَّةِ.
﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وغَفَرْنا لَكَ ذَنْبَكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ لِلنَّبِيِّ ذُنُوبٌ أثْقَلَتْهُ فَغَفَرَها اللَّهُ تَعالى لَهُ.
الثّانِي: وحَطَطْنا عَنْكَ ثِقَلَكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ.
الثّالِثُ: وحَفِظْناكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ في الأرْبَعِينَ مِنَ الأدْناسِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْكَ الوَحْيُ وأنْتَ مُطَهَّرٌ مِنَ الأدْناسِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أيْ أسْقَطْنا عَنْكَ تَكْلِيفَ ما لَمْ تُطِقْهُ، لِأنَّ الأنْبِياءَ وإنْ حَمَلُوا مِن أثْقالِ النُّبُوَّةِ عَلى ما يَعْجَزُ عَنْهُ غَيْرُهم مِنَ الأُمَّةِ فَقَدْ أُعْطُوا مِن فَضْلِ القُوَّةِ ما يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلى ثِقَلِ النُّبُوَّةِ، فَصارَ ما عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهم لَيْسَ بِمُطاقٍ.
﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أيْ أثْقَلَ ظَهْرَكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ كَما يَنْقَضُّ البَعِيرُ مِنَ الحِمْلِ الثَّقِيلِ حَتّى يَصِيرَ نَقْضًا.
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالذُّنُوبِ حَتّى غَفَرَها.
الثّانِي: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالرِّسالَةِ حَتّى بَلَّغَها.
الثّالِثُ: أثْقَلَ ظَهْرَهُ بِالنِّعَمِ حَتّى شَكَرَها.
﴿ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ في الآخِرَةِ كَما رَفَعْناهُ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: أنَّ تُذْكَرَ مَعِيَ إذا ذُكِرْتُ، رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ أتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ ذِكْرَكَ؟
فَقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ)» قالَهُ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ يَخْطُبُ ولا يَتَشَهَّدُ، ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
﴿ فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنَّ مَعَ اجْتِهادِ الدُّنْيا خَيْرَ الآخِرَةِ.
الثّانِي: إنَّ مَعَ الشِّدَّةِ رَخاءً، ومَعَ الصَّبْرِ سِعَةً، ومَعَ الشَّقاوَةِ سَعادَةً، ومَعَ الحُزُونَةِ سُهُولَةً.
وَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِيَفْعَلَ مِنهُما ما شاءَ.
الثّانِي: إنَّ مَعَ العُسْرِ في الدُّنْيا يُسْرًا في الآخِرَةِ.
الثّالِثُ: إنَّ مَعَ العُسْرِ لِمَن بُلِيَ يُسْرًا لِمَن صَبَرَ واحْتَسَبَ بِما يُوَفَّقُ لَهُ مِنَ القَناعَةِ أوْ بِما يُعْطى مِنَ السِّعَةِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ العُسْرُ في حَجَرٍ لَطَلَبَهُ اليُسْرُ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ (وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) .
وإنَّما كانَ العُسْرُ في المَوْضِعَيْنِ واحِدًا، واليُسْرُ اثْنَيْنِ، لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلى العُسْرِ وحَذْفِها مِنَ اليُسْرِ.
وَفي تَكْرارِ ﴿ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا مِن إفْرادِ العُسْرِ وتَثْنِيَةِ اليُسْرِ، لِيَكُونَ أقْوى لِلْأمَلِ وأبْعَثَ عَلى الصَّبْرِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
الثّانِي: لِلْإطْنابِ والمُبالَغَةِ، كَما قالُوا في تَكْرارِ الجَوابِ فَيُقالُ بَلى بَلى، لا لا، قالَهُ الفَرّاءُ وقالَ الشّاعِرُ هَمَمْتُ بِنَفْسِي بَعْضَ الهُمُومِ فَأوْلى لِنَفْسِيَ أوْلى لَها.
﴿ فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الفَرائِضِ فانْصَبْ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: فَإذا فَرَغْتَ مِن صَلاتِكَ فانْصَبْ في دُعائِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن جِهادِكَ عَدُوَّكَ فانْصَبْ لِعِبادَةِ رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الرّابِعُ: فَإذا فَرَغْتَ مِن أمْرِ دُنْياكَ فانْصَبْ في عَمَلِ آخِرَتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: فَإذا فَرَغْتَ مِن إبْلاغِ الرِّسالَةِ فانْصَبْ لِجِهادِ عَدُوِّكَ.
﴿ وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فارْغَبْ إلَيْهِ في دُعائِكَ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: في مَعُونَتِكَ.
الثّالِثُ: في إخْلاصِ نِيَّتِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: فارْغَبْ إلَيْهِ في نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ قال: شرح الله صدره للإِسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ قال: مليء حلماً وعلماً ﴿ ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ﴾ قال: الذي أثقل الحمل ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكرتُ ذكرت معي.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن طهمان قال: سألت سعداً عن قوله: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ فحدثني به عن قتادة عن أنس قال: شق بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج من قلبه، فغسل في طست من ذهب، ثم ملئ إيماناً وحكمة، ثم أعيد مكانه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبيّ بن كعب أن أبا هريرة قال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟
فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال: «لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهراً إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟
فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها في خلق قط وثياب لم أجدها على أحد قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسّاً فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه.
فأضجعني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما: افلق صدره فخوّى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد.
فأخرج شيئاً كهيئة العلقة، ثم نبذها، فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة، ثم هز ابهام رجلي اليمنى.
وقال: اغدوا سلم، فرجعت بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة للكبير» .
وأخرج أحمد عن عتبة بن عبد السلمي «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟
قال: كانت حاضنتي بنت سعد بن بكر» .
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ قال: ذنبك ﴿ الذي أنقض ظهرك ﴾ قال: أثقل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد الحضرمي ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ قال: وغفرنا لك ذنبك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله ﴿ وحللنا عنك وقرك ﴾ .
أخرج الشافعي في الرسالة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: رفع الله ذكره في الدنيا والأخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وأخرج سعيد بن منصور وابن عساكر وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال: إذا ذكر الله ذكر معه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكرت ذكرت معي ولا تجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن في قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: ألا ترى أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه.
وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: إذا ذكر الله ذكر رسوله.
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟
قلت: الله أعلم.
قال: إذا ذكرت ذكرت معي» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته.
قلت: أي رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً.
قال: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويت، وضالاً فهديت، وعائلاً فأغنيت، وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي واتخذتك خليلاً؟» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب: إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته، اتخذت إبراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟
قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟
أن لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي: لا حول ولا قوّة إلا بالله» .
وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قال: لا يذكر الله إلا ذكرت معه.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ قال: اتبع العسر يسراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال: «لن يغلب عسر يسرين» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون، علينا أبو عبيدة بن الجراح، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر، فقال بعضنا لبعض: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألتموه أن يزوّدكم، فرجعنا إليه، فقال: إني قد عرفت الذي جئتم له، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه.
فانصرفنا، ونزلت ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ فأرسل نبي الله إلى بعضنا، فدعاه، فقال: أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ وإن يغلب عسر يسرين» .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر، فقال: «لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه، فأنزل الله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج ابن النجار من طريق حميد بن حماد عن عائذ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً ببقيع الفرقد، فنزل إلى حائط فقال: «يا معشر من حضر والله لو كانت العسر جاءت تدخل الحجر لجاءت اليسر حتى تخرجها، فأنزل الله: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لوكان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: لو كان العسر في حجر لتبعه اليسر حتى يدخل عليه ليخرجه، ولن يغلب عسر يسرين، إن الله يقول: ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والحاكم والبيهقي عن الحسن قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فرحاً مسروراً، وهو يضحك ويقول: «لن يغلب عسر يسرين ﴿ فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ الآية قال: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، واسأل الله وارغب إليه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ الآية، قال: قال الله لرسوله: إذا فرغت من صلاتك وتشهدت فانصب إلى ربك واسأله حاجتك.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن ابن مسعود ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ إلى الدعاء ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ في المسألة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان ابن مسعود يقول: أيما رجل أحدث في آخر صلاته، فقد تمت صلاته، وذلك قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: فراغك من الركوع والسجود ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: في المسألة وأنت جالس.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا جلست فاجتهد في الدعاء والمسألة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من أسباب نفسك فصل ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: اجعل رغبتك إلى ربك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن نصر عن الضحاك ﴿ فإذا فرغت ﴾ قال: من الصلاة المكتوبة ﴿ وإلى ربك فارغب ﴾ قال: في المسألة والدعاء.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ﴾ قال: أمره إذا فرغ من الصلاة أن يرغب في الدعاء إلى ربه، وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوه أن يجتهد في العبادة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال: إذا فرغت من الجهاد فتعبد.
(قوله تعالى) (١) ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ اجعل رغبتك إلى ربك ونيتك له (٢) وقال عبد الله: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل (٣) وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية فقال: القول فيه كبير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت فانصب، يعني: اجعل صحتك، وفراغك نصبًا في العبادة (٤) ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ (٥) وقال الحسن (٦) (٧) قال عطاء عن ابن عباس: يريد تضرع إليه راهبًا من النار، وراغبًا في الجنة (٨) وقال أبو إسحاق: أي اجعل رغبتك إلى الله وحده (٩) (١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٢) ورد معنى هذا القول عن مجاهد.
انظر: "جامع البيان" 30/ 237، "النكت والعيون" 6/ 299، وكذلك عن الثوري.
"تفسير القرآن العظيم" 4/ 562.
(٣) "النكت والعيون" 6/ 298، "معالم التنزيل" 4/ 503، "زاد المسير" 8/ 273، "التفسير الكبير" 32/ 7، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 108، "لباب التأويل" 4/ 390، "الدر المنثور" 8/ 551، ونسبه إلى ابن المنذر، وإلى ابن أبي حاتم، "فتح القدير" 5/ 463.
(٤) "زاد المسير" 8/ 273، "التفسير الكبير" 32/ 7.
(٥) ورد قوله في: "معاني القرآن" 3/ 276، "الكشف والبيان" 13/ 116 ب، "التفسير الكبير" 32/ 7.
قال ابن الأعرابي في "أحكام القرآن" 4/ 1950 بعد ذكره لقول شريح: وفيه نظر، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدَّرَقِ والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي ينظر.
رواه مسلم في "صحيحه" 2/ 609: ح: 18 كتاب صلاة العيدين: باب 4 ...
وليس يلزم الدءوب على العمل؛ بل هو مكروه للخلق.
(٦) ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 237، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 473، و"الكشف والبيان" 13/ 116 ب، و"النكت والعيون" 6/ 299، و"معالم التنزيل" 4/ 503، و"المحرر الوجيز" 5/ 497، و"الكشاف" 4/ 222، و"زاد المسير" 8/ 273، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 109، و"البحر المحيط" 8/ 488، و"الدر المنثور" 8/ 552، و"فتح القدير" 5/ 462، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 428.
(٧) ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 237، "الكشف والبيان" 13/ 116 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 503، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 562، و"الدر المنثور" 8/ 552 وعزاه إلى ابن حاتم.
(٨) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عن عطاء في: "فتح القدير" 5/ 462.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 341.
قال الجصاص: وهذه المعاني كلها محتملة، والوجه حمل اللفظ عليها كلها، فيكون جميعها مراداً، وإن كان الخطاب للنبي فإن المراد به جميع المكلفين.
"أحكام القرآن" 3/ 473.
﴿ إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ﴾ هذا وعد لما يُسّرَ بعد العسر، وإنما ذكره بلفظ مع التي تقتضي المقاربة ليدل على قرب اليسر من العسر، فإن قيل: ما وجه ارتباط هذا مع ما قبله؟
فالجواب: أنه صلى الله عليه وسلم كان بمكة هو وأصحابه في عسر من إذاية الكفار ومن ضيق الحال ووعده الله باليسر، وقد تقدم تعديد النعم تسلية وتأنيساً، لتطيب نفسه ويقوي رجاؤه كأنه يقول: إن الذي أنعم عليك بهذه النعم سينصرك ويظهرك ويبدّل لك هذا العيسر بيسر قريب، ولذلك كرر إن مع العسر يسرا مبالغة، وقال صلى الله عليه وسلم: لن يغلب عسر يسرين وقد روي ذلك عن عمر وابن مسعود وتأويله أن العسر المذكور في هذه السورة واحد، لأن الألف واللام للعهد كقولك: جاءني رجل فأكرمت الرجل.
واليسر اثنان لتنكيره وقيل: إن اليسر الأول في الدنيا والثاني في الآخرة ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب ﴾ هو من النصب بمعنى التعب، والمعنى إذا فرغت من أمر فاجتهد في آخر ثم اختلف في تعيين الأمرين فقيل: إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء.
وقيل: إذا فرغت من شغل دنياك فانصب في عبادة رب ﴿ وإلى رَبِّكَ فارغب ﴾ قدم الجار والجرور ليدل على الحصر أي لا ترغب إلا إلى ربك وحده.
الوقوف ﴿ صدرك ﴾ ه لا ﴿ وزرك ﴾ ه لا ﴿ ظهرك ﴾ ه لا ﴿ ذكرك ﴾ ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ فانصب ﴾ ه لا ﴿ فارغب ﴾ ه.
التفسير: روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة فكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة من غير فصل بالبسملة.
والذي دعاهما إلى ذلك ما رأيا من المناسبة في معرض تعديد النعم بين قوله ﴿ ألم يجدك يتيماً ﴾ وبين قوله ﴿ ألم نشرح ﴾ وفيه ضعف، لأن القرآن كله في حكم وكلام واحد فلو كان هذا القدر يوجب طرح البسملة من البين لزم ذلك في كل السور أو في أكثرها، على أن الاستفهام الأول وارد بصيغة الغيبة، والثاني بصيغة التكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة.
قال جار الله: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه ﴿ وضعنا ﴾ اعتباراً للمعنى.
قلت: اعتبار المعنى من جانب ﴿ وضعنا ﴾ أصوب وأنسب ليكون الكل داخلاً في الاستفهام الإنكاري كأنه قيل: ألم نشرح ولم نضع ولم نرفع ومثله ما مر في والضحى ألم يجدك يتيماً أو لم يجدك ضالاً.
ونقول: معنى ﴿ ألم نشرح ﴾ أما شرحنا فيصح العطف عليه بهذا الاعتبار ليشمل الاستفهام مجموع الأفعال وهكذا في " والضحى ".
وفائدة العدول من المتكلم الواحد إلى الجمع إما تعظيم حال الشرح وإما الإعلام بتوسط الملك في ذلك الفعل كما روي أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره.
طعن القاضي فيه من جهة أن هذه الواقعة من قبيل الإعجاز فكيف يمكن تصديقها قبل النبوة؟
ومن جهة أن الأمور المحسوسة لا يقاس بها الأمور المعنوية.
وأجيب عن الأول بأن الإرهاص جائز عندنا، وعن الثاني بأنه يفعل ما يشاء، ولا يبعد أنه تعالى جعل ذلك الغسل والتنقية علامة تعرف الملائكة بها عصمته عن الخطايا.
والأكثرون على أن الشرح أما معنوي وهو إما نقيض ضيق العطن بحيث لا يتأذى من كل مكروه وإيحاش يلحقه من كفار قومه فيتسع لأعباء الرسالة كلها ولا يتضجر من علائق الدنيا بأسرها، وإما خلاف الضلال والعمه حتى لا يرى إلا الحق ولا ينطق إلا بالحق ولا يفعل إلا للحق.
قال المحققون: ليس للشيطان إلى القلب سبيل ولهذا لم يقل " ألم نشرح قلبك " وإنما يجيء الشيطان إلى الصدر الذي هو حصن القلب فيبث فيه هموم الدنيا والحرص على الزخارف فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإيمان حلاوة ولا على الإسلام طلاوة، فإذا طرد العدو بذكر الله والإعراض عمّا لا يعينه حصل الأمن وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.
وفوائد إقحام لك دون أن يقتصر على قوله ﴿ ألم نشرح صدرك ﴾ ما مر في قوله ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ من الإجمال ثم التفصيل، ومن إرادة الاختصاص أو كونه أهم.
قال أهل المعاني ومنهم جار الله: الوزر الذي أنقض ظهره أي أثقله مثل لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة ولما جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولي العناد فيغتم بسبب ذلك، ووضعه عنه أن غفر له أو أنزل عليه الكتاب.
أو قيل له: إن عليك إلا البلاغ لست عليهم بمصيطر.
والأصل في الإنقاض أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي كصوت المحامل والرحال وكل ما فيه انتقاض وانفكاك.
وقيل: المراد بالوزر أعباء الرسالة وبوضعه تسهيل الله ذلك عليه ومن جملتها أنه كان يفزع في الأوائل حتى كاد يرمي بنفسه من الجبل فقوي وألف بالوحي حتى كاد يرمي بنفسه إذا فتر الوحي أو تأخر.
وقيل: المراد إزالة الحيرة التي كانت له قبل البعث، كان يريد أن يعبد ربه وما كانت نفسه تسكن إلى الشرائع المتقدمة لوقوع التحريف فيها.
ورفع ذكره أن قرن اسمه باسم الله في الشهادة والأذان والتشهد والخطب.
وجاء ذكره في القرآن مقروناً بذكر الله في غير موضع، وعلى سبيل التعظيم مثل النبي والرسول.
ومن رفع الذكر أن جاء العته في الكتب السماوية كلها وأخذ على أمم الأنبياء كلهم أن يؤمنوا به.
ثم إنهم كانوا يعيرون رسول الله بالفقر فقيل له: لا يحزنك قولهم ﴿ فإن مع العسر يسراً ﴾ أي بعد العسر الذي أنتم فيه يسر وأي يسر جعل الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء.
روى مقاتل عن النبي أنه خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين.
فقال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير فكان أحدهما غير الآخر وزيفه الجرجاني بأنه من المعلوم أن القائل إذا قال: إنّ مع الفارس سيفاً إن مع الفارس سيفاً.
لم يلزم منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان.
وأقول: إذا كان المراد بالعسر الجنس لا العهد لزم اتحاد العسر في الصورتين.
وأما اليسر فمنكر فإن حمل الكلام الثاني على التكرار مثل ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ ونحوه كان اليسران واحداً.
وإن حمل على أنه جملة مستأنفة لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكراراً والمفروض خلافه.
وإن كان المراد العسر المعهود فإن كان المعهود واحداً وكان الثاني تكراراً كان اليسران أيضاً واحداً، وإن كان مستأنفاً كانا اثنين وإلا لزم خلاف المفروض، وغن كان المعهود اثنين فالظاهر اختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن يعاد اليسر الثاني معرفاً بلام العهد فهو واحد والكلام الثاني تكرير للأول لتقريره في النفوس إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايراً للأول لعدم لام العهد.
ولعل هذا معنى الحديث إن ثبت والله أعلم ورسوله.
وإذا عرفت هذه الاحتمالات فإن لم يثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر واختلاف اليسر.
وحينئذ يكون فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الكريم.
وأما اليسران على تقدير اختلافهما فقيل: يسر الدنيا ويسر الآخرة أي إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر العاجل إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر الآجل.
وقيل: ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله ثم في أيام الخلفاء الراشدين، والأظهر الجنس ليكون وعداً عاماً لجميع المكلفين في كل عصر.
وحين عدد عليه النعم السابقة ووعده النعم اللاحقة من اليسر والظفر رتب عليه ﴿ فإذا فرغت فانصب ﴾ قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب أي اتعب للدعاء وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمور لا إلى غير يعطك خير الدارين.
وعن الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك.
وعن مجاهد: إذا فرغت من أمور دنياك لما وعدناك من اليسر والظفر فانصب للعبادة والدعوة.
وعن شريح أنه مر برجلين يتصارعان فقال: ما بهذا أمر الفارغ وقعود الرجل فارغاً من غير شغل قريب من العبث والاشتغال بما لا يعني، فعلى العاقل أن لا يضيع أوقاته في الكسل والدعة ويقبل بجميع قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين والله عالم بحقائقه.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ .
المخاطب فيه هذه السورة من الله - - [رسول الله ] خاطبه أياه؛ حيث قال: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ إلى ما ذكر.
والمخاطبة في سورة الضحى إنما كانت من غير الله - - إياه، كان جبريل - - خاطبه في ذكر منن الله أياه، وذكر نعمه ألا ترى أنه قال: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ﴾ ، ولم يقل: ما ودعناك.
[ويجوز أن يكون الخطاب في سورة ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ من الله على الغاية؛ [كما] يقال: إن أمير المؤمنين يقول: كذا، ويريد نفسه].
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ : قال بعضهم: شرح صدره للإسلام؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
أخبر أن من شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه.
والشرح، قيل: هو التليين، والتوسيع، والفتح، أي: ألم نوسع لك صدرك ونفتح ونلين للإسلام.
وقد روي في الخبر "أنه لما نزل هذا، قيل: يا رسول الله، [وهل لذلك من علامة؟] فقال: بلى، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" لكن يعرف ذلك من رسول الله بطريق الحقيقة، ويظهر منه ذلك باليقين، فأما من غيره فإنما يعرف التجافي من دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود بالتقارب، وغالب الظن؛ لأن رسول الله كانت له الآخرة لا محالة، وأمورها كالمشاهدة والمعاينة، وكذلك جميع الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فأما لغيرهم فلا نحكم بذلك؛ فلا يبلغ ذلك، وهو كما ذكر أن رؤيا الأنبياء كالعيان، أي: تعرف بطريق اليقين، بخلاف رؤيا غيرهم.
وقال بعضه: شرح صدره؛ لأنه لما كلف بتبليغ الرسالة إلى الجن والإنس وإلى الفراعنة والجبابرة الذين همتهم إهلاك من يخالفهم، والإقلات عن عبادة من يعبد الله ضاق صدره لذلك، وثقل على قلبه؛ فوسع الله صدره وشرحه حتى هان ذلك عليه وخف، وهو قول أبي بكر الأصم، إلا أنه يقول: فعل ذلك به، وحقق بالآيات والحجج، ونحن نقول باللطف منه، حتى قام بوفاء ما كلف وأمر، وأما هو لا يقول باللطف والاختصاص [للبعض دون البعض؛ لقوله] بالأصلح.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من شرح صدره وتوسيعه هو ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ، وخلقه كان يجاوز وسعة طاقته؛ حتى كادت نفسه تهلك لمكان كفر أولئك، وما يعلم أنه ينزل بهم؛ إشفاقا عليهم، ورحمة، كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الآية [الشعراء: 3] وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ...
﴾ الآية [هود: 12]، وغير ذلك من أمثال هذا، وذلك - والله أعلم - ما وصف من خلقه أنه عظيم، فوسع صدره وشرحه حتى يخفف ذلك عليه؛ حيث قال له: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ...
﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ \[الآية\] [الحجر: 88].
وقال الحسن في قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ : بلى، قد شرح له صدره، وملأه علما وحكمة.
ثم قوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ إلى [آخر] ما ذكر، إن كان المخاطب به رسول الله ، وهو المعنى و المراد به، فتأويل السورة يخرج على ما ذكرنا من تيسير الأمر عليه، وتخفيف ما [حمله عليه] وأمر به.
وقوله - -: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ : على ابتداء وضع الوزر والإثم على ما نذكر، وإن كان المخاطب به غيره وهم أمته، وإن كان الخطاب أضيف إليه، فالأمر فيه سهل، وإن كان الخطاب على الاشتراك، فيحتاج إلى التأويل أيضا.
وقوله - -: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ : قال عامة أهل التأويلأ: على تحقيق الوزر له والإثم؛ كقوله: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ...
﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ، يقولون: أثبت له الذنب والوزر، فوضع ذلك عنه، ولكن هذا وحش من القول، لكنا نقول: إن قوله: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ : الوزر هو الحمل والثقل؛ كأنه يقول: قد خففنا [عليك] ما حمل عليك من أمر النبوة والرسالة والأحمال التي حملت عليك؛ كأنه يقول: قد خفف ذلك عليك، ما لو لم يكن تخفيفنا إياها عليك لأنقض ظهرك، أي: أثقل، والله أعلم.
والثاني: جائز أن يكون [قوله]: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴾ ابتداء وضع الوزر، أي: عصمك وحفظك، ما لو لم يكن عصمته إياك لكانت لك أوزارو آثام، كقوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: لو لم يهدك لوجدك ضالا؛ لأنه كان بين قوم ضلال، ولكن هداه فلم يجده ضالا؛ فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره ا بتداء، وهوكقوله: ﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، أي: عصمكم عن أن تدخلوا فيها، [لا] أن كانوا فيها، ثم أخرجهم، ولكن ابتداء إخراج، [فعلى ذلك] ما ذكر من وضع وزره.
وقوله: ﴿ أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ، أي: أثقل ظهرك.
وقوله: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ : جائز أن يكون رفع ذكره؛ لما ألزم الخلق الإيمان به حتى لا يقبل من أحد الإيمان بالله ، والتوحيد له، [والطاعة] والعبادة إلا الإيمان به والطاعة له، قال الله - -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ...
﴾ ، وقال: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ...
﴾ .
وجائز أن يكون ما ذكر من رفع ذكره هو أنه يذكر حيث ذكر الله، قرن ذكره بذكره في الأذان والإقامة، وفي الصلاة، [و]في التشهد، وفي غيره من الخطب، والله أعلم.
والأول عندنا أرفع وأعظم من الثاني.
وجائز أن يكون رفع ذكره ما أضاف اسمه إلى اسمه بما قال: رسول الله، ونبي الله، ولم يسمه باسمه على غير إضافة [إلى] الرسالة والنبوة، قال: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ...
﴾ ، وقال: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ...
﴾ ، وقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ...
﴾ ، ونحو ذلك، وهو المخصوص بهذا دون غيره من إخوانه ؛ لأنه قلما أضاف اسمهم إلى اسمه، وقلما قرن أسماءهم باسمه، بل ذكرهم بأسمائهم، كقوله: ﴿ وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ...
﴾ ، [وقوله]: ﴿ وَيُونُسَ وَلُوطاً ﴾ ، ونحو ذلك.
أو رفع ذكره بما عظَّمه وشرفه عند الخلق كله، حتى إن من استخف به خسر الدنيا والآخرة.
وقوله - -: ﴿ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً ﴾ : روي في الخبر أنه قال: "لن يغلب عسر يسرين" قال بعضهم: إنما كان عسرا واحدا، وإن ذكره مرتين؛ لأن العسر الثاني ذكره بحرف التعريف؛ فهو الأول واحد؛ واليسر ذكره بحرف النكرة؛ فهو غير الأول.
وقال أبو معاذ: كلما كررت المعرفة كان واحدا، والنكرة على العدد؛ يقال في الكلام: إن مع الأمير غلاما إن مع الإمير غلاما، فالامير واحد ومعه: غلامان، وإذا قيل: إن مع الأمير الغلام، إن مع الأمير الغلام؛ فالامر واحد والغلام واحد، وإذ قيل: إن مع أمير غلام، إن مع أمير غلام، فهما أميران وغلامان؛ فعلى ذلك ما ذكر هاهنا.
ثم قوله: "يسرين" هو يسر الإسلام والهدى، ويجوز أن يطلق اسم اليسر على الإسلام والدين، قال الله - -: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ ، ويسر آخر: ما وعد لهم من السعة في الدنيا.
ويحتمل أن يكونا يسرين: أحدهما: رجاء اليسر، والآخر وجوده، فهما يسران: الرجاء والوجود.
ويحتمل أن يكون يسراً في الدنيا، ويسراً في الآخرة.
أو أن يكون توسيعاً: [توسع] عليهم الدنيا، ويسراً ثانياً: ما يفتح لهم الفتوح في الدنيا، ويسوق إليهم المغانم والسبايا، والله أعلم.
ثم قالوا في قوله: ﴿ إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً ﴾ ، أي: بعد العسر يسر.
وأصله أن حرف "مع" إذا أضيف إلى الأوقات والأحوال يقع على اختلاف الأوقات في المكان الواحد، وإذا أضيف إلى المكان يقع على اختلاف المكان في وقت واحد، وهاهنا أضيف إلى الوقت؛ فهو على اختلاف الأوقات واحدا بعد واحد؛ فإذا قيل: فلان مع فلان في مكان، فالوقت واحد، والمكان مختلف متفرق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرْغَبْ ﴾ : قال بعضهم: إذا فرغت في دنياك فانصب لآخرتك، وهو من النصب، أي التعب.
وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في العبادة له، لكن هذا بعيد؛ لأنه نزل ذلك بمكة، ولم يكن أمر بالغزو والجهاد بمكة، إلا أن يكون أمر بالجهاد بمكة في أوقات تأتيه في المستقبل؛ فيكون الحكم لازما عليه في تلك الأوقات، لا في حال ورود الأمر.
وقال بعضهم: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء.
وقال قتادة: إذا فرغ من الصلاة أن يبالغ في دعائه وسؤاله أياه.
وعن ابن مسعود - - قال: فإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل.
ويحتمل عندنا: إذا فرغت من تبليغ الرسالة إليهم، فانصب لعبادة ربك والأمور التي بينك وبين ربك، على ما ذكرنا في أحد التأويلين في قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ : في أمر الرسالة والتبليغ، واذكر اسم ربك فيما بينك وبين ربك.
ويجب ألا نتكلف تفسير ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها؛ لأنه أمر بينه وبين ربه، وكان رسول الله يعلم ما أراد به فيما خاطبه من الجميع، وأنه فيم كان؟
وقد كان خصوصا له، وليس شيئاً مما يجب علينا العمل به حتى يلزمنا التكلف لاستخراج ذلك سوى الشهادة على الله ؛ فكان الإمسك عنه أولى، وترك التكليف فيه الاشتغال به أرفق وأسلم، [والله الموفق].
واجعل رغبتك وقصدك إلى الله وحده.
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ - الشرح التوسعة والبسط، وعظم الصدر من الجسم كان عند العرب دليل القوة وعظم المنة، وكثيرًا ما يفتخر مفتخرهم بعظم صدره، ولهم الحق، لأنه يعطي الأحشاء فسحة للنمو مع الراحة.
والقوي قاهر لما ينتابه، فهو في مسرة وحضور رأي دائمًا، لا يضيق ذرعه بأمر.
ولذلك كنوا بشرح الصدر عن المسرة وانبساط النفس إلى الفعل والقول.
وقد شرح الله صدر نبيه بإخراجه من تلك الحيرة التي كان يضيق لها صدره بما كان يلاقيه في سبيله من جمود قومه وعنادهم، فكان يلتمس الطريق لهدايتهم، فعلمه الله كيف يسلك إلى نفوسهم، وهداه بالوحي إلى الدين الذي ينقذهم به من الهلكة التي كانوا أشرفوا عليها.
وقد كان ما يهمه من أمرهم حملًا ثقيلًا عليه، فوضعه الله عنه، وأراحه من ثقله بقيادة الله له في سبيل نجاتهم، وتعهده بالوحي كلما التبس عليه أمر أو ضاق عليه مذهب.
فبهذه الهداية التي تكفل له بها قد وضع عنه ذلك العبء الثقيل كما قال ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ والوزر هو الحمل.
وإنقاض الظهر أن يحدث فيه صوت الانتقاض والانفكاك.
ونقض الظهر الصوت الذي يحدث فيه لثقل الحمل وهو معروف.
والكلام على التمثيل، فإن ما كان يحمله من ثقل الاهتمام بشأن قومه، وضيق المذاهب بين يديه قبل تواتر الوحي عليه بالإرشاد، لم يكن ثقلًا حسيًا ينقض منه الظهر، ولكنه كان همًا نفسيًا بالحمل الذي تقصم له الظهور.
هداه الله إلى إنقاذ أمة -بل أمم كثيرة- من رق الأوهام وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة السليمة: حرية العقل والإرادة والإصابة في معرفة الحق ومعرفة من يقصد بالعبادة، فاتحدت كلمتهم في الاعتقاد بالإله الواحد، فاستخلصوا حياة كانت في مخالب الموت كما قال: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ ، فمن كان هذا عمله فأي ذكر أرفع من ذكره؟
وأي شأن أعلى من شأنه؟
هذا إلى ما فرض الله من الإقرار والاعتراف برسالته بعد بلوغ دعوته وجعلها شرطًا في دخول جنته.
فهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ .
والإتيان بالجار والمجرور: "لك وعنك" وتقديمه على المفعول في الآيات الثلاث لزيادة التقرير والإسراع بالتبشير.
هذا الذي منحناه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر-بعد ضيق الأمر واستحكام حلقات الكرب في أول السير- كان على ما جرت به سنتنا في هذا النوع من خليقتنا، وهو إن مع العسر يسرًا.
ولهذا وصل العبارة بالفاء التي لبيان السبب في قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا ﴾ .
"ألـ" في العسر للاستغراق، ولكنه استغراق المعهود عند المخاطبين من أفراده أو أنواعه.
فهو العسر الذي يعرض من الفقر والضعف وجهل الصديق وقوة العدو، وقلة الوسائل إلى المطلوب ونحو ذلك مما هو معهود ومعروف.
فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت، وكانت النفس حريصة على الخروج منها طالبة لكشف شدتها، واستعملت من وسائل الفكر والنظر والعمل ما من شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بعد ذلك بالتوكل على الله حتى لا تضعفها الخيبة لأول مرة، ولا يفسخ عزيمتها ما تلاقيه عند الصدمة الأولى- فلا ريب في أن النفس تخرج منها ظافرة.
وقد كان هذا حال النبي ، فإن ضيق الأمر عليه كان يحمله على الفكر والنظر حتى آتاه الله ما هو أكبر من ذلك، وهو الوحي والنبوة.
ثم لم تكسر مقاومات قومية شيئًا من عزمه، بل ما زال يلتمس الغنى في الفقر، والقوة في الضعف، حتى أوتي من ذلك ما زعزع أركان الأكاسرة والقياصرة، وترك منه لأمته ما تمتعت به أعصارًا طوالًا.
وما كان أحقها بأن تتمتع بهذا الميراث الكريم لو بقيت أمة له حقيقة كما هي أمة له اسمًا!
ولكنها قطعت النسب بينها وبين مورثها فسلبها الله ما ترك لها من ميراث وأعطاه أعداءها: شأن الله مع من لا يشعر بشرف بيته ومكانه من حسبه، وإنما بقيت لها ألقاب وأسماء كما يبقى للسفهاء من آبائهم الأغنياء!.
وكان في هذه الآية عبرة لهذه الأمة وكان عليها أن تعرف أن مع العسر يسرًا، وأن وعد الله في ذلك حق، وأن تقتدي بنبيها في طلب الوسائل للخلاص مما هي فيه وعندها كتاب الله وحده هداية للمهتدي وقدوة للمقتدي.
ولما كانت القضية موضعًا للريب -خصوصًا عند من أخذ الضيق بخناقه- أكدت "بإن".
ولما كان الشك يزداد -بل قد ينتهي إلى الإنكار في بعض أنواع العسر- استأنف القضية نفسها، وأعادها بلفظها فقال: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ ولكن على أن يكون معناها أعم من معنى سابقتها.
قد تقع أمم أو أشخاص في ضرب من ضروب العسر من نوع ما سبق، ثم يجدون الضعف من هممهم عن الخلاص مما أطبق عليهم منه، فيدوم لهم العسر، وقد يموتون وتنشأ فيه أعقابهم فأين اليسر الذي يصحب العسر عند هؤلاء؟
ومن ضروب العسر ما يختلف نوعه عن المعهود، كالمرض الطويل المفضي إلى الموت، وكالزمانة التي تصحب الزَّمن من أول حياته إلى مماته، فأي يسر جاء مع عسرها؟
فجاءت هذه الآية المستأنفة لرفع هذا الاشتباه في عموم السنة الإلهية.
وذلك أن أولئك الذين استعملوا ما وهبهم الله من القوى للخلاص مما ينزل بهم -إذا كان مما يمكن كشفه- لا ريب في كشف العسر عنهم بنوع من أنواع اليسر، كما وقع للنبي وأصحابه.
أما الآخرون الذين لا بصيرة عندهم في تصريف تلك المواهب الإلهية، بل يطلبون أن ينتهوا إلى الغايات بغير بدايات، وأن يصلوا إلى المقصد بغير وسيلة، فلا يستعملون عقولهم ولا عزائمهم في دفع ما يحل بهم، وليس لهم ثقة بربهم فيعلموا معتمدين عليه- هؤلاء يحسون بالألم حينًا، ثم تخنس نفوسهم وتقبع في جحر من الاستكانة، وتستقر فيها طمأنينة الرضى بما غمرها من الضر فتسلب الإحساس به.
ثم إذا طال بها الزمن فيه تحول الألم إلى لذة بالمعتاد.
ولا عجب من تحول الألم إلى لذة، فإنك تراه في شارب الدخان مثلًا يألم لأول مرة، بل قد يأخذه الدوار وأشد آلام الصداع، ثم لا يلبث أن يكون عادة مرغوبة يألم أشد الألم لتركها.
ومن هذا تجد الأمم التي تعودت على عسر الاستبداد والظلم قد ألفت ذلك حتى صار يصعب عليها أن تحتمل غيره، ولا تزال تحن إليه.
وكلما طلب إبعادها عنه اندفعت بالإقبال عليه.
فهذا نوع من اليسر وإن كان أشأم من العسر، ولكن أليست النفس راضية به مطمئنة إليه؟
أما المرض الطويل الممتد إلى الموت، والزمانة مما لا يمكن كشفه، فلك أن تقول أنه لا يدخل في أنواع العسر التي شملها استغراق العهد.
فإن الاستغراق للعسر والضيق المعهودين وهما ما يمر بالخاطر إذا وقع الحديث على العسر أو الضيق، وذلك هو الأنواع التي ذكرناها في تفسير الآية السابقة ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ .
وبالجملة فالعسر الداخل في الاستغراق، هو كل ما تجد النفس ألم الوقوع فيه، وتنزع إلى طلب الخلاص منه بالوسائل التي سنها الله لذلك الخلاص.
ولا ريب في أن كل عسر من هذا القبيل فمعه يسر يسوقه الله إلى العامل الآمل العاقل جزاء عمله لتحقيق أمله واستعماله لموهبة عقله.
أما مثل الزمانة والمرض الطويل فيدخلان في نحو قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
وكذلك يقال في عارض يعرض للأمة إذا حم هلاكها كزلزال ونحوه، والله أعلم.
وتنكير اليسر لأن الذي يأتي بعد العسر أي نوع من أنواعه لا يختص بيسر معين.
والتعبير بالمعية لتوثيق الأمل لا بد منه كأنه معه.
إذا علمت أن مع العسر يسرًا، فاعلم أن مع التعب في العمل النافع راحة (فإذا فرغت) من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك (فانصب): أي خذ في عمل آخر واتعب فيه، فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب بما تجنيه من ثمرة العمل.
(وإلى ربك فارغب): أي لا ترغب إلى أحد في استثمار أعمالك إلا إلى الله وحده.
والسورة مكية عند الجمهور، بل زعم بعضهم أنها تتمة لسورة الضحى.
وعلى هذا تكون المنة بشرح الصدر مبنية على عود الوحي، والتبشير بما جاء في سورة الضحى.
وقال البقاعي إنها مدنية بناء على ما يفهم من التقرير بشرح الصدر وما بعده.
وهذا إنما كان بعد ظهور القوة، وبعد أن فتح الله على المسلمين ما فتح عليهم، وأكمل لهم النعمة بغلبة حقهم على باطل عدوهم، والله أعلم.