الآية ٤ من سورة القدر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 97 القدر > الآية ٤ من سورة القدر

تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍۢ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة القدر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة القدر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) أي : يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها ، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة ، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر ، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له .

وأما الروح فقيل : المراد به هاهنا جبريل عليه السلام ، فيكون من باب عطف الخاص على العام .

وقيل : هم ضرب من الملائكة .

كما تقدم في سورة " النبأ " .

والله أعلم .

وقوله : ( من كل أمر ) قال مجاهد : سلام هي من كل أمر .

وقال سعيد بن منصور : حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا الأعمش عن مجاهد في قوله : ( سلام هي ) قال : هي سالمة ، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى .

وقال قتادة وغيره : تقضى فيها الأمور ، وتقدر الآجال والأرزاق ، كما قال تعالى : ( فيها يفرق كل أمر حكيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( تَنـزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنـزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح في ليلة القدر ( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.

فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.

وقال آخرون: ( تَنـزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلَّموا عليه.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثني أبو بكر بن عياش، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: " من كل امرئ سلام " وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى من كلّ امرئ: من كلّ ملَك؛ كان معناه عنده: تنـزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ ملك يسلم على المؤمنين والمؤمنات؛ ولا أرى القراءة بها جائزة، لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله " أمر " ياء، وإذا قُرِئت: ( مِنْ كُلّ امْرِئ ) لحقتها همزة، تصير في الخطّ ياء.

والصواب من القول في ذلك: القول الأوّل الذي ذكرناه قبل، على ما تأوّله قتادة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرقوله تعالى : تنزل الملائكة أي تهبط من كل سماء ، ومن سدرة المنتهى ; ومسكن جبريل على وسطها .

فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس ، إلى وقت طلوع الفجر ; فذلك قوله تعالى : تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهمأي جبريل - عليه السلام - .

وحكى القشيري : أن الروح صنف من الملائكة ، جعلوا حفظة على سائرهم ، وأن الملائكة لا يرونهم ، كما لا نرى نحن الملائكة .وقال مقاتل : هم أشرف الملائكة .

وأقربهم من الله تعالى .

وقيل : إنهم جند من جند الله - عز وجل - من غير الملائكة .

رواه مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ; ذكره الماوردي وحكى القشيري : قيل هم صنف من خلق الله يأكلون الطعام ، ولهم أيد وأرجل ; وليسوا ملائكة .

وقيل : الروح خلق عظيم يقوم صفا ، والملائكة كلهم صفا .

وقيل : الروح الرحمة ينزل بها جبريل - عليه السلام - مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها ; دليله : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ، أي بالرحمة .

فيها أي في ليلة القدر .

بإذن ربهم أي بأمره .من كل أمر أمر بكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل ; قاله ابن عباس ; كقوله تعالى : يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله .

وقراءة العامة تنزل بفتح التاء ; إلا أن البزي شدد التاء .

وقرأ طلحة بن مصرف وابن السميقع ، بضم التاء على الفعل المجهول .

وقرأ علي وابن عباس وعكرمة والكلبي ( من كل امرئ ) .وروي عن ابن عباس أن معناه : من كل ملك ; وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة ، فيسلمون على كل امرئ مسلم .

( فمن ) بمعنى على .

وعن أنس قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة ، يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } أي: يكثر نزولهم فيها { مِنْ كُلِّ أَمْر}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وله - عز وجل - : ( تنزل الملائكة والروح ) يعني جبريل - عليه السلام - معهم ، ( فيها ) أي في ليلة القدر ، ( بإذن ربهم من كل أمر ) أي بكل أمر من الخير والبركة ، كقوله : " يحفظونه من أمر الله " ( الرعد - 11 ) أي بأمر الله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تنزَّل الملائكة» بحذف إحدى التاءين من الأصل «والروح» أي جبريل «فيها» في الليلة «بإذن ربهم» بأمره «من كل أمر» قضاه الله فيها لتلك السنة إلى قابل ومن سببيه بمعنى الباء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يكثر نزول الملائكة وجبريل عليه السلام فيها، بإذن ربهم من كل أمر قضاه في تلك السنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك مزية أخرى لهذه الليلة المباركة فقال : ( تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) .أى : ومن مزايا وفضائل هذه الليلة أيضا ، أن الملائكة - وعلى رأسهم الروح الأمين جبريل - ينزلون فيها أفواجا إلى الأرض ، بأمره - تعالى - وإذنه ، وهم جميعا إنما ينزلونمن أجل أمر من الأمور التى يريد إبلاغها إلى عباده ، وأصل " تنزل " تتنزل ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا ، ونزول الملائكة إلى الأرض ، من أجل نشر البركات التى تحفهم ، فنزولهم فى تلك الليلة يدل على شرفها ، وعلى رحمة الله - تعالى - بعباده .والروح : هو جبريل ، وذكره بخصوصه بعد ذكر الملائكة ، من باب ذكر الخاص بعد العام ، لمزيد الفضل ، واختصاصه بأمور لا يشاركه فيها غيره .وقوله - سبحانه - ( بِإِذْنِ رَبِّهِم ) متعلق بقوله : ( تنزل ) ، والباء للسببية ، أى : يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم فى النزول .قال الجمل ما ملخصه .

وقوله : ( مِّن كُلِّ أَمْرٍ ) يجوز فى " من " وجهان : أحدهما أنها بمعنى اللام ، وتتعلق بتنزل ، تنزل من أجل كل أمر قضى إلى العام القابل .والثانى : أنها بمعنى الباء ، أى : تنزل بكل أمر قضاه الله - تعالى - فيها من موت وحياة ورزق .وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا فى تلك الليلة بل المراد إظهار تلك المقادير لملائكته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن نظر الملائكة على الأرواح، ونظر البشر على الأشباح، ثم إن الملائكة لما رأوا روحك محلاً للصفات الذميمة من الشهوة والغضب ما قبلوك.

فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويفسك الدماء، وأبواك لما رأوا قبح صورتك في أول الأمر حين كنت منياً وعلقة ما قبلوك أيضاً، بل أظهروا النفرة، واستقذروا ذلك المني والعلقة، وغسلوا ثيابهم عنه، ثم كم احتالوا للإسقاط والإبطال، ثم إنه تعالى لما أعطاك الصورة الحسنة فالأبوان لما رأوا تلك الصورة الحسنة قبلوك ومالوا إليك، فكذا الملائكة لما رأوا في روحك الصورة الحسنة وهي معرفة الله وطاعته أحبوك فنزلوا إليك معتذرين عما قالوه أولاً، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة ﴾ فإذا نزلوا إليك رأوا روحك في ظلمة ليل البدن، وظلمة القوى الجسمانية فحينئذ يعتذرون عما تقدم: ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ .

المسألة الثانية: أن قوله تعالى: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة ﴾ يقتضي ظاهره نزول كل الملائكة، ثم الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتمل كلهم الأرض، فلهذا السبب اختلفوا فقال بعضهم: إنها تنزل بأسرها إلى السماء الدنيا، فإن قيل الإشكال بعد باق لأن السماء مملوءة بحيث لا يوجد فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك، فكيف تسع الجميع سماء واحدة؟

قلنا: يقضي بعموم الكتاب على خبر الواحد، كيف والمروي إنهم ينزلون فوجاً فوجاً فمن نازل وصاعد كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل وخارج، ولهذا السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر فلذلك ذكر بلفظ: ﴿ تُنَزَّلَ ﴾ الذي يفيد المرة بعد المرة.

والقول الثاني: وهو اختيار الأكثرين أنهم ينزلون إلى الأرض وهو الأوجه، لأن الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة، ولأنه دلت الأحاديث على أن الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر والدين، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علو شأنها أولى، ولأن النزول المطلق لا يفيد إلا النزول من السماء إلى الأرض، ثم اختلف من قال: ينزلون إلى الأرض على وجوه: أحدها: قال بعضهم: ينزلون ليروا عبادة البشر وحدهم واجتهادهم في الطاعة.

وثانيها: أن الملائكة قالوا: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ  ﴾ فهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بذلك النزول فلا يدل على غاية المحبة.

وأما هذه الآية وهو قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ فإنها تدل على أنهم استأذنوا أولاً فأذنوا، وذلك يدل على غاية المحبة، لأنهم كانوا يرغبون إلينا ويتمنون لقاءنا.

لكن كانوا ينتظرون الإذن، فإن قيل قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون  ﴾ ينافي قوله: ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة ﴾ قلنا نصرف الحالتين إلى زمانين مختلفين.

وثالثها: أنه تعالى وعد في الآخرة أن الملائكة: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ فهاهنا في الدنيا إن اشتغلت بعبادتي نزلت الملائكة عليك حتى يدخلوا عليك للتسلم والزيارة، روى عن علي عليه السلام: أنهم ينزلون ليسلموا علينا وليشفعوا لنا فمن أصابته التسليمة غفر له ذنبه.

ورابعها: أن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاشتغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إلى الأرض لتصير طاعاتهم أكثر ثواباً، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعته هناك أكثر ثواباً، وكل ذلك ترغيب للإنسان في الطاعة.

وخامسها: أن الإنسان يأتي بالطاعات والخيرات عند حضور الأكابر من العلماء والزهاد أحسن مما يكون في الخلوة، فالله تعالى أنزل الملائكة المقربين حتى أن المكلف يعلم أنه إنما يأتي بالطاعات في حضور أولئك العلماء العباد الزهاد فيكون أتم وعن النقصان أبعد.

وسادسها: أن من الناس من خص لفظ الملائكة ببعض فرق الملائكة، عن كعب أن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، وساقها في الجنة وأغصانها تحت الكرسي فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله يعبدون الله ومقام جبريل في وسطها، ليس فيها ملك إلا وقد أعطى الرأفة والرحمة للمؤمنين ينزلون مع جبريل ليلة القدر، فلا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحداً من الناس إلا صافحهم، وعلامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل عليه السلام، من قال فيها ثلاث مرات: لا إله إلا الله غفر له بواحدة، ونجاه من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة، وأول من يصعد جبريل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من تلك الليلة ثم يدعو ملكاً ملكاً، فيصعد الكل ويجتمع نور الملائكة ونور جناح جبريل عليه السلام، فيقيم جبريل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ذلك مشغولين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين، ولمن صام رمضان احتساباً، فإذا أمسوا دخلوا سماء الدنيا فيجلسون حلقاً حلقاً فتجمع إليهم ملائكة السماء فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة، حتى يقولوا: ما فعل فلان وكيف وجدتموه؟

فيقولون: وجدناه عام أول متعبداً، وفي هذا العام مبتدعاً، وفلان كان عام أول مبتدعاً، وهذا العام متعبداً، فيكفون عن الدعاء للأول، ويشتغلون بالدعاء للثاني، ووجدنا فلاناً تالياً، وفلاناً راكعاً، وفلاناً ساجداً، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا السماء الثانية وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة.

فتقول لهم السدرة: يا سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقاً، وإني أحب من أحب الله، فذكر كعب أنهم يعدون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ثم يصل ذلك الخبر إلى الجنة، فتقول الجنة: اللهم عجلهم إلي، والملائكة، وأهل السدرة يقولون: آمين آمين، إذا عرفت هذا فنقول، كلما كان الجمع أعظم، كان نزول الرحمة هناك أكثر، ولذلك فإن أعظم الجموع في موثق الحج، لا جرم كان نزول الرحمة هناك أكثر، فكذا في ليلة القدر يحصل مجمع الملائكة المقربين، فلا جرم كان نزل الرحمة أكثر.

المسألة الثالثة: ذكروا في الروح أقوالاً أحدها: أنه ملك عظيم، لو التقم السموات والأرضين كان ذلك له لقمة واحدة.

وثانيها: طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد.

وثالثها: خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة، ولا من الإنس، ولعلهم خدم أهل الجنة.

ورابعها: يحتمل أنه عيسى عليه السلام لأنه اسمه، ثم إنه ينزل في مواقفة الملائك ليطلع على أمة محمد.

وخامسها: أنه القرآن: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ .

وسادسها: الرحمة قرئ: ﴿ لا تيأسوا من روح الله  ﴾ بالرفع كأنه تعالى، يقول: الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

وسابعها: الروح أشرف الملائكة.

وثامنها: عن أبي نجيح الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب، وصاحب الشمال يكتب تركه للقبيح، والأصح أن الروح هاهنا جبريل.

وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه كأنه تعالى يقول الملائكة في كفة والروح في كفة.

أما قوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا مشتاقين إلينا، فإن قيل: كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا؟

قلنا: إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روي أنهم يطالعون اللوح، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها، فحينئذ يقول: سبحان من أظهر الجميل، وستر على القبيح، ثم قد ذكرنا فوائد في نزولهم ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السموات أحدها: أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء يأكلون طعام الأغنياء ويعبدون الله، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد في السموات.

وثانيها: أنهم يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد في السموات.

وثالثها: أنه تعالى قال: لأنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين فقالوا: تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا، وكيف لا يكون أحب وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين، وأنين العصاة إظهار لغفارية رب الأرض والسموات (وهذه هي المسألة الأولى).

المسألة الثانية: هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول  ﴾ وفيها دقيقة وهي أنه تعالى لم يقل: مأذونين بل قال: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ وهو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفاً ما إلا بإذنه، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ رَّبُّهُمْ ﴾ يفيد تعظيماً للملائكة وتحقيراً للعصاة، كأنه تعالى قال: كانوا لي فكنت لهم، ونظيره في حقنا: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ وقال لمحمد عليه السلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ ﴾ ونظيره ما روي أن داود لما مرض مرض الموت قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فنزل الوحي وقال: قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي، وروي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياماً فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفاً فإذا بخيمة، فنادى أتريدون الضيف؟

فقيل: نعم، فقال للمضيف: أيوجد عندك إدام لبن أو عسل؟

فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل، فتعجب إبراهيم وقال: إلهي أنا خليلك ولم أجد مثل ذلك الإكرام، فماله؟

فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له.

أما قوله تعالى: ﴿ مّن كُلّ أَمْرٍ ﴾ فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر، والمعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر، ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود، وبعضهم بالدعاء، وكذا القول في التفكر والتعليم، وإبلاغ الوحي، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين.

وثانيها: وهو قول الأكثرين من أجل كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة، فكأنهم قالوا: ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين، وعم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا والآخرة بياناً منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه ودنياه كأن السائل يقول: من أين جئت؟

فيقول: مالك وهذا الفضول، ولكن قل: لأي أمر جئت لأنه حظك.

وثالثها: قرأ بعضهم: ﴿ مِن كُلّ امرئ ﴾ أي من أجل كل إنسان، وروي أنهم لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه، قيل: أليس أنه قد روي أنه تقسم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان، والآن تقولون: إن ذلك يكون ليلة القدر؟

قلنا: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يقدر المقادير في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها» وقيل: يقدر ليلة البراءة الآجال والأرزاق، وليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة، وقيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين، وما فيه النفع العظيم للمسلمين، وأما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عظم القرآن من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصاً به دون غيره؛ والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه؛ والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه.

روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.

وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً في ثلاث وعشرين سنة.

وعن الشعبي: المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر واختلفوا في وقتها فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها.

وأكثر القول أنها السابعة منها؛ ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة: طلباً لموافقتها، فتكثر عبادته ويتضاعف ثوابه، وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرَّطوا في غيرها.

ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، من قوله تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 4] وقيل: سميت بذلك لخطرها وشرفها على سائر الليالي ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر ﴾ يعني: ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علوّ قدرها، ثم بين ذلك بأنها خير من ألف شهر، وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها: من تنزل الملائكة والروح، وفصل كل أمر حكيم، وذكر في تخصيص هذه المدّة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة هي خير من مدّة ذلك الغازي.

وقيل: إنّ الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحقّ بأن يسموا عابدين من أولئك العباد ﴿ تَنَزَّلَ ﴾ إلى السماء الدنيا، وقيل: إلى الأرض ﴿ والروح ﴾ جبريل.

وقيل: خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلاّ تلك الليلة ﴿ مّن كُلّ أَمْرٍ ﴾ أي: تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل.

وقرئ: ﴿ من كل امرئ ﴾ أي: من أجل كل إنسان.

وقيل: لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلاّ سلموا عليه في تلك الليلة ﴿ سلام هِىَ ﴾ ما هي إلاّ سلامة، أي: لا يقدر الله فيها إلاّ السلامة والخير، ويقضي في غيرها بلاء وسلامة.

أو: ما هي ألاّ سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين.

وقرئ: ﴿ مطلع ﴾ بفتح اللام وكسرها.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ بَيانٌ لِما لَهُ فُضِّلَتْ عَلى ألْفِ شَهْرٍ وتَنَزُّلِهِمْ إلى الأرْضِ، أوْ إلى السَّماءِ الدُّنْيا أوْ تَقَرُّبِهِمْ إلى المُؤْمِنِينَ.

﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ قُدِّرَ في تِلْكَ السَّنَةِ، وقُرِئَ «مِن كُلِّ امْرِئٍ» أيْ مِن أجْلِ كُلِّ إنْسانٍ.

﴿ سَلامٌ هِيَ ﴾ ما هي إلّا سَلامَةٌ أيْ لا يُقَدِّرُ اللَّهُ فِيها إلّا السَّلامَةَ، ويَقْضِي في غَيْرِها السَّلامَةَ والبَلاءَ، أوْ ما هي إلّا سَلامٌ لِكَثْرَةِ ما يُسَلِّمُونَ فِيها عَلى المُؤْمِنِينَ.

﴿ حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ﴾ أيْ وقْتِ مَطْلَعِهِ أيْ طُلُوعِهِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ كالمَرْجِعِ أوِ اسْمِ زَمانٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كالمَشْرِقِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ القَدْرِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَن صامَ رَمَضانَ وأحْيا لَيْلَةَ القَدْرِ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{تَنَزَّلُ الملائكة} إلى السماء الدنيا أو إلى الأرض {والروح} جبريل أو خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة أو الرجمة {فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ} أي تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل وعليه وقف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ فَضْلِها عَلى تِلْكَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ، فَضَمِيرُ «فِيها» لِلَّيْلَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِألْفِ شَهْرٍ، والضَّمِيرَ لَها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْمَلائِكَةِ عَلى أنَّ «الرُّوحُ» مُبْتَدَأٌ لا مَعْطُوفٌ عَلى «المَلائِكَةُ، وفِيها» خَبَرُهُ لا مُتَعَلِّقٌ بِ «تَنَزَّلُ» والجُمْلَةُ حالٌ مِن «المَلائِكَةُ».

وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

والرُّوحُ عِنْدَ الجُمْهُورِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ شَرَفِهِ مَعَ أنَّهُ النّازِلُ بِالذِّكْرِ.

وقِيلَ: مَلَكٌ عَظِيمٌ لَوِ التَقَمَ السَّماواتِ والأرْضَ كانَ ذَلِكَ لَهُ لُقْمَةً واحِدَةً، وذُكِرَ في التَّيْسِيرِ مِن وصْفِهِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ.

وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ: الرُّوحُ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ إلّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ كالزُّهّادِ الَّذِينَ لا نَراهم إلّا يَوْمَ العِيدِ أوِ الجُمْعَةِ.

وقِيلَ: حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ كالمَلائِكَةِ الحَفَظَةِ عَلَيْنا.

وقِيلَ: خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى يَأْكُلُونَ ويَلْبَسُونَ لَيْسُوا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِنَ الإنْسِ، ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ، وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ، ولَعَلَّهم عَلى ما قِيلَ خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ.

وقِيلَ: هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ لِمُطالَعَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولِيَزُورَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِيلَ: أرْواحُ المُؤْمِنِينَ يَنْزِلُونَ لِزِيارَةِ أهْلِيهِمْ.

وقِيلَ: الرَّحْمَةُ كَما قُرِئَ: «لا تَيْأسُوا مِن رُوحِ اللَّهِ» بِالضَّمِّ وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ، والظّاهِرُ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الأخْبارُ أنَّ التَّنَزُّلَ إلى الأرْضِ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ، وقِيلَ: يَنْزِلُونَ إلَيْها لِلتَّسْلِيمِ عَلى المُؤْمِنِينَ.

وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ فَضِيلَةَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ في الِاشْتِغالِ بِطاعَتِهِ في الأرْضِ فَهم يَنْزِلُونَ إلَيْها لِتَصِيرَ طاعاتُهم أكْثَرَ ثَوابًا كَما أنَّ الرَّجُلَ مِنّا يَذْهَبُ إلى مَكَّةَ لِتَصِيرَ طاعَتُهُ كَذَلِكَ فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بِذَلِكَ تَرْغِيبَ الإنْسانِ في الطّاعَةِ.

وقالَ عِصامُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُهم لِإدْراكِها؛ إذْ لَيْسَ في السَّماءِ لَيْلٌ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَ لا مُبَيِّنَةٌ لِمَناطِ الفَضْلِ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى.

وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: المُرادُ تَنَزُّلُهم إلى السَّماءِ الدُّنْيا وهو خِلافُ المُتَبادِرِ، وأنْزَلُ مِنهُ بِكَثِيرٍ كَوْنُ المُرادِ بِتَنَزُّلِهِمْ تَنَزُّلَهم عَنْ مَراتِبِهِمُ العَلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِاللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ بِمُطالَعَةِ جَلالِهِ عَزَّ وجَلَّ لِيُسَلِّمُوا عَلى المُؤْمِنِينَ.

واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعُهُمْ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ لَهم كَثْرَةً عَظِيمَةً لا تَتَحَمَّلُها الأرْضُ وكَذا السَّماءُ الدُّنْيا؛ لِأنَّها قَبْلَ نُزُولِهِمْ مَمْلُوءَةٌ؛ ««أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ أوْ قائِمٌ»».

وأُجِيبَ بِأنَّهم يَنْزِلُونَ فَوْجًا فَوْجًا، فَمِن نازَلٍ وصاعِدٍ كالحُجّاجِ فَإنَّهم عَلى كَثْرَتِهِمْ يَدْخُلُونَ الكَعْبَةَ مَثَلًا بِأسْرِهِمْ لَكِنْ لا عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ بَلْ هم بَيْنَ داخِلٍ وخارِجٍ.

وفي التَّعْبِيرِ بِ «تَنَزَّلُ» المُفِيدِ لِلتَّدْرِيجِ دُونَ نَزَلَ رَمْزٌ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهم لِكَوْنِهِمْ أنْوارًا لا تَزاحُمَ بَيْنَهُمْ، فالنُّورُ إذا مَلَأ حُجْرَةً مَثَلًا لا يَمْنَعُ مِن إدْخالِ ألْفِ نُورٍ عَلَيْهِ، وهو كَما تَرى.

ومِنَ النّاسِ مَنَّ خَصَّ المَلائِكَةَ بِبَعْضِ فِرَقِهِمْ وهم سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى أوْ بَعْضٌ مِنهم.

وفِي الغُنْيَةِ لِلْقُطْبِ الرَّبّانِيِّ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إذا كانَ لَيْلَةَ القَدْرِ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْزِلَ إلى الأرْضِ ومَعَهُ سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ومَعَهم ألْوِيَةٌ مِن نُورٍ فَإذا هَبَطُوا إلى الأرْضِ رَكَزَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِواءَهُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْوِيَتَهم في أرْبَعَةِ مَواطِنَ عِنْدَ الكَعْبَةِ وقَبْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ ومَسْجِدِ طُورِ سَيْناءَ، ثُمَّ يَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَفَرَّقُوا؛ فَيَتَفَرَّقُونَ ولا يَبْقى دارٌ ولا حَجَرٌ ولا بَيْتٌ ولا سَفِينَةٌ فِيها مُؤْمِنٌ أوْ مُؤْمِنَةٌ إلّا دَخَلَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ أوْ خَمْرٌ أوْ جُنُبٌ مِن حَرامٍ أوْ صُورَةُ تَماثِيلَ، فَيُسَبِّحُونَ ويُقَدِّسُونَ ويُهَلِّلُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى إذا كانَ وقْتُ الفَجْرِ ثُمَّ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَقْبِلُهم سُكّانُ سَماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مِن أيْنَ أقْبَلْتُمْ؟

فَيَقُولُونَ: كُنّا في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ القَدْرِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَيَقُولُ سُكّانُ السَّماءِ الدُّنْيا: ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِحَوائِجِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟

فَيَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى غَفَرَ لِصالِحِهِمْ وشَفَّعَهم في طالِحِهِمْ.

فَتَرْفَعُ مَلائِكَةُ سَماءِ الدُّنْيا أصْواتَهم بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والثَّناءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ شُكْرًا لِما أعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرِّضْوانِ، ثُمَّ تُشَيِّعُهم مَلائِكَةُ السَّماءِ الدُّنْيا إلى الثّانِيَةِ كَذَلِكَ وهَكَذا إلى السّابِعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا سُكّانَ السَّماواتِ ارْجِعُوا.

فَيَرْجِعُ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ إلى مَواضِعِهِمْ، فَإذا وصَلُوا إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى يَقُولُ لَهم سُكّانُها: أيْنَ كُنْتُمْ؟

فَيُجِيبُونَهم مِثْلَ ما أجابُوا أهْلَ السَّماواتِ، فَيَرْفَعُ سُكّانُ سِدْرَةِ المُنْتَهى أصْواتَهم بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والثَّناءِ فَتَسْمَعُ جَنَّةُ المَأْوى ثُمَّ جَنَّةُ النَّعِيمِ وجَنَّةُ عَدْنٍ والفِرْدَوْسُ، ويَسْمَعُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَيَرْفَعُ العَرْشُ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والثَّناءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ شُكْرًا لِما أعْطى هَذِهِ الأُمَّةَ.

ويَقُولُ: إلَهِي بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ غَفَرْتَ البارِحَةَ لِصالِحِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَفَّعْتَ صالِحَها.

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: صَدَقْتَ يا عَرْشِي، ولِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدِي مِنَ الكَرامَةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

وفِي رِوايَةٍ عَنْ كَعْبٍ: نُزُولُ جَمِيعِ مَلائِكَةِ سِدْرَةِ المُنْتَهى مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَدَعُ أحَدًا مِنَ النّاسِ إلّا صافَحَهُ.

وفِي رِوايَةٍ: لا يَدَعُ مُؤْمِنًا ولا مُؤْمِنَةَ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ إلّا مُدْمِنَ الخَمْرِ وآكِلَ لَحْمِ الخِنْزِيرِ والمُتَضَمِّخَ بِالزَّعْفَرانِ، وإنَّ عَلامَةَ مُصافَحَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اقْشِعْرارُ الجِلْدِ ورِقَّةُ القَلْبِ ودَمْعُ العَيْنَيْنِ.

ورُوِيَ في نُزُولِهِ مَعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُرُوجِهِ مَعَهم غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضًا مِن ذَلِكَ الإمامُ وغَيْرُهُ.

ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى صِحَّةَ الأخْبارِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُقَسِّمُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ما يَنْزِلُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى يَسْتَغْرِقُ أحْياءَ المُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، بَقِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ كَثِيرٌ.

فَما أصْنَعُ بِهِ؟

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: قَسِّمْ عَلى أمْواتِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

فَيُقَسِّمُ حَتّى يَسْتَغْرِقَهم فَيَقُولُ: يا رَبِّ، بَقِيَ مِنَ الرَّحْمَةِ كَثِيرٌ.

فَما أصْنَعُ بِهِ؟

فَيَقُولُ سُبْحانَهُ وتَعالى: قَسِّمْهُ عَلى الكُفّارِ، فَيُقَسِّمُهُ عَلَيْهِمْ، فَمَن أصابَهُ مِنهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ ماتَ عَلى الإيمانِ.

﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ «تَنَزَّلُ» أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ أيْ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِتَعْظِيمِ أمْرِ تَنَزُّلِهِمْ.

وقِيلَ: الإشارَةُ إلى أنَّهم يَرْغَبُونَ في أهْلِ الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَشْتاقُونَ إلَيْهِمْ فَيَسْتَأْذِنُونَ فَيُؤْذَنُ لَهُمْ، وفِيهِ نَوْعُ تَرْغِيبٍ في الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ.

واسْتُشْكِلَ أمْرُ هَذِهِ الرَّغْبَةِ مَعَ كَثْرَةِ المَعاصِي، وأُجِيبَ بِأنَّهم غَيْرُ واقِفِينَ عَلى تَفاصِيلِها أوْ لَمْ يَعْتَبِرُوها مانِعَةً مِن ذَلِكَ لِأنَّهم يَرَوْنَ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ ما لا يَرَوْنَهُ في السَّماءِ، أوْ لِيَسْمَعُوا أنِينَ العُصاةِ التّائِبِينَ.

فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ»».

أوْ لِيَجْتَمِعُوا مَعَ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم مُناسَبَةٌ مِنَ الصَّدِّيقِينَ أداءً لِمَراسِمِ المَحَبَّةِ؛ فَإنَّ أرْواحَ الصَّدِّيقِينَ المُتَجَرِّدَةَ عَنْ جَلابِيبِ الأبْدانِ لَمْ تَزَلْ تَزُورُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مَواضِعِهِمْ بِعُرُوجِها إلَيْهِمْ، فَناسَبَ أنْ تَزُورَهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في زَواياهُمْ، وإنِ اقْتَضى ذَلِكَ الِاجْتِماعَ مَعَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسُوا كَذَلِكَ فَإنَّهُ أمْرٌ تَبَعِيٌّ.

ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ.

﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ أيْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ تَعَلَّقَ بِهِ التَّقْدِيرُ في تِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ، وأظْهَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم.

قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، فَمِن بِمَعْنى اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ «تَنَزَّلُ».

قالَ عِصامُ الدِّينَ: فَإنْ قُلْتَ: المُقَدَّراتُ لا تُفْعَلُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَلْ في تَمامِ السَّنَةِ فَلِماذا تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيها لِأجْلِ تِلْكَ الأُمُورِ؟

قُلْتُ: لَعَلَّ تَنَزُّلَهم لِتَعْيِينِ إنْفاذِ تِلْكَ الأُمُورِ لَهم وتَنَزُّلُهم لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ لَيْسَ عَلى مَعْنى تَنَزُّلِ كُلِّ واحِدٍ لِأجْلِ كُلِّ أمْرٍ، ولا تَنَزُّلِ كُلِّ واحِدٍ لِأمْرٍ بَلْ عَلى مَعْنى تَنَزُّلِ الجَمِيعِ لِأجْلِ جَمِيعِ الأُمُورِ حَتّى يَكُونَ في الكَلامِ تَقْسِيمُ العِلَلِ عَلى المَعْلُولاتِ، انْتَهى.

وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُهم لِإعْدادِ القَوابِلِ لِقَبُولِ ما أُمِرُوا بِهِ، وأشارَ بِما ذَكَرَهُ مِنَ التَّقْسِيمِ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ الواحِدِ مِنهم لِعِدَّةِ أُمُورٍ، وقَوْلُهُمْ: مِن أجْلِ كُلِّ أمْرٍ تَعَلُّقٌ إلَخْ.

قَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ مِنَ البَحْثِ فَتَذَكَّرْ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ: «مِن» بِمَعْنى الباءِ أيْ تَنَزَّلُ بِكُلِّ أمْرٍ، فَقِيلَ: أيْ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، وقِيلَ: مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

وجُعِلَتِ الباءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى نَحْوِ ما مَرَّ.

ومِنهم مَن جَعَلَها لِلْمُلابَسَةِ والمُرادُ بِمُلابَسَتِهِمْ لَهُ مُلابَسَتُهم لِلْأمْرِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وهم مَأْمُورُونَ بِكُلِّ أمْرٍ يَكُونُ في السَّنَةِ، وكَوْنُهم يَتَنَزَّلُونَ وهم كَذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي فِعْلَهم جَمِيعَ ما أُمِرُوا بِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، والظّاهِرُ عَلى ما قالُوا أنَّ المُرادَ بِالمَلائِكَةِ المُدَبِّراتُ؛ إذْ غَيْرُهم لا تَعَلُّقَ لَهُ في الأُمُورِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها التَّقْدِيرُ لِيَتَنَزَّلُوا لِأجْلِها عَلى المَعْنى السّابِقِ وهو خِلافُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ مِن عَدَمِ اخْتِصاصِهِمْ بِالمُدَبِّراتِ فَتَدَبَّرْ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قِيلَ إنَّ: ﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي خمس آيات مكيّة قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يعني: أنزلنا القرآن الكريم جملة واحدة إلى سماء الدنيا، من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، يعني: في ليلة القضاء، وإنما سميت ليلة القدر، لأن الله تعالى، يقدر في تلك الليلة ما يكون من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل، والرزق.

وغيره ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة إسرافيل وجبريل، وميكائيل وملك الموت عليهم السلام.

وفي آية أخرى فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وإنما سميت ليلة مباركة، يعني: ليلة القدر، لأنه ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة.

ثم قال عز وجل: وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ تعظيماً لها، فقال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني: العمل في ليلة القدر، خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، وذلك أن رسول الله  ، كان جالساً بين أصحابه، يحدث بأن رجلاً كان من بني إسرائيل، لبس السلاح ألف شهر، وصام ولم يضع السلاح، حتى مات.

فعظم ذلك على أصحابه فنزلت لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني: العمل فيها وثوابه، أفضل من لبس السلاح، وصيام ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

وروي في خبر آخر، أن النبيّ  قال: «أَرَى أَعْمَالُ النَّاسِ» ، فكأنه تقاصر أعمار أمته، أن لم يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى في الجنة ليلة القدر، خيراً من ألف شهر.

فقيل: يا رسول الله  ، أي ليلة هي؟

قال: «الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» .

ثم قال عز وجل: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها يعني: تتنزل الملائكة من كل سماء، ومن سدرة المنتهى، وهو مسكن جبريل على وسطها  ، فينزلون إلى الأرض، ويدعون الخلق، ويؤمنون بدعائهم، إلى وقت طلوع الفجر.

وذلك قوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها يعني: جبريل معهم وذكر في الخبر، أن جبريل  ، وقف على سطح الكعبة، ونشر جناحيه.

أحدهما يبلغ المشرق.

والآخر يبلغ المغرب.

وقال بعضهم: «الروح» خلق يشبه الملائكة، وجهه يشبه وجه بني آدم  .

وقال بعضهم: هو ما قال الله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85] وقال مجاهد ما نزل ملك إلا ومعه روح، ولهم أيد وأرجل، وهم موكلون على الملائكة، كما أن الملائكة موكلون على بني آدم.

ثم قال عز وجل: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يعني: ينزلون بأمر ربهم مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ يعني: تلك الليلة من كل أمر سلام، يعني: من كل آفة سلامة، يعني: في هذه الليلة لأمة محمد  ، ويقال سلام يعني: لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها شراً.

وقال القتبي: إن (مِنْ) توضع موضع (الباء) ، يعني: بكل أمر سلام أي: خير هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ وقال مجاهد: يعني: كل أمر سلام، وسلام من أن يحدث فيها آذًى، أو يستطيع الشيطان أن يعمل فيها.

ويقال: معناه تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ وقد تم الكلام.

يعني: ينزلون فيها من كل أمر من الرخصة، وكل أمر قدره الله تعالى، في تلك الليلة إلى قابل.

ثم استأنف فقال: سَلامٌ هِيَ يعني: سلام وبركة، وخير كلها حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.

وروي عن ابن عباس رضي الله، عنهما، أنه قرأ من كل أمر سلام، يعني: الملائكة يسلمون على كل امرئ.

وقرأ الكسائي حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ بكسر اللام، والباقون بنصب اللام.

فمن قرأ بالكسر، جعله اسماً لوقت الطلوع، ومن قرأ بالنصب جعله مصدراً.

يعني: يطلع طلوعاً، والله أعلم بالصواب.

سورة البيّنة مختلف فيها وهي ثمان آيات مدنية [

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «القدر»

قال ابن عبّاس: هي مدنيّة وقال قتادة: هي مكّيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)

قَوْلُه تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ الضميرُ في أَنْزَلْناهُ للقرآن قَال الشعبيُّ وغيرُه: المعْنَى:

إنا ابتدأْنا إنزالَ هذا القرآن إليكَ في ليلة القدر، وقد رُوِيَ: أن نزولَ المَلَكِ في حِراءٍ كَانَ في العشر الأواخِر من رمضان، فيستقيمُ هذا التأويل «١» وقالَ ابنُ عباسٍ وغيرُه: أَنزَلَه اللَّه تعالى ليلةَ القدرِ إلى سماءِ الدُّنْيَا جملة، ثم نجّمه على محمّد صلّى الله عليه وسلّم عِشْرِينَ سنةً، وليلةُ القدرِ خَصَّها اللَّهُ تعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وَجَعَلَها أفْضَل مِنْ ألْفِ شهرٍ لاَ لَيْلَةَ قَدْرٍ فِيها قاله مجاهدٌ وغيرُهُ «٢» ، وخُصَّتْ هذه الأُمَّةُ بهذه الفضيلةِ لَمَّا رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم أعمارَ أُمَّتِه وتَقَاصُرَهَا/ وَخُشِيَ أَلاَّ يَبْلُغُوا مِنَ الأَعْمَالِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ في طُولِ العُمُرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وقد روى مالكٌ هذَا الحديثَ في «المُوَطَّأ» «٣»

ثَبَتَ ذلكَ مِنْ روايةِ ابنِ القَاسمِ وغيره، انتهى، ثم فَخَّمَها سبحانَه بقوله: وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ قال ابن عيينة في «صحيح البخاري» : ما كانَ في القرآن:

وَما أَدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَه، وَمَا قالَ: وَمَا يُدْرِيكَ فإنَّه لَمْ يُعْلِمْهُ، وذكر ابن عبَّاس وغيره:

أنها سُمِّيَتْ ليلةَ القَدْرِ لأنّ اللَّهَ تعالى يُقَدِّرُ فيها الآجالَ والأرزاقَ وحوادثَ العام كلّها،

ويدفَعُ ذلك إلى الملائِكَة لتَمْتَثِلَه «١» ، قال ع «٢» : وليلةُ القَدْرِ مستديرةٌ في أوتارِ العَشْرِ الأَواخِرِ من رمضانَ هذا هو الصحيحُ المُعَوَّلُ عليه، وهي في الأوْتَارِ بحسْبِ الكَمال والنقصان في الشَّهْرِ، فينبغي لمرتَقِبها أن يَرْتَقِبَها مِنْ ليلةِ عشرينَ في كل ليلةٍ إلى آخر الشهر، وصحَّ عن [أُبيِّ بن] كعب وغيرِه: أَنها ليلةُ سَبْعٍ وعشرينَ «٣» ، ثم أخْبَر تعالى أن ليلةَ القَدْرِ خيرٌ مِن ألف شَهر وهي ثَمانُونَ سَنَةً وثَلاَثَةُ أَعْوَامٍ وثُلُثُ عامٍ، وفي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَاناً واحتسابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «٤» وَالرُّوحُ: هو جبريل ع وقيل هو صِنْفٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلاَئِكَةِ، قال الفخر «٥» : وذكروا في الرُّوح أقوالاً: أَحدُها: أنه ملَكٌ عظيم لو الْتَقَمَ السموات والأَرْضَ كانَ ذلكَ لَه لُقْمةً وَاحِدَةً، وقِيلَ: الرُّوحُ: طَائِفةٌ من الملائِكَةِ لاَ يَراهُمُ المَلاَئِكَةُ إلا ليلةَ القَدْرِ، كالزُّهَادِ الذين لا نَراهم إلا يَوْم العِيد، وقيل: خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يأكُلُون [وَيَشْرَبُونَ] وَيَلْبَسُون لَيْسُوا من الملائِكَةِ ولا من/ الإنْسِ ولعلهم خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وقيل: الروحُ أشْرَفُ الملائِكَةِ، وقال ابن أبي نجيح الروحُ همُ الحفَظَةُ الكرامُ الكاتِبُونَ والأصَح أنَّ الروحَ هاهنا هو جبريلُ، وتخصيصُه بالذكر لزِيَادَةِ شرفِه، انتهى.

وقوله تعالى: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ الثعلبيُّ: أي: بكل أمْرٍ قدَّرَه اللَّهُ وقضاه في تلكَ السنةِ إلى قَابِل قاله ابن عبّاس، ثم تبتدئ فتقولُ: سَلامٌ هِيَ ويحتملُ أن يريدَ مِنْ كل فِتْنَةٍ سَلاَمَةٌ، انتهى، قال ع: وعلى التأويلِ الأولِ، يَجِيءُ سَلامٌ خَبَرَ ابتداءٍ مستأنَفًا، أي: سلامٌ هي هذه الليلةُ إلى أول يومِها، ثم ذكرَ ما تقدَم، وقال الشعبيُّ ومنصور: سَلامٌ بمعنى: التَّحِيَّةِ أي: تُسَلّمُ الملائكةُ على المؤمنين «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القَدْرِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: والأوَّلُ قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: الثّانِي قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ، وهو بَيْتٌ في السَّماءِ الدُّنْيا.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الحَدِيثَ في أوَّلِ كِتابِنا.

والهاءُ في ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ جَرى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ  ﴾ .

فَأمّا ﴿ لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ فَفي تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ القَدْرَ: العَظَمَةُ، مِن قَوْلِكَ: لِفُلانٍ قَدْرٌ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ و [الزُّمَرِ: ٦٧] .

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الضِّيقِ، أيْ: هي لَيْلَةٌ تَضِيقُ فِيها الأرْضُ عَنِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّ القَدْرَ: الحُكْمُ كَأنَّ الأشْياءَ تُقَدَّرُ فِيها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرٌ صارَ بِمُراعاتِها ذا قَدْرٍ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

والخامِسُ: لِأنَّهُ نَزَلَ فِيها كِتابٌ ذُو قَدْرٍ، وتَنْزِلُ فِيها رَحْمَةٌ ذاتُ قَدْرٍ، ومَلائِكَةٌ ذَوُو قَدْرٍ، حَكاهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ لَيْلَةُ القَدْرِ باقِيَةٌ، أمْ كانَتْ في زَمَنِ النَّبِيِّ  خاصَّةً؟

والصَّحِيحُ بَقاؤُها.

وَهَلْ هي في جَمِيعِ السَّنَةِ، أمْ في رَمَضانَ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في رَمَضانَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: في جَمِيعِ السَّنَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأنَّها في شَهْرِ رَمَضانَ هَلْ تَخْتَصُّ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وأكْثَرُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَدُلُّ عَلَيْهِ.

وَقَدْ رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " «التَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، في تاسِعَةٍ تَبْقى، أوْ سابِعَةٍ تَبْقى، أوْ في خامِسَةٍ تَبْقى» " .

وفي حَدِيثِ أبِي بَكَرَةَ قالَ: «ما أنا بِمُلْتَمِسِها لِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ، إلّا في العَشْرِ الأواخِرِ، فَإنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " التَمِسُوها في تِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أوْ سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أوْ خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أوْ ثَلاثٍ يَبْقَيْنَ، أوْ آخِرِ لَيْلَةٍ» " .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها في جَمِيعِ رَمَضانَ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

واخْتَلَفُ القائِلُونَ بِأنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ هَلْ تَخْتَصُّ لَيالِي الوِتْرِ دُونَ الشَّفْعِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَخْتَصُّ الأفْرادَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والأحادِيثُ الصِّحاحُ كُلُّها تَدُلُّ عَلَيْهِ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «ابْتَغُوها في العَشْرِ الأواخِرِ في الوِتْرِ مِنها.» والثّانِي: أنَّها تَكُونُ في الشَّفْعِ كَما تَكُونُ في الوِتْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ قالا: هي لَيْلَةُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأنَّها في الأفْرادِ في أخَصِّ اللَّيالِي بِها عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الأخَصَّ بِها لَيْلَةُ إحْدى وعِشْرِينَ.

فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ  العَشْرَ الوُسُطَ، واعْتَكَفْنا مَعَهُ، فَلَمّا أصْبَحْنا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ رَجَعَ، ورَجَعْنا مَعَهُ، وأُرِيَ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيها، فَقالَ: " إنِّي رَأيْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُها وأُرانِي أسْجُدُ في ماءٍ وطِينٍ، فَمَنِ اعْتَكَفَ فَلْيَرْجِعْ إلى مُعْتَكَفِهِ، وهاجَتْ عَلَيْنا السَّماءُ آخِرَ تِلْكَ العَشِيَّةِ، وكانَ سَقْفُ المَسْجِدِ عَرِيشًا مِن جَرِيدٍ، فَوَكَفَ [المَسْجِدُ] فَوالَّذِي هو أكْرَمَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لَرَأيْتُهُ يُصَلِّي، بَدَأ المَغْرِبَ لَيْلَةَ إحْدى وعِشْرِينَ، وإنَّ جَبْهَتَهُ وأرْنَبَةَ أنْفِهِ لَفي الماءِ والطِّينِ،» وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: أنَّ الأخَصَّ بِها لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ: " اطْلُبُوها اللَّيْلَةَ» " .

وَرَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «مَن كانَ مِنكم يُرِيدُ أنْ يَقُومَ مِنَ الشَّهْرِ شَيْئًا فَلْيَقُمْ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ» " .

وَرَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُها، وأُرانِي صُبْحَها أسْجُدُ في ماءٍ وطِينٍ.

قالَ: فَمُطِرْنا لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، فَصَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ  فانْصَرَفَ وإنَّ أثَرَ الماءِ والطِّينِ عَلى جَبْهَتِهِ وأنْفِهِ.

قالَ: وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ.» والثّالِثُ: لَيْلَةُ خَمْسٍ وعِشْرِينَ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

والرّابِعُ: لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، رَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «مَن كانَ مُتَحَرِّيًا فَلْيَتَحَرَّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ،» يَعْنِي: لَيْلَةَ القَدْرِ، وهَذا مَذْهَبُ عَلِيٍّ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

وكانَ أُبَيٌّ يَحْلِفُ لا يَسْتَثْنِي أنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ.

وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، ومُعاوِيَةُ.

واخْتارَهُ أحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِشَيْئَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ عَلى سَبْعَةِ أصْنافٍ، يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ ﴾ \[المُؤْمِنِينَ: ١٢\] الآياتُ.

ثُمَّ جَعَلَ رِزْقَهُ في سَبْعَةِ أصْنافٍ يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا  ﴾ ثُمَّ تُصَلّى الجُمُعَةُ عَلى رَأْسِ سَبْعَةِ أيّامٍ، وجَعَلَ السَّمَواتِ سَبْعًا، والأرَضِينَ سَبْعًا، والمَثانِيَ سَبْعًا، فَلا أرى لَيْلَةَ القَدْرِ إلّا لَيْلَةَ السّابِعَةِ [وَعِشْرِينَ] .

والثّانِي: أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلامٌ ﴾ هي الكَلِمَةُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّها كَذَلِكَ.

واحْتَجَّ بَعْضُهم فَقالَ: لَيْلَةُ القَدْرِ كُرِّرَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهي تِسْعَةُ أحْرُفٍ، والتِّسْعَةُ إذا كُرِّرَتْ ثَلاثًا فَهي سَبْعٌ وعِشْرُونَ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى ذَلِكَ.

والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ الأوْلى طَلَبُها في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ.

وَرَوى أيُّوبُ عَنْ أبِي قُلابَةَ أنَّهُ قالَ: لَيْلَةُ القَدْرِ تَنْتَقِلُ في العَشْرِ الأواخِرِ.

فَأمّا الحِكْمَةُ في إخْفائِها فَلِيَتَحَقَّقَ اجْتِهادُ العِبادِ في لَيالِي رَمَضانَ طَمَعًا مِنهم في إدْراكِها، كَما أخْفى ساعَةَ الجُمُعَةِ، وساعَةَ اللَّيْلِ، واسْمَهُ الأعْظَمَ، والصَّلاةَ الوُسْطى، والوَلِيَّ في النّاسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ ﴾ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ والتَّشَوُّقِ إلى خَيْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: قِيامُها والعَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِن قِيامِ ألْفِ شَهْرٍ وصِيامِها لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةُ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

ورَوى عَطاءٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَمَلَ السِّلاحَ عَلى عاتِقِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ  لِذَلِكَ، وتَمَنّى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في أُمَّتِهِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَقالَ: هي خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ الَّتِي حَمَلَ فِيها الإسْرائِيلِيُّ السِّلاحَ في سَبِيلِ اللَّهِ.» وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ فِيما مَضى لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: عابِدٌ حَتّى يَعْبُدَ اللَّهَ ألْفَ شَهْرٍ كانُوا يَعْبُدُونَ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: المَلائِكَةُ لَيْلَةَ القَدْرِ في الأرْضِ أكْثَرُ مِن عَدَدِ الحَصى.

وَفِي " الرُّوحِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

وفي حَدِيثِ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «إذا كانَتْ لَيْلَةُ القَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ في كَبْكَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُصَلُّونَ ويُسَلِّمُونَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ قائِمٍ أوْ قاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.» والثّانِي: أنَّ الرُّوحَ: طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ إلّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَنْزِلُونَ مِن لَدُنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، قالَهُ كَعْبٌ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَفِي بِخَلْقٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الواقِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها ﴾ أيْ: في لَيْلَةِ القَدْرِ ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ: بِما أمَرَ بِهِ وقَضاهُ ﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَتَنَزَّلُونَ بِكُلِّ أمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ في تِلْكَ السَّنَةِ إلى قابِلٍ.

وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " مِن كُلِّ امْرِئٍ "، بِكَسْرِ الرّاءِ وبَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ.

وبِوَصْلِ اللّامِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: مِن كُلِّ مَلَكٍ سَلامٌ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ " مِن " بِمَعْنى " عَلى " تَقْدِيرُهُ: عَلى كُلِّ امْرِئٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سَلامٌ مِنَ المَلائِكَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا  ﴾ .

والقِراءَةُ المُوافِقَةُ لِخَطِّ المُصْحَفِ هي الصَّوابُ.

ويَكُونُ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ تَعالى: ﴿ سَلامٌ هِيَ ﴾ أيْ: لَيْلَةُ القَدْرِ سَلامٌ.

وفي مَعْنى السَّلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَحْدُثُ فِيها داءٌ ولا يُرْسَلُ فِيها شَيْطانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى السَّلامِ: الخَيْرُ والبَرَكَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وكانَ بَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: الوَقْفُ عَلى " سَلامٌ " عَلى مَعْنى تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: " مَطْلَعِ " بِفَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِها.

قالَ الفَرّاءُ: والفَتْحُ أقْوى في قِياسِ العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ المَطْلَعَ بِالفَتْحِ: الطُّلُوعُ، وبِالكَسْرِ: المَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَعُ مِنهُ، إلّا أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَطْلِعًا، بِالكَسْرِ، وهم يُرِيدُونَ المَصْدَرَ، كَما تَقُولُ: أكْرَمْتُكَ كَرامَةً، فَتَجْتَزِئُ بِالِاسْمِ عَنِ المَصْدَرِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في " الكَهْفِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَطْلِعَ الشَّمْسِ  ﴾ شَرْحًا كافِيًا، ولِلَّهِ الحَمْدُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القَدْر اخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هى مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ ﴾ ﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ ﴾ ﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ﴾ الضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً، ثُمَّ نَجَمَهُ عَلى مُحَمَّدٍ  في عِشْرِينَ سَنَةً، وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: إنّا ابْتَدَأْنا إنْزالَ هَذا القُرْآنِ إلَيْكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في حِراءٍ كانَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، فَيَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ نُزُولَ المَلَكِ في الرابِعَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا التَأْوِيلُ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَسْتَدِيرُ الشَهْرَ كُلَّهُ ولا تَخْتَصُّ بِالعَشْرِ الأواخِر مِن رَمَضانَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ : إنّا أنْزَلَنا هَذِهِ السُورَةَ في شَأْنِ لَيْلَةِ القَدْرِ وفي فَضْلِها، ولَمّا كانَتِ السُورَةُ مِنَ القُرْآنِ جاءَ الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ تَفْخِيمًا وتَحْسِينًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي لَيْلَةِ" هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ لَيْلَةَ نُزُولِ سُورَةِ الفَتْحِ، ونَحْوُ قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في حَدِيثِ الإفْكِ: لَأنا أحْقَرُ في نَفْسِي مِن أنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، ولَيْلَةُ القَدْرِ هي لَيْلَةُ خَصَّها اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ عَظِيمٍ، وجَعَلَها أفْضَلَ مِن ألْفِ شَهْرٍ لا لَيْلَةَ قَدَرٍ فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وَخُصَّتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ لَمّا رَأى مُحَمَّدٌ  أعْمارَ أُمَّتِهِ فَتَقاصَرَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ ﴾ عِبارَةُ تَفْخِيمٍ لَها، ثُمَّ أدارَهُ تَعالى بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: ما كانَ في القُرْآنِ وما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى، وما كانَ فِيهِ "وَما يُدْرِيكَ" فَإنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ.

وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما أنَّها سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّ اللهَ تَعالى يُقَدِّرُ فِيها الآجالَ والأرْزاقَ وحَوادِثَ العالَمِ كُلَّها ويَدْفَعُ ذَلِكَ إلى المَلائِكَةِ لِتَمْتَثِلَهُ، وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذا في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، ولِهَذا ظَواهِرُ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ  ﴾ ، وأمّا الصِحَّةُ المَقْطُوعُ بِها فَغَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وقالَ الزُهْرِيُّ مَعْناهُ: لَيْلَةُ القَدْرِ العَظِيمِ والشَرَفِ وعِظَمُ الشَأْنِ، مِن قَوْلِكَ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لِأنَّها تَكْسِبُ مَن أحْياها قَدْرًا عَظِيمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلُ، وتَرُدُّهُ عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ العَمَلِ فِيها لَهُ قَدْرٌ خَطِيرٌ.

ولَيْلَةُ القَدْرِ مُسْتَدِيرَةٌ في أوتارٍ، العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ، هَذا هو الصَحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وهي في الأوتارِ بِحَسِبِ الكَمالِ والنُقْصانِ في الشَهْرِ، فَيَنْبَغِي لِمُرْتَقِبِها أنْ يَرْتَقِبَها مِن لَيْلَةِ عِشْرِينَ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى آخِرِ الشَهْرِ؛ لِأنَّ الأوتارَ مَعَ كَمالِ الشَهْرِ لَيْسَتِ الأوتارُ مَعَ نُقْصانِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لِثالِثَةٍ تَبْقى، لِخامِسَةٍ تَبْقى، لِسابِعَةٍ تَبْقى"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "التَمِسُوها في الثالِثَةِ والخامِسَةِ والسابِعَةِ والتاسِعَةِ"،» وقالَ مالِكٌ: يُرِيدُ بِالتاسِعَةِ لَيْلَةَ إحْدى وعِشْرِينَ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ مالِكَ: إذا كانَ الشَهْرُ ناقِصًا، فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ احْتاطَ في كَمالِ شَهْرٍ ونُقْصانِهِ، وهَذا لا تَتَحَصَّلُ مَعَهُ اللَيْلَةُ إلّا بِعِمارَةِ العَشْرِ كُلِّهِ، ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ وقَوْمٍ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ رُفِعَتْ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وإنَّما رُفِعَ تَعْيِينُها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَن يُقِمِ السُنَّةَ كُلَّها يُصِبْها، وقالَ أبُو رَزِينٍ: هي أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وقالَ الحَسَنُ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وهي الَّتِي كانَتْ في صَبِيحَتِها وقْعَةُ بَدْرٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وهي لَيْلَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنِيسٍ الجُهَنِيِّ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا هو وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ: هي لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِن سَبْعٍ، وجُعِلَ رِزْقُهُ في سَبْعٍ، واسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، أجْمَعِينَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وبِلالٌ: هي لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أخْفاها اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ لِيَجِدُّوا في العَمَلِ ولا يَتَّكِلُوا عَلى فَضْلِها ويُقَصِّرُوا في غَيْرِها.

ثُمَّ عَظَّمَ اللهُ تَعالى أمْرَ لَيْلَةِ القَدْرِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ  ﴾ ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّها أفْضَلُ لِمَن عَمِلَ فِيها عَمَلًا مِن ألْفِ شَهْرٍ، وهي ثَمانُونَ سَنَةً وَثَلاثَةُ أعْوامٍ وثُلْثُ عامٍ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ حِينَ عُوتِبَ في تَسْلِيمِهِ الأمْرَ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ  في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْزُونَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ، فاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ، وهي خَيْرٌ مِن مُدَّةِ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يَمْلِكُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنْ كانَ مِن سُنَّةِ الجَماعَةِ إلى قَتْلِ مَرْوانَ الجَعْدِيِّ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَمانِ بِعَيْنِهِ، مَعَ أنَّ القَوْلَ يُعارِضُهُ أنَّهُ قَدْ مَلَكَ بَنُو أُمَيَّةَ في غَرْبِ الأرْضِ مُدَّةً غَيْرَ هَذِهِ، وفي الصَحِيحِ عَنِ النَبِيِّ  : « "مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".» و"الرُوحُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: هم صِنْفُ حَفَظَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في - فَمَن قالَ "إنَّ في هَذِهِ اللَيْلَةِ تُقَدَّرُ الأُمُورُ لِلْمَلائِكَةِ" قالَ: إنَّ هَذا التَنَزُّلَ لِذَلِكَ، و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: نُزُولُهم مِن أجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ المُقَدَّرَةِ وبِسَبَبِها، ويَجِيءُ "سَلْمٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُسْتَأْنَفًا، أيْ: سَلامٌ هَذِهِ اللَيْلَةَ إلى أوَّلِ يَوْمِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ المَقْبَرِيِّ والفَرّاءُ وأبِي العالِيَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: "مِن" بِمَعْنى "الباءِ"، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ، ومَن لَمْ يَقُلْ "تُقَدَّرُ الأُمُورُ في تِلْكَ اللَيْلَةِ" قالَ: مَعْنى الآيَةِ: تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِالرَحْمَةِ والغُفْرانِ والفَواضِلِ، ثُمَّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "مِن كُلِّ أمْرٍ" مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "سَلامٌ هِيَ"، أيْ مِن كُلِّ أمْرٍ مُخَوِّفٍ يَنْبَغِي أنْ يُسْلَمَ مِنهُ فَهي سَلامٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يُصِيبُ أحَدًا فِيها داءٌ، وقالَ الشَعْبِيُّ ومَنصُورٌ: "سَلامٌ" بِمَعْنى التَحِيَّةِ، أيْ تُسَلِّمُ المَلائِكَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: "مِن كُلِّ امْرِئٍ "، أيْ: يَسْلَمُ فِيها مِن كُلِّ امْرِئِ سَوْءٍ، فَهَذا عَلى أنَّ "سَلامٌ" بِمَعْنى "سَلامَةٌ"، ورُوِيَ عنهُ أنَّ "سَلامًا" بِمَعْنى "تَحِيَّةً"، "وَكُلُّ امْرِئٍ" يُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةَ، أيْ: مِن كُلِّ مَلَكٍ تَحِيَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، وهَذا لِلْعامِلِينَ بِالعِبادَةِ فِيها، وذَهَبَ مَن يَقُولُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَلامٌ" إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "هِيَ" إنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الشَهْرِ؛ إذْ هَذِهِ الكَلِمَةُ هي السابِعَةُ والعِشْرُونَ مِن كَلِماتِ السُورَةِ، وذَكَرَ هَذا الغَرَضَ ابْنُ بِكِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ، والنَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "حَتّى مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةُ: "حَتّى مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، فَقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ في لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ مَوْضِعُ الطُلُوعِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ أوجُهٌ عَلى هَذا القَوْلِ، والأُخْرى تَتَخَرَّجُ عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّ الوَقْتَ يَنْحَصِرُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ ويَتِمُّ فِيهِ، ويَتَّجِهُ الكَسْرُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ قَدْ شَذَّ مِن هَذِهِ المَصادِرِ ما كَسَرَ، كالمُعْجِزَةِ وقَوْلُهُمْ: عَلاهُ المُكَبِّرُ -بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الباءِ- ومِنهُ المَحِيضُ، فَيَجْرِي "المَطْلَعُ" مَصْدَرًا مَجْرى ما شَذَّ.

وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "سَلامٌ هي إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ".

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَدْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إذا ضُم هذا البيان الثاني لما في قوله: ﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ [القدر: 2] من الإِبهام التفخيمي حصل منهما ما يدل دلالةً بيّنة على أن الله جعل مثل هذه الفضيلة لكل ليلة من ليالي الأعوام تقع في مثل الليلة من شهر نزول القرآن كرامةً للقرآن، ولمن أنزل عليه، وللدِّين الذي نزل فيه، وللأمة التي تتبعه، ألا ترى أن معظم السورة كان لذكر فضائل ليلة القدر فما هو إلا للتحريض على تطلب العمل الصالح فيها، فإن كونها خيراً من ألف شهر أومأ إلى ذلك وبينته الأخبار الصحيحة.

والتعبير بالفعل المضارع في قوله: ﴿ تنزل الملائكة ﴾ مؤذن بأن هذا التنزل متكرر في المستقبل بعد نزول هذه السورة.

وذِكر نهايتها بطلوع الفجر لا أثرَ له في بيان فضلها فتعين أنه إدماج للتعريف بمنتهاهَا ليحرص الناسُ على كثرة العمل فيها قبل انتهائها.

لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدئ فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر بها أحد عدا محمد صلى الله عليه وسلم إذْ كان قد تحنث فيها، وأنزل عليه أول القرآن آخرها، وانقلب إلى أهله في صبيحتها، فلولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة لها في كل السنوات لاقتُصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى ولما كانت حاجة إلى تَنزّل الملائكة فيها، ولا إلى تعيين منتهاها.

وهذا تعليم للمسلمين أن يَعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نَعم الله عليهم، وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياماً حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى: ﴿ وذكرهم بأيام اللَّه ﴾ [إبراهيم: 5] فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن.

وحكمة إخفاء تعيينها إرادةُ أن يكرر المسلمون حسناتهم في ليال كثيرة توخياً لمصادفة ليلة القدر كما أخفيت ساعةُ الإِجابة يوم الجمعة.

هذا محصّل ما أفاده القرآن في فضل ليلة القدر من كل عام ولم يبين أنها أيَّةُ ليلة، ولا من أي شهر، وقد قال تعالى: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ [البقرة: 185] فتبين أن ليلة القدر الأولى هي من ليالي شهر رمضان لا محالة، فبنا أن نتطلب تعيين ليلة القدر الأولى التي ابتدِئ إنزال القرآن فيها لنطلب تعيين ما يماثلها من ليالي رمضان في جميع السّنين، وتعيين صفة المماثلة، والمماثلةُ تكون في صفات مختلفة فلا جائز أن تُماثلها في اسم يومها نحو الثلاثاء أو الأربعاء، ولا في الفصل من شتاءٍ أو صيف أو نحو ذلك مما ليس من الأحوال المعتبرة في الدين، فعلينا أن نتطلب جهة من جهات المماثلة لها في اعتبار الدين وما يرضي الله.

وقد اختُلف في تعيين المماثلة اختلافاً كثيراً وأصح ما يعتمد في ذلك: أنها من ليالي شهر رمضان من كل سنة وأنها من ليالي الوتر كما دل عليه الحديث الصحيح: «تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان».

والوتر: أفضل الأعداد عند الله كما دل عليه حديث: «إن الله وِتر يحب الوتر».

وأنّها ليست ليلة معينة مطّردة في كل السنين بل هي متنقلة في الأعوام، وأنها في رمضان وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم قال ابن رشيد: وهو أصح الأقاويل وأوْلاها بالصواب.

وعلَى أنها متنقلة في الأعوام فأكثر أهل العلم على أنها لا تخرج عن شهر رمضان.

والجمهور على أنها لا تخرج عن العشر الأواخر منه، وقال جماعة: لا تخرج عن العَشْر الأوَاسط، والعَشْر الأواخر.

وتأوّلوا ما ورد من الآثار ضبطها على إرادة الغالب أو إرادة عام بعينه.

ولم يرد في تعيينها شيء صريح يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ما ورد في ذلك من الأخبار محتمل لأن يكون أراد به تعيينها في خصوص السنة التي أخبر عنها وذلك مبسوط في كتب السنة فلا نطيل به، وقد أتى ابن كثير منه بكثير.

وحفظت عن الشيخ محي الدين بن العربي أنه ضبط تعيينها باختلاف السنين بأبيات ذكر في البيت الأخير منها قوله: وضابطها بالقول ليلة جمعةٍ *** توافيك بعد النصفْ في ليلة وتر حفظناها عن بعض مُعلمينا ولم أقف عليها.

وجربنا علامة ضوء الشمس في صبيحتها فلم تتخلف.

وأصل ﴿ تنزل ﴾ تتنزل فحذفت إحدى التاءَيْن اختصاراً.

وظاهر أن تنزل الملائكة إلى الأرض.

ونزول الملائكة إلى الأرض لأجل البركات التي تحفهم.

و ﴿ الروح ﴾ : هو جبريل، أي ينزل جبريل في الملائكة.

ومعنى ﴿ بإذن ربهم ﴾ أن هذا التنزل كرامة أكْرم الله بها المسلمين بأن أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته وفيهم أشرفهم وكان نزول جبريل في تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة نزوله بالوحي في غار حِراء.

وفي هذا أصل لإِقامة المواكب لإِحياء ذكرى أيام مجد الإِسلام وفضله وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها.

وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق ب ﴿ تنزل ﴾ إما بمعنى السببية، أي يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم في النزول فالإِذن بمعنى المصدر، وإما بمعنى المصاحبة، أي مصاحبين لما أذِن به ربهم، فالإِذن بمعنى المأذون به من إطلاق المصدر على المفعول نحو: ﴿ هذا خَلْق الله ﴾ [لقمان: 11].

و ﴿ مِن ﴾ في قوله ﴿ من كل أمر ﴾ يجوز أن تكون بيانية تبين الإِذن من قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ ، أي بإذن ربهم الذي هو في كل أمر.

ويجوز أن تكون بمعنى الباء، أي تتنزل بكل أمر مِثل ما في قوله تعالى: ﴿ يحفظونه من أمر اللَّه ﴾ [الرعد: 11] أي بأمر الله، وهذا إذا جعلت باء ﴿ بإذن ربهم ﴾ سببية، ويجوز أن تكون للتعليل، أي من أجل كل أمر أراد الله قضاءه بتسخيرهم.

و ﴿ كل ﴾ مستعملة في معنى الكثرة للأهمية، أي في أمور كثيرة عظيمة كقوله تعالى: ﴿ ولو جاءتهم كل آية ﴾ [يونس: 97] وقوله: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ [الحج: 27] وقوله: ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ [الأنفال: 12].

وقول النابغة: بها كلَّ ذيَّال وخنساءَ تَرْعوي *** إلى كل رَجَّاف من الرمل فارد وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ في سورة الحج (27).

وتنوين أمر } للتعظيم، أي بأنواع الثواب على الأعمال في تلك الليلة.

وهذا الأمر غير الأمر الذي في قوله تعالى: ﴿ فيها يفرق كل أمر حكيم ﴾ [الدخان: 4] مع أن ﴿ أمراً من عندنا ﴾ في سورة الدخان (5) متحدة مع اختلاف شؤونها، فإن لها شؤوناً عديدة.

ويجوز أن يكون هو الأمر المذكور هنا فيكون هنا مطلقاً وفي آية الدخان مقيداً.

واعلم أن موقع قوله: تنزل الملائكة والروح فيها } إلى قوله: ﴿ من كل أمر ﴾ ، من جملة: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ [القدر: 3] موقع الاستئناف البياني أو موقع بدل الاشتمال فلمراعاة هذا الموقع فصلت الجملة عن التي قبلها ولم تعطف عليها مع أنهما مشتركتان في كون كل واحدة منهما تفيد بياناً لجملة: ﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ [القدر: 2]، فأوثرت مراعاةُ موقعها الاستئنافي أو البدلي على مراعاة اشتراكهما في كونها بياناً لجملة: ﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ لأن هذا البيان لا يفوت السامع عند إيرادها في صورة البيان أو البدل بخلاف ما لو عطفت على التي قبلها بالواو لفوات الإِشارة إلى أن تنزل الملائكة فيها من أحوال خيريتها.

وجملة: ﴿ سلام هي حتى مطلع الفجر ﴾ بيان لمضمون ﴿ من كل أمر ﴾ وهو كالاحتراس لأنّ تنزّل الملائكة يكون للخير ويكون للشر لعقاب مكذبي الرسل قال تعالى: ﴿ ما تنزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين ﴾ [الحجر: 8] وقال: ﴿ يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ﴾ [الفرقان: 22].

وجُمع بين إنزالهم للخير والشر في قوله: ﴿ إذ يُوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق ﴾ [الأنفال: 12] الآية، فأخبر هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ليلة القدر، فهذه بشارة.

والسلام: مصدر أو اسم مصدر معناه السلامة قال تعالى: ﴿ قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [الأنبياء: 69].

ويطلق السلام على التحية والمِدحة، وفسر السلام بالخَيْر، والمعنيان حاصلان في هذه الآية، فالسلامة تشمل كل خير لأن الخيْر سلامة من الشر ومن الأذى، فيشمل السلامُ الغفرانَ وإجزال الثواب واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة.

والسلام بمعنى التحية والقول الحسن مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة فيما حكاه قوله تعالى: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ [الرعد: 23، 24].

وتنكير ﴿ سلام ﴾ للتعظيم.

وأخبر عن الليلة بأنها سلام للمبالغة لأنه إخبار بالمصدر.

وتقديم المسند وهو ﴿ سلام ﴾ على المسند إليه لإِفادة الاختصاص، أي ما هي إلا سلام.

والقصر ادعائي لعدم الاعتداد بما يحصل فيها لغير الصائمين القائمين، ثم يجوز أن يكون ﴿ سلام هي ﴾ مراداً به الإِخبار فقط، ويجوز أن يراد بالمصدر الأمرُ، والتقدير: سلِّمُوا سلاماً، فالمصدر بدل من الفعل وعدل عن نصبه إلى الرفع ليفيد التمكن مثل قوله تعالى: ﴿ قالوا سلاماً قال سلام ﴾ [الذاريات: 25].

والمعنى: اجعلوها سلاماً بينكم، أي لا نزاع ولا خصام.

ويشير إليه ما في الحديث الصحيح: «خرجتُ لأخْبِرَكم بليلة القدر فتلاحَى رجلان فرُفِعَتْ وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة».

و ﴿ حتى مطلع الفجر ﴾ غاية لما قبله من قوله: ﴿ تنزل الملائكة ﴾ إلى ﴿ سلام هي ﴾ .

والمقصود من الغاية إفادة أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول الملائكة والسلامة، فالغاية هنا مؤكدة لمدلول ﴿ ليلة ﴾ [القدر: 1] لأن الليلة قد تطلق على بعض أجزائها كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذَنْبه» أي من قام بعضها، فقد قال سعيد بن المسيب: من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحَظه منها.

يريد شهدها في جماعة كما يقتضيه فعل شهد، فإن شهود الجماعة من أفضل الأعمال الصالحة.

وجيء بحرف ﴿ حتى ﴾ لإِدخال الغاية لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع الفجر بحيث أن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة لئلا يتوهم أن نهايتها كنهاية الفِطر بآخر جزء من الليل، وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ما بعد طلوع الفجر.

ويستفاد من غاية تَنَزُّللِ الملائكة فيها، أن تلك غاية الليلة وغاية لما فيها من الأعمال الصالحة التابعة لكونها خيراً من ألف شهر، وغاية السلام فيها.

وقرأ الجمهور: ﴿ مطلع ﴾ بفتح اللام على أنه مصدر ميمي، أي طلوع الفجر، أي ظهوره.

وقرأه الكسائي وخَلف بكسر اللام على معنى زمان طلوع الفجر.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القَدْرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ، وذَكَرَ الواقِدِيُّ أنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي جِبْرِيلَ، أنْزَلَهُ اللَّهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ بِما نَزَلَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ.

الثّانِي: يَعْنِي القُرْآنَ; وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ في رَمَضانَ وفي لَيْلَةِ القَدْرِ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ جُمْلَةً واحِدَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى السَّفَرَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ في السَّماءِ الدُّنْيا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَةُ عَلى جِبْرِيلَ في عِشْرِينَ لَيْلَةً، ونَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ  في عِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ يَنْزِلُ عَلى مَواقِعِ النُّجُومِ أرْسالًا في الشُّهُورِ والأيّامِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ بِإنْزالِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

واخْتُلِفَ في لَيْلَة ِ القَدْرِ مَعَ اتِّفاقِهِمْ أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وأنَّها في وتْرِ العَشْرِ أوْجَدُ، إلّا ابْنَ عُمَرَ فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّها في الشَّهْرِ كُلِّهِ.

فَذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أنَّها في إحْدى وعِشْرِينَ أوْ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ لِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّها في لَيْلَةِ سَبْعٍ وعِشْرِينَ.

واخْتُلِفَ في الدَّلِيلِ، فاسْتَدَلَّ أُبَيٌّ بِأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (مِن عَلامَتِها أنْ تُصْبِحَ الشَّمْسُ لا شُعاعَ لَها)»، قالَ: وقَدْ رَأيْتُ ذَلِكَ في صَبِيحَةِ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «سُورَةُ القَدْرِ ثَلاثُونَ كَلِمَةً» فَهي في قَوْلِهِ (سَلامٌ) و(هِيَ) الكَلِمَةُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ، فَدَلَّ أنَّها فِيها.

وَقالَ آخَرُونَ: هي في لَيْلَةِ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ لِلْخَبَرِ المَرْوِيِّ في تَنْزِيلِ الصُّحُفِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْقُلُها في كُلِّ عامٍ مِن لَيْلَةٍ إلى أُخْرى لِيَكُونَ النّاسُ في جَمِيعِ العَشْرِ مُجْتَهِدِينَ، ولِرُؤْيَتِها مُتَوَقِّعِينَ.

وَفي تَسْمِيَتِها لَيْلَةَ القَدْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ فِيها إنْزالَ القُرْآنِ.

الثّانِي: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَدِّرُ فِيها أُمُورَ السَّنَةِ، أيْ يَقْضِيها، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّالِثُ: لِعِظَمِ قَدْرِها وجَلالَةِ خَطَرِها، مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: لِأنَّ لِلطّاعاتِ فِيها قَدْرًا عَظِيمًا وثَوابًا جَزِيلًا.

﴿ وَما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ ﴾ تَنْبِيهًا لِرَسُولِ اللَّهِ  عَلى فَضْلِها، وحَثًّا عَلى العَمَلِ فِيها، قالَ الشَّعْبِيُّ: ولَيْلَتُها كَيَوْمِها، ويَوْمُها كَلَيْلَتِها.

قالَ الفَرّاءُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (وَما أدْراكَ) فَقَدْ أدْراهُ، وما كانَ مِن قَوْلِهِ (وَما يُدْرِيكَ) فَلَمْ يُدْرِهِ.

قالَ الضَّحّاكُ: لا يَقْدُرُ اللَّهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلّا السَّعادَةَ والنِّعَمَ، ويَقْدُرُ في غَيْرِها البَلايا والنِّقَمَ، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُسَمِّي لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ التَّعْظِيمِ، ولَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ لَيْلَةَ البَراءَةِ، ولَيْلَتَيِ العِيدَيْنِ لَيْلَةَ الجائِزَةِ.

﴿ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن عُمُرِ ألْفِ شَهْرٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّانِي: أنَّ العَمَلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في غَيْرِها ألْفَ شَهْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةُ القَدْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ رَجُلٌ في بَنِي إسْرائِيلَ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتّى يُصْبِحَ ثُمَّ يُجاهِدُ العَدُوَّ حَتّى يُمْسِيَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ألْفَ شَهْرٍ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ قِيامَ لَيْلَةِ القَدْرِ خَيْرٌ مِن عَمَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ألْفَ شَهْرٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ ومُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ كانَ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ، ومُلْكَ ذِي القَرْنَيْنِ كانَ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ، فَصارَ مُلْكُهُما ألْفَ شَهْرٍ، فَجَعَلَ العَمَلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ خَيْرًا مِن زَمانِ مُلْكِهِما.

﴿ تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: المَلائِكَةُ في لَيْلَةِ القَدْرِ في الأرْضِ أكْثَرُ مِن عَدَدِ الحَصى.

وَفي (اَلرُّوحِ) ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: حَفَظَةُ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ أشْرَفُ المَلائِكَةِ وأقْرَبُهم مِنَ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرّابِعُ: أنَّهم جُنْدٌ مِنَ اللَّهِ مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.

وَيَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَصٌّ قَوْلًا خامِسًا: أنَّ الرُّوحَ والرَّحْمَةَ تَنْزِلُ بِها المَلائِكَةُ عَلى أهْلِها، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ أيْ بِالرَّحْمَةِ.

﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي بِأمْرِ رَبِّهِمْ.

﴿ مِن كُلِّ أمْرٍ ﴾ يَعْنِي يُقْضى في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِن رِزْقٍ وأجَلٍ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ القابِلِ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن كُلِّ امْرِئٍ، فَتَأوَّلَها الكَلْبِيُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ فِيها مَعَ المَلائِكَةِ فَيُسَلِّمُونَ عَلى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ.

﴿ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ هي لَيْلَةٌ سالِمَةٌ مِن كُلِّ شَرٍّ، لا يَحْدُثُ فِيها حَدَثٌ ولا يُرْسَلُ فِيها شَيْطانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ هي سَلامٌ وخَيْرٌ وبَرَكَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ المَلائِكَةَ تُسَلِّمُ عَلى المُؤْمِنِينَ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى مَطْلَعِ الفَجْرِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وعائشة مثله.

وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة من الذكر الذي عند رب العزة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ثم جعل جبريل ينزل على محمد بحراء بجواب كلام العباد وأعمالهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ قال: أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ يقول: خير من عمل ألف شهر.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ قال: ليلة الحكم.

وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال: العمل في ليلة القدر والصدقة والصلاة والزكاة أفضل من ألف شهر.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس الملائي في قوله: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ قال: عمل فيها خير من عمل في ألف شهر.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ قال: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وفي قوله: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ﴾ قال: يقضي فيها ما يكون في السنة إلى مثلها ﴿ سلام هي ﴾ قال: إنما هي بركة كلها وخير ﴿ حتى مطلع الفجر ﴾ يقول: إلى مطلع الفجر.

وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في شعب الإِيمان عنه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمال الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدوّ بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر فأنزل الله: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاماً لم يعصوه طرفه عين، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون، فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فأتاه جبريل، فقال: يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة، فقد أنزل الله خيراً من ذلك، فقرأ عليه ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على منبره، فساءه ذلك فأوحى الله إليه إنما هو ملك يصيبونه، ونزلت ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ .

وأخرج الخطيب عن ابن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيت بني أمية يصعدون منبري، فشق ذلك عليّ فأنزل الله: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ » .

وأخرج الترمذي وضعفه وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يوسف بن مازن الرؤاسي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره فساءه ذلك، فنزلت ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ [ الكوثر: 1] يا محمد يعني نهراً في الجنة ونزلت ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ يملكها بعدك بنو أمية، يا محمد: قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد في قوله: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ قال: ليلة الحكم ﴿ وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ قال: ليلة الحكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ قال: خير من ألف شهر عملها أو صيامها وقيامها وليس في تلك الشهور ليلة القدر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: ما أعلم ليوم فضلاً على يوم ولا ليلة إلا ليلة القدر فإنها خير من ألف شهر.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها ﴾ قال: الروح جبريل ﴿ من كل أمر سلام ﴾ قال: لا يحل لكوكب أن يرجم به فيها حتى يصبح.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ سلام هي ﴾ قال: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو يعمل فيها أذى.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ من كل أمر سلام ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن منصور بن زاذان قال: ﴿ تنزل الملائكة ﴾ من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن يقولون: السلام عليك يا مؤمن.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ سلام ﴾ قال: إذا كان ليلة القدر لم تزل الملائكة تخفق بأجنحتها بالسلام من الله والرحمة من لدن صلاة المغرب إلى طلوع الفجر.

وأخرج محمد بن نصر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ سلام ﴾ قال: تلك الليلة تصعد مردة الجن والشياطين وعفاريت الجن، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب، فلذا قال: ﴿ سلام هي حتى مطلع الفجر ﴾ قال: وذلك من غروب الشمس إلى أن يطلع الفجر.

وأخرج محمد بن نصر عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن ليلة القدر أهي شيء كان فذهب أم هي في كل عام؟

فقال: بل هي لأمة محمد ما بقي منهم اثنان.

وأخرج الديلمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وهب لأمتي ليلة القدر ولم يعطها من كان قبلهم» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن مكانس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر قد رفعت، قال: كذب من قال ذلك.

قلت: هي في كل رمضان أستقبله؟

قال: نعم.

قلت: زعموا أن الساعة التي في الجمعة لا يدعو فيها مسلم إلا استجيب له قد رفعت.

قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل جمعة استقبلها؟

قال: نعم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر أنه سئل عن ليلة القدر أفي كل رمضان؟

ولفظ ابن مردويه: أفي رمضان هي؟

قال: نعم، ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ وقوله: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ [ البقرة: 185] .

وأخرج أبو داود والطبراني عن ابن عمر قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: هي في كل رمضان» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه «اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الفلتان بن عاصم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت ليلة القدر ثم نسيتها، فاطلبوها في العشر الأواخر وتراً» .

وأخرج ابن جرير من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس أنهم كانوا قعوداً في المجلس حين أقبل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً حتى فزعنا لسرعته، فلما انتهى إلينا ثم سلم قال: «جئت إليكم مسرعاً لكيما أخبركم بليلة القدر فنسيتها فيما بيني وبينكم، ولكن التمسوها في العشر الأواخر» .

وأخرج أحمد وابن جرير ومحمد بن نصر والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: «في رمضان في العشر الأواخر فإنها في ليلة وتر في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو آخر ليلة من رمضان من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن أماراتها أنها ليلة بلجة صافية ساكنة ساجية لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ولا يحل لنجم أن يرمى به تلك الليلة حتى الصباح، ومن أماراتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها، مستوية، كأنها القمر ليلة البدر، وحرم الله على الشيطان أن يخرج معها يومئذ» .

وأخرج ابن جرير في تهذيبه وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إني كنت رأيت هذه الليلة وهي في العشر الأواخر في الوتر، وهي ليلة طلقة بلجة لا حارة ولا باردة، كان فيها قمراً لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر قال: قد كنت علمتها ثم اختلست مني، وإنها في رمضان، فاطلبوها في تسع يبقين أو سبع يبقين أو ثلاث يبقين، وآية ذلك أن الشمس تطلع ليس لها شعاع، ومن قام السنة سقط عليها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن زنجوية وابن نصر عن أبي عقرب الأسدي قال: أتينا ابن مسعود في داره فسمعناه يقول: صدق الله ورسوله، فسألته، فأخبرنا أن ليلة القدر في السبع من النصف الأخير، وذلك أن الشمس تطلع يومئذ بيضاء لا شعاع لها، فنظرت إلى السماء فإذا هي كما حدثت فكبرت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق الأسود عن عبدالله قال: تحروا ليلة القدر ليلة سبع تبقى تحروها لتسع تبقى تحروها لإِحدى عشرة تبقى صبيحة بدر فإن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر فإنها تطلع يومئذ بيضاء ليس لها شعاع.

وأخرج ابن زنجوية وابن مردويه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: «ذكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم بقي من الشهر؟

قلنا: مضت اثنتان وعشرون وبقي ثمان.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مضت اثنتان وعشرون وبقيت سبع التمسوها الليلة الشهر تسع وعشرون» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا ليلة القدر في أول ليلة من رمضان، وفي تسعة، وفي إحدى عشرة، وفي أحدى وعشرين، وفي آخر ليلة من رمضان» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر إنها آخر ليلة» .

وأخرج محمد بن نصر عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان» .

وأخرج محمد بن نصر عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله: أخبرني عن ليلة القدر أي شيء تكون في زمان الأنبياء ينزل عليهم فيها الوحي فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟

قال: بل هي إلى يوم القيامة.

قلت يا رسول الله: في أي رمضان هي؟

قال: التمسوها في العشر الأول وفي العشر الأواخر.

قال: ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث فاهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت عليك تخبرني أو لما أخبرتني في أي العشر هي فغضب عليّ غضباً ما غضب عليّ مثله لا قبله ولا بعده فقال: إن الله لو شاء لأطلعكم عليها التمسوها في السبع الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها» .

وأخرج البخاري وابن مردويه والبيهقي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والطيالسي وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه فقال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر.

قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد.

قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين» .

وأخرج مالك وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن زنجويه والطحاوي والبيهقي عن عبدالله بن أنيس أنه سئل عن ليلة القدر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التمسوها الليلة وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين» .

وأخرج مالك والبيهقي عن أبي النضر مولى عمر بن عبدالله بن أنيس الجهني قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني رجل شاسع الدار فمرني بليلة أنزلها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان» .

وأخرج البيهقي عن الزهري قال: قلت لضمرة بن عبد الله بن أنيس، ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيك ليلة القدر؟

قال: «كان أبي صاحب بادية، قال: فقلت يا رسول الله مرني بليلة أنزل فيها؟

قال: انزل ليلة ثلاث وعشرين» .

قال: فلما تولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها في العشر الأواخر» .

وأخرج مالك والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عمر أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأوا ليلة القدر في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين قال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» .

وأخرج الطيالسي والبيهقي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو يريد أن يخبر أصحابه بليلة القدر فتلاحى رجلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر فتلاحى رجالن فاختلجت مني فاطلبوها في العشر الأواخر في تاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو خامسة تبقى» .

وأخرج البخاري وأبو داود وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى وفي سابعة تبقى وفي خامسة تبقى» .

وأخرج أحمد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر في تاسعة وسابعة وخامسة» .

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الرحمن بن جوشن قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة فقال: أما أنا فلست بملتمسها إلا في العشر الأواخر بعد حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التمسوها في العشر الأواخر لتاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو ثالثة تبقى أو آخر ليلة» فكان أبو بكرة رضي الله عنه يصلي في عشرين من رمضان كما كان يصلي في سائر السنة فإذا دخل العشر اجتهد.

وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا.

قال: أجل، قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟

قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها التاسعة، وإذا مضى الثلاث والعشرون، فالتي تليها السابعة، وإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة.

وأخرج الطيالسي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة القدر أربع وعشرون» .

وأخرج أحمد والطحاوي ومحمد بن نصر وابن جرير والطبراني وأبو داود وابن مردويه عن بلال رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» .

وأخرج ابن سعد ومحمد بن نصر وابن جرير عن عبد الرحمن بن عسلة الصنابحي رضي الله عنه قال: ما فاتني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخمس ليال توفي وأنا بالجحفة، فقدمت على أصحابه متوافرين فسألت بلالاً رضي الله عنه عن ليلة القدر فقال: ليلة ثلاث وعشرين.

وأخرج محمد بن نصر عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوا ليلة القدر في أربع وعشرين» .

وأخرج الطيالسي وابن زنجويه وابن حبان والبيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى إذا كانت ليلة أربع وعشرين السابع مما يبقى صلى بنا حتى كاد أن يذهب ثلث الليل، فلما كانت ليلة خمس وعشرين لم يصل بنا، فلما كانت ليلة ست وعشرين السابع مما بقي صلى بنا حتى كاد أن يتأطر الليل، فقلت يا رسول الله: لو نفلتنا بقية ليلتنا فقال: لا، إن الرجل إذا صلى مع الإِمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة، فلما كانت ليلة سبع وعشرين لم يصل بنا، فلما كانت ليلة ثمان وعشرين جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع له الناس فصلى بنا حتى كاد أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يصل بنا شيئاً من الشهر» ، والفلاح السحور.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن زنجويه وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن زر بن حبيش قال: سألت أبيّ بن كعب عن ليلة القدر قلت: إن أخاك عبدالله بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين.

قلت: بم تقول ذلك أبا المنذر؟

قال: بالآية والعلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها تصبح من ذلك اليوم تطلع الشمس ليس لها شعاع» .

ولفظ ابن حبان: «بيضاء لا شعاع لها كأنها طست» .

وأخرج محمد بن نصر وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي من طريق عاصم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر رضي الله عنه يدعوني مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: لا تتكلم حتى يتكلموا، فدعاهم فسألهم فقال: أرأيتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر وتراً أي ليلة ترونها؟» فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ليلة ثلاث، وقال بعضهم: ليلة خمس، وقال بعضهم: ليلة سبع.

فقالوا: وأنا ساكت.

فقال: ما لك لا تتكلم؟

فقلت: إنك أمرتني أن لا أتكلم حتى يتكلموا.

فقال: ما أرسلت إليك إلا لتكلم فقال: إني سمعت الله يذكر السبع فذكر سبع سموات ومن الأرض مثلهن، وخلق الإِنسان من سبع، ونبت الأرض سبع.

فقال عمر رضي الله عنه: هذا أخبرتني بما أعلم أرأيت ما لا أعلم؟

فذلك نبت الأرض سبع.

قلت: قال الله عز وجل ﴿ شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً ﴾ [ عبس: 26] قال: فالحدائق غلباً الحيطان من النخل والشجر ﴿ وفاكهة وأبا ﴾ فالأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام ولا تأكله الناس.

فقال عمر رضي الله عنه لأصحابه: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه، والله إني لأرى القول كما قلت، وقد أمرتك أن لا تتكلم معهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه ومحمد بن نصر والطبراني والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا عمر رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ليلة القدر فاجتمعوا أنها في العشر الأواخر، فقلت لعمر: إني لأعلم وإني لأظن أي ليلة هي، قال: وأي ليلة هي؟

قال: سابعة تبقى من العشر الأواخر قال عمر رضي الله عنه: ومن أين علمت ذلك قلت: خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبع أيام وإن الدهر يدور في سبع وخلق الإِنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبعة أعضاء، والطواف بالبيت سبع، والجمار سبع لأشياء ذكرها.

فقال عمر رضي الله عنه، لقد فطنت لأمر ما فطنا له، وكان قتادة يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ويأكل من سبع.

قال: هو قول الله تعالى: ﴿ فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً ﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدني ابن عباس رضي الله عنهما، وكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهم وجدوا في أنفسهم فقال: لأريتكم اليوم منه شيئاً تعرفون فضله فسألهم عن هذه السورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ [ النصر: 1] فقالوا: أمر نبينا صلى الله عليه وسلم إذا رأى مسارعة الناس في الإِسلام ودخولهم فيه أن يحمد الله ويستغفره، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا ابن عباس ما لك لا تتكلم؟

فقال: أعلمه متى يموت.

قال: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ﴾ فهي آيتك من الموت فقال عمر رضي الله عنه: صدق والذي نفس عمر بيده ما أعلم منها إلا ما علمت.

قال: وسألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها فقالوا: كنا نرى أنها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر، فأكثروا فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: سبع وعشرين.

فقال له عمر رضي الله عنه ما لك يا ابن عباس لا تتكلم؟

قال: الله أعلم.

قال: قد نعلم أن الله أعلم، ولكني إنما أسألك عن علمك، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله وتر يحب الوتر خلق سبع سموات، وجعل عدد الأيام سبعاً، وجعل الطواف بالبيت سبعاً، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً، ورمي الجمار سبعاً، وخلق الإِنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع.

قال: كيف خلق الإِنسان من سبع وجعل رزقه من سبع فقد فهمت من هذا شيئاً لم أفهمه؟

قال: قول الله: ﴿ لقد خلقنا الإِنسان من سلالة من طين ﴾ [ المؤمنون: 12] إلى قوله: ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ [ المؤمنون: 14] ثم ذكر رزقه فقال: ﴿ إنا صببنا الماء صباً ﴾ [ عبس: 26] إلى قوله: ﴿ وفاكهة وأباً ﴾ [ عبس: 31] فالأبّ ما أنبتت الأرض للأنعام والسبعة رزق لبني آدم قال: لا أراها والله أعلم إلا لثلاث يمضين وسبع يبقين.

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلس في رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين فذكروا ليلة القدر، فتكلم منهم من سمع فيها بشيء مما سمع، فتراجع القوم فيها الكلام، فقال عمر رضي الله عنه، ما لك يا ابن عباس صامت لا تتكلم؟

تكلم ولا يمنعك الحداثة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقلت يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى وتر يحب الوتر فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق الإِنسان من سبع، وجعل فوقنا سموات سبعاً، وخلق تحتنا أرضين سبعاً، وأعطى من المثاني سبعاً، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعاً وبين الصفا والمروة سبعاً، ورمى الجمار سبع لإِقامة ذكر الله في كتابه فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان، والله أعلم، قال: فتعب عمر رضي الله عنه وقال: وما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم يسر شؤون رأسه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر» ثم قال: «يا هؤلاء من يؤدي في هذا كأداء ابن عباس» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن زر رضي الله عنه أنه سئل عن ليلة القدر فقال: كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين.

وأخرج ابن نصر وابن جرير في تهذيبه عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا ليلة القدر في آخر ليلة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتيت وأنا نائم في رمضان فقيل لي: إن الليلة ليلة القدر، فقمت وأنا ناعس، فتعلقت ببعض أطناب فسطاط رسول الله الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فنظرت في الليلة فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين قال: فقال ابن عباس: إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر، وذلك أنها تطلع يومئذ بيضاء لا شعاع لها.

وأخرج محمد بن نصر والحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننت أنا لا ندرك الفلاح، وأنتم تسمون السحور، وأنت تقولون ليلة سابعة ثلاث عشر، ونحن نقول ليلة سابعة سبع وعشرين أفنحن أصوب أم أنتم؟

وأخرج محمد بن نصر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوا ليلة القدر في العشر الباقيات من شهر رمضان في الخامسة والسابعة والتاسعة» .

وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عمر رضي الله عنه: سأل عمر رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن ربي يحب السبع ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني ﴾ [ الحجر: 87] قال البخاري في إسناده نظر.

وأخرج الطيالسي وأحمد وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: «إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة في تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى» .

وأخرج محمد بن نصر من طريق أبي ميمون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنها السابعة وتاسعة والملائكة معها أكثر من عدد نجوم السماء، وزعم أنها في قوله: أبي هريرة رضي الله عنه ليلة أربع وعشرين.

وأخرج محمد بن نصر وابن جرير والطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني شيخ كبير يشق عليّ القيام فمرني بليلة لعل الله أن يوفقني فيها لليلة القدر، قال: عليك بالسابعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والبخاري في تاريخه والطبراني وأبو الشيخ والبيهقي عن حوّة العبدي قال: سئل زيد بن أرقم رضي الله عنه عن ليلة القدر فقال: ليلة سبع عشرة ما تشك ولا تستثن، وقال: ليلة نزل القرآن ويوم الفرقان يوم التقى الجمعان.

وأخرج الحرث بن أبي أسامة عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: هي الليلة التي لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومها أهل بدر، يقول الله: ﴿ وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ﴾ [ الأنفال: 41] قال جعفر رضي الله عنه: بلغني أنها ليلة ست عشرة أو سبع عشرة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: التمسوا ليلة القدر لسبع عشرة خلت من رمضان، فإنها صبيحة يوم بدر التي قال الله: ﴿ وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ﴾ وفي إحدى وعشرين وفي ثلاث وعشرين فإنها لا تكون إلا في وتر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين» ثم سكت.

وأخرج الطحاوي عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أنه «سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: تحروها في النصف الأخيرثم عاد فسأله فقال: إلى ثلاث وعشرين» .

وأخرج أحمد ومحمد بن نصر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ليلة القدر فقال: «هي في العشر الأواخر أو في الثالثة أو في الخامسة» .

وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبو ليلة القدر في العشر الأواخر في تسع يبقين وسبع يبقين وخمس يبقين وثلاث يبقين» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام قال: ليلة القدر ليلة سبع عشرة ليلة جمعة.

وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن حويرث قال: إنما أرى أن ليلة القدر لسبع عشرة، ليلة الفرقان.

وأخرج محمد بن نصر والطبراني عن خارجة بن زيد رضي الله عنه بن ثابت عن أبيه أنه كان يحيي ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان وليلة سبع وعشرين ولا كإحياء ليلة سبع عشرة، فقيل له: كيف تحيي ليلة سبع عشرة؟

قال: إن فيها نزل القرآن وفي صبيحتها فرق بين الحق والباطل.

وأخرج محمد بن نصر عن ابن مسعود رضي الله عنه في ليلة القدر: تحروها لاحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر لتسع يبقين ولسبع يبقين فإن الشمس تطلع كل يوم بين قرني الشيطان إلا صبيحة ليلة القدر فإنها تطلع ليس لها شعاع.

وأخرج الطيالسي ومحمد بن نصر والبيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: «ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة بلجة سمحة تطلع شمسها ليس لها شعاع» .

وأخرج ابن جرير في تهذيبه عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: ليلة القدر تجول في ليالي العشر كلها.

وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيماناً غفر له ما تقدم من ذنبه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الشهر أيقظ أهله ورفع مئزره.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يجتهد في العشر اجتهاداً لا يجتهد في غيره.

وأخرج البيهقي عن عليّ بن أبي طالب قال: أنا والله حرضت عمر على القيام في شهر رمضان قيل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال: أخبرته أن في السماء السابعة حظيرة يقال لها حظيرة القدس فيها ملائكة يقال لهم الروح، وفي لفظ الروحانيون، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربهم في النزول إلى الدنيا فيأذن لهم فلا يمرون على مسجد يصلى فيه ولا يستقبلون أحداً في طريق إلا دعوا له فأصابه منهم بركة.

فقال له عمر: يا أبا الحسن فنحرض الناس على الصلاة حتى تصيبهم البركة، فأمر الناس بالقيام.

وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر بحظ والفر» .

وأخرج ابن خزيمة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى العشاء الأخيرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر» .

وأخرج ابن زنجويه عن ابن عمرو قال: من صلى العشاء الأخيرة في جماعة في رمضان أصاب ليلة القدر.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن زنجويه والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: من شهد العشاء ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه منها.

وأخرج البيهقي عن عليّ قال: من صلى العشاء كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ فقد قامه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر قال: يومها كليلتها وليلتها كيومها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن بن الحر قال: بلغني أن العمل في يوم القدر كالعمل في ليلتها.

وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة ومحمد بن نصر والبيهقي عن عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: إن وافقت ليلة القدر فما أقول؟

قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر والبيهقي عن عائشة قالت: لو عرفت أي ليلة القدر ما سألت الله فيها إلا العافية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: لو علمت أي ليلة القدر كان أكثر دعائي فيها أسأل الله العفو والعافية.

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي يحيى بن أبي مرة قال: طفت ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان فرأيت الملائكة تطوف في الهواجر إلى البيت.

وأخرج البيهقي من طريق الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة قال: ذقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان فإذا هو عذب.

وأخرج البيهقي عن أيوب بن خالد قال: كنت في البحر فأجنبت ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان فاغتسلت من ماء البحر فوجدته عذباً فراتاً.

وأخرج ابن زنجويه ومحمد بن نصر عن كعب الأحبار قال: نجد هذه الليلة في الكتب حطوطاً تحط الذنوب يريد ليلة القدر.

وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى، فإذا كان يوم عيدهم باهى بهم الملائكة فقال: يا ملائكتي ما جزاء أجير وفى عمله؟

قالوا: ربنا جزاؤه أن يؤتى أجره.

قال: يا ملائكتي عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم ثم خرجوا يعجون إليّ بالدعاء وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم، فيقول: ارجعوا فقد غفرت لكم وبدلت سيئاتكم حسنات فيرجعون مغفوراً لهم» .

وأخرج الزجاجي في أماليه عن علي بن أبي طالب قال: إذا أتى أحدكم الحاجة فليبكر في طلبها يوم الخميس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم الخميس» وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، و ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ وأم الكتاب، فإن فيهن قضاء حوائج الدنيا والآخرة.

وأخرج أحمد والترمذي ومحمد بن نصر والطبراني عن عليّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع سور في ثلاث ركعات ﴿ ألهاكم التكاثر ﴾ و ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ و ﴿ إذا زلزلت الأرض ﴾ في ركعة وفي الثانية ﴿ والعصر ﴾ و ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ و ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ وفي الثالثة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج محمد بن نصر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ عدلت بربع القرآن ومن قرأ ﴿ إذا زلزلت ﴾ عدلت بنصف القرآن و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ تعدل ربع القرآن و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله) (١) ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ .

يعني جبريل في قول ابن عباس (٢) (٣) (٤) (٥) وذكرنا ما قيل في تفسير الروح عند قوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ (٦) وقوله: ﴿ فِيهَا ﴾ .

أي في ليلة القدر.

قال المفسرون (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) ﴿ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ قال مقاتل: يعني بكل أمر قدره الله وقضاه فيما يكون في تلك السنة (١٢) وهذا كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ (مِنْ أَمْرِ) (١٣) (١٤) وهذا القول اختيار الزجاج (١٥) يدل على ذلك قوله (تعالى) (١٦) (١٧) قال ابن عباس (في رواية عطاء: سلام) (١٨) (١٩) وقال (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) ساقط من (ع).

(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٥) حكاه عن أكثر المفسرين الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 130 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 287، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 397، والشوكاني == في "فتح القدير" 5/ 472، وقال به أيضًا سعيد بن جبير في "النكت والعيون" 6/ 313.

وإليه ذهب الطبري: "جامع البيان" 30/ 260، السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 496، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 512، و"المحرر الوجيز" 5/ 505، و"الكشاف" 5/ 225.

(٦) سورة النبأ: 38.

(٧) ممن قال بمعنى ذلك: ابن عباس، وعلي، وعكرمة.

"جامع البيان" 30/ 260، و"الكشف والبيان" 13/ 130 ب، حمل هذا المعنى القراءة عنهم: (من كل امرئ) فتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كل امرئ مسلم.

"النكت والعيون" 6/ 314، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 134، و"مجاز القرآن" 2/ 305.

(٨) ساقط من (أ).

(٩) وهذا مروي عن انس قال: قال النبي -  -: (إذا كان ليلة القدر، نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى).

ذكر ذلك الثعلبي عن أنس في "الكشف والبيان" 13/ 130 أ - ب، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 134، وانظر أيضًا: "زاد المسير" 8/ 187 عن أنس، و"الدر المنثور" 8/ 583 مفصلاً، وعزا تخريجه إلى البيهقي عن أنس.

وقال ابن كثير: وروى البيهقي في كتاب: فضائل الأوقات عن علي أثراً غريباً في نزول الملائكة ومرورهم على المصلين ليلة القدر، وحصول البركة للمصلين.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 568.

(١٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١١) قال بنحو ذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 130 ب.

(١٢) راجع حاشية: 9 من ص 894، وهذا القول قد حكاه عن أكثر المفسرين كل من: الطبري؛ "جامع البيان" 30/ 260، ابن الجوزي؛ "زاد المسير" 8/ 287، الفخر؛ "التفسير الكبير" 32/ 36، القرطبي إلى ابن عباس في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 133، و"لباب التأويل" 4/ 398 من غير عزو.

(١٣) (مر): بياض في (أ).

(١٤) ومما جاء في تفسير آية الرعد: (..

لها قولان: أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه، وهو معنى ابن عباس قال: هم الملائكة، وهم من أمر الله.

والثاني: أن هذا على إضمار، أي ذلك الحفظ من أمر الله؛ أي مما أمر الله به.

وهناك قول ثالث: وهو أن معنى الآية يحفظون بأمر الله).

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 347.

(١٦) ساقط من (أ).

(١٧) ﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ .

(١٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٩) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد وردت رواية عن عطاء بمثله في "معالم التنزيل" 4/ 512، و"فتح القدير" 5/ 472.

(٢٠) في (أ): (قال).

(٢١) ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 260، و"النكت والعيون" 6/ 314، و"معالم التنزيل" 4/ 512، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 134، و"فتح القدير" 5/ 472.

(٢٢) في (أ): (زيادان).

(٢٣) ورد قوله في "الكشف والبيان" 13/ 131 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 506، و"البحر المحيط" 8/ 497.

(٢٤) "معاني القرآن" 3/ 280.

(٢٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٦) في (أ): (آت).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ الضمير في أنزلناه للقرآن، دل على ذلك سياق الكلام، وفي ذلك تعظيم للقرآن من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ذكر ضميره دون اسمه الظاهر دلالة على شهرته والاستغناء عن تسميته، الثاني أنه اختار لإنزاله أفضل الأوقات، والثالث أن الله أسند إنزاله إلى نفسه وفي كيفية إنزاله في ليلة القدر قولان: أحدهما أنه ابتدأ إنزاله فيها، والآخر: أنه أنزل القرآن فيها جملة واحدة إلى السماء ثم نزل به جبريل إلى الأرض بطول عشرين سنة وقيل: المعنى أنزلناه في شأن ليلة القدرة وذكرها، وهذا ضعيف.

وسميت ليلة القدر من تقدير الأمور فيها أو من القدْر بمعنى الشرف، ويترجح الأول بقوله: فيها يفرق كل أمر حكيم ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر ﴾ هذا تعظيم لها، قال بعضهم: كل ما قال فيه ما أدراك فقد علمه النبي صلى الله عليه وسلم وما قال فيه ما يدريك فإنه لا يعلمه ﴿ لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ معناه أن من قامها كتب الله له أجر العبادة في ألف شهر، قال بعضهم: يعني في ألف شهرة ليس فيها ليلة القدر، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً ممن تقدم عبد الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ورأوا أن أعمارهم تنقص عن ذلك، فأعطاهم الله ليلة القدر وجعلها خيراً من العبادة في تلك المدة الطويلة.

وروي أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عوتب حتى بايع معاوية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس ألف شهر، فاهتم لذلك، فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ملك بني إمية ألف شهر، ثم كشف الغيب أنه كان من بيعة الحسن لمعاوية إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوك بني أمية بالمشرق ألف شهر ﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم ﴾ الروح هنا جبريل عليه السلام، وقيل: صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة وتنزّلهم هو إلى الأرض، وقيل: إلى السماء الدنيا وهو تعظيم لليلة القدر ورحمة للمؤمنين القائمين فيها ﴿ مِّن كُلِّ أَمْرٍ ﴾ هذا متعلق بما قبله، والمعنى أن الملائكة ينزلون ليلة القدر من أجل كل أمر، يقضي الله في ذلك العام.

فإنه روي أن الله يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام من الآجال والأرزاق وغير ذلك، ليمتثلوا ذلك في العام كله، وقيل: على هذا المعنى أن من بمعنى الباء أي ينزلون بكل أمر، وهذا ضعيف وقيل: إن المجرور يتعلق بعده والمعنى أنها سلام من كل أمر أي سلامة من الآفات، قال مجاهد: لا يصيب أحد فيها داء.

والأظهر أن الكلام تمّ عند قوله: من كل أمر.

ثم ابتدأ قوله: سلام هي، واختلف في معنى سلام؟

فقيل؛ إنه من السلام، وقيل: إنه من التحية، لأن الملائكة يسلمون على المؤمنين القائمين فيها، وكذلك اختلف في إعرابه؛ فقيل: سلام هي مبتدأ وخبر وهذا يصح سواء جعلناه متصلاً مع ما قبله أو منقطعاً عنه، وقيل: سلام خبر مبتدأ مضمر تقديره: أمرها سلام أو: القول فيها سلام.

وهي مبتدأ خبره حتى مطلع الفجر أي هي دائمة إلى طلوع الفجر، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب، وقال ابن عباس: إن قوله هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين، لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرين من كلمات السورة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ شهر تنزل ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ مطلع ﴾ بكسر اللام: علي وخلف.

الوقوف ﴿ في ليلة القدر ﴾ ه ج للنفي والاستفهام والوصل أولى لاتصال المبالغة في التعظيم به ﴿ ما ليلة القدر ﴾ ه ط لأن ما بعدها مبتدأ ﴿ شهر ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ ربهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ من كل ﴾ بقوله ﴿ تنزل ﴾ ولاحتمال تعلقه بقوله ﴿ سلام ﴾ أي هي من كل عقوبة سلام أو من كل واحد من الملائكة سلام من المؤمنين قاله ابن عباس: وعلى هذا يوقف على ﴿ أمر ﴾ ويوقف على ﴿ سلام ﴾ وقيل: لا يوقف على ﴿ سلام ﴾ أيضاً والتقدير: هي سلام من كل أمر حتى مطلع ﴿ الفجر ﴾ ه.

التفسير: الضمير في ﴿ أنا أنزلناه ﴾ للقرآن إما لأن القرآن كله في حكم سورة واحدة وإما لشهرته ومن نباهة شأنه كأنه مستغن عن التصريح بذكره، وقد عظم القرآن في الآية من وجوه أخر هي إسناد إنزاله إلى نفسه دون غيره كجبرائيل مثلاً، وصيغة الجمع الدالة على عظم رتبة المنزل، إذ هو واحد في نفسه نقلاً وعقلاً والرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه وهو ليلة القدر.

وههنا مسائل الأولى: كيف حكم بأنه أنزل في هذه الليلة مع أنه أنزل نجوماً في نيف وعشرين سنة؟

والجواب كما مر في البقرة في قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن  ﴾ أي أنزل فيها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ثم منها إلى الأرض نجوماً، ووجه حسن المجاز أنه إذا أنزل إلى السماء الدنيا فقد شارف النزول إلى الأرض فيكون من فوائد التشويق كما قيل: وأبرح ما يكون الشوق يوماً *** إذا دنت الخيام من الخيام وقال الشعبي: ابتدىء بإنزاله في هذه الليلة لأن المبعث كان في رمضان.

وقيل: أراد إنا أنزلنا القرآن يعني هذه السورة في فضل ليلة القدر والقدر بمعنى التقدير.

قال عطاء عن ابن عباس: إن الله  قدر كل ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية نظيره قوله ﴿ فيما يفرق كل أمر حكيم  ﴾ في أحد الوجوه والمراد إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك الليلة فإن المقادير من الأزل إلى الأبد ثابتة في اللوح المحفوظ، وهذا قول أكثر العلماء.

ونقل عن الزهري أنه قال: ليلة القدر يعني ليلة الشرف والعظمة من قولهم " لفلان قدر عند فلان " أي منزلة وخطر، ويؤيد هذا التأويل قوله ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ ثم هذا الشرف ما أن يرجع إلى الفاعل أي من أتى فيها بالطاعة صار ذا قدر وشرف.

وإما أن يرجع إلى الفعل لأن الطاعة فيها أكثر ثواباً وقبولاً.

وعن أبي بكر الوراق: من شرفها أنه أنزل فيها كتاب ذو قدر على لسان ملك ذي قدر إلى أمة ذوي قدر.

ولعل الله  إنما ذكر لفظ القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب.

وقيل: القدر الضيق وذلك أن الأرض في هذه الليلة تضيق عن الملائكة.

الثانية هذه الليلة هل تضاف إلى يومها الذي بعدها؟

قال الشعبي: نعم يومها كليلتها لقوله ﴿ ثلاث ليال سوياً  ﴾ وفي موضع، ﴿ ثلاثة أيام  ﴾ ولهذا لو نذر أن يعتكف ليلتين ألزمناه يومهما.

الثالثة قال الخليل: من قال إن فضلها لنزول القرآن فيها يقول: انقطعت وكان مرة والجمهور على أنها باقية.

ثم إنه روي عن ابن مسعود أنها في جميع السنة فمن حافظ على الليالي كلها أدركها.

وعن عكرمة أنها ليلة البراءة.

والأكثرون على أنها في رمضان لقوله  ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن  ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ فيجب من الآيتين أن تكون ليلة القدر في رمضان.

ثم في تعيينها خلاف فقال ابن رزين: هي الليلة الأولى من رمضان لما روي عن وهب أن كتب الأنبياء كلهم إنما نزلت في رمضان وكانت الليلة الأولى منه في غاية الشرف.

وعن الحسن البصري: السابعة عشرة لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها.

وعن أنس مرفوعاً: التاسعة عشرة.

وقال محمد بن إسحق: هي الحادية والعشرون لما روي حديث الماء والطين.

ومعظم الأقوال أنها السابعة والعشرون.

وذكروا فيها أمارات ضعيفة منها أن السورة ثلاثون كلمة وقوله ﴿ هي ﴾ السابعة والعشرون منها، روي هذا عن ابن عباس.

وعنه أيضاً أنّ ليلة القدر تسعة أحرف وهي مذكورة ثلاث مرات وروي أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام فقال: يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه في ليلة من الشهر فقال: إذا كان تلك الليلة فأعلمني فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان.

قلت: ومن الأمارات التي يحتمل اعتبارها أن الضعيف مؤلف الكتاب وصل إلى تفسير هذه السورة في السابعة والعشرين من رمضان سنة تسع وعشرين وسبعمائة من هجرة النبي  ، ولعل الله  فيه سراً ما لا يطلع عليه إلا هو وحده وأنا أرجو من فضله العميم أن يجعل ذلك سبباً لبركات الدارين لي ولمن نظر في هذا الكتاب من إخواني في الدين وما الاعتصام إلا بحوله.

وقيل: هي الليلة الأخيرة لأن الطاعات في الشهر تتم وقتئذ بل أول رمضان كآدم وآخره كمحمد  وقد جاء في الحديث " "يعتق في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر" وأول الليالي ليلة شكر وآخرها ليلة فراق وصبر وكم بين الشكر والصبر، فإن الصبر أمر من الصبر.

الرابعة الحكمة في إخفاء ليلة القدر في الليالي كالحكمة في إخفاء وقت الوفاة ويوم القيامة حتى يرغب المكلف في الطاعات ويزيد في الاجتهاد ولا يتغافل ولا يتكاسل ولا يتكل.

يروى أنه  دخل المسجد فرأى نائماً فقال: يا علي نبهه ليتوضأ فأيقظه علي ثم قال: يا رسول الله إنك سابق إلى الخيرات فلم نبهته بنفسك؟

فقال: لأن رده على كفر ورده عليك ليس بكفر ففعلت ذلك لتخف جنايته لورد.

فإذا كان هذا رحمة الرسول  فقس عليه رحمة الله  عليه وكأنه  يقول: إذا عرفت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ورفع العقاب أولى من جلب الثواب، فالإشفاق أن لا يعرفها المكلف بعينها لئلا يكون بالمعصية فيها خاطئاً متعمداً.

وأيضاً إذا اجتهد في طلب ليلة القدر بإحياء الليالي المظنونة باهى الله  ملائكته ويقول: كنتم تقولون فيهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فهذا جدهم في الأمر المظنون، فكيف لو جعلتها معلومة لهم فهنالك يظهر سر قوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ الخامسة معنى كونها خيراً من ألف شهر أن العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه الليلة، وذلك لما فيها من الخيرات والبركات وتقدير الأرزاق والمنافع الدينية والدنيوية.

وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي، فعل ذلك ألف شهر، فتعجب رسول الله  والمؤمنون من ذلك فأنزل الله  السورة فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي ويؤيده ما روي عن مالك ابن أنس أن رسول الله  أري أعمار الناس فاستقصر أعمار أمته وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم، فأعطاه الله ليلة هي خير من ألف شهر لسائر الأمم.

وقيل: إن الرجل فيما مضى ما كان يستحق اسم العابد حتى يعبد الله ألف شهر.

وذكر القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن قال: قلت للحسن بن علي  : يا مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعته.

يعني معاوية فقال: إن رسول الله  أري في منامه بني أمية يطؤن منبره واحداً بعد واحد وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه فأنزل الله  ﴿ إنا أنزلناه ﴾ إلى قوله ﴿ خير من ألف شهر ﴾ يعني ملك بني أمية.

قال القاسم: فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولا ينقص، وزيف بأن أيامهم كانت مذمومة فكيف تذكر في مقام التعظيم؟

وأجيب بأنها كانت أياماً عظيمة بحسب السعادات الدنيوية فلا يمتنع أن يقول الله  أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك الأيام في بابها.

السادسة في الآية بشارة عظيمة للمطيعين وتهديد بليغ للعاصين.

أما الأول فلأنه  ذكر أن هذه الليلة خير من ألف شهر ولم يبين قدر الخيرية وهذا كقوله  " "مبارزة علي مع عمرو بن عبد ودّ أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة" وكأنه قال: هذا لك بذلك والباقي عليّ أعطيتك به ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

فمن أحيا ليلة القدر فكأنه عبد الله نيفاً وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنه رزق أعماراً كثيرة، ومن أحيا ليالي الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ليلة القدر ثلاثين قدراً.

يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد الله أربعمائة سنة، ويجاء برجل من هذه الأمة وقد عبد الله أربعين سنة، فيكون ثوابه أكثر.

فيقول الإسرائيلي: أنت العدل وأرى ثوابه أكثر فيقول: لأنكم تخافون العقوبة المعجلة فعبدتموني وأمة محمد  كانوا آمنين لقوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ ثم إنهم كانوا يعبدونني فلهذا السبب كانت عباداتهم أفضل، وأما التهديد فلأن الظالم لا يخلصه من المظلوم أحد وإن أحيا مائة ليلة من القدر وكذا من عنده مظلمة لأحد وإن كانت بتطفيف حبة.

السابعة أنه صح عن رسول الله قوله " "أجرك على قدر نصبك" ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة فما التوفيق بين الحديث والآية؟

والجواب أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الاعتبارات الشرعية أو العقلية.

فصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بكذا درجة لأجل شرف الاجتماع.

ولو قلت: لمن يرجم إنما يرجم لأنه زانٍ فهو قول حسن، ولو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزير، ولو قلته للمحصن فهو موجب للحد، ولو قلته في حق عائشة كان كفراً وبهتاناً عظيماً وذلك لأنه طعن في حق عائشة التي كانت رجلاً في العلم لقوله: " خذو ثلثي دينكم من هذه الحميراء " وطعن في صفوان وهو رجل بدري وطعن في كافة المؤمنين لأنها أم المؤمنين وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كافراً، بل طعن في النبي  الذي هو أشرف المخلوقات، بل طعن في حكمة الله إذا لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية، فتبين أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب باختلاف الجهات وبحسب الأزمنة والأمكنة، وذلك من فضل الله وعنايته بمخلوقاته على حسب مشيئته وإرادته، قول  ﴿ تنزل الملائكة ﴾ ظاهره يقتضي نزول كل الملائكة إما إلى سماء الدنيا وإما إلى الأرض وهو قول الأكثرين وعلى التقديرين فإن المكان لا يسعهم إلا على سبيل التناوب والنزول فوجاً فوجاً كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة أفواجاً.

وعن كعب: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة وساقها في الجنة وأغصانها تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله، ومقام جبرائيل في وسطها ليس فيها ملك إلا وقد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، ينزلون مع جبرائيل ليلة القدر فلا يبقى بقعة في الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وجبرائيل لا يدع أحداً من الناس إلا صافحهم، وعلامة ذلك أن يقشعر جلده وبرق قلبه وتدمع عيناه، من قال فيها لا إله إلا الله ثلاث مرات غفر له بواحدة ونجاه من النار بواحد وأدخله الجنة بواحدة، وأول من يصعد جبرائيل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من يوم تلك الليلة ثم يدعو ملكاً ملكاً فيصعد الكل فيجتمع نور الملائكة ونور جناح جبرائيل فيقيم جبرائيل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ذلك مشتغلين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين، ولمن صام رمضان احتساباً، فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة حتى يقولوا: ما فعل فلان كيف وجدتموه؟

فيقولون: وجدناه عام أول مبتدعاً وفي هذا العام متعبداً وفي بعضهم بالعكس، فيدعون للأول دون الآخر.

ووجدنا فلاناً تالياً وفلاناً راكعاً وفلاناً ساجداً، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا إلى السماء الثانية، وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة المنتهى، فتقول لهم السدرة: يا سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقاً وإني أحب من أحب الله.

وتقول الجنة: عجلهم اللهم إليّ، والملائكة وأهل السدرة يقولون: آمين.

وإنما نزول الملائكة على فضيلة هذه الليلة لأن الجماعة كلما كانت أكثر كان نزول الرحمة أوفر والطاعة في حضور الملائكة الذين هم العلماء بالله والعباد له تكون أدخل في الإخلاص وأجلب لأسباب القبول.

أما الروح فالأظهر أنه جبرائيل، خص بالذكر لزيادة شرفه.

وقيل: ملك يقوم صفاً والملائكة كلهم صفاً، وقيل: طائفة من الملائكة لا يراهم غيرهم إلا في هذه الليلة.

وقيل: خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الإنس ولعلهم خدم أهل الجنة.

وقيل: عيسى  ينزل في جماعة من الملائكة ليطالع أمة محمد  وقيل: القرآن ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وقيل: الرحمة.

وقيل: هم كرام الكتابين.

يروى أنهم يطالعون اللوح فيرون فيه طاعة المكلفين مفصلة فإذا وصلوا إلى معاصيهم أرخى الستر فلا يرونها فحينئذ يقولون: سبحان من أظهر الجميل وستر القبيح، ويشتاقون إلى لقائهم فينزلون لذلك.

ومن فوائد نزولهم أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات ما لم يروها في سكان السموات ويسمعون أنين العصاة الذي هو أحب إلى الله من زجل المسبحين فيقولون: تعالوا نسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من تسبيحنا.

ولعل للطاعة في الأرض خاصية في هذه الليلة، فالملائكة أيضاً يطلبونها طمعاً في مزيد الثواب كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعاته هناك أكثر ثواباً.

وفي قوله ﴿ بإذن ربهم ﴾ إشارة إلى أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بإذن الله لقوله ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ وفي قوله ﴿ ربهم ﴾ توبيخ للعصاة وتعظيم لشأن الملائكة كأنه قال: كانوا لي فكنت لهم.

يروى أن داود  في مرض الموت قال: إلهي كن لسلمان كما كنت لي فنزل الوحي قل لسليمان: فليكن لي كما كنت لي.

وقوله ﴿ من كل أمر ﴾ إشارة عند الأكثرين إلى فائدة نزولهم أي من أجل كل أمر قدر في تلك الليلة إلى قابل.

ومعنى العدول من لام التعليل إلى " من " أن السائل كأنه يقول: من أين جئتم؟

فيقولون: ما لكم وهذا السؤال ولكن قولوا لأي أمر جئتم لأنه حظكم.

وقيل: من كل أمر أي من أجل كل منهم فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود وبعضهم للتسليم.

يروى أنهم لا يتلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه.

عن النبي  " إن الله يقدر المقدر في ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها " وقيل: يقدر ليلة البراءة للآجال والأرزاق وليلة القدر للخير والبركة.

قيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به صلاح معاش المكلف ومعاده، ويكتب في ليلة البراءة أسماء من يموت فتسلم إلى ملك الموت.

ومعنى ﴿ سلام هي ﴾ أن هذه الليلة ما هي إلا سلامة وخير، فأما سائر الليالي فيكون فيها بلاء وسلامة أو ما هي إلا سلام لكثرة سلام الملائكة على المؤمنين.

وقال أبو مسلم: يعني أن هذه الليلة ما هي إلا سلامة عن الرياح المزعجة والصواعق ونحوها، أو هي سلامة عن تسلط الشيطان وجنسه، أو سالمة عن تفاوت العبادة في شيء من أجزائها بخلاف سائر الليلالي فإن الفرض فيها يستحب في الثلث الأول.

والنفل في الأوسط، والدعاء في السحر، والمطلع بالفتح المصدر بمعنى الطلوع، وبالكسر اسم زمان أو مصدر عند بعضهم، ومنهم أبو علي.

هذا ما تقرر عندنا وعند سائر العلماء في تفسير هذه السورة الشريفة، وأقول أيضاً في تأويله: يمكن أن يفهم من ليلة القدر طرف الأزل من الامتداد الوهمي الزماني قدر فيه ما كان وما سيكون إلى يوم الدين بل إلى الأبد وإنما عبر عنه بالليلة لأن الأشياء كلها إذ ذاك في حيز العدم أو الخفاء " كنت كنزاً مخفياً " وإنما كانت خيراً من ألف شهر بل من ثلاثين ألف ليلة بل من ثلاثين ألف سنة كما قال ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ وهي الدور الأعظم دور الثواب لما تقرر في المعقول والأصول أن العناية الأزلية هي الكفاية الأبدية، ولهذا كانت الأمور بخواتيمها "وكل ميسر لما خلق له" فلو لم يكن للشخص سعادة مقدرة في الأزل لم تفده الطاعة ثلاثين ألف سنة وأكثر، فإنزال القرآن في هذه الليلة عبارة عن الإحصاء في اللوح المحفوظ والإمام المبين، وهو في وقت صدور الروح الأعظم والملائكة المقربين بسبب كل أمر هو كن من غير توسط مادة ومدة ولكنها سالمة عن شوائب الجسمانية والعلائق الجرمانية إلى ظهور فجر عالم الأشباح الظاهرة للحواس المعرضة للتعهد والقوى وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ ﴾ : قال أهل التأويل: إن قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ﴾ ، يعني: القرآن.

ويحتمل أن يكون [قوله]: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ﴾ ، يعني: السلام الذي ذكره في آخر السورة، وحيث قال: ﴿ مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ ﴾ : فمن قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، فهم مختلفون فيه: قال بعضهم: أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ في تلك الليلة، وهي في شهر رمضان؛ قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ...

 ﴾ ، أي: أنزل من اللوح المحفوظ، ثم أنزل من السماء الدنيا على رسول الله  بالتفاريق على قدر الحاجة من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والمواعظ، وكل ما يحتاج إليه.

وقال بعضهم: إنما أنزل من اللوح المحفوظ في تلك الليلة المقدار الذي يحتاج إليه إلى العام القابل جملة، ثم ينزل على رسول الله  نجوما بالتفاريق، والله أعلم.

ثم لا ندري أن تلك الفضيلة التي جعلت لهذه الليلة؛ لفضل عبادة جعلت فيها، امتحن الخلق بأدائها على الترغيب والأدب، أو فضلت لمكان ما امتحن الملائكة وكلفهم بالنزول فيها والعبادة لله في الأرض، وإنزال القرِآن، ونحو ذلك؛ أو لحكمة ومعنى فضلت لم يطلع على ذلك المعنى أحد، وقد جعلت لبعض الأمكنة الفضيلة العبادات جعلت فيها، نحو ما ذكر: "صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، [وصلاة واحدة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره] سوى المسجد الحرام" وقال  -: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ...

 ﴾ ، خصت هذه البقاع بالفضيلة على غيرها؛ لعبادات جعلت فيها؛ فعلى ذلك جائز أن يخص بعض الأوقات دون بعض بالفضيلة؛ لمكان عبادات جعلت فيها، لكنْ بيَّن تلك الأماكن، ولم يبين تلك الأوقات المفضلة، وجعلها مطلوبة من بين غيرها من الأوقات؛ فهو - والله أعلم -: أن لو بين، وأشير إليها؛ لكان لا مؤمنة تلزم لطالبة في ذلك؛ لأنه يحفظ ذلك الوقت وتلك الليلة خاصة، وأما المكان تلزم المؤنة في إتيان ذلك [المكان]، وعلى ذلك يخرج ما لم يبين وقت خروج روح الإنسان من بدنه؛ لأنه لو بين، وأعلم نهاية عمره، لتعاطى الفسق، وارتكب المعاصي؛ آمنا إلى آخر أجزاء حياته، ثم يتوب؛ فلم يبين ؛ ليكون أبدا على خوف وحذر ورجاء؛ فعلى ذلك لم يبين تلك الليلة؛ لتطلب من بين الليالى جميعا؛ ليحيوا ليالي غيرها، والله أعلم.

ثم إن كان السؤال عن القرآن هو المنزل في تلك الليلة، ويكون دليله قوله: ﴿ حـمۤ  وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ  إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ...

 ﴾ .

وإن كان السؤال عنه ليلة القدر؛ فيكون البيان عنها.

ثم قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: ما كنت تدريب حتى أدراك؛ كقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا...

 ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ ﴾ على التعظيم لها والتعجيب، والله أعلم.

وقيل: نزول هذه الآية يكون على معنى التسلي، أعطاه فضل هذه الليلة، والعمل فيها، ثم بين فضلها حيث قال: ﴿ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: إن النبي  م أُرى بني إمية على منبره؛ فسأءه ذلك؛ فنزل قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ...

﴾ ، أي: [من] ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية يا محمد،  .

وقال بعضهم: ﴿ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ ، أي: العمل فيهاخير من العمل في ألف شهر سواها.

وقيل - أيضا -: إن رسول الله صلى الله عليه سولم ذكر لأصحابه أن رجلا من بني إسرائيل جاهد ألف شهر في سبيل الله؛ فعظم ذلك عليهم؛ فنزل قوله -  -: ﴿ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ ، أي: العمل فيها خير من جهاد ذلك الرجل [في] ألف شهر.

ويحتمل أن يكون ذكر ألف شهر على سبيل التمثيل، لا على التوقيت، أي: خير من ألف شهر وأكثر؛ إذ التقدير قد يكون لبيان العدد نفسه، وقد يكون لبيان شرف ذلك الشيء وعظمته؛ فلا يكون الغرض هو القصر على العدد، وهو كقوله: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك.

ثم اختلف في تسمية ليلة القدر: قال بعضهم: هي ليلة الحكم والقضاء، فيها يحكم ويقضي ما يريد أن يكون فيي ذلك العام المقبل؛ لقوله -  -: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  ﴾ .

أو سميت: ليلة القدر؛ لأنها ليلة لها قدر ومنزلة عند الله  ؛ لما يوصف الشيء العظيم بالقدر والمنزلة.

وسميت: ليلة مباركة؛ لأنه تنزل فيها البركات والرحمة من الله -  - على خلقه.

أو سميت: مباركة؛ لكثرة ما يعمل فيها من العبادات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ ﴾ : قال بعضهم: الروح هاهنا: جبريل -  - كقوله -  : ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  ﴾ .

وقال [بعضهم]: خلق موكلون بالملائكة، كما أن الملائكة موكلون ببني آدم.

وجائز أن يكون الروح هاهنا هو الرحمة، أي: تنزل الملائكة بالرحمة فيها، على ما سميت: مباركة بما ينزل فيها من البركات.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: أي: في تلك الليلة تنزل الملائكة والروح.

وقيل: ﴿ فِيهَا ﴾ : أي: في الملائكة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِم ﴾ ، أي: ينزلون بأمر بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن كُلِّ أَمْرٍ ﴾ : قال بعضهم: أي: بكل أ/ر تقدر في تلك السنة على الأرض، وكذا قال القتبي: ﴿ مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ ﴾ ، أي: بكل أمر سلام.

وقيل: من كل أمر يدبره الله  ، أي: الملائكة لا علم لهم فيما يقدر الله -  - إلا أن يطعلهم الله عليه؛ فكأنهم يطلعون على ما يقدر في تلك السنة من الأمور؛ فينزلون بها بأمر الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ هِيَ ﴾ : قيل: تنزل الملائكة تخفق بأجنحتها بالسلام من الله  والرحمة والمغفرة.

وقال [بعضهم]: أي: هي ليلة سالمة، لا يحدث فيها شر، ولا يرسل فيها شيطان إلى مطلع الفجر.

وقال بعضهم: هو سلام الملائكة، أي: تسلم الملائكة على كل مؤمن ومؤمنة.

وقال بعضهم: ﴿ مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ ﴾ ، أي: من كل آفة وبلاء سلام.

وكذلك ذكر في قوله -  -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ : قال بعضهم: يحفظونه من عذاب الله.

وقال بعضهم: يحفظونه بأمر الله  ؛ فكذلك يحتمل قوله: ﴿ مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ ﴾ هذين الوجهين.

وقوله: ﴿ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ ﴾ يحتمل: أي تلك البركات التي ذكرت إلى مطلع الفجر.

ويحتمل ذلك السلام الذي ذكر إلى مطلع الفجر.

ويحتمل الملائكة يكونون في الأرض إلى مطلب الفجر، وروي عن ابن عباس -  ما - أنه قرأ: (من كل امْرئ سلام)، وقال يعني: الملائكة.

ثم قال بعضهم: اختلفت الروايات عن النبي  في ليلة القدر متى تكون؟

واختلفت الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فيها: روى عبد الله بن أنيس عن النبي  قال: "التمسوها في العشر الاواخر، واطلبوها في كل و تر" وروى عبد الله بن مسعود -  - قال: قال رسول الله  : "ليلة تسع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين" وروى ابن عمر -  - عن النبي  أنه قال: "تحروا القدر في السبع الأواخر" وروي أنها في سبع وعشرين.

وعن عبد الله بن عمر أنه: "سئل النبي  عن ليلة القدر - وأنا أسمع - قال: هى في كل رمضان" وعن زر قال: قلت لأبي بن كعب: أخبرنى عن ليلة القدر، يا أبا المنذر؛ فإن صاحبنا عبد الله بن مسعود سئل عنها، فقال: من يقم الحول يصبها فقال: نعم، رحم الله أبا عبد الرحمن، والله لقد علم أنها في رمضان، كره أن تتكلوا، والله إنها في رمضان، ليلة سبع وعشرين.

ثم ليس لنا، ولا لأحد أن يشير إلى تلك الليلة، فيقول: هي ليلة كذا: ليلة سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، إلا أن يثبت بالتواتر عن رسول الله  في ذلك خبر بالإشارة إليها؛ فعند ذلك يسع، وإلا كانت مطلوبة في الليالي.

وعلى هذا الوجه تخرج الأخبار المروية على التوافق دون المناقضة، وتكون كلها صحيحة؛ فتكون في سنة بعض الليالي، وفي سنة أخرى في غيرها، وفي سنة في العشر الأواخر من رمضان، وفي سنة العشر الأوسط من رمضان، وفي سنة في العشر الأول، وفي سنة في غير رمضان، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

تنزل الملائكة وينزل جبريل  فيها بإذن ربهم سبحانه بكلّ أمر قضا الله في تلك السنة رزقًا كان أو موتًا أو ولادة أو غير ذلك مما يقدره الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.go2g6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(إنا أنزلناه في ليلة القدر): قال تعالى في مفتتح سورة الدخان، وهي سورة قصد في مفتتحها إلى ذكر الزمن الذي نزل فيه القرآن كهذه السورة: ﴿ حم  وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ  فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ﴾ إلخ.

وقال في سورة البقرة: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  ﴾ .

هذه هي المواضع من ذكر تنزيل القرآن التي جيء فيها بالإشارة إلى زمن نزوله.

قال الشعبي: المراد من نحو أنزلناه وأنزل فيه القرآن الابتداء بإنزاله، خصوصًا والقرآن كله، والجملة منه وإن قصرت، كل ذلك يسمى قرآنًا ويسمى كتابًا.

فالضمير في أنزلناه في هذه السورة عائد إلى القرآن كالضمير في أنزلناه العائد إلى الكتاب المبين في آية الدخان المتقدمة.

والمراد بإنزاله الابتداء بإنزال شيء منه.

وهو المعنى من قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  ﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله، أي أن أول ما نزل منه نزل في شهر رمضان.

وقد جاء في آية الدخان وفي هذه السورة -"سورة القدر"- أن الله نزل القرآن ليلًا لا نهارًا، وأنه سمى ههنا الليلة التي نزل فيها ليلة القدر، ووصفها في آية الدخان بالمباركة.

وقد بيّن سبب الإنزال في آية الدخان بقوله ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ  ﴾ .

أي إننا إذا خلقنا الإنسان نوعًا ممتازًا بطبيعته، يفارق سائر الحيوان بفطرته، محتاجًا إلى التعليم والإرشاد بغريزته، قد كتبنا على أنفسنا أن نتعهده بالإنذار على ألسنة الرسل، فأنزلنا القرآن لإنذار الناس بما سيلاقون جزاء لأعمالهم، ولما تعقد عليهم قلوبهم -ثوابًا أو عقابًا- في حياة أخرى بعد هذه الحياة.

ثم بيّن بركة الليلة بقوله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  ﴾ ، أي يفصل فيها كل حكم من أحكام الدين، ولا يقرر فيها من الأحكام إلا ما كان حكيمًا يقف بك عند الحق، ويبعد بك عن الباطل، وينصرف بك عما فيه شقاؤك وفناؤك إلى ما فيه سعادتك وبقاؤك.

ثم حقق له الصفة بقوله: ﴿ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ﴾ .

إذا كان الأمر من عند الحكيم العليم الذي من شأنه إرسال الرسل رحمة بعباده -وقد سمع توسل نبيه إليه في هدايتهم- فلا ريب تكون الحكمة أوله وآخره باطنه وظاهره.

ولا شك أن ابتداء نزول القرآن كان فرقًا بين الحق والباطل، وكل ما جاء منه كان كذلك.

ثم توالى النزول بعد الليلة الأولى بما هو من نوع ما نزل فيها، كما قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ  ﴾ .

فصح أن ينسب إليها أنه يفرق فيها كل أمر حكيم، لأن كل ما جاء فيها كان أمرًا حكيمًا فرق به بين الحق والباطل، وبداية لما يكون بعده من مثله، كما صدق قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  ﴾ مع أنه لا يكون بينة وفارقًا بين الحق والباطل إلا ما ظهر للناس منه، وهو ما نزل وبلغ إليهم بالفعل، أو كان بسبيل أن يبلغ.

فليس الأمر الحكيم الذي يفرق في الليلة المباركة إلا أمر الدين والأحكام الذي سماه في "البقرة" (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).

وهذه الليلة المباركة هي بعينها ليلة القدر، فهي ليلة من شهر رمضان بلا شك، كما صرح به نص آية "البقرة" مع ما ينضم إليه من هذه الآيات.

وكل تأويل يخرج عن ذلك فهو بعيد عن معنى النص، بل لا يقبله إلا من يقول: إن الألفاظ العربية لا تدل على معانيها..

ثم الأخبار الصحيحة متضافرة على أنها في شهر رمضان ولا نعينها من بين لياليه، فقد اختلفت فيها الروايات اختلافًا عظيمًا، وكتاب الله لم يعينها، وما ورد في الأحاديث من ذكرها إنما قصد به حث المؤمنين على إحيائها بالعبادة شكرًا لله تعالى على ما هداهم بهذا الدين الذي ابتدأ الله إفاضته فيهم في أثنائها، ولهم أن يعبدوا الله فيها أفرادًا وجماعات فمن رجح عنده خبر في ليلة أحياها، ومن أراد أن يوافقها على التحقيق فعليه أن يشكر الله بالفراغ إليه بالعبادة في الشهر كله.

وهذا هو السر في عدم تعيينها، وتشير إليه آية البقرة، فإنها تجعل الشهر كله ظرفًا لنزول القرآن ليذكر المؤمنين نعمة الله عليهم فيه.

فهي ليلة عبادة وخشوع وتذكر لنعمة الحق والدين فلا تكون ليلة زهو ولهو تتخذ فيها مساجد الله مضامير للرياء يتسابق إليها المنافقون، ويحدث أنفسهم بالبعد عنها المخلصون، كما جرى عليه عمل المسلمين في هذه الأيام.

فإن كل ما حفظوه من ليلة القدر هو أن تكون لهم فيها ساعة سمر يتحدثون فيها بما لا ينظر الله إليه، ويسمعون شيئًا من كتاب الله لا ينظرون فيه ولا يعتبرون بمعانيه، بل إن أصغوا إليه فإنما يصغون لنغمة تاليه، ثم يسمعون من الأقوال ما لم يصح خبره ولم يحمد في الآخرين ولا الأولين أثره، ولهم خيالات في ليلة القدر لا تليق بعقول الأطفال فضلًا عن الراشدين من الرجال.

ثم سميت ليلة القدر: إما بمعنى ليلة التقدير لأن الله ابتدأ فيها تقدير دينه وتحديد الخطة لنبيه في دعوة الناس إلى ما ينقذهم مما كانوا فيه، وإما بمعنى العظمة والشرف من قولهم: فلان له قدر، أي له شرف وعظمة، لأن الله قد أعلى فيها منزلة نبيه وشرفه وعظمه بالرسالة.

وقد جاء بما فيه الإشارة، بل التصريح، بأنها ليلة جليلة بجلالة ما وقع فيها من إنزال القرآن، فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ  ﴾ : أي وما الذي يعلمك مبلغ شأنها ونباهة أمرها؟

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  ﴾ فكرر ذكرها ثلاث مرات.

ثم أتى بالاستفهام الدال على أن شرفها ليس مما تسهل إحاطة العلم به.

ثم قال إنها خير من ألف شهر، لأنه قد مضى على الأمم آلاف من الشهور وهم يتخبطون في ظلمات الضلال.

فليلة يسطع فيها نور الهدى خير من ألف شهر من شهورهم الأولى.

ولك أن تقف في التفضيل عند النص، وتفوض الأمر في تحديد ما فضلت عليه الليلة بألف شهر إلى الله تعالى، فهو الذي يعلم سبب ذلك، ولم يبينه لنا.

ولك أن تجري الكلام على عادتهم في التخاطب، وذلك في الكتاب كثير، ومنه الاستفهام الواقع في هذه السورة ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ  ﴾ فإنه جار على عادتهم في الخطاب.

وإلا فالعليم الخبير لا يقع منه أن يستفهم عن شيء فيكون التحديد بالألف لا مفهوم له، بل الغرض منه التكثير، وأن أقل عدد تفضله هو ألف شهر.

ثم إن درجات فضلها على هذا العدد غير محصورة، فإذا قلت إخفاء الصدقة خير من إظهارها لم تعين درجة الأفضلية، وهي درجات فوق درجات.

وقد جاء في الكتاب في واقعة واحدة -هي واقعة بدر- أن الله أمد المؤمنين بألف من الملائكة أو بثلاثة آلاف أو بخمسة آلاف كما تراه في الأنفال وآل عمران.

فالعدد هناك لا مفهوم له كما هو ظاهر، فهي ليلة خير من الدهر إن شاء الله.

ثم استأنف لبيان بعض مزاياها فقال: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا  ﴾ .

ويخبر جل شأنه أن أول عهد النبي  بشهود الملائكة، كان في تلك الليلة: تنزلت من عالمها الروحاني الذي لا يحده حد ولا يحيط به مقدار، حتى تمثلت لبصره  .

والروح هو الذي يتمثل له مبلغًا للوحي، وهو الذي سمي في القرآن بجبريل.

وإنما تظهر الملائكة والروح (بإذن ربهم) أي إنما تتجلى الملائكة على تلك النفس الكاملة بعد أن هيأها الله لقبول تجليها، وليست تتجلى الملائكة لجميع النفوس كما هو معلوم..

فذلك فضل الله يختص به من يشاء، واختصاصه هو إذنه ومشيئته.

ثم إن هذا الإذن مبدؤه الأوامر والأحكام لأن الله يجلي الملائكة على النفوس لإيحاء ما يريده منها، ولهذا قال: ﴿ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ  ﴾ أي أن الله يظهر الملائكة والروح لرسله عند كل أمر يريد إبلاغه إلى عباده فيكون الإذن مبتدئًا من الأمر على هذا المعنى.

والأمر ههنا هو الأمر في قوله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  ﴾ فالكلام في الرسالة والأوامر والأحكام لا في شيء آخر سواها، ولهذا قال بعضهم: إن "من" ههنا بمعنى الباء، أي بكل أمر، ولا حاجة إليه لما قلنا.

وإنما عبر بالمضارع في قوله ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ وقوله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  ﴾ مع أن المعنى ماض -لأن الحديث عن مبدأ نزول القرآن- لوجهين: الأول: لاستحضار الماضي لعظمته على نحو ما في قوله: ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ  ﴾ فإن المضارع بعد الماضي يزيد الأمر تصويرًا.

قال تأبط شرًا: ألا من مبلغ فتيان فهم بما لاقيت عند رحى بطان وأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان فقلت لها: كلانا نضوأين أخو سفر فخلي لي مكاني فشدت شدة نحوي فأهوى لها كفي بمصقول يماني فأضربها بلا دهش فخرت صريعًا لليدين وللجران والشاهد في قوله: فأهوى وقوله فأضربها في حكاية الماضي.

والثاني: لأن مبدأ النزول كان فيها، ولكن بقية الكتاب، وما فيه من تفصيل الأوامر والأحكام، كان فيما بعد.

فكأنه يشير إلى أن ما ابتدأ فيها يستمر في مستقبل الزمان حتى يكمل الدين.

(سلام هي حتى مطلع الفجر): أي أنها كانت ليلة سالمة من كل شر وأذى.

والإخبار عنها بالسلام نفسه -وهو الأمن والسلامة- للمبالغة في أنه لم يشبها كدر، بل فرج الله فيها عن نبيه كل كربة، وفتح فيها سبل الهداية والإرشاد فأناله بذلك ما كان يتطلع إليه الأيام والشهور الطوال.

أما ما يقول الكثير من الناس من أن الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة النصف من شعبان، وأن الأمور التي تفرق فيها هي الأرزاق والأعمار.

وكذلك ما يقولونه من مثل ذلك في ليلة القدر -فهو من الجرأة على الكلام في الغيب بغير حجة قاطعة.

وليس من الجائز لنا أن نعتقد بشيء من ذلك ما لم يرد به خبر متواتر عن المعصوم  .

ومثل ذلك لم يرد لاضطراب الروايات، وضعف أغلبها وكذب الكثير منها، ومثلها لا يصح الأخذ به في باب العقائد.

ومثل ذلك يقال في بيت العزة ونزول القرآن فيه جملة واحدة في تلك الليلة، فإنه لا يجوز أن يدخل في عقائد الدين لعدم توافر خبره عن النبي  ، ولا يجوز لنا الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه وإلا كنا من الذين (إن يتبعون إلا الظن).

نعوذ بالله.

وقد وقع المسلمون في هذه المصيبة: مصيبة الخلط بين ما يصح الاعتقاد به من غيب الله ويعد من عقائد الدين، وبين ما يظن به للعمل على فضيلة من الفضائل.

فأحذر أن تقع فيها مثلهم.

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله