تفسير الآية ٣ من سورة القدر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 97 القدر > الآية ٣ من سورة القدر

لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌۭ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍۢ ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣ من سورة القدر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة القدر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية : حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني ، عن يوسف بن سعد قال : قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال : سودت وجوه المؤمنين - أو : يا مسود وجوه المؤمنين - فقال : لا تؤنبني ، رحمك الله ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره ، فساءه ذلك ، فنزلت : ( إنا أعطيناك الكوثر ) يا محمد يعني نهرا في الجنة ، ونزلت : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) يملكها بعدك بنو أمية يا محمد .

قال القاسم : فعددنا فإذا هي ألف شهر ، لا تزيد يوما ولا تنقص يوما .

ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل ، وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي .

قال : وشيخه يوسف بن سعد - ويقال : يوسف بن مازن - رجل مجهول ، ولا نعرف هذا الحديث ، على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه .

وقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه ، من طريق القاسم بن الفضل ، عن يوسف بن مازن به .

وقول الترمذي : إن يوسف هذا مجهول - فيه نظر ; فإنه قد روى عنه جماعة ، منهم : حماد بن سلمة وخالد الحذاء ويونس بن عبيد .

وقال فيه يحيى بن معين : هو مشهور ، وفي رواية عن ابن معين [ قال ] هو ثقة .

ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل ، عن عيسى بن مازن ، كذا قال ، وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث ، والله أعلم .

ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدا ، قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي : هو حديث منكر .

قلت : وقول القاسم بن الفضل الحداني إنه حسب مدة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص ، ليس بصحيح ; فإن معاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنه ، استقل بالملك حين سلم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين ، واجتمعت البيعة لمعاوية وسمي ذلك عام الجماعة ، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها ، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريبا من تسع سنين ، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية ، بل عن بعض البلاد ، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة ، وذلك أزيد من ألف شهر ، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر ، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير ، وعلى هذا فتقارب ما قاله للصحة في الحساب ، والله أعلم .

ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم دولة بني أمية ، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق ; فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم ، فإن ليلة القدر شريفة جدا ، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر ، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية التي هي مذمومة ، بمقتضى هذا الحديث ، وهل هذا إلا كما قال القائل : ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا وقال آخر : إذا أنت فضلت امرأ ذا براعة على ناقص كان المديح من النقص ثم الذي يفهم من ولاية الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية ، والسورة مكية ، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أمية ، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها ؟!

والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة ، فهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا مسلم - يعني ابن خالد - ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، قال : فعجب المسلمون من ذلك ، قال : فأنزل الله عز وجل : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا حكام بن سلم ، عن المثنى بن الصباح عن مجاهد قال : كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي ، ففعل ذلك ألف شهر ، فأنزل الله هذه الآية : ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، حدثني مسلمة بن علي‌ ، عن علي بن عروة قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أربعة من بني إسرائيل ، عبدوا الله ثمانين عاما ، لم يعصوه طرفة عين : فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون - قال : فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ، فأتاه جبريل فقال : يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة ، لم يعصوه طرفة عين ; فقد أنزل الله خيرا من ذلك .

فقرأ عليه : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ) هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك .

قال : فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه .

وقال سفيان الثوري : بلغني عن مجاهد : ليلة القدر خير من ألف شهر .

قال : عملها ، صيامها وقيامها خير من ألف شهر .

رواه ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا ابن أبي زائدة ، عن ابن جريج عن مجاهد : ليلة القدر خير من ألف شهر ، ليس في تلك الشهور ليلة القدر .

وهكذا قال قتادة بن دعامة والشافعي وغير واحد .

وقال عمرو بن قيس الملائي : عمل فيها خير من عمل ألف شهر .

وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر - وليس فيها ليلة القدر - هو اختيار ابن جرير .

وهو الصواب لا ما عداه ، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : " رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل " .

رواه أحمد وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة ، ونية صالحة : " أنه يكتب له عمل سنة ، أجر صيامها وقيامها " إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي هريرة قال : لما حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد جاءكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، افترض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه الشياطين ، فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم " .

ورواه النسائي من حديث أيوب به .

ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر ، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: بلغني عن مجاهد ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر.

قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، قوله: ( خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) قال: عملٌ فيها خير من عمل ألف شهر.

وقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) ليس فيها ليلة القدر.

وقال آخرون في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّام بن سلم، عن المُثَنَّى بن الصَّبَّاح، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدوّ بالنهار حتى يُمْسِيَ، ففعل ذلك ألف شهر، فأنـزل الله هذه الآية: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.

وقال آخرون في ذلك ما حدثني أبو الخطاب الجاروديّ سهيل، قال: ثنا سَلْم بن قُتيبة، قال: ثنا القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، قال: قلت للحسن بن عليّ رضى الله عنه: يا مسوّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل، فبايعت له، يعني معاوية بن أبي سفيان، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري في منامه بني أميَّة يعلون منبره حليفة خليفة، فشقّ ذلك عليه، فأنـزل الله: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ و (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) يعني ملك &; 24-534 &; بني أمية؛ قال القاسم: فحسبنا مُلْكَ بني أمية، فإذا هو ألف شهر.

وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنـزيل قول من قال: عملٌ في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.

وأما الأقوال الأخر، فدعاوى معان باطلة، لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التنـزيل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ليلة القدر خير من ألف شهر بين فضلها وعظمها .

وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل .

وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر .

والله أعلم .وقال كثير من المفسرين : أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر .

وقال أبو العالية : ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدر .

وقيل : عنى بألف شهر جميع الدهر ; لأن العرب تذكر الألف في [ ص: 117 ] غاية الأشياء ; كما قال تعالى : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة يعني جميع الدهر .

وقيل : إن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد الله ألف شهر ، ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر ، فجعل الله تعالى لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عبادة ليلة خيرا من ألف شهر كانوا يعبدونها .وقال أبو بكر الوراق : كان ملك سليمان خمسمائة شهر ، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فصار ملكهما ألف شهر ; فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما .

وقال ابن مسعود : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ; فعجب المسلمون من ذلك ; فنزلت إنا أنزلناه الآية .

خير من ألف شهر ، التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله .

ونحوه عن ابن عباس .

وهب بن منبه : إن ذلك الرجل كان مسلما ، وإن أمه جعلته نذرا لله ، وكان من قرية قوم يعبدون الأصنام ، وكان سكن قريبا منها ; فجعل يغزوهم وحده ، ويقتل ويسبي ويجاهد ، وكان لا يلقاهم إلا بلحيي بعير ، وكان إذا قاتلهم وقاتلوه وعطش ، انفجر له من اللحيين ماء عذب ، فيشرب منه ، وكان قد أعطي قوة في البطش ، لا يوجعه حديد ولا غيره : وكان اسمه شمسون .وقال كعب الأحبار : كان رجلا ملكا في بني إسرائيل ، فعل خصلة واحدة ، فأوحى الله إلى نبي زمانهم : قل لفلان يتمنى .

فقال : يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي ، فرزقه الله ألف ولد ، فكان يجهز الولد بماله في عسكر ، ويخرجه مجاهدا في سبيل ، الله ، فيقوم شهرا ويقتل ذلك الولد ، ثم يجهز آخر في عسكر ، فكان كل ولد يقتل في الشهر ، والملك مع ذلك قائم الليل ، صائم النهار ; فقتل الألف ولد في ألف شهر ، ثم تقدم فقاتل فقتل .

فقال الناس : لا أحد يدرك منزلة هذا الملك ; فأنزل الله تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر من شهور ذلك الملك ، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل الله .وقال علي وعروة : ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة من بني إسرائيل ، فقال " عبدوا الله ثمانين سنة ، لم يعصوه طرفة عين " ; فذكر أيوب وزكريا ، وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون ; فعجب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك .

فأتاه جبريل فقال : يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين ، فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك ; ثم قرأ : إنا أنزلناه في ليلة القدر .

فسر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره : سمعت من أثق به يقول : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري أعمار الأمم قبله ، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ; فأعطاه الله تعالى ليلة القدر ، وجعلها خيرا من ألف شهر .وفي الترمذي عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري بني أمية على منبره ، [ ص: 118 ] فساءه ذلك ; فنزلت إنا أعطيناك الكوثر ، يعني نهرا في الجنة .

ونزلت إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية .

قال القاسم بن الفضل الحداني : فعددناها ، فإذا هي ألف شهر ، لا تزيد يوما ، ولا تنقص يوما .

قال : حديث غريب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر [خالية منها]، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث من تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى، بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرًا طويلًا، نيفًا وثمانين سنة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) قال عطاء عن ابن عباس : ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر ، فعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك وتمنى ذلك لأمته ، فقال : يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا وأقلها أعمالا ؟

فأعطاه الله ليلة القدر ، فقال : ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله ، لك ولأمتك إلى يوم القيامة .

قال المفسرون : " ليلة القدر خير من ألف شهر " معناه : عمل صالح في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر .

حدثنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، إملاء ، حدثنا أبو نعيم الإسفراييني ، أخبرنا أبو عوانة ، حدثنا أبو إسماعيل ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الزهري ، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " .

قال سعيد بن المسيب : من شهد المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكي ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا الحسن بن مكرم ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا كهمس عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن وافيت ليلة القدر فما أقول ؟

قال : " قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليلة القدر خير من ألف شهر» ليس فيها ليلة القدر فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليلة القدر ليلة مباركة، فَضْلُها خير من فضل ألف شهر ليس فيها ليلة قدر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم - بين - سبحانه - مظاهر فضلها فقال : ( لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) أى : ليلة القدر أفضل من ألف شهر ، بسبب ما أنزل فيها من قرآن كريم يهدى للتى هى أقوم .

ويخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وبسبب أن العباد فيها أكثر ثواباً ، وأعظم فضلا من العبادة فى أشهر كثيرة ليس فيها ليلة القدر .والعمل القليل قد يفضل العمل الكثير ، باعتبار الزمان والمكان ، وإخلاص النية ، وحسن الأداء ، ولله - تعالى - أن يخص بعض الأزمنة والأمكنة والأشخاص بفضائل متميزة .والتحديد بألف شهر يمكن أن يكون مقصودا .

ويمكن أن يراد منه التكثير .

وأن المراد أن أقل عدد تفضله هذه الليلة هو هذا العدد .

فيكون المعنى : أن هذه الليلة تفضل الدهر كله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الأول: قوله تعالى: ﴿ لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الآية وجوه: أحدها: أن العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه الليلة، لأنه كالمستحيل أن يقال إنها: ﴿ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ فيها هذه الليلة، وإنما كان كذلك لما يزيد الله فيها من المنافع والأرزاق وأنواع الخير.

وثانيها: قال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي فعل ذلك ألف شهر، فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من ذلك، فأنزل الله هذه الآية، أي ليلة القدر لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر.

وثالثها: قال مالك بن أنس: أُري رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم، فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ألف شهر لسائر الأمم.

ورابعها: روى القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن، قال: قلت للحسن بن علي عليه السلام يا مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له يعني معاوية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى في منامه بني أمية يطؤن منبره واحداً بعد واحد، وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ إلى قوله: ﴿ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ يعني ملك بني أمية قال القاسم فحسبنا ملك بني أمية، فإذا هو ألف شهر.

طعن القاضي في هذه الوجوه فقال: ما ذكر من ألف شهر في أيام بني أمية بعيد، لأنه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة، وأيام بني أمية كانت مذمومة.

واعلم أن هذا الطعن ضعيف، وذلك لأن أيام بني أمية كانت أياماً عظيمة بحسب السعادات الدنيوية، فلا يمتنع أن يقول الله تعالى إني: أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية.

المسألة الثانية: هذه الآية فيها بشارة عظيمة وفيها تهديد عظيم، أما البشارة فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير، ولم يبين قدر الخيرية، وهذا كقوله عليه السلام لمبارزة علي عليه السلام مع عمرو بن عبد ود (العامري) أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة فلم يقل مثل عمله بل قال: أفضل كأنه يقول: حسبك هذا من الوزن والباقي جزاف.

واعلم أن من أحياها فكأنما عبد الله تعالى نيفاً وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنه رزق أعماراً كثيرة، ومن أحيا الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ثلاثين قدراً، يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد الله أربعمائة سنة، ويجاء برجل من هذه الأمة، وقد عبد الله أربعين سنة فيكون ثوابه أكثر، فيقول الإسرائيلي: أنت العدل، وأرى ثوابه أكثر، فيقول: إنكم كنتم تخافون العقوبة المعجلة فتعبدون، وأمة محمد كانوا آمنين لقوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  ﴾ ثم إنهم كانوا يعبدون، فلهذا السبب كانت عبادتهم أكثر ثواباً، وأما التهديد فهو أنه تعالى توعد صاحب الكبيرة بالدخول في النار، وأن إحياء مائة ليلة من القدر لا يخلصه عن ذلك العذاب المستحق بتطفيف حبة واحدة، فلهذا فيه إشارة إلى تعظيم حال الذنب والمعصية.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أجرك على قدر نصبك» ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة، فكيف يعقل استواؤهما؟

والجواب: من وجوه: أحدها: أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الوجوه المنضمة إليه، ألا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بكذا درجة، مع أن الصورة قد تنتقض فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة، وأيضاً فأنت تقول لمن يرجم: إنه إنما يرجم إنه زان فهو قول حسن، ولو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزيز، ولو قلته للمحصن فهو يوجب الحد، فقد اختلفت الأحكام في هذه المواضع، مع أن الصورة واحدة في الكل، بل لو قلته في حق عائشة كان كفراً، ولذلك قال: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ ﴾ وذلك لأن هذا طعن في حق عائشة التي كانت رحلة في العلم، لقوله عليه السلام: «خذوا ثلثي دينكم من هذه الحميراء» وطعن في صفوان مع أنه كان رجلاً بدرياً، وطعن في كافة المؤمنين لأنها أم المؤمنين، وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كان كافراً، بل طعن في النبي الذي كان أشد خلق الله غيره، بل طعن في حكمة الله إذ لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية، ثم القائل بقوله: هذا زان، فقد ظن أن هذه اللفظة سهلة مع أنها أثقل من الجبال، فقد ثبت بهذا أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب لاختلاف وجوهها، فلا يبعد أن تكون الطاعة القليلة في الصورة مساوية في الثواب للطاعات الكثيرة والوجه الثاني: في الجواب أن مقصود الحكيم سبحانه أن يجر الخلق إلى الطاعات فتارة يجعل ثمن الطاعة ضعفين، فقال: ﴿ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا  إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا  ﴾ ومرة عشراً، ومرة سبعمائة، وتارة بحسب الأزمنة، وتارة بحسب الأمكنة، والمقصود الأصلي من الكل جر المكلف إلى الطاعة وصرفه عن الاشتغال بالدنيا، فتارة يرجح البيت وزمزم على سائر البلاد، وتارة يفضل رمضان على سائر الشهور، وتارة يفضل الجمعة على سائر الأيام، وتارة يفضل ليلة القدر على سائر الليالي، والمقصود ما ذكرناه الوجه الثاني: من فضائل هذه الليلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ القَدْرِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها خَمْسُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ فَخَّمَهُ بِإضْمارِهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ شَهادَةٍ لَهُ بِالنَّباهَةِ المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ كَما عَظَّمَهُ بِأنْ أسْنَدَ نُزُلَهُ إلَيْهِ، وعَظَّمَ الوَقْتَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ ﴾ ﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ ﴾ وإنْزالُهُ فِيها بِأنِ ابْتَدَأ بِإنْزالِهِ فِيها، أوْ أنْزَلَهُ جُمْلَةً مِنَ اللَّوْحِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا عَلى السَّفَرَةِ، ثُمَّ كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُنْزِلُهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  نُجُومًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وقِيلَ: المَعْنى أنْزَلْناهُ في فَضْلِها وهي في أوْتارِ العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ، ولَعَلَّها السّابِعَةُ مِنها.

والدّاعِي إلى إخْفائِها أنْ يُحْيِيَ مَن يُرِيدُها لَيالِيَ كَثِيرَةً، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ لِشَرَفِها أوْ لِتَقْدِيرِ الأُمُورِ فِيها لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وذِكْرُ الألِفِ إمّا لِلتَّكْثِيرِ، أوْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَكَرَ إسْرائِيلِيًّا يَلْبَسُ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ، فَأُعْطُوا لَيْلَةَ القَدْرِ هي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ ذَلِكَ الغازِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ليس فيها ليلة القدر وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من تنزل الملائكة والروح وفصل كل أمر حكيم وذكر في تخصيص هذه المدة أن النبى عليه السلام ذكر رجلا من بنى إسرائيل فبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المؤمنون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هى خير من مدة ذلك كالغازى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ ﴾ فَإنَّهُ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِشَأْنِها إثْرَ تَشْوِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى دِرايَتِها؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُعْرِبٌ عَنِ الوَعْدِ بِإدْرائِها، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ما أدْراكَ ) أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما فِيهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وما يُدْرِيكَ ) لَمْ يُعْلِمْهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ.

وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ إعْرابِ الجُمْلَتَيْنِ وفي إظْهارِ لَيْلَةِ القَدْرِ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَأْكِيدِ التَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِإنْزالِهِ فِيها إنْزالُهُ كُلِّهِ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَقَدْ صَحَّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ في لَيْلَةِ القَدْرِ جُمْلَةً واحِدَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وكانَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ.

وكانَ اللَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ عَلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ،» وفي رِوايَةٍ بَدَلَ: وكانَ بِمَواقِعَ...

إلَخْ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في عِشْرِينَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أيْضًا: أُنْزِلَ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً حَتّى وُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ، ونَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِجَوابِ كَلامِ العِبادِ وأعْمالِهِمْ.

وفي أُخْرى أنَّهُ أُنْزِلَ في رَمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ جُمْلَةً واحِدَةً ثُمَّ أُنْزِلَ عَلى مَواقِعِ النُّجُومِ رُسُلًا في الشُّهُورِ والأيّامِ.

وكَوْنُ النُّزُولِ بَعْدُ في عِشْرِينَ سَنَةً قَوْلٌ لَهُمْ، وقالَ بَعْضُهم -وهُوَ الأشْهَرُ- في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ.

وقالَ آخَرُ: في خَمْسٍ وعِشْرِينَ وهَذا لِلْخِلافِ في مُدَّةِ إقامَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ البَعْثِ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: المُرادُ ابْتَدَأْنا بِإنْزالِهِ فِيها.

والمَشْهُورُ أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ الآياتِ: ﴿ اقْرَأْ ﴾ وأنَّهُ كانَ نُزُولُها بِحِراءَ نَهارًا.

نَعَمْ في البَحْرِ رَوى أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءَ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَإنْ صَحَّ وكانَ المُرادُ كانَ لَيْلًا فَذاكَ وإلّا فَظاهِرُ كَلامِ الشَّعْبِيِّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ ابْتِداءَ إنْزالِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فِيها ولا يَلْزَمُ أنْ يَتَّحِدَ ذَلِكَ، وابْتِداءُ إنْزالِهِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الزَّمانِ ثُمَّ إنَّ في ( أنْزَلْناهُ ) عَلى ما ذُكِرَ تَجُوَّزًا في الإسْنادِ؛ لِأنَّهُ أُسْنِدَ فِيهِ ما لِلْجُزْءِ إلى الكُلِّ أوْ مَجازًا الطَّرَفِ أوْ تَضْمِينًا.

وقِيلَ: المُرادُ إنْزالُهُ مِنَ اللَّوْحِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا مُفَرَّقًا في لَيالِي قَدْرٍ عَلى أنَّ المُرادَ (بِلَيْلَةِ) الجِنْسُ؛ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا في عِشْرِينَ لَيْلَةَ قَدْرٍ أوْ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ أوْ خَمْسٍ وعِشْرِينَ، وكانَ يَنْزِلُ في كُلِّ لَيْلَةٍ ما يُقَدِّرُ اللَّهُ تَعالى إنْزالَهُ في كُلِّ السَّنَةِ ثُمَّ يُنْزِلُهُ سُبْحانَهُ مُنَجَّمًا في جَمِيعِ السَّنَةِ.

وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ الإمامُ احْتِمالًا ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُقاتِلٍ لَكِنَّهُ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا بَلْ حَكى بَعْضُهُمُ الإجْماعَ عَلَيْهِ.

نَعَمْ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّ السَّفَرَةَ هُناكَ نَجَّمُوهُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في اللَّيالِي المَذْكُورَةِ.

وأجابَ السَّيِّدُ عِيسى الصَّفْوِيُّ بِأنَّهُ مَحْذُورٌ في ذَلِكَ بِناءً عَلى جَوازِ مِثْلِ: أتَكَلَّمُ مُخْبَرًا بِهِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِكَ أتَكَلَّمُ، وفي ذَلِكَ اخْتِلافٌ بَيْنَ الدَّوانِيِّ وغَيْرِهِ ذَكَرَهُ في رِسالَتِهِ الَّتِي ألَّفَها في الجَوابِ عَنْ مَسْألَةِ الحَذَرِ الأصَمِّ، أوْ يُقالُ: يَرْجِعُ الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ جُمْلَتِهِ وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أجْزائِهِ فَيُخْبَرُ عَنِ الجُمْلَةِ «بِأنّا» أنْزَلْناهُ وإنْ كانَ مِن جُمْلَتِهِ: ( إنّا أنْزَلْناهُ ) المُنْدَرِجُ في جُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ نَظِيرٍ لَهُ بِخُصُوصِهِ.

وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الجُزْءَ مِن حَيْثُ هو مُسْتَقِلٌّ مُغايِرٌ لَهُ مِن حَيْثُ هو في ضِمْنِ الكُلِّ، وفي الإتْقانِ عَنْ أبِي شامَةَ: فَإنْ قُلْتَ: إنّا أنْزَلْناهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ جُمْلَةً فَما نَزَلَ جُمْلَةً، وإنْ كانَ مِنَ الجُمْلَةِ فَما وجْهُ هَذِهِ العِبارَةِ؟

قُلْتُ: لَها وجْهانِ؛ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى: ( إنّا ) حَكَمْنا بِإنْزالِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ وقَضَيْنا بِهِ «وقَدَّرْناهُ» في الأزَلِ، والثّانِي أنَّ لَفْظَ أنْزَلْناهُ ماضٍ ومَعْناهُ عَلى الِاسْتِقْبالِ؛ أيْ: تَنْزُّلُهُ جُمْلَةً في لَيْلَةِ القَدْرِ.

انْتَهى.

ولَمْ يَظْهَرْ لِي في كِلا وجْهَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى شامَةُ حُسْنٍ، فَأجِلْ في ذَلِكَ نَظَرًا فَلَعَلَّكَ تَرى.

وقِيلَ: المَعْنى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ في فَضْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ أوْ في شَأْنِها وحَقِّها، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ الظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ كَما في قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، وقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ.

وجَعَلَ بَعْضُهم في ذَلِكَ لِلسَّبِيَّةِ والضَّمِيرِ، قِيلَ لِلْقُرْآنِ بِالمَعْنى الدّائِرِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ.

وقِيلَ: بِمَعْنى السُّورَةِ ولا يَأْباهُ كَوْنُ إنّا أنْزَلْناهُ فِيها لِما مَرَّ آنِفًا فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ بِها ما عَدا ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَجْمُوعُ لِاشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وإنَّما المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِالإنْزالِ إظْهارُ القُرْآنِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ أوْ إثْباتُهُ لَدى السَّفَرَةِ هُناكَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يَشْكُلُ نِسْبَتُهُ إلى القُرْآنِ.

واخْتَلَفُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَقِيلَ إنَّها لِخَبَرٍ في ذَلِكَ وهو كَما قالَ الكِرْمانِيُّ غَلَطٌ؛ لِأنَّ آخِرَ الخَبَرِ يَرُدُّهُ والمُرادُ بِرَفْعِ تَعْيِينِها فِيهِ.

وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهو قَوْلٌ شاذٌّ غَرِيبٌ كَما في تُحْفَةِ المُحْتاجِ.

وظاهِرُ ما هُنا مَعَ ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ يَرُدُّهُ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها تَنْتَقِلُ في لَيالِي السَّنَةِ فَتَكُونُ في كُلِّ سَنَةٍ في لَيْلَةٍ، ونَسَبَهُ النَّوَوِيُّ إلى أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها في شَهْرِ رَمَضانَ.

فَعَنِ ابْنِ رَزِينٍ أنَّها اللَّيْلَةُ الأُولى مِنهُ.

وعَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ السّابِعَةَ عَشْرَةَ لِأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ كانَتْ في صَبِيحَتِها.

وحُكِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.

وعَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا التّاسِعَةَ عَشْرَةَ.

وحُكِيَ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ؛ لِما في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««قَدْ رَأيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ - يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ - ثُمَّ نُسِّيتُها، وقَدْ رَأيْتِنِي أسْجُدُ مِن صَبِيحَتِها في ماءٍ وطِينٍ»».

قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَمَطَرَتِ السَّماءُ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوَكَفَ المَسْجِدُ فَأبْصَرَتْ عَيْنايَ رَسُولَ اللَّهِ عَلى جَبْهَتِهِ وأنْفِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ مِن صَبِيحَةِ إحْدى وعِشْرِينَ.

وفي مُسْلِمٍ مِن صَبِيحَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، ومِنهُ مَعَ ما قَبْلَهُ مالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلى أنَّها اللَّيْلَةَ الحادِيَةُ أوِ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «التَمِسُوها اللَّيْلَةَ» وتِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْ بِلالٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ»».

وفي الإتْقانِ وغَيْرِهِ أنَّها اللَّيْلَةُ الَّتِي أنْزِلُ فِيها القُرْآنُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ فَقالَ: كانَ عُمَرُ وحُذَيْفَةُ وناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَشُكُّونَ أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ.

وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «التَمِسُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ»».

وفِي رِوايَةِ أحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أنَّهُ آخِرُ لَيْلَةٍ.

وقِيلَ: هي في العَشْرِ الأوْسَطِ تَنْتَقِلُ فِيهِ، قِيلَ: في أوْتارِهِ وقِيلَ في أشْفاعِهِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوَتْرِ مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ»».

وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مَرْفُوعًا وحَدِيثَيْنِ أخْرَجَهُما ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ كَذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ أيْضًا بَلِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، وبِالجُمْلَةِ الأقْوالُ فِيها مُخْتَلِفَةٌ جِدًّا إلّا أنَّ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ في ذَلِكَ، وأكْثَرُهم عَلى أنَّها في أوْتارِها؛ لِذَلِكَ أيْضًا وكَثِيرٌ مِنهم ذَهَبَ إلى أنَّها اللَّيْلَةُ السّابِعَةُ مِن تِلْكَ الأوْتارِ.

وصَحَّ مِن رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ وابْنِ حِبّانَ وغَيْرِهِمْ «أنَّ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ سَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْها فَحَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ فَقالَ لَهُ: بِمَ تَقُولُ ذَلِكَ يا أبا المُنْذِرِ؟

فَقالَ: بِالآيَةِ والعَلامَةِ الَّتِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إنَّها تُصْبِحُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَيْسَ لَها شُعاعٌ»».

وبَعْضُ الأخْبارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ، وفي بَعْضِ الِاسْتِئْناسِ لَهُ بِما يَدُلُّ عَلى جَلالَةِ شَأْنِ السَّبْعَةِ الَّتِي قالُوا فِيها إنَّها عَدَدٌ تامٌّ مِن كَوْنِ السَّماواتِ، سَبْعًا والأرْضِينَ سَبْعًا، والأيّامِ سَبْعًا، والجِمارِ سَبْعًا، والطَّوافِ بِالبَيْتِ سَبْعًا، والسُّجُودِ عَلى سَبْعٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ لِما عَلِمْتَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ المُتَضافِرَةِ وهو زَمانُ ضَعْفِ البَدَنِ وفِيهِ يَزِيدُ أجْرُ العَمَلِ ووَقْتُ قُوَّةِ الِاسْتِعْدادِ لِلتَّجَلِّياتِ لِمَزِيدِ التَّصْفِيَةِ، وأنَّها في الأوْتارِ أرْجى لِلْأحادِيثِ أيْضًا مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ.

وقالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: اخْتارَ جَمْعٌ أنَّها لا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِها مِنَ العَشْرِ الأواخِرِ بَلْ تَنْتَقِلُ في لَيالِيهِ فَعامًا أوْ أعْوامًا تَكُونُ وتْرًا إحْدى أوْ ثَلاثًا أوْ غَيْرَهُما، وعامًا أوْ أعْوامًا تَكُونُ شَفْعًا اثْنَتَيْنِ أوْ أرْبَعًا أوْ غَيْرَهُما.

قالُوا: ولا تَجْتَمِعُ الأحادِيثُ المُتَعارِضَةُ فِيها إلّا بِذَلِكَ.

وكَلامُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَمْعِ بَيْنَ الأحادِيثِ يَقْتَضِيهِ.

انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الجَمْعَ بِذَلِكَ بَيْنَ الأحادِيثِ المُتَعارِضَةِ فِيها مُطْلَقًا مِمّا لا يُتَسَنّى وإنَّما يُتَسَنّى الجَمْعُ بِذَلِكَ بَيْنَ الأحادِيثِ المُتَعارِضَةِ فِيها بِالنَّظَرِ إلى العَشْرِ، وقِيلَ في الجَمْعِ مُطْلَقًا أنَّها تَنْتَقِلُ وما صَحَّ مِنَ التَّعْيِينِ في الجُمْلَةِ أوْ عَلى التَّحْقِيقِ مَحْمُولٌ عَلى لَيْلَةِ قَدْرٍ في شَهْرِ رَمَضانَ مَخْصُوصٍ بِأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها في أوَّلِ شَهْرِ رَمَضانَ فُرِضَ لَيْلَةَ كَذا.

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هِيَ لَيْلَةُ كَذا».

أيْ في هَذا الشَّهْرِ رَمَضانَ المَخْصُوصِ، وعَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها في شَهْرِ رَمَضانَ بَعْدَهُ لَيْلَةَ كَذا غَيْرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي ذَكَرَها قَبْلُ.

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «هِيَ لَيْلَةُ كَذا».

وعَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها في آخِرِهِ في العَشْرِ الأخِيرِ مِنهُ فَقالَ: «هِيَ في العَشْرِ الأخِيرِ».

أيْ مِن هَذا الشَّهْرِ المَخْصُوصِ وهَكَذا وهو كَما تَرى.

وعَلى القَوْلِ بِانْتِقالِها ادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ إذا كانَ أوَّلُ الشَّهْرِ لَيْلَةَ كَذا فَهي اللَّيْلَةُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ، وإنْ كانَتْ لَيْلَةَ كَذا فَهي اللَّيْلَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ إلى آخِرِ ما قالَ.

وقَدْ ذَكَرْناهُ مَعَ نَظْمِهِ في الطِّرازِ المُذَهَّبِ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَقُومُ حُجَّةً عَلى الغَيْرِ.

وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ذِكْرُ عَلاماتٍ لَها؛ فَفي حَدِيثِ الإمامِ أحْمَدَ والبَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِما عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِن أماراتِها أنَّها لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ صافِيَةٌ ساكِنَةٌ لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ كَأنَّ فِيها قَمَرًا ساطِعًا، لا يُرْمى فِيها بِنَجْمٍ حَتّى الصَّباحِ.

وأخْرَجَ نَحْوًا مِنهُ ابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا، وحَمْلُ ذَلِكَ إنْ صَحَّ عَلى لَيْلَةِ قَدْرٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ مَخْصُوصٍ كالمُتَعَيِّنِ لِعَدَمِ اطِّرادِهِ ولا أغْلَبِيَّتِهِ فِيما يَظْهَرُ.

والحِكْمَةُ في إخْفائِها أنْ يَجْتَهِدَ مَن يَطْلُبُها في العِبادَةِ في غَيْرِها لِيُصادِفَها كَأنْ يُحْيِيَ لَيالِيَ شَهْرِ رَمَضانَ كُلَّها كَما كانَ دَأْبُ السَّلَفِ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ يُجَلُّ مِثْلُهُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِمِثْلِهِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ سَها فِيهِ سَهْوًا بَيِّنًا وأتى فِيهِ بِما يُوشِكُ أنْ يَدُلَّ عَلى جَهْلِهِ، ومَعْنى لَيْلَةِ القَدْرِ لَيْلَةُ التَّقْدِيرِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ يُقَدَّرُ فِيها ويَقْضى ما يَكُونُ في تِلْكَ السَّنَةِ مِن مَطَرٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ وإماتَةٍ إلى السَّنَةِ القابِلَةِ، والمُرادُ إظْهارُ تَقْدِيرِهِ تَعالى ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَأْمُورِينَ بِالحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ وإلّا فَتَقْدِيرُهُ تَعالى جَمِيعَ الأشْياءِ أزَلِيٌّ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، لَكِنْ قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: كَوْنُ التَّقْدِيرِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُ كَثِيرٍ أنَّهُ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهي المُرادُ بِاللَّيْلَةِ، والمُبارَكَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وأجابَ بِأنَّ هاهُنا ثَلاثَةَ أشْياءَ: الأوَّلُ نَفْسُ تَقْدِيرِ الأُمُورِ أيْ تَعْيِينُ مَقادِيرِها وأوْقاتِها، وذَلِكَ في الأزَلِ، والثّانِي إظْهارُ تِلْكَ المَقادِيرِ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ وذَلِكَ في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، والثّالِثُ إثْباتُ تِلْكَ المَقادِيرِ في نُسَخٍ وتَسْلِيمُها إلى أرْبابِها مِنَ المُدَبِّراتِ فَتُدْفَعُ نُسْخَةُ الأرْزاقِ والنَّباتاتِ والأمْطارِ إلى مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُسْخَةُ الحُرُوبِ والرِّياحِ والجُنُودِ والزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والخَسْفِ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُسْخَةُ الأعْمالِ إلى إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُسْخَةُ المَصائِبِ إلى مَلَكِ المَوْتِ وذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ.

وقِيلَ: يُقَدَّرُ في لَيْلَةِ النِّصْفِ الآجالُ والأرْزاقُ، وفي لَيْلَةِ القَدْرِ الأُمُورُ الَّتِي فِيها الخَيْرُ والبَرَكَةُ والسَّلامَةُ.

وقِيلَ: يُقَدَّرُ في هَذِهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ إعْزازُ الدِّينِ وما فِيهِ النَّفْعُ العَظِيمُ لِلْمُسْلِمِينَ وفي لَيْلَةِ النِّصْفِ يُكْتَبُ أسْماءُ مَن يَمُوتُ ويُسَلَّمُ إلى مَلَكِ المَوْتِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وقالَ الزُّهْرِيُّ: المَعْنى لَيْلَةُ العَظَمَةِ والشَّرَفِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ عِنْدَ فُلانٍ أيْ مَنزِلَةٌ وشَرَفٌ.

وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ مَن أتى بِفِعْلِ الطّاعاتِ فِيها صارَ ذا قَدْرٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِأنَّ الطّاعاتِ لَها فِيها ذَلِكَ.

وقِيلَ: لِأنَّهُ نَزَلَ فِيها كِتابُ ذُو قَدْرٍ بِواسِطَةِ مَلَكٍ ذِي قَدْرٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ذِي قَدْرٍ لِأُمَّةٍ ذاتِ قَدْرٍ.

وقِيلَ: لِأنَّهُ يَتَنَزَّلُ فِيها مَلائِكَةٌ ذَواتُ قَدْرٍ.

وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: المَعْنى لَيْلَةُ الضِّيقِ مِن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ضُيِّقَ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأرْضَ تَضِيقُ فِيها بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وخَيْرِيَّتُها مِن ألْفِ شَهْرٍ بِاعْتِبارِ العِبادَةِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ عَلى مَعْنى أنَّ العِبادَةَ فِيها خَيْرٌ مِنَ العِبادَةِ في ألْفِ شَهْرٍ، ولا يَعْلَمُ مِقْدارَ خَيْرِيَّتِها مِنها إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا تَفَضُّلٌ مِنهُ تَعالى ولَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَخُصَّ ما شاءَ بِما شاءَ، ورُبَّ عَمَلٍ قَلِيلٍ خَيْرٌ مِن عَمَلٍ كَثِيرٍ.

ولا يُنافِي هَذا قاعِدَةَ أنَّ كُلَّ ما كَثُرَ وشَقَّ كانَ أفْضَلَ؛ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «أجْرُكِ عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ»».

لِأنَّها أغْلَبِيَّةٌ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ولا شَكَّ أنَّ العَمَلَ القَلِيلَ قَدْ يَفْضُلُ الكَثِيرَ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ وبِاعْتِبارِ المَكانِ وبِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ الأداءِ كَصَلاةٍ واحِدَةٍ أُدِّيَتْ بِجَماعَةٍ فَإنَّها تَعْدِلُ خَمْسًا وعِشْرِينَ مَرَّةً صَلاةً مِثْلَها أُدِّيَتْ عَلى الِانْفِرادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

نَعَمْ هَذِهِ الأفْضَلِيَّةُ قَدْ تُعْقَلُ في بَعْضٍ وقَدْ لا؛ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَعْلَمُ ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ إلّا هو جَلَّ شَأْنُهُ.

وتَخْصِيصُ الألْفِ بِالذِّكْرِ قِيلَ إمّا لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ وكَثِيرًا ما يُرادُ بِالأعْدادِ ذَلِكَ.

وفي البَحْرِ حِكايَةُ أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ كُلِّهِ، أوْ لِما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُسْلِمُونَ مِن ذَلِكَ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى السُّورَةَ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُرْوَةَ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا أرْبَعَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى ثَمانِينَ عامًا لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَذَكَرَ أيُّوبَ وزَكَرِيّا وحِزْقِيلَ بْنَ العَجُوزِ، ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَعَجِبَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، عَجِبَتْ أُمَّتُكَ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ ثَمانِينَ سَنَةً فَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ.

فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ إلَخْ.

ثُمَّ قالَ: هَذا أفْضَلُ مِمّا عَجِبْتَ أنْتَ وأُمَّتُكَ مِنهُ فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».

وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ فِيما مَضى ما كانَ يُقالُ لَهُ عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى ألْفَ شَهْرٍ فَأُعْطُوا لَيْلَةً إنْ أحْيَوْها كانُوا أحَقَّ بِأنْ يُسَمَّوْا عابِدِينَ مِن أُولَئِكَ العُبّادِ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: كانَ مُلْكُ كُلٍّ مِن سُلَيْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى العَمَلَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَن أدْرَكَها خَيْرًا مِن مُلْكِهِما، وفي هَذا نَظَرٌ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِذِي القَرْنَيْنِ الأوَّلُ فَهو عَلى القَوْلِ بِهِ قَدْ مَلَكَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الثّانِي أعْنِي قاتِلَ دارا فَهو قَدْ مَلَكَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.

وقِيلَ: أُرِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْمارَ الأُمَمِ كافَّةً فاسْتَقْصَرَ أعْمارَ أُمَّتِهِ فَخافَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ لا يَبْلُغُوا مِنَ العَمَلِ مِثْلَ ما بَلَغَ غَيْرُهم في طُولِ العُمْرِ فَأعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ وجَعَلَها خَيْرًا مِن ألْفِ شَهْرٍ لِسائِرِ الأُمَمِ، وذَكَرَهُ الإمامُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وقَدْ سَمِعْتُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الألِفَ إشارَةٌ إلى مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وكانَ عَلى ما قالَ القاسِمُ بْنُ الفَضْلِ ألْفَ شَهْرٍ لا يَزِيدُ يَوْمٌ ولا يَنْقُصُ يَوْمٌ عَلى ما قِيلَ ثَمانِينَ سَنَةً وهي ألْفُ شَهْرٍ تَقْرِيبًا؛ لِأنَّها ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ مُلْكُهم في جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ مُلْكٌ يَسِيرٌ في بَعْضِ أطْرافِ الأرْضِ وآخِرِ عِمارَةِ العَرَبِ ولِذا لَمْ يَعُدْ مَن مَلَكَ مِنهم هُناكَ مِن خُلَفائِهِمْ.

وقالُوا بِانْقِراضِهِمْ بِهَلاكِ مَرْوانَ الحِمارِ.

وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في كَوْنِ الآيَةِ إشارَةً لِما ذُكِرَ بِأنَّ أيّامَ بَنِي أُمَيَّةَ كانَتْ مَذْمُومَةً؛ أيْ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَيَبْعُدُ أنْ يُقالَ في شَأْنِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ مَذْمُومَةٍ: ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ خَيْرٌ مِنَ العَصا وأُجِيبَ بِأنَّ تِلْكَ الأيّامَ كانَتْ عَظِيمَةً بِحَسْبِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: أعْطَيْتُكَ لَيْلَةً في السَّعاداتِ الدِّينِيَّةِ أفْضَلُ مِن تِلْكَ في السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلا تَبْقى فائِدَةٌ، واخْتُلِفَ في أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ تَسْتَتْبِعُ يَوْمَها أمْ لا.

فَقالَ الشَّعْبِيُّ: نَعَمْ يَوْمُها مِثْلُها، وقِيلَ: لَعَلَّ الوَجْهَ فِيهِ أنَّ ذِكْرَ اللَّيالِي يَسْتَتْبِعُ الأيّامَ ومِنهُ إذا نَذَرَ اعْتِكافَ لَيْلَتَيْنِ لَزِمَتاهُ بِيَوْمَيْهِما، والكَثِيرُ لا، لَكِنْ قِيلَ: يُسَنُّ الِاجْتِهادُ في يَوْمِها كَما يُسَنُّ فِيها.

ولِذا جاءَ في وصْفِها أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَها ولَيْسَ لَها شُعاعٌ كَما تَقَدَّمَ أيْ لِعِظَمِ أنْوارِ المَلائِكَةِ الصّاعِدِينَ والنّازِلِينَ فِيها فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ سِوى مَعْرِفَةِ يَوْمِها ولا فائِدَةَ فِيها لَوْ لَمْ يُسَنَّ الِاجْتِهادُ فِيهِ.

ومُنِعَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ مَعْرِفَتَها نَفْسِها لِيُجْتَهَدَ فِيها مِن قابِلٍ بِناءً عَلى أنَّها لا تَنْتَقِلُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، وأكْثَرُ الأئِمَّةِ عَلى أنَّها أفْضَلُ مِنها لِلْآيَةِ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ فِيها القُرْآنَ وهو هو ولَمْ يُنْزِلْهُ في غَيْرِها، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ بِطَلَبِها.

فَعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ لَيْلَةَ القَدْرِ، ولِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَها لَيْلَةَ الفَرْقِ والحُكْمِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وسَمّاها جَلَّ وعَلا لَيْلَةَ القَدْرِ؛ أيِ التَّقْدِيرِ، ولِما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَ السّاعاتِ فاخْتارَ ساعاتِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، واخْتارَ الأيّامَ فاخْتارَ يَوْمَ الجُمْعَةِ، واخْتارَ الشُّهُورَ فاخْتارَ شَهْرَ رَمَضانَ، واخْتارَ اللَّيالِيَ فاخْتارَ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ فَهي أفْضَلُ لَيْلَةٍ في أفْضَلِ شَهْرٍ، ولِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَثَّ عَلى العَمَلِ فِيها؛ فَقَدْ صَحَّ: ««مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ».

وفي رِوايَةِ: «وما تَأخَّرَ»».

ونَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُخَصَّ لَيْلَةُ الجُمْعَةِ بِقِيامٍ ويَوْمُها بِصِيامٍ، ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْفاها ولَمْ يُعَيِّنْها كَما أخْفى سُبْحانَهُ أعْظَمَ أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَما أخْفى جَلَّ شَأْنُهُ أفْضَلَ الصَّلَواتِ وهي الصَّلاةُ الوُسْطى إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وذَهَبَ أكْثَرُ الحَنابِلَةِ كَأبِي الحَسَنِ الجَزَرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وأبِي حَفْصٍ البَرْمَكِيِّ وغَيْرِهِمْ إلى أنَّ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ أفْضَلُ لِما أخْرَجَ مُقاتِلٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَغْفِرُ اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ أجْمَعِينَ، وهَذِهِ فَضِيلَةٌ لَمْ تَجِئْ لِغَيْرِها»».

ونَحْوَهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِن لَيْلَةِ جُمْعَةٍ إلّا ويَنْظُرُ اللَّهُ تَعالى إلى خَلْقِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَيَغْفِرُ لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا»».

ولِأنَّهُ رَوى ابْنُ بَشْكُوالَ في كِتابِهِ: القُرْبَةُ إلى رَبِّ العالَمِينَ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««أكْثِرُوا الصَّلاةَ عَلَيَّ في اللَّيْلَةِ الغَرّاءِ واليَوْمِ الأزْهَرِ؛ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ويَوْمِ الجُمْعَةِ»».

والغُرَّةُ مِنَ الشَّيْءِ خِيارُهُ ولِأنَّهُ قَدْ رَوى كَثِيرُونَ مِنهُمُ الإمامُ أحْمَدُ أنَّ يَوْمَها سَيِّدُ الأيّامِ وأعْظَمُها وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن يَوْمِ الفِطْرِ ويَوْمَ الأضْحى.

وصَحَّحَ ابْنُ حِبّانَ خَبَرَ: ««لا تَطْلُعُ الشَّمْسُ ولا تَغْرُبُ عَلى يَوْمٍ أفْضَلَ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ»».

فَهِيَ لِذَلِكَ سَيِّدَةُ اللَّيالِي وأعْظَمُها وأفْضَلُها ولِأنَّها مُعَيَّنَةٌ مَشْهُودَةٌ يَشْهَدُها الخاصُّ والعامُّ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وصَغِيرٍ وكَبِيرٍ بَصِيرٍ وضَرِيرٍ، وتَصِلُ بَرَكَتُها إلى الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَيْلَةُ القَدْرِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَلا يَنْتَفِعُ بِها إلّا قَلِيلٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وأجابَ هَؤُلاءِ عَنِ الآيَةِ بِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ فِيها أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ فَلْيَرِدْ أيْضًا أنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ جُمْعَةٍ، ويَدُلُّ لِلْأمْرَيْنِ أنَّ أكْثَرَ أسْبابِ النُّزُولِ السّابِقَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشُّهُورِ شُهُورُ مَن تَقَدَّمَنا وهي لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ قَدْرٍ ولا لَيْلَةُ جُمْعَةٍ، وعَنْ سائِرِ المُسْتَنَداتِ بِأنَّ بَعْضَها مَعارَضٌ وبَعْضَها لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن فَضْلِها وهو ما لَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ، والأوَّلُونَ أجابُوا عَنْ مُسْتَنَداتِهِمْ بِنَحْوِ ما أجابُوا ولِلتَّعارُضِ قالَ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ قاسِمٍ المُقْرِيُّ مِنَ الحَنابِلَةِ: إنَّ القَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ قَوْلانِ شائِعانِ بَيْنَ الأصْحابِ ولِكُلٍّ دَلائِلَ تَدُلُّ عَلى صَوابِيَّتِهِ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُطْلِقَ الخَطَأ عَلى قائِلِ كُلٍّ مِنهُما، وأنْتَ بَعْدَ التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ الطَّرَفَيْنِ والوُقُوفِ عَلى أحْوالِها يَتَعَيَّنُ عِنْدَكَ أفْضَلِيَّةُ لَيْلَةِ القَدْرِ وتَعَيُّنِ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، وهاهُنا قَوْلٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، حَكى القاضِي أبُو يَعْلى أنَّ أبا الحَسَنِ التَّمِيمِيَّ مِنَ الحَنابِلَةِ أيْضًا كانَ يَقُولُ: لَيْلَةُ القَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ لِما حَصَلَ فِيها مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ في غَيْرِها، فَأمّا أمْثالُها مِن لَيالِي القَدْرِ فَلَيْلَةُ الجُمْعَةِ أفْضَلُ مِنها، وقِيلَ: نَظِيرُهُ في لَيْلَةِ المِعْراجِ مَعَ لَيْلَةِ الجُمْعَةِ ونَحْوِها.

ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ كَلامِ بَعْضِ الحَنَفِيَّةِ كَصاحِبِ الجَوْهَرَةِ أنَّ لَيْلَةَ النَّحْرِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ وسائِرِ لَيالِي السَّنَةِ، ويَرِدُ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا، ولَعَلَّهُ يُجِيبُ بِنَحْوِ ما سَبَقَ آنِفًا.

ونَقَلَ الطَّحاوِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في حَواشِي المُخْتارِ عَنْ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ أفْضَلَ اللَّيالِي لَيْلَةُ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ لَيْلَةُ القَدْرِ ثُمَّ لَيْلَةُ الإسْراءِ والمِعْراجِ ثُمَّ لَيْلَةُ عَرَفَةَ ثُمَّ لَيْلَةُ الجُمْعَةِ ثُمَّ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ ثُمَّ لَيْلَةُ العِيدِ وأنا لا أرى أنَّ لَهُ ما يُعَوِّلُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِها مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ أكْثَرُ الأخْبارِ الوارِدَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وصَرَّحَ بِهِ الهَيْتَمِيُّ وغَيْرُهُ.

وقالَ القَسْطَلانِيُّ: إنَّهُ مُعْتَرَضٌ بِحَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عِنْدَ النَّسائِيِّ حَيْثُ قالَ فِيهِ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أتَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ فَإذا ماتُوا رُفِعَتْ؟

قالَ: «بَلْ هي باقِيَةٌ»».

ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ عُمْدَةَ القائِلِينَ بِذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ مِن رُؤْيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَقاصُرَ أعْمارِ أُمَّتِهِ عَنْ أعْمارِ الأُمَمِ وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: هَذا مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلا يَدْفَعُ الصَّرِيحَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ كَما قالَهُ الحافِظانِ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ وابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي انْتَهى.

والحَقُّ الأوَّلُ والصَّراحَةُ في حَيِّزِ المَنعِ.

وقَدْ أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى وهَبَ لِأُمَّتِي لَيْلَةَ القَدْرِ لَمْ يُعْطِها مَن كانَ قَبْلَهُمْ»».

فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بيان أولُ لشيءٍ من الإِبهام الذي في قوله: ﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ [القدر: 2] مثلُ البيان في قوله: ﴿ وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام ﴾ [البلد: 12، 14] الآية.

فلذلك فصلت الجملة لأنها استئناف بياني، أو لأنها كعطف البيان.

وتفضيلها بالخَيْر على ألف شهر.

إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها، لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حَر أو برد، أو مطر، ولا بطولها أو بقصرها، فإن تلك الأحوال غير معتدّ بها عند الله تعالى ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفراداً وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين.

وقد قال في فضل الناس: ﴿ إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم ﴾ [الحجرات: 13] فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس ففضلها بما أعدّه الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله: «واحد كألف» وعليه جاء قوله تعالى: ﴿ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ [البقرة: 96] وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء.

وفي «الموطإ»: «قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمارَ أمته أن لا يبلغُوا من العمَل مثلَ ما بلغ غيرهم في طول العُمر فأعطاه الله ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ اه.

وإظهار لفظ ﴿ لَيْلَةُ القدر ﴾ في مقام الإِضمار للاهتمام، وقد تكرر هذا اللفظ ثلاث مرات والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالباً كقوله تعالى: ﴿ وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ﴾ [آل عمران: 78].

وقول عديّ: لا أرى الموتَ يسبق الموتَ شيءٌ *** نَغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرا ومما ينبغي التنبه له ما وقع في «جامع الترمذي» بسنده إلى القاسم بن الفضل الحُدَّاني عن يوسف بن سَعد قال: «قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سَّوَدتَ وجوهَ المؤمنين، أوْ يا مُسوِّد وجوهِ المؤمنين فقال: لا تؤنبني رَحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ [الكوثر: 1] يا محمّد يعني نهراً في الجنة، ونزلت: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ [القدر: 1 3] يملكها بنو أمية يا محمدُ قال القاسم: فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يَزيدُ يومٌ ولا ينقص».

قال أبو عيسى الترمذي، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازِن نعرفه والقاسم بن الفضل ثقة ويُوسف بن سَعْد رجل مجهول اه.

قال ابن كثير في «تفسيره» ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل عن عيسى بن مازن كذا قال، وعيسى بن مازن غير معروف، وهذا يقتضي اضطراباً في هذا الحديث، أي لاضطرابهم في الذي يروي عنه القاسم بن الفضل، وعلى كل احتمال فهو مجهول.

وأقول: وأيضاً ليس في سنده ما يفيد أن يوسف بن سعد سمع ذلك من الحسن رضي الله عنه.

وفي «تفسير الطبري» عن عيسى بن مازن أنه قال: قلت للحسن: يا مسود وجوه المؤمنين إلى آخر الحديث.

وعيسى بن مازن غير معروف أصلاً فإذا فرضنا توثيق يوسف بن سعد فليس في روايته ما يقتضي أنه سمعه بل يجوز أن يكون أراد ذكر قصة تُروى عن الحسن.

واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه المزي، وأقول: هو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه وهو من وضع أهل النحَل المخالفةِ للجماعة فالاحتجاجُ به لا يليق أن يصدر مثله عن الحسن مع فرط علمه وفطنته، وأيَّة ملازمة بين ما زعموه من رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين دفع الحسن التأنيب عن نفسه، ولا شك أن هذا الخبر من وضع دُعاة العباسيين على أنه مخالف للواقع لأن المدة التي بين تسليم الحسن الخلافة إلى معاوية وبين بيعة السفاح وهو أول خلفاء العباسية ألف شهر واثنان وتسعون شهراً أو أكثر بشهر أو بشهرين فما نُسب إلى القاسم الحُدَّاني من قوله: فعددناها فوجدناها الخ كذب لا محالة.

والحاصل أن هذا الخبر الذي أخرجه الترمذي منكر كما قاله المِزِّي.

قال ابن عرفة وفي قوله: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ المحسن المسمّى تَشابه الأطراف وهو إعادة لفظ القافية في الجملة التي تليها كقوله تعالى: ﴿ كمشكاة فيها مصباح المصباحُ في زجاجة الزجاجةُ كأنها كوكب دري ﴾ [النور: 35] اه.

يريد بالقافية ما يشمل القرينة في الأسجاع والفواصلَ في الآي، ومثاله في الشعر قول ليلى الأخيلية: إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة *** تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها *** غلامٌ إذا هز القناة سقاها الخ <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله تعالى) (١) ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ .

قال مجاهد: قيامها والعمل فيها خير من صيام ألف شهر، وقيامه ليس فيه ليلة القدر (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال عطاء عن ابن عباس: ذكر لرسول الله -  - رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عَاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب لذلك رسول الله -  - عجبًا شديدًا، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارًا، وأقلها أعمالاً، فأعطاه الله ليلة القدر، فقال: ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ (شَهْرٍ) ﴾ (٩) (١٠) وقال مالك بن أنس: إن رسول الله -  - (أري [أعمار] (١١) (١٢) (١٣) وقال أهل المعَاني: إنما يفضل بعض الأوقات على بعض بما يكون فيه من الخير الجزيل، والنفع الكثير، فلما جعل الله تعالى الخير الكثير يقسم في ليلة القدر كانت خيرًا من ألف شهر (١٤) (١٥) ثم أخبر بما يكون في تلك الليلة فقال: (١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 386، و"جامع البيان" 30/ 259، و"النكت والعيون" 6/ 313، و"زاد المسير" 8/ 286، وعزاه إلى أكثر المفسرين كل من: "الكشف والبيان" 13/ 130 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 131، و"البحر المحيط" 8/ 496، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 567.

(٣) "تفسير مقاتل" 246 أ، و"الوسيط" 4/ 536.

(٤) هي رواية سفيان الثوري عن مجاهد: "جامع البيان" 30/ 259، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 567.

(٥) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 386، و"النكت والعيون" 6/ 313، و"زاد المسير" 8/ 286، و"ابن كثير" 4/ 567، قال: وهو اختيار ابن جرير، وهو الصواب لا ما عداه، و"الدر المنثور" 8/ 586 وعزاه إلى عبد بن حميد، محمد بن نصر، وابن المنذر.

(٦) "معاني القرآن" 3/ 280.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 347.

(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٩) ساقط من: (ع).

(١٠) وردت الرواية عن ابن عباس في "معالم التنزيل" 4/ 512، و"زاد المسير" 8/ 286، و"لباب التأويل" 4/ 397، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 132.

كما جاءت عن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في "تفسير مجاهد" 740، و"أسباب النزول" تح: أيمن صالح ص 397، و"لباب النقول" 233 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والواحدي، و"جامع البيان" 30/ 259 - 260، و"النكت والعيون" 6/ 313، و"التفسير الكبير" 32/ 30، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 567، و"السنن الكبرى" للبيهقي 4/ 505 عن أبي نجيح عن مجاهد مختصرًا، وقال: وهذا مرسل، وقال ابن حجر في "الكافي الشاف" ورواه ابن أبي حاتم وغيره عن طريق ابن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به مرسلاً 4/ 186، و"جامع النقول" لابن خليفة ص334.

كما ذكرت الرواية من غير بيان طريقها في "بحر العلوم" 3/ 496، و"البحر المحيط" 8/ 497.

(١١) ساقط من النسختين، وأثبت ما جاء في "الموطأ" 1/ 363.

(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٣) الحديث أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 263: ح: 5، كتاب الاعتكاف: باب 6، == والرواية عن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إن رسول الله -  - أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكانه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم من طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر.

وانظر أيضًا: "بحر العلوم" 3/ 296، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 132 - 133، و"الدر المنثور" 8/ 568، وعزاه إلى مالك في "الموطأ"، والبيهقي في "شعب الإيمان" 3/ 273، ح: 3667.

(١٤) في (أ)، و (ع): (شهراً).

(١٥) وتفضيلها بالخير على ألف شهر إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة، واستجابة الدعاء، ووفرة ثواب الصدقات، والبركة للأمة فيها.

قاله ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 3/ 459.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذه الليلة ليلة عظيمة الخير، فهي خير من ألف شهر لمن قامها إيمانًا واحتسابًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.okj0M"

مزيد من التفاسير لسورة القدر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله