الآية ٤ من سورة البينة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 98 البينة > الآية ٤ من سورة البينة

وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة البينة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٤ من سورة البينة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) كقوله : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) [ آل عمران : 105 ] يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا ، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم ، واختلفوا اختلافا كثيرا ، كما جاء في الحديث المروي من طرق : " إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة ، وإن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " .

قالوا : من هم يا رسول الله ؟

قال : " ما أنا عليه وأصحابي " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) يقول: وما تفرّق اليهود والنصارى في أمر محمد صلى الله عليه وسلم, فكذّبوا به, إلا من بعد ما جاءتهم البينة, يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى البينة , يعني: أن بيان أمر محمد أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه، يقول: فلما بعثه الله تفرّقوا فيه, فكذّب به بعضهم, وآمن بعضهم, وقد كانوا قبل أن يُبعث غير مفترقين فيه أنه نبيّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينةقوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب أي من اليهود والنصارى .

خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين ; لأنهم مظنون بهم علم فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف .إلا من بعد ما جاءتهم البينة أي أتتهم البينة الواضحة .

والمعني به محمد - صلى الله عليه وسلم - ; أي القرآن موافقا لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته .

وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته ، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا ، فمنهم من كفر بغيا وحسدا ، ومنهم من آمن ; كقوله تعالى : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم .

وقيل : البينة : البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل .

قال العلماء : من أول السورة إلى قوله قيمة : حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين .

وقوله : وما تفرق : حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وإذا لم يؤمن أهل الكتاب لهذا الرسول وينقادوا له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ما تفرقوا واختلفوا وصاروا أحزابًا { إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ونذالتهم، لم يزدهم الهدى إلا ضلالًا، ولا البصيرة إلا عمى، مع أن الكتب كلها جاءت بأصل واحد، ودين واحد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ) في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ( إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) أي البيان في كتبهم أنه نبي مرسل .

قال المفسرون : لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى بعثه الله ، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا ، فآمن به بعضهم ، وكفر آخرون .

وقال بعض أئمة اللغة : معنى قوله " منفكين " : هالكين ، من قولهم : انفك [ صلا ] المرأة عند الولادة ، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك .

ومعنى الآية : لم يكونوا هالكين معذبين إلا من بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب ، والأول أصح .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما تفرق الذين أوتوا الكتاب» في الإيمان به «إلا من بعد ما جاءتهم البينة» أي هو صلى الله عليه وسلم أو القرآن الجائي به معجزة له وقبل مجيئه صلى الله عليه وسلم كانوا مجتمعين على الإيمان به إذا جاءه فحسده من كفر به منهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما اختلف الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى في كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا حقًا؛ لما يجدونه من نعته في كتابهم، إلا مِن بعد ما تبينوا أنه النبي الذي وُعِدوا به في التوراة والإنجيل، فكانوا مجتمعين على صحة نبوته، فلما بُعِث جحدوها وتفرَّقوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أهل الكتاب من جحودهم للحق ، ومن إنكارهم له مع علمهم به ، فقال - تعالى - ( وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة ) .

أى : أن الجاحدين والمعاندين والحاسدين لك - أيها الرسول الكريم - من أهل الكتاب ، ما تفرقوا فى أمره ، وما اختلفوا فى شأن نبوتك .

.

إلأا من بعد أن جئتهم أنت بما يدل على صدقك ، دلالة لا يجحدها إلا جهول ، ولا ينكرها إلا حسود ، ولا يعرض عنها إلا من طغى وآثر الحياة الدنيا .فالآية الكريمة كلام مستأنف ، المقصود به تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من هؤلاء الجاحدين فكأنه - سبحانه - يقول له : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لإِعراض من أعرض عن دعوتك من أهل الكتاب ، فإن إعراضهم لم يكن عن جهل ، وإنما عن عناد وجحود وحسد لك على ما آتاك الله من فضله .وإنما خص - سبحانه - هنا أهل الكتاب بالذكر ، مع أن الكلام فى أول السورة كان فيهم وفى المشركين ، للدلالة على شناعة حالهم ، وقبح فعالهم ، لأن الإِعراض عن الحق ممن له كتاب ، أشد قبحا ونكرا ، ممن ليس له كتاب وهم المشركون .والاستثناء فى الآية مفرغ ، والمستثنى منه عموم الأوقات .

والمعنى : لم يتفرق الجاحدون من الذين أوتوا الكتاب فى وقت من الأوقات ، إلا فى الوقت الكائن بعد مجئ البينة لهم .ومن الآيات القرآنية الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى - ( وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، ثم إنه رحمه الله تعالى لم يلخص كيفية الإشكال فيها وأنا أقول: وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين، عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن والجواب: عنه من وجوه أولها: وأحسنها الوجه الذي لخصه صاحب الكشاف.

وهو أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان، كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم: لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل.

وهو محمد عليه السلام، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه، ثم قال: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول، ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست أمتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، فلما رزقه الله الغنى ازداد فسقاً فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار بذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً، وحاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد، وهو أن قوله: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مُنفَكّينَ ﴾ عن كفرهم: ﴿ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ مذكورة حكاية عنهم، وقوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ هو إخبار عن الواقع، والمعنى أن الذي وقع كان على خلاف ما ادعوا.

وثانيها: أن تقدير الآية، لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة.

وعلى هذا التقدير يزول الإشكال هكذا ذكره القاضي إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ليس من اللغة في شيء.

وثالثها: أنا لا نحمل قوله: ﴿ مُنفَكّينَ ﴾ على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل والمعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل حتى تأتيهم البينة قال ابن عرفة: أي حتى أتتهم، فاللفظ لفظ المضارع ومعناه الماضي، وهو كقوله تعالى: ﴿ مَا تَتْلُواْ الشياطين  ﴾ أي ما تلت، والمعنى أنهم ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا فيه، وقال كل واحد فيه قولاً آخر ردياً ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  ﴾ والقول المختار في هذه الآية هو الأول، وفي الآية وجه رابع وهو أنه تعالى حكم على الكفار أنهم ما كانوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجيء الرسول، وكلمة حتى تقتضي أن يكون الحال بعد ذلك، بخلاف ما كان قبل ذلك، والأمر هكذا كان لأن ذلك المجموع ما بقوا على الكفر بل تفرقوا فمنهم من صار مؤمناً، ومنهم من صار كافراً، ولما لم يبق حال أولئك الجمع بعد مجيء الرسول كما كان قبل مجيئه، كفى ذلك في العمل بمدلول لفظ حتى، وفيها وجه خامس: وهو أن الكفار كانوا قبل مبعث الرسول منفكين عن التردد في كفرهم بل كانوا جازمين به معتقدين حقيقته، ثم زال ذلك الجزم بعد مبعث الرسول، بل بقوا شاكين متحيرين في ذلك الدين وفي سائر الأديان، ونظيره قوله: ﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ  ﴾ والمعنى أن الدين الذي كانوا عليه صار كأنه اختلط بلحمهم ودمهم فاليهودي كان جازماً في يهوديته وكذا النصراني وعابد الوثن، فلما بعث محمد عليه الصلاة والسلام اضطربت الخواطر والأفكار وتشكك كل أحد في دينه ومذهبه ومقالته، وقوله: ﴿ مُنفَكّينَ ﴾ مشعر بهذا لأن انفكاك الشيء عن الشيء هو انفصاله عنه، فمعناه أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد وما انفصلت عن الجزم بصحتها، ثم إن بعد المبعث لم يبق الأمر على تلك الحالة.

المسألة الثانية: الكفار كانوا جنسين أحدهما: أهل الكتاب كفرق اليهود والنصارى وكانوا كفاراً بإحداثهم في دينهم ما كفروا به كقولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ابن الله  ﴾ و: ﴿ المسيح ابن الله  ﴾ وتحريفهم كتاب الله ودينه والثاني: المشركون الذين كانوا لا ينسبون إلى كتاب، فذكر الله تعالى الجنسين بقوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ على الإجمال ثم أردف ذلك الإجمال بالتفضل، وهو قوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين ﴾ وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين فهذا يقتضي أن أهل الكتاب منهم كافر ومنهم ليس بكافر، وهذا حق، وأن المشركين منهم كافر ومنهم ليس بكافر، ومعلوم أن هذا ليس بحق والجواب: من وجوه: أحدها: كلمة من هاهنا ليست للتبعيض بل للتبيين كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  ﴾ .

وثانيها: أن الذين كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام، بعضهم من أهل الكتاب، وبعضهم من المشركين، فإدخال كلمة من لهذا السبب.

وثالثها: أن يكون قوله: ﴿ والمشركين ﴾ أيضاً وصفاً لأهل الكتاب، وذلك لأن النصارى مثلثة واليهود عامتهم مشبهة، وهذا كله شرك، وقد يقول القائل: جاءني العقلاء والظرفاء يريد بذلك قوماً بأعيانهم يصفهم بالأمرين.

وقال تعالى: ﴿ الركعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله  ﴾ وهذا وصف لطائفة واحدة، وفي القرآن من هذا الباب كثير، وهو أن ينعت قوم بنعوت شتى، يعطف بعضها على بعض بواو العطف ويكون الكل وصفاً لموصوف واحد.

السؤال الثاني: المجوس هل يدخلون في أهل الكتاب؟

قلنا: ذكر بعض العلماء أنهم داخلون في أهل الكتاب لقوله عليه السلام: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».

وأنكره الآخرون قال: لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان في بلاد العرب، وهم اليهود والنصارى، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا  ﴾ والطائفتان هم اليهود والنصارى.

السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم أهل الكتاب في الكفر على المشركين؟

حيث قال: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين ﴾ ؟

الجواب: أن الواو لا تفيد الترتيب، ومع هذا ففيه فوائد أحدها: أن السورة مدنية فكأن أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر.

وثانيها: أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم، فكان إصرارهم على الكفر أقبح.

وثالثها: أنهم لكونهم علماء يقتدي غيرهم بهم فكان كفرهم أصلاً لكفر غيرهم، فلهذا قدموا في الذكر.

ورابعها: أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا في الذكر.

السؤال الرابع: لم قال: ﴿ من أهل الكتاب ﴾ ، ولم يقل من اليهود والنصارى؟

الجواب: لأن قوله: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ يدل على كونهم علماء، وذلك يقتضي إما مزيد تعظيم، فلا جرم ذكروا بهذا اللقب دون اليهود والنصارى، أو لأن كونه عالماً يقتضي مزيد قبح في كفره، فذكروا بهذا الوصف تنبيهاً على تلك الزيادة من العقاب.

المسألة الثانية: هذه الآية فيها أحكام تتعلق بالشرع أحدها: أنه تعالى فسر قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ بأهل الكتاب وبالمشركين، فهذا يقتضي كون الكل واحداً في الكفر، فمن ذلك قال العلماء: الكفر كله ملة واحدة، فالمشرك يرث اليهودي وبالعكس والثاني: أن العطف أوجب المغايرة، فلذلك نقول: الذمي ليس بمشرك، وقال عليه السلام: «غيرنا كحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم».

فأثبت التفرقة بين الكتابي والمشرك الثالث: نبه بذكر أهل الكتاب أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم إذ قد حدث في أهل القرآن مثل ما حدث في الأمم الماضية.

المسألة الرابعة: قال القفال: الانفكاك هو انفراج الشيء عن الشيء وأصله من الفك وهو الفتح والزوال، ومنه فككت الكتاب إذا أزلت ختمه ففتحته، ومنه فكاك الرهن وهو زوال الإنغلاق الذي كان عليه ألا ترى أن ضد قوله: انفك الرهن، ومنه فكاك الأسير وفكه، فثبت أن انفكاك الشيء عن الشيء هو أن يزيله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله، والمعنى أنهم متشبثون بدينهم تشبثاً قوياً لا يزيلونه إلا عند مجيء البينة، أما البينة فهي الحجة الظاهرة التي بها يتميز الحق من الباطل فهي من البيان أو البينونة لأنها تبين الحق من الباطل، وفي المراد من البينة في هذه الآية أقوال: الأول: أنها هي الرسول، ثم ذكروا في أنه لم سمي الرسول بالبينة وجوهاً الأول: أن ذاته كانت بينة على نبوته، وذلك لأنه عليه السلام كان في نهاية الجد في تقرير النبوة والرسالة، ومن كان كذاباً متصنعاً فإنه لا يتأتى منه ذلك الجد المتناهي، فلم يبق إلا أن يكون صادقاً أو معتوهاً والثاني: معلوم البطلان لأنه كان في غاية كمال العقل، فلم يبق إلا أنه كان صادقاً الثالث: أن مجموع الأخلاق الحاصلة فيه كان بالغاً إلى حد كمال الإعجاز، والجاحظ قرر هذا المعنى، والغزالي رحمه الله نصره في كتاب المنقذ، فإذاً لهذين الوجهين سمي هو في نفسه بأنه بينة الرابع: أن معجزاته عليه الصلاة والسلام كانت في غاية الظهور وكانت أيضاً في غاية الكثرة فلاجتماع هذين الأمرين جعل كأنه عليه السلام في نفسه بينة وحجة، ولذلك سماه الله تعالى: سراجاً منيراً.

واحتج القائلون بأن المراد من البينة هو الرسول بقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ رَسُولٌ مّنَ الله ﴾ فهو رفع على البدن من البينة، وقرأ عبد الله: ﴿ رَسُولاً ﴾ حال من البينة قالوا: والألف واللام في قوله: ﴿ البينة ﴾ للتعريف أي هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى، أو يقال: إنها للتفخيم أي هو: ﴿ البينة ﴾ التي لا مزيد عليها أو البينة كل البينة لأن التعريف قد يكون للتفخيم وكذا التنكير وقد جمعهما الله هاهنا في حق الرسول عليه السلام فبدأ بالتعريف وهو لفظ البينة ثم ثنى بالتنكير فقال: ﴿ رَسُولٌ مّنَ الله ﴾ أي هو رسول، وأي رسول، ونظيره ما ذكره الله تعالى في الثناء على نفسه فقال: ﴿ ذُو العرش المجيد  ﴾ ثم قال: ﴿ فَعَّالٌ  ﴾ فنكر بعد التعريف.

القول الثاني: أن المراد من البينة مطلق الرسل وهو قول أبي مسلم قال: المراد من قوله: ﴿ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ أي حتى تأتيهم رسل من ملائكة الله تتلوا عليهم صحفاً مطهرة وهو كقوله: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء  ﴾ وكقوله: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرئ مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً  ﴾ .

القول الثالث: وهو قتادة وابن زيد: البينة هي القرآن ونظيره قوله: ﴿ أَوَ لَمْ تَأْتِيَهُمُ بَيّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى  ﴾ ثم قوله بعد ذلك: ﴿ رَسُولٌ مّنَ الله ﴾ لابد فيه من مضاف محذوف والتقدير: وتلك البينة وحي: ﴿ رَسُولٌ مّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ ﴾ فاعلم أن الصحف جمع صحيفة وهي ظرف للمكتوب، وفي: المطهرة وجوه: أحدها: مطهرة عن الباطل وهي كقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ وقوله: ﴿ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ  ﴾ .

وثانيها: مطهرة عن الذكر القبيح فإن القرآن يذكر بأحسن الذكر ويثني عليه أحسن الثناء.

وثالثها: أن يقال: مطهرة أي ينبغي أن لا يمسها إلا المطهرون، كقوله تعالى: ﴿ فِى كِتَٰبٍ مَّكْنُونٍ  لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ  ﴾ .

واعلم أن المطهرة وإن جرت نعتاً للصحف في الظاهر فهي نعت لما في الصحف وهو القرآن وقوله: ﴿ كتب ﴾ فيه قولان: ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ المراد من الكتب الآيات المكتوبة في الصحف والثاني: قال صاحب النظم: الكتب قد يكون بمعنى الحكم: ﴿ كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ  ﴾ ومنه حديث العسيف: لأقضين بينكما بكتاب الله أي بحكم الله فيحتمل أن يكون المراد من قوله: ﴿ كُتُبٌ قَيّمَةٌ ﴾ أي أحكام قيمة أما القيمة ففيها قولان الأول: قال الزجاج: مستقيمة لا عوج فيها تبين الحق من الباطل من قام يقوم كالسيد والميت، وهو كقولهم: قام الدليل على كذا إذا ظهر واستقام الثاني: أن تكون القيمة بمعنى القائمة أي هي قائمة مستقلة بالحجة والدلالة، من قولهم قام فلان بالأمر يقوم به إذا أجراه على وجهه، ومنه يقال للقائم بأمر القوم القيم، فإن قيل: كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إلى الرسول مع أنه كان أمياً؟

قلنا: إذا تلا مثلاً المسطور في تلك الصحف كان تالياً ما فيها وقد جاء في كتاب منسوب إلى جعفر الصادق أنه عليه السلام كان يقرأ من الكتاب، وإن كان لا يكتب، ولعل هذا كان من معجزاته صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ ففيه مسائل.

المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال، وهو أنه تعالى ذكر في أول السورة، أهل الكتاب والمشركين، وهاهنا ذكر أهل الكتاب فقط، فما السبب فيه؟

وجوابه: من وجوه: أحدها: أن المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد ومن لم يؤمن قتل، بخلاف أهل الكتاب الذين يقرون على كفرهم ببذل الجزية.

وثانيها: أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب أنهم وجدوها في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف.

المسألة الثانية: قال الجبائي: هذه الآية تبطل قول القدرية الذين قالوا: إن الناس تفرقوا في الشقاوة والسعادة في أصلاب الآباء قبل أن تأتيهم البينة والجواب: أن هذا ركيك لأن المراد منه أن علم الله بذلك وإرادته له حاصل في الأزل، أما ظهروه من المكلف فإنما وقع بعد الحالة المخصوصة.

المسألة الثالثة: قالوا: هذه الآية دالة على أن الكفر والتفرق فعلمهم لا أنه مقدر عليهم لأنه قال: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ ، ثم قال: ﴿ أوتوا الكتاب ﴾ أي أن الله وملائكته آتاهم ذلك فالخير والتوفيق مضاف إلى الله، والشر والتفرق والكفر مضاف إليهم.

المسألة الرابعة: المقصود من هذه الآية تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم أي لا يغمنك تفرقهم فليس ذلك لقصور في الحجة بل لعنادهم، فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبت وعبادة العجل: إلا من بعد ما جاءتهم البينة فهي عادة قديمة لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق: إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرّهم على الكفر إلاّ مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلاّ بعد اليسار: يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً.

وانفكاك الشيء من الشيء.

أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم ا يتركونه إلاّ عند مجيء البينة.

و ﴿ البينة ﴾ الحجة الواضحة.

و ﴿ رَّسُولٌ ﴾ بدل من البينة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ رسولا ﴾ حالاً من البينة ﴿ صُحُفاً ﴾ قراطيس ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ من الباطل ﴿ فِيهَا كُتُبٌ ﴾ مكتوبات ﴿ قَيِّمَةٌ ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق والعدل؛ والمراد بتفرقهم: تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه.

أو تفرقهم فرقاً؛ فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال: ليس به؛ ومنهم من عرف وعاند.

فإن قلت: لم جمع بين أهل الكتاب والمشركين أوّلاً ثم أفرد أهل الكتاب في قوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ؟

قلت: لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف ﴿ وَمَا أُمِرُواْ ﴾ يعني في التوراة والإنجيل إلاّ بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ أي: دين الملة القيمة.

وقرئ: ﴿ وذلك الدين القيمة ﴾ على تأويل الدين بالملة.

فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله ﴾ ؟

قلت: معناه: وما أمروا بما في الكتابين إلاّ لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ إلا أن يعبدوا ﴾ ، بمعنى: بأن يعبدوا.

قرأ نافع: ﴿ البريئة ﴾ بالهمز؛ والقرّاء على التخفيف.

والنبيّ، والبرية: مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل وقرئ: ﴿ خيار البرية ﴾ جمع خير، كجياد وطياب: في جمع جيد وطيب.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقبلاً» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ بِأنْ آمَنَ بَعْضُهم أوْ تَرَدَّدَ في دِينِهِ، أوْ عَنْ وعْدِهِمْ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ.

﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ وإفْرادُ أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ الجَمْعِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى شَناعَةِ حالِهِمْ، وأنَّهم لَمّا تَفَرَّقُوا مَعَ عِلْمِهِمْ كانَ غَيْرُهم بِذَلِكَ أوْلى.

﴿ وَما أُمِرُوا ﴾ أيْ في كُتُبِهِمْ بِما فِيها.

﴿ إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ لا يُشْرِكُونَ بِهِ.

﴿ حُنَفاءَ ﴾ مائِلِينَ عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ.

﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ ﴾ ولَكِنَّهم حَرَّفُوا وعَصَوْا.

﴿ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ دِينُ المِلَّةِ القَيِّمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة} فمنهم من أنكر

نبوته بغيا وحدا ومنهم من آمن وإثما أفرد أهل الكتاب بعد ما جمع أولاً بينهم وبين المشركين لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ كُفْرَهم قَدْ زادَ عِنْدَ ذَلِكَ فَقالَ جارُ اللَّهِ: كانَ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَقُولُونَ قَبْلَ المَبْعَثِ: لا نَنْفَكُّ عَمّا نَحْنُ فِيهِ مِن دِينِنا حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ المَوْعُودَ الَّذِي هو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وهو مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَقُولُونَهُ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ إلَخْ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ اجْتِماعَ الكَلِمَةِ والِاتِّفاقَ عَلى الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ ثُمَّ ما فَرَّقَهم عَنِ الحَقِّ وأقَرَّهم عَلى الكُفْرِ إلّا مَجِيئُهُ، ونَظِيرُهُ في الكَلامِ أنْ يَقُولَ الفَقِيرُ الفاسِقُ لِمَن يَعِظُهُ: لَسْتُ بِمُنْفَكٍّ مِمّا أنا فِيهِ حَتّى يَرْزُقَنِي اللَّهُ تَعالى الغِنى.

فَيَرْزُقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ فَيَزْدادَ فِسْقًا، فَيَقُولُ واعِظُهُ: لَمْ تَكُنْ مُنْفَكًّا عَنِ الفِسْقِ حَتّى تُوسَرَ وما غَمَسْتَ رَأْسَكَ في الفِسْقِ إلّا بَعْدَ اليَسارِ.

يُذَكِّرُهُ ما كانَ يَقُولُهُ تَوْبِيخًا وإلْزامًا.

وحاصِلُهُ أنَّ الأوَّلَ مِن بابِ الحِكايَةِ لِزَعْمِهِمْ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ إلَخْ إلْزامٌ عَلَيْهِمْ؛ حَكى اللَّهُ تَعالى كَلامَهم عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّعْيِيرِ فَقالَ: هَذا هو الثَّمَرَةُ.

وظاهِرُهُ أنَّهُ أرادَ بِتَفَرُّقِهِمْ عَنِ الحَقِّ وحُمِلَ عَلى الكُفْرِ والباطِلِ لِاسْتِلْزامِهِ إيّاهُ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ إلَخْ لِعِلْمِ حالِهِمْ مِن حالِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِالأوْلى.

وقِيلَ: وهو قَرِيبٌ مِن ذاكَ مِن وجْهٍ وفِيهِ إيضاحٌ لَهُ مَن وجْهٍ؛ أيْ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ والإيمانِ بِالرَّسُولِ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ إلى أنْ أتاهم ما جَعَلُوهُ مِيقاتًا لِلِاجْتِماعِ والِاتِّفاقِ فاجْعَلُوهُ مِيقاتًا لِلِانْفِكاكِ والِافْتِراقِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ إلَخْ.

وفي التَّعْبِيرِ بِ ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ إشارَةٌ إلى وكادَةِ وعْدِهِمْ.

وهُوَ مِن أهْلِ الكِتابِ مَشْهُورٌ حَتّى أنَّهم كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنا وانْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، ويَقُولُونَ لِأعْدائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ.

ومِنَ المُشْرِكِينَ لَعَلَّهُ وقَعَ مِن مُتَأخِّرِيهِمْ بَعْدَ ما شاعَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ مِمّا شاهَدُوا مَثَلًا مِن بَعْضِ مَن يُوثَقُ بِهِ بَيْنَهم مِن قَوْمِهِمْ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَقَدْ كانَ يَتَطَلَّبُ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ ويَقُولُ: قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ وإنَّهُ مِن قُرَيْشٍ، بَلْ مِن بَنِي هاشِمٍ، بَلْ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّهم قُبَيْلَ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمّى مِنهم غَيْرُ واحِدٍ ولَدَهُ بِمُحَمَّدٍ رَجاءَ أنْ يَكُونَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ، واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ إتْيانِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ بِاعْتِبارِ حالِ المَحْكِيِّ لا بِاعْتِبارِ حالِ الحِكايَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ ﴾ أيْ تَلَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ إلَخْ كَلامٌ مَسُوقٌ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً بِبَيانِ أنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ الِانْفِكاكِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِباهٍ في الأمْرِ بَلْ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ وتَبَيُّنِ الحالِ وانْقِطاعِ الأعْذارِ بِالكُلِّيَّةِ وهو السِّرُّ في وصْفِهِمْ بِإيتاءِ الكِتابِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن مُطالَعَتِهِ والإحاطَةِ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وصِحَّةِ بِعْثَتِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ فِيما سَبَقَ بِما هو جارٍ مَجْرى اسْمِ الجِنْسِ لِلطّائِفَتَيْنِ.

ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ والمُشْرِكُونَ بِاعْتِبارِ اتِّفاقِهِمْ عَلى الرَّأْيِ المَذْكُورِ في حُكْمِ فَرِيقٍ واحِدٍ عُبِّرَ عَمّا صَدَرَ مِنهم عَقِيبَ الِاتِّفاقِ عِنْدَ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ بِالِانْفِكاكِ، وعِنْدَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ بِالتَّفَرُّقِ اعْتِبارًا لِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِن فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ وإيذانًا بِأنَّ انْفِكاكَهم عَنِ الرَّأْيِ المَذْكُورِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ عَلى رَأْيٍ آخَرَ بَلْ بِطَرِيقِ الِاخْتِلافِ القَدِيمِ.

وتُعُقِّبَ التَّقْرِيرانِ بِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ إلّا عَلى إرادَةِ مُنْفَكِّينَ عَنِ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ.

وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: المَعْنى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وإنْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّ تَفْسِيرَ لِفَظِّ حَتّى بِما ذُكِرَ لَيْسَ مِنَ اللُّغَةِ في شَيْءٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا؛ أيْ لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ حَتّى وقَتِ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ أخْصَرُ، وفِيهِ أيْضًا ما لا يَخْفى.

وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَناقِبِ والفَضائِلِ إلى أنْ أتاهم فَحِينَئِذٍ تَفَرَّقُوا فِيهِ، وقالَ كُلٌّ مِنهم فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلًا زُورًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ عَلى إرادَةِ ما قُدِّرَ مُتَعَلِّقُ الِانْفِكاكِ.

وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ إلى وقْتِ مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلَمّا جاءَهم تَفَرَّقُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ ويَكْفِي ذَلِكَ في العَمَلِ بِمُوجِبِ حَتّى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ظاهِرَ ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ إلَخْ ذَمٌّ لِجَمِيعِهِمْ وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ إلَخْ ويَبْعُدُ ذَلِكَ عَلى حَمْلِ التَّفَرُّقِ عَلى إيمانِ بَعْضٍ وإصْرارِ بَعْضٍ.

وقِيلَ: المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِأنْ يَتَرَدَّدُوا فِيهِ بَلْ كانُوا جازِمِينَ بِهِ مُعْتَقَدِينَ حَقِّيَّتَهُ إلى أنْ أتاهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعِنْدَ ذَلِكَ اضْطَرَبَتْ خَواطِرُهم وأفْكارُهم وتَشَكَّكَ كُلٌّ في دِينِهِ ومَقالَتِهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى.

وقِيلَ: مَعْنى: ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ هالِكِينَ مِن قَوْلِهِمُ انْفَكَّ صِلا المَرْأةَ عِنْدَ الوِلادَةِ وهو أنْ يَنْفَصِلَ فَلا يَلْتَئِمُ، والمَعْنى لَمْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ ولا هالِكِينَ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وقَرِيبٌ مِنهُ مَعْنًى ما قِيلَ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الحَياةِ بِأنْ يَمُوتُوا ويَهْلَكُوا حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لَمْ يَنْفَكُّوا عَنْ دِينِهِمْ حَقِيقَةً إلى مَجِيءِ الرَّسُولِ التّالِي لِلصُّحُفِ المُبَيِّنَةِ نَسْخَهُ وبُطْلانَهُ ولَمّا جاءَ وتَبَيَّنَ ذَلِكَ انْفَكُّوا عَنْهُ حَقِيقَةً وإنْ بَقُوا عَلَيْهِ صُورَةً وفِيهِ ما فِيهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ أيْ مُنْفَصِلًا بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم مُقِرًّا الآخَرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِمّا اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ هَذا مِنَ اعْتِقادِهِ بِشَرِيعَتِهِ وهَذا مِنَ اعْتِقادِهِ بِأصْنامِهِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ اتَّصَلَتْ مَوَدَّتُهم واجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم إلى أنْ أتَتْهُمُ البَيِّنَةُ.

﴿ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا ﴾ أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ وانْفَصَلَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَقالَ كُلٌّ ما يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ.

﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ وكانَ يَقْتَضِي عِنْدَ مَجِيئِها أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى اتِّباعِها ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ: (بَلْ كانَ كُلٌّ مِنهم إلَخْ في حَيِّزِ المَنعِ.

وأيْضًا حُمِلَ: ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ عَلى ما حَمْلُهُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاهُنا وجْهٌ بارِعُ المَعْنى وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ ونَظَرِهِ سُبْحانَهُ حَتّى يَبْعَثَ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا يُقِيمُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةَ ويُتِمُّ عَلى مَن آمَنَ بِهِ النِّعْمَةَ فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانُوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ هَذا ما ظَفِرْنا بِهِ سُؤالًا وجَوابًا وجَرْحًا وتَعْدِيلًا.

ثُمَّ إنِّي أقُولُ ما تَقَدَّمَ في تَقْرِيرِ الإشْكالِ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ القائِلِينَ بِمَفْهُومِ الغايَةِ وهم أكْثَرُ الفُقَهاءِ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ كالقاضِي أبِي بَكْرٍ والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ وأبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ وغَيْرِهِمْ دُونَ مَذْهَبِ الغَيْرِ القائِلِينَ بِهِ وهم أصْحابُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ، واخْتارَهُ الآمِدِيُّ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما اسْتَدَلَّ ورَدَّ ما يُعارِضُهُ مِن أدِلَّةِ المُخالِفِ، وعَلَيْهِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أوَّلًا حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى وقْتِ إتْيانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ﴾ أيْ: عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ حَسَبَ اعْتِقادِهِمْ فِيهِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ، ولَمّا لَمْ يَتَعَرَّضْ في ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ لِحالِهِمْ بَعْدَ إتْيانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: وما تَفَرَّقُوا فَعَرَفَ بَعْضٌ مِنهُمُ الحَقَّ وآمَنَ وعَرَفَهُ بَعْضٌ آخَرُ مِنهم وعانَدَ فَلَمْ يُؤْمِن في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وطَوى سُبْحانَهُ ذِكْرَ حالِ المُشْرِكِينَ لِعِلْمِهِ بِالأوْلى مِن حالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ حالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِ والكافِرِ وما لَهُ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ مِمّا تَقَدَّمَ كَوْنُ الِانْفِكاكِ عَنِ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ، ولَعَلَّ القَرِينَةَ عَلى اعْتِبارِهِ حالِيَّةٌ، ويَحْتَمِلُ نَحْوًا آخَرَ مِنَ التَّوْجِيهِ وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ الكَلامُ مِن بابِ الأعْمالِ فَيُقالُ: إنَّ «مُنْفَكِّينَ» يَقْتَضِي مُتَعَلِّقًا هو المُنْفَكُّ عَنْهُ و«تَأْتِيَهُمْ» يَقْتَضِي فاعِلًا ولَيْسَ في الكَلامِ سِوى البَيِّنَةِ فَكُلٌّ مِنهُما يَقْتَضِيهِ، فَأُعْمِلَ فِيهِ «تَأْتِيَهُمْ» وحُذِفَ مَعْمُولُ ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُنْفَكِّينَ عَنِ البَيِّنَةِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ الرَّسُولَ كانَ الكَلامُ في قُوَّةِ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الرَّسُولِ حَتّى يَأْتِيَهم.

ويُرادُ بِعَدَمِ الِانْفِكاكِ عَنِ الرَّسُولِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ عَدَمُ الِانْفِكاكِ عَنْ ذِكْرِهِ والوَعْدِ بِاتِّباعِهِ ويَكُونُ باقِي الكَلامِ في الآيَةِ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَفَرَّقَ ﴾ إلَخْ أنَّهُ عَلى مَعْنى: وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ عَنِ الرَّسُولِ وما انْفَكُّوا عَنْهُ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهم فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما أتَيْناكَ بِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني: اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ يعني: عبدة الأوثان مُنْفَكِّينَ يعني: غير منتهين عن كفرهم، وعن قولهم الخبيث حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ يعني: حتى أتاهم البيان، فإذا جاءهم البيان، فريق منهم انتهوا وأسلموا، وفريق ثبتوا على كفرهم.

ويقال: لم يزل الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين، حتى وجب في الحكمة علينا في هذا الحال، إرسال الرسول إليهم.

ويقال: معناه لم يكونوا منتهين عن الكفر، حتى أتاهم الرسول والكتاب، فلما آتاهم الكتاب والرسول، تابوا ورجعوا عن كفرهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، والذين أسلموا من مشركي العرب.

وقال قتادة: الْبَيِّنَةُ أراد به محمدا  ، وقال القتبي: مُنْفَكِّينَ أي: زائلين يقال: لا أنفك من كذا أي: لا أزول.

قوله تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً يعني: قرآناً مطهراً من الزيادة والنقصان.

ويقال: مطهراً من الكذب، والتناقض ويقال: صُحُفاً مُطَهَّرَةً أي: أمور مختلفة.

ويقال: سمي القرآن صحفاً، من كثرة السور فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ يعني: صادقة مستقيمة لا عوج فيها.

ويقال: كتب قيمة، يعني: تدل على الصواب والصلاح، ولا تدل على الشرك والمعاصي.

ثم قال عز وجل: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: وما اختلفوا في محمّد  ، وهم اليهود والنصارى إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ يعني: بعد ما ظهر لهم الحق، فنزل القرآن على محمد  .

ثم قال: وَما أُمِرُوا يعني: وما أمرهم محمد  إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ يعني: ليوحدوا الله.

ويقال: وَما أُمِرُوا يعني: وما أمرهم محمد  إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ يعني: ليوحدوا الله.

ويقال: وَما أُمِرُوا في جميع الكتب، إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ يعني: يوحدوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ مسلمين.

روي عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: حُنَفاءَ يعني: متبعين.

وقال الضحاك حُنَفاءَ يعني: حجاجاً يحجون بيت الله تعالى.

ثم قال: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: يقرون بالصلاة، ويؤدونها في مواقيتها وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ يعني: يقرون بها ويؤدونها وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ يعني: المستقيم لا عوج فيه، يعني: الإقرار بالتوحيد، وبالصلاة والزكاة، وإنما بلفظ التأنيث الْقَيِّمَةِ لأنه انصرف إلى المعنى، والمراد به الملة، يعني: الملة المستقيمة لا عوج فيها.

يعني: هذا الذي يأمرهم محمد  ، وبهذا أُمروا في جميع الكتب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «البيّنة»

وهي مكّيّة في قول الجمهور وقيل: مدنيّة، والأوّل أشهر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)

[قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» وفي حرف ابن مسعودٍ «٢» : «لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ مُنْفَكِّينَ» .

وقوله تعالى: مُنْفَكِّينَ معناه: مُنْفَصِلِينَ متفرقينَ، تقول: انْفَكَّ الشيءُ عن الشيء إذا انفصلَ عنه، وأمَّا انفك التي هي مِنْ أخواتِ «كَانَ» فلا مَدْخَلَ لَها هنا، قال مجاهد وغيره: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن الكفرِ والضلالِ حتى جَاءَتْهُم البينةُ «٣» ، وأوقَعَ المستقبلَ موقِعَ الماضي في تأتيهم، والبينات: محمّد صلّى الله عليه وسلّم وشرْعُهُ، قال الثعلبيُّ: وَالْمُشْرِكِينَ يعني: من العربِ وهم عَبَدةُ الأوثانِ، انتهى، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكِّينَ عَنْ معرفةِ صحةِ نبوةِ محمّد صلّى الله عليه وسلّم والتَّوَكُّفِ لأمره حتى جاءتهم البينةُ فَتَفَرَّقُوا عند ذلك، / ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ قولٌ ثالثٌ بارعُ المعنى وذلك أَنْ يكونَ المرادُ: لَمْ يكن هؤلاء القوم

منفكينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَظَرِهِ لَهُمْ حَتَّى يبعثَ إليهمْ رَسُولاً تقومُ عليهم به الحجةُ، وتتمُّ عَلى مَنْ آمن بهِ النعمةُ فكأَنَّه قَالَ: ما كانوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، والصحفُ المطهَّرة: القرآنُ في صحفهِ قاله قتادة والضحاك «١» ، وقال الحسن: الصحفُ المطهَّرة في السماءِ «٢» ، فِيها كُتُبٌ أي: أحكام كتب، وقَيِّمَةٌ معناه قَائِمة معتدلَة آخذةٌ للناسِ بالعَدْلِ، ثُمَّ ذَمّ تعالى أهْلَ الكتابِ في أنّهم لم يتفرّقوا في أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلا مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ الواضحةَ وكانوا مِنْ قَبْلُ مُتَّفِقِينَ على نُبُوَّتهِ وصفتهِ، وحُنَفاءَ: جَمْعُ حنيفٍ وهو المستقيمُ، وذِكْر الزكاةِ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسرائيل يُقَوِّي قَوْلَ من قَال: السورةُ مدنيةٌ لأنَّ الزكاةَ إنما فُرِضَتْ بالمدينةِ، ولأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنَّما دُفِعَ إلى مناقَضَةِ أهْلِ الكتَابِ بالمدينةِ، وقرأ الجمهور:

«وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة والفِرْقَةِ القيمة، وقال- ص-: قراءة الجمهور:

«وذلك دين القيمة» على تقديرِ الأمَّةِ القَيِّمَةِ أي: المستقيمةِ أو الكتُب القيمةِ، وقرأ عبد اللَّه «٣» : «وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ» بتعريفِ الدِّينِ ورَفْعِ القيمة صفةً، والهاءُ فيه للمبالغَةِ أو عَلى تأويل أنّ الدّين بمعنى الملّة، انتهى، والْبَرِيَّةِ جميعُ الخَلْقِ لأن اللَّه تعالى براهُم أي: أوْجَدَهُمْ بَعْدَ العَدَم.

وقوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قِيْلَ ذلك في الدنيا فَرِضاه عنهم هو ما أظْهَرَه عليهم من أمَارَاتِ رحمتهِ، ورضاهُم عنه هو رضَاهم بجميعِ مَا قَسَمَ لَهم من جميعِ الأرزاقِ والأقدارِ، وقال بعضُ الصالحين: / رَضَى العبادِ عن اللَّهِ رِضَاهُمْ بِما يَرِدُ من أحكامِه، ورِضَاه عنهم أن يُوَفِّقَهُمْ للرِّضَى عَنْهُ، وقال سري السقطي: إذَا كُنْتَ لاَ تَرْضَى عَنِ اللَّهِ فكَيْفَ تَطْلُبُ منْه أنْ يَرْضَى عَنْكَ، وقيل ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وخَصَّ تعالى بالذكرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لأنها رأْسُ كلِّ بَرَكَةٍ وهيَ الآمِرَةُ بالمعروفِ والناهِيَةُ عن المنكر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ البَيِّنَةِ وَفِيها قَوْلانِ أحَدُهُما: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿ والمُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: ومِنَ المُشْرِكِينَ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ أيْ: مُنْفَصِلِينَ وزائِلِينَ يُقالُ: فَكَكْتُ الشَّيْءَ، فانْفَكَّ، أيِ: انْفَصَلَ- والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا زائِلِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ ﴾ أيْ: حَتّى أتَتْهُمْ، فَلَفْظُهُ لَفْظُ المُسْتَقْبَلِ، ومَعْناهُ الماضِي.

و ﴿ البَيِّنَةُ ﴾ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ  ، وذَلِكَ أنَّهُ بَيَّنَ لَهم ضَلالَهم وجَهْلَهم.

وهَذا بَيانٌ عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إذْ أنْقَذَهم.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا حَتّى بُعِثَ فافْتَرَقُوا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُونُوا لِيُتْرَكُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حُجَجِ اللَّهِ حَتّى أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّنَةُ.

والوَجْهُ هو الأوَّلُ.

والرَّسُولُ هاهُنا مُحَمَّدٌ  .

ومَعْنى ﴿ يَتْلُو صُحُفًا ﴾ أيْ: ما تَضَمَّنَتْهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو القُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لا مِن كِتابٍ.

ومَعْنى ﴿ مُطَهَّرَةً ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والباطِلِ.

﴿ فِيها ﴾ أيْ: في الصُّحُفِ ﴿ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ أيْ: عادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وهي الآياتُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما قِيلَ لَها: كُتُبٌ لِما جَمَعَتْ مِن أُمُورٍ شَتّى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهم ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مُحَمَّدٌ  .

والمَعْنى: لَمْ يَزالُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ بِهِ حَتّى بُعِثَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: ما في كُتُبِهِمْ مِن بَيانِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: وما تَفَرَّقُوا في كُفْرِهِمْ بِالنَّبِيِّ إلّا مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنُوا أنَّهُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ في كُتُبِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُمِرُوا ﴾ أيْ: في كُتُبِهِمْ ﴿ إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَجْعَلُ اللّامَ في مَوْضِعِ " أنْ " في الأمْرِ والإرادَةِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  ﴾ ، و ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ  ﴾ .

وقالَ في الأمْرِ ﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ لا يَعْبُدُونَ سِواهُ ﴿ حُنَفاءَ ﴾ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ ﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ المَكْتُوبَةَ في أوْقاتِها ﴿ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ﴾ عِنْدَ وُجُوبِها ﴿ وَذَلِكَ ﴾ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ هو ﴿ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دِينُ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ بِالحَقِّ.

ويَكُونُ المَعْنى: ذَلِكَ الدِّينُ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالهَمْزِ بِالكَلِمَتَيْنِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فِيهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَرِيَّةُ: الخَلْقُ.

وأكْثَرُ العَرَبِ والقُرّاءِ عَلى تَرْكِ هَمْزِها لِكَثْرَةِ ما جَرَتْ عَلى الألْسِنَةِ، وهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ.

ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مَن بَرَيْتُ العُودَ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّها مِنَ البَرى وهو التُّرابُ [أيْ: خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، وقالُوا: لِذَلِكَ لا يُهْمَزُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ مِنَ البَرى وهو التُّرابُ] لَما قُرِنَتْ بِالهَمْزِ، وإنَّما اشْتِقاقُها مَن بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ.

وقالَ الخَطابِيُّ: أصْلُ البَرِيَّةِ الهَمْزُ، إلّا أنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلى تَرْكِ الهَمْزِ فِيها.

وما بَعْدَهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِطاعَتِهِمْ ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بِثَوابِهِ.

وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللَّهِ، فَكَيْفَ تَسْألُهُ الرِّضى عَنْكَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ أيْ: خافَهُ في الدُّنْيا، وتَناهى عَنْ مَعاصِيهِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ لَمْ يَكُنْ وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾ ﴿ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ ﴿ وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَلاةَ ويُؤْتُوا الزَكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ وفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما كانَ الَّذِينَ"، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [لَمْ يَكُنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ]، وقَوْلُهُ تَعالى: "مُنْفَكِّينَ"، مَعْناهُ مُنْفَصِلِينَ مُتَفَرِّقِينَ، تَقُولُ: "انْفَكَّ الشَيْءُ عَنِ الشَيْءِ" إذا انْفَصَلَ عنهُ، و"ما انْفَكَّ" الَّتِي هي مِن أخَواتِ "كانَ" لا مَدْخَلَ بِها في هَذِهِ الآيَةِ، ونَفى في هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَنِيعَةُ مُنْفَكَّةً.

واخْتَلَفَ الناسُ، عن ماذا؟

فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عَنِ الكُفْرِ والضَلالِ حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، وأُوقِعَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في "تَأْتِيهِمْ" لِأنَّ باقِيَ الشَرِيعَةِ وعُظْمَها لَمْ يُرِدْهُ بَعْدُ.

وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  والتَوَكُّفُ لِأمْرِهِ، حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ فَتَفَرَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ.

وذَهَبَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ إلى هَذا النَفْيِ المُتَقَدِّمِ مَعَ "مُنْفَكِّينَ" يَجْعَلُها تِلْكَ الَّتِي هي مَعَ "كانَ"، ويَرى التَقْدِيرَ في خَبَرِها: عارِفِينَ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ  أو نَحْوِ هَذا، ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ بارِعُ المَعْنى، وذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَمْ يَكُنْ هَؤُلاءِ القَوْمُ مُنْفَكِّينَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى وقُدْرَتِهُ ونَظَرِهِ لَهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مُنْذِرًا، تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، وتَتِمُّ عَلى مَن آمَنَ النِعْمَةَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كانُوا لِيَتْرُكُوا سُدًى، ولِهَذا نَظائِرُ في كِتابِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "والمُشْرِكُونَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: [والمُشْرِكِينَ] بِالخَفْضِ، ومَعْناهُما بَيِّنٌ.

و"البَيِّنَةُ" مَعْناهُ: القِصَّةُ البَيِّنَةُ والجَلِيَّةُ، والمُرادُ مُحَمَّدٌ  ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَسُولٌ" بِالرَفْعِ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: [رَسُولًا] بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.

و"الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ": القُرْآنُ في صُحُفِهِ، قالَهُ الضَحّاكُ وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: الصُحُفُ المُطَهَّرَةُ في السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فِيها أحْكامُ كُتُبٍ قَيِّمَةٍ، و"قَيِّمَةٌ" مَعْناهُ: قائِمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ آخِذَةٌ لِلنّاسِ بِالعَدْلِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَإلى "قَيِّمَةٌ" هو ذِكْرُ مَن آمَنَ مِنَ الطائِفَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَذَمَّةَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِن أهْلِ الكِتابِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن أنَّهم لَمْ يَتَفَرَّقُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ  إلّا مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ الواضِحَةَ، وكانُوا مِن قَبْلُ مُصَفِّقِينَ عَلى نَبُّوتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مُخْلِصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وكَأنَّ "الدِينَ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مَنصُوبٌ بِـ "يعبُدُوا"، أو بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، عَلى أنَّهُ كالظَرْفِ أوِ الحالِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقِيلَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ تَعالى؟

قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى ولا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ الناسُ عَلَيْهِ.

و"حُنَفاءَ" جَمْعُ "حَنِيفٍ"، وهو المُسْتَقِيمُ المائِلُ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبَ حَنِيفًا إلّا مَن حَجَّ واخْتَتَنَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "حُنَفاءَ": حُجّاجًا مُسْلِمِينَ، و"حُنَفاءَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، وكَوْنُ الزَكاةِ مَعَ الصَلاةِ في هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ فِيها يُقَوِّي قَوْل مَن قالَ" السُورَة مَدَنِيَّة؛ لِأنَّ الزَكاةَ إنَّما فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ، ولِأنَّ النَبِيَّ  إنَّما دَفَعَ مُناقَضَةَ أهْلِ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ" عَلى مَعْنى: الجَماعَةِ القَيِّمَةِ، أوِ الفِرْقَةِ القَيِّمَةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الأشْعَثِ الطالِقانِيُّ: "القِيمَةُ" هُنا: الكُتُبُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "وَذَلِكَ الدِينُ القَيِّمَةِ"، فالهاءُ في "القِيمَةِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- بِناءُ مُبالِغَةٍ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، ويَتَّجِهُ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنْ تَجْعَلَ "الدِينَ" بِمَنزِلَةِ المِلَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ارتقاء في الإِبطال وهو إبطال ثان لدعواهم بطريق النقض الجدلي المسمى بالمعارضة وهو تسليم الدليل والاستدلالُ لما ينافي ثبوت المدلول، وهذا إبطال خاص بأهل الكتاب اليهود والنصارى، ولذلك أظهر فاعل ﴿ تفرق ﴾ ولم يقل: وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة، إذ لو أضمر لتوُهِّمَت إرادة المشركين من جملة معاد الضمير، بعد أن أبطل زعمهم بقوله: ﴿ رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة ﴾ [البينة: 2] ارتقى إلى إبطال مزاعمهم إبطالاً مشوباً بالتكذيب وبشهادة ما حصل في الأزمان الماضية.

فيجوز أن تكون الواو للعطف عاطفة إبطالاً على إبطال، ويجوز أن تكون واو الحال.

والمعنى: كيف يزعمون أن تمسكهم بما هم عليه من الدين مغيّاً بوقت أن تأتيهم البينة والحال أنهم جاءتهم بينة من قبل ظهور الإِسلام وهي بينة عيسى عليه السلام فتفرقوا في الإِيمان به فنشأ من تفرقهم حدوث مِلتين اليهودية والنصرانية.

والمراد بهذه البينة الثانية مجيء عيسى عليه السلام فإن الله أرسله كما وعدهم أنبياؤهم أمثالُ إلياسَ واليسع وأشعياء.

وقد أجمع اليهود على النبي الموعود به تجديد الدين الحق وكانوا منتظرين المخلص، فلما جاءهم عيسى كذبوه، أي فلا يطمع في صدقهم فيما زعموا من انتظار البينة بعد عيسى وهم قد كذبوا ببينة عيسى، فتبين أن الجحود والعناد شنشنة فيهم معروفة.

والمراد بالتفرق: تفرق بني إسرائيل بين مكذّب لعيسى ومؤمن به وما آمن به إلا نفر قليل من اليهود.

وجُعل التفرق كناية عن إنكار البينة لأن تفرقهم كان اختلافاً في تصديق بينة عيسى عليه السلام، فاستعمل التفرق في صريحه وكنايته لقصد إدماج مَذَمتهم بالاختلاف بعد ظهور الحق كقوله: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ [آل عمران: 19].

فالتعريف في ﴿ البينة ﴾ المذكورة ثانياً يجوز أن يكون للعهد الذهني، أو للمعهود بَيْن المتحدَّث عنهم، وهي بينة أخرى غير الأولى وإعادتُها من إعادة النكرة نكرة مثلها إذ المعرف بلام العهد الذهني بمنزلة النكرة، أو من إعادة المعرفة المعهودة معرفةً مثلها، وعلى كلا الوجهين لا تكون المعادة عين التي قبلها.

وقد أطبقت كلمات المفسرين على أن معنى قوله تعالى: ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ أنهم ما تفرقوا عن اتباع الإِسلام، أي تباعدوا عنه إلا من بعد ما جاء محمد صلى الله عليه وسلم وهذا تأويل للفظ التفرق وهو صرف عن ظاهره بعيد فأشكل عليهم وجه تخصيص أهل الكتاب بالذكر مع أن التباعد عن الإِسلام حاصل منهم ومن المشركين، وجعلوا المراد ب ﴿ البينة ﴾ الثانية عين المراد بالأولى وهي بينة محمد صلى الله عليه وسلم سوى أن الفخر ذكر كلمات تنبئ عن مخالفة المفسرين في محمل تفرق الذين أوتوا الكتاب فإنه بعد أن قرر المعنى بما يوافق كلام بقية المفسرين أتى بما يقتضي حمل التفرق على حقيقته، وحمل البينة الثانية على معنى مغاير لمحمل ﴿ البينة ﴾ الأولى، إذ قال: «المقصود من هذه الآية تسلية محمد صلى الله عليه وسلم أي لا يغمنّك تفرقهم فليس ذلك لقصور في الحجة بل لعنادهم فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبب وعبادة العجل إلا بعد ما جاءتهم البينة، فهي عادة قديمة لهم»، وهو معارض لأول كلامه، ولعله بدا له هذا الوجه وشغله عن تحريره شاغل وهذا مما تركه الفخر في المسودة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ البَيِّنَةِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلامٍ، وعِنْدَ الجُمْهُورِ مَدَنِيَّةٌ وهو الصَّوابُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ﴾ مَعْناهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ هم أهْلُ الكِتابِ، ولَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ هم عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، وغَيْرُهُمُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ.

.

﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُونُوا مُنْتَهِينَ عَنِ الشِّرْكِ ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ.

وَهَذا قَوْلٌ ثانٍ: لَمْ يَزالُوا مُقِيمِينَ عَلى الشِّرْكِ والرِّيبَةِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، يَعْنِي الرُّسُلَ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّالِثُ: لَمْ يَفْتَرِقُوا ولَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ إلَيْهِمْ رَسُولًا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا  وتَفَرَّقُوا، فَمِنهم مَن آمَنَ بِرَبِّهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: لَمْ يَكُونُوا لِيُتْرَكُوا مُنْفَكِّينَ مِن حُجَجِ اللَّهِ تَعالى، حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ الَّتِي تَقُومُ بِها عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ إذا قُلْتُ أنْفَكُّ مِن حُبِّها أبى عالِقُ الحُبِّ إلّا لُزُوما وَفِي ﴿ البَيِّنَةُ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الرَّسُولُ الَّذِي بانَتْ فِيهِ دَلائِلُ النُّبُوَّةِ.

الثّالِثُ: بَيانُ الحَقِّ وظُهُورُ الحُجَجِ.

وَفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ مُنْفَكِّينَ.

﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا.

﴿ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: يَتَعَقَّبُ بِنُبُوَّتِهِ نُزُولَ الصُّحُفِ المُطَهَّرَةِ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ.

وَفي ﴿ مُطَهَّرَةً ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: مُطَهَّرَةُ الحُكْمِ بِحُسْنِ الذِّكْرِ والثَّناءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لِنُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ.

﴿ فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي كُتُبَ اللَّهِ المُسْتَقِيمَةَ الَّتِي جاءَ القُرْآنُ بِذِكْرِها، وثَبَتَ فِيهِ صِدْقُها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يَعْنِي فُرُوضَ اللَّهِ العادِلَةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى.

﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: البَيِّنَةُ ما في كُتُبِهِمْ مِن صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

﴿ وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُقِرِّينَ لَهُ بِالعِبادَةِ.

الثّانِي: ناوِينَ بِقُلُوبِهِمْ وجْهَ اللَّهِ تَعالى في عِبادَتِهِمْ.

الثّالِثُ: إذا قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أنْ يَقُولَ عَلى أثَرِها (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ)، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: إلّا لِيُخْلِصُوا دِينَهم في الإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ.

﴿ حُنَفاءَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَّبَعِينَ.

الثّانِي: مُسْتَقِيمِينَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ.

الثّالِثُ: مُخْلِصِينَ، قالَهُ خَصِيفٌ.

الرّابِعُ: مُسْلِمِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وقالَ الشّاعِرُ أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلًا الخامِسُ: يَعْنِي حُجّاجًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ; وقالَ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: إذا اجْتَمَعَ الحَنِيفُ والمُسْلِمُ كانَ مَعْنى الحَنِيفِ الحاجَّ وإذا انْفَرَدَ الحَنِيفُ كانَ مَعْناهُ المُسْلِمَ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا تُسَمِّي العَرَبُ الحَنِيفَ إلّا لِمَن حَجَّ واخْتَتَنَ.

السّادِسُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ.

﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وذَلِكَ دِينُ الأُمَّةِ المُسْتَقِيمَةِ.

الثّانِي: وذَلِكَ دِينُ القَضاءِ القَيِّمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: وذَلِكَ الحِسابُ المُبِينُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: وذَلِكَ دِينُ مَن قامَ لِلَّهِ بِحَقِّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ لم يكن ﴾ بالمدينة.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ﴿ لم يكن ﴾ بمكة.

وأخرج أبو نعيم في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم المزني أحد بني فضيل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسمع قراءة ﴿ لم يكن ﴾ فيقول: أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» .

وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم عن مطر المزني أو المدني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليسمع قراءة ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ فيقول: أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» .

وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن أبي حبة البدري قال: «لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى آخرها، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبياً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة.

قال أبيّ: وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟

قال: نعم فبكى» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ قال: وسماني لك؟

قال: نعم فبكى، وفي لفظ: لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ دعا أبيّ بن كعب فقرأها عليه، فقال: أمرت أن أقرأ عليك» .

وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيته لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل ذلك فلن يكفره» .

وأخرج أحمد عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ عليَّ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره» قال شعبة: ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ «لو أن لابن آدم وادياً من مال لسأل وادياً ثانياً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» ، قال: ثم ختم بما بقي من السورة.

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبيّ إني أمرت أن أقرئك سورة فأقرأنيها ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة ﴾ أي ذات اليهودية والنصرانية إن أقوم الدين الحنيفية مسلمة غير مشركة، ومن يعمل صالحاً فلن يكفره ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية، ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده، وأولئك عند الله هم خير البرية ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ﴾ » .

وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس، ثم قال له عمر: كم مالك؟

قال: أربعون من الإِبل.

قال ابن عباس: قلت صدق الله ورسوله لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

فقال عمر: ما هذا؟

فقلت: هكذا اقرأني أبيّ.

قال: فمر بنا إليه فجاء إلى أبيّ فقال: ما تقول هذا؟

قال أبيّ: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: إذاً أثبتها في المصحف؟

قال: نعم.

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: قلت يا أمير المؤمنين: إن أبيّاً يزعم أنك تركت من آيات الله آية لم تكتبها.

قال: والله لأسألن أبيّاً فإن أنكر لتكذبن.

فلما صلى صلاة الغداة غدا على أبيّ فأذن له وطرح له وسادة وقال: يزعم هذا أنك تزعم أني تركت آية من كتاب الله لم أكتبها.

فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» فقال عمر: أفأكتبها؟

قال: لا أنهاك.

قال: فكأن أبيّاً شك أقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرآن منزل.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ لقي أبيّ بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبيّ إن الله قد أنزل سورة وأمرني أن أقرئكها فقال: الله أمرك؟

قال: نعم.

قال: فافعل.

قال: فاقرأها إياه.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ﴾ قال: منتهين عما هم فيه ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ أي هذا القرآن ﴿ رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة ﴾ قال: يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ﴾ والحنيفية الختام وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك ﴿ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ قال: هو الذي بعث الله به رسوله وشرعه لنفسه ورضيه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ منفكين ﴾ قال: برحين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ منفكين ﴾ قال: منتهين لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ قال: محمد، وفي قوله: ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ قال: القيم.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ قال: محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عقيل قال: قلت للزهري تزعمون أن الصلاة والزكاة ليسا من الإِيمان فقرأ ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ ترى هذا من الإِيمان أم لا؟.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: إن قوماً قالوا: إن الصلاة والزكاة ليسا من الدين فقال: أليس يقول الله: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ فالصلاة والزكاة من الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال: كان أبو واثل إذا سئل عن شيء من الإِيمان قرأ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟

والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك واقرأوا إن شئتم ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: من أكرم الخلق على الله؟

قال: يا عائشة أما تقرئين ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ » .

وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ » فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: عليّ خير البرية.

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين» .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمع قول الله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ .

قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد -  -، لأن نعته معهم، فلما بعثه الله تفرقوا في أمره، واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون (١) وهذا المعنى مذكور في مواضع من التنزيل كثير [[نحو قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ \[الشوري: 14\].]].

والمراد بالبينة النبي -  - (٢) (٣) (٤)  -، وذكر هاهنا فرقة واحدة ثبتوا على الكفر، وهم من أهل الكتاب؛ ذلك لأن المشركين لم يقروا على دينهم، فمن آمن منهم صار مؤمنًا، ومن لم يؤمن قوتل وأريق دمه، بخلاف أهل الكتاب الذين تفرقوا على دينهم بأخذ الجزية (٥) ثم ذكر بماذا كانوا أمروا في كتبهم فقال: (١) حكاه عن الأكثرين: البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 513، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 289، والشوكاني في "فتح القدير" 5/ 475، وقال به الطبري في "جامع البيان" 30/ 263، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 143، و"لباب التأويل" 4/ 399.

(٢) قال بذلك أيضًا: عكرمة، وابن جريج: "الدر المنثور" 8/ 588 وعزاه إلى ابن المنذر.

(٣) آية: 1 من هذه السورة.

(٤) من أول السورة إلى قوله: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين.

ومن قوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج.

"الكشف والبيان" 13/ 132 ب.

(٥) المراد بالجزية: الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغاراً، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقاً.

"أحكام أهل الذمة" لابن قيم الجوزية 1/ 22، "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" للماوردي 181.

وقد أجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس.

"أحكام أهل الذمة" 1/ 1.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة ﴾ أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ ﴾ [فصلت: 45] وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بما يجدون في كتبهم من ذكره ﴿ وَمَآ أمروا ﴾ الآية: هنا معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرّفوا أو بدّلوا، ويحتمل أن يكون المعنى ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأيّ شيء ينكرونه ويكفرون به ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وهذا الإخلاص في التوحيد من الشرك الجلّي، وهذا الإخلاص في الأعمال من الشرك الخفيّ، وهو الرياء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياء الشرك الأصغر» وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه» .

واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات، فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها بنية أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وجه الله، من طلب منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال.

وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنية وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك فإن فعلها بغير نية لم يكن فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قُربَه إذا قصه به وجه الله مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ جمع حنيف وقد ذكر ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ تقديره: الملة القيمة، أو الجماعة القيمة وقد فسرنا القيمة ومعناها أن الذي أمروا به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام فلأيّ شيء لا يدخلون فيه؟

﴿ البرية ﴾ الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم بعد العدم.

وقرأ بالهمز وهو الأصل بالياء وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر استعمالاً عند العرب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ البريئة ﴾ بالهمزة نافع وابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ البينة ﴾ لا ﴿ مطهرة ﴾ ه ك ﴿ قيمة ﴾ ه ك ﴿ البينة ﴾ ه ط ﴿ القيمة ﴾ ه ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ البرية ﴾ ه ط ﴿ الصالحات ﴾ ه لا ﴿ البرية ﴾ ه ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ه التفسير: استصعب بعض العلماء ومنهم الواحدي حل هذه الآية لأنه  لم يبين أنهم منفكون عن أي شيء إلا أن الظاهر أنه يريد أنفاكهم عن كفرهم، ثم إنه فسر البينة بالرسول  ومعلوم أن "حتى" لانتهاء الغاية، فالآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول وهذا ينافي قوله ﴿ وما تفرق ﴾ الآية.

والجواب على ما قال صاحب الكشاف، أن هذه حكاية كلام الكفار، وتقديره أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث النبي  : لا ننفك عما نحن فيه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي  الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد  فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه.

ثم قال ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والإنفاق على الحق إذا جاءهم الرسول.

ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر، إلا مجيء الرسول ونظيره من كلام البشر أن يقول الفاسق لمن يعظه: لست بممتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، فلما رزقه الغنى ازداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً لأن الذي وقع كان خلاف ما ادعى.

وقيل: إن " حتى " للمبالغة فيؤل المعنى إلى قولك مثلاً لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة.

وقال قوم: إنا لا نحمل قوله ﴿ منفكين ﴾ على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد  بالمناقب والفضائل، ثم لما جاءهم محمد  تفرقوا وقال كل واحد فيه قولاً آخر رديئاً، فتكون الآية كقوله ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ﴾ ولا يبعد في هذا الوجه أن يكون بعضهم قد قال في محمد قولاً حسناً وآمن به لأن التفرق يحصل بأن لا يكون الجميع باقين على حالهم الأولى، فإذا صار بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً على اختلاف طرق الكفر حصل التفرقة.

ولا يبعد أيضاً أن يراد أنهم لم يكونوا منفكين عن اتفاق كلمتهم على كفرهم حتى جاءهم الرسول فحينئذ تفرقوا، وما بقوا على ذلك الائتلاف واضطربت أقوالهم.

وفي قوله ﴿ منفكين ﴾ إشارة إلى هذا لأن انفكاك الشيء هو انفصاله عنه بعد التحامه والتئامه كالعظم إذا انفك عن مفصله، فالمعنى أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد وعن الجزم بصحتها إلا بعد مبعث النبي  .

وقوله ﴿ من أهل الكتاب والمشركين ﴾ بيان للذين كفروا، والمراد أن الكفار فريقان بعضهم أهل الكتاب ومن يجري مجراهم كالمجوس، وبعضهم مشركون وقيل: المشركون هم أهل الكتاب أيضاً، وذلك أن النصارى هم أهل التثليث واليهود أهل التشبيه.

وقد يقول القائل: جاءني العقلاء والظرفاء وأراد قوماً بأعيانهم.

وفائدة الواو أنهم جامعون بين الوصفين، ومما يؤيد هذا الوجه أنه لم يعد إلا ذكر أهل الكتاب في قوله ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ والأولون اعتذروا عن ذلك بأنهم إنما خصصوا بالذكر لفضلهم وبركة علمهم ولمزيد توبيخهم فإن العصيان والعناد من العالم أقبح، ولعل هذا هو السبب في تقديم ذكرهم أولاً.

والبينة الحجة الواضحة، وإطلاقها على الرسول كإطلاق النور والسراج عليه.

والصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن المطهر من النقائص ومس المحدث إياه، ومعنى تلاوة الصحف إملاؤه إياها.

وعن جعفر الصادق  أنه  كان يقرأ من الكتاب وإن كان لا يكتب ولعل هذا من معجزاته.

والكتب المكتوبات.

والقيمة المستقيمة أو المستقلة بالدلالة من قولهم " قام فلان بأمر كذا ".

وقال أبو مسلم: البينة مطلق الرسل وهم الملائكة أي رسل من السماء يتلون عليهم صحفاً كقوله ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء  ﴾ وكقوله ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  ﴾ قال الجبائي: في قوله وما تفرقوا إلا من بعد كذا دلالة على أن الشقاوة والسعادة لم يثبتا في الأزل ولا في أصلاب الآباء.

وزيف بأن المراد ظهور التفرق منهم لا حصوله في علم الله وهو ظاهر.

قوله ﴿ وما أمروا ﴾ أي وما أمروا بما أمروا به في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله على حالة الإخلاص والميل عن الأديان الباطلة.

فقوله ﴿ حنفاء ﴾ حال مترادفة أو متداخلة ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ موصوفها محذوف أي دين الملة القيمة.

ويعلم من هذا الإخبار أن الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضاً كما في شرعهم، ويحتمل أن يراد وما أمروا على لسان محمد  قاله مقاتل.

استدل بالآية من قال: إن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والعمل بيانه أن الله  ذكر العبادة المقرونة بالإخلاص وهو التوحيد، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أشار إلى المجموع بقوله ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ ورد بالمنع من أن المشار إليه هو المجموع، ولم لا يجوز أن يكون إشارة إلى التوحيد فقط؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد بدين القيمة الدين الكامل المستقل بنفسه وهو أصل الدين ونتائجه وثمراته؟

ثم ذكر وعيد الكفار ووعد الأبرار.

قدم في الوعيد أهل الكتاب على المشركين، والسر فيه بعد ما مر أنه  كان يقدم حق الله على حق نفسه ولهذا حين كسروا رباعيته قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وحيث فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال: ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً فقال الله  : كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضاً أقدم حقك على حقي، فمن ترك الصلاة طول عمره لم يكفر، ومن طعن فيك بوجه يكفر.

ثم إن أهل اكتاب طعنوا فيك فقدمتهم في الوعيد على المشركين الذين طعنوا فيّ، وأيضاً المشركون رأوه صغيراً يتيماً فيما بينهم.

ثم إنه بعد النبوة سفه أحلامهم وكسر أوثانهم وهذا أمر شاق يوجب العداوة الشديدة عند أهل الظاهر.

وأما أهل الكتاب فقد كانوا مقرين بنبي آخر الزمان وكان النبي  مثبتاً لنبيهم وكتابهم فلم يوجب لهم ذلك عداوة شديدة، فطعنهم في محمد  طعن في غير موقعه فاستحقوا التقديم في الوعيد لذلك وكانوا شر البرية، وهذه جملة يطول تفصيلها شر من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد  ، وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا على سفلتهم طريق الحق، وشر من الجهال لأن العناد أقبح أنواع الكفر، وفيه دلائل على أن وعيد علماء السوء أفظع.

قوله في هذه الآية ﴿ خالدين فيها ﴾ وفي آية الوعد ﴿ خالدين فيها أبداً ﴾ إشارة إلى كمال كرمه وسعة رحمته كما قال " سبقت رحمتي غضبي " قال العلماء: هذه الآية مخصوصة في صورتين إحداهما أن من تاب منهم وأسلم خرج من الوعيد، والثانية أن من مضى من الكفرة ويجوز أن لا يدخل فيها لأن فرعون كان شراً منهم.

قوله ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فلا مكلف يأتي بجميع الصالحات بل لكل مكلف حظ.

فحظ الغني الإعطاء وحظ الفقير الأخذ.

احتج بعضهم بقوله ﴿ أولئك هم خير البرية ﴾ على تفضيل البشر على الملك قالوا: روى أبو هريرة أنه  قال: " أتعجبون من منزلة الملائكة من الله والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك وقرأ هذه الآية " أجاب المنكرون بأن الملك أيضاً داخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو المراد بالبرية بنو آدم لأن اشتقاقها من البرإ وهو التراب لا من برأ الله الخلق، وتمام البحث في المسألة قد سبق في أول البقرة.

قوله ﴿ ذلك لمن خشي ربه ﴾ مع قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ظاهر في أن العلماء بالله هم خير البرية اللهم اجعلنا منهم والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ : ذكر في حق أهل الكتاب: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ بحرف ﴿ مِنْ ﴾ ، وهو للتبعيض، ولم يقل: "أهل الكتاب"، وذكر في حق أهل الشرك: ﴿ وَٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ لأن أهل الكتاب كانوا فرقا: منهم من كان آمن برسول الله  من قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، ومنه من كان كافراً به، فلما بعث آمن به، فلزم الإيمان به، ومنه من كان كافرا به، فلما بعث، وأرسل، لزم الكفر به، ولم يؤمن، فلما كانوا أصنافا وفرقا؛ لذلك قال: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ بحف "من".

وأما المشركون: فإنهم كانوا صنفا واحدا، ثم لم يبين: أنهم إذا أتاهم البينة ينفكون أو لا؟.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ ، أي: لم يكن بعض أهل الكتاب وبعض المشركين منفكين من الكفر؛ لأنه عطف المشركين على أهل الكتاب؛ كأنه قال: من أهل الكتاب ومن المشركين؛ ولذلك خفض المشركين، ولم يقل: "والمشركون"، بل كانوا أهل كفر وشرك إلى آخر عمره، وإن أتتهم البينة، والبينة: هي ما خفي خلقه كل أحد مما يدل على ألوهيته ووحدانيته.

ويحتمل أن بعضا من الفريقين على الشرك حتى تأتيهم البينة، وهي معاينة العذاب عند الموت؛ كقوله -  -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

 ﴾ ، ونحو ذلك.

وذكر في حرف ابن مسعود -  -: (لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين)، وفي حرف أبي: "ما كان الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين).

ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : قال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منتهين، زائلين عن الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة.

وقال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين خارجين من الدنيا حتى تأتيهم البينة.

ثم اختلفوا في البينة التي ذكر أنها تأتيهم: قال بعضهم: البينة رسول الله  ؛ حيث قال على أثره: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ .

وقال بعضهم: ما جاء به رسول الله  ، وهو القرآن، وما جاء به محمد [رسول الله  ] من الحجج: فمن جعل قوله: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : منتهين، زائلين، يجعل البينة: رسول الله  ، ورسول الله -  - [سمى] بينة؛ لأنه به يعرف [كل] خير وكل إحسان، وبه يتبين الحق من الباطل، وكل شيء من أمر المعاد والمعاش، وكذلك القرآن جاء به.

ومن قال: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : خارجين من الدنيا: يجعل البينة التي ذكر أنها تأتيهم: العذاب معاينة جهارا؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ...

 ﴾ ، أي: خارجين من الدنيا؛ حتى يعلموا العذاب؛ فعند ذلك يؤمنون.

وقوله - عزو جل -: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ : على التأويل الأول في البينة يكون ما ذكر من قوله: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ تفسيرا للبينة.

وعلى الثاني يخرج على الابتداء، يقول: رسول الله  يتلو صحفا مطهرة.

ثم جائز أن يكون سمى القرآن وحده: صفحا؛ على المبالغة؛ إذ قد يسمى الواحد باسم الجميع على المبالغة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُواْ صُحُفاً ﴾ : القرآن، وسائر الصحف؛ لأن سائر الصحف فيه.

وكذلك: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، جائز أن يكون سمى كتابه المنزل على رسول الله  : كتبا؛ على الإبلاغ، والتأكيد؛ على ما ذكرنا.

وجائز أن يكون: يتلو صفحا وكتبا عليهم، وهي التوراة والإنجيل والزبور، كأن هذا القرآن في تلك الكتاب، وتلك الكتب في هذا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ  صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ  ﴾ أخبر أنه في تلك الكتب، وأن الكتب الأولى فيه؛ فيصير بتلاوة هذا عليهم كأنه [تلا] تلك الكتب عليهم، وعلى هذا قوله -  -: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي...

 ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ...

 ﴾ ، وقوله عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ...

 ﴾ ففى هذا ما في تلك الكتب.

وقال بعضهم: ﴿ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ : التي كانت في أيدي السفرة البررة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ ، يحتمل: مطهرة من أن يكون للباطل فيها حجة أو مدخل.

أو مطهرة من الافتعال والافتراء.

أو مطهرة من أن تحتمل ما ذكره أولئك الكفرة.

وقال قتادة: سمى كتابه بأحسن الأسماء، وأثنى عليه بأحسن الثناء، سماه: نورا، وهدى، ورحمة، وبركة، وآية شفاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَيِّمَةٌ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: فيها كتب صادقة.

وقال بعضهم: عادلة.

قال غيرهم: مستقيمة على ما توجبه الحكمة.

وجائز أن يكون قوله -  -: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، أي: أحكام كثيرة مستقيمة؛ على ما توجبه الشريعة والحكمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ : يقول أهل التأويل: إنما تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة، وهو محمد  .

وقال أبو بكر: هذا التأويل: خطأ؛ لأنهم كانوا متفرقين قبل ذلك؛ فلا معنى لهذا.

وعندنا: ليس كما توهم هو، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: وما تفرقوا في محمد  إلا من بعد ما جاءم العلم به، عند ذلك تفرقوا فيه، فأما قبل ذلك، كانوا مجتمعين فيه كلهم.

أو ما تفرقوا في الدين والمذهب إ لا من بعد ما جاءتهم البينة، أي: عن بيان وعلم تفرقوا في الدين، وفيما تفرقوا فيه، وهو ما جعل في خلقه كل أحد دلالة التوحيد والربوبية له ما لو تفكروا، لعرفوا بأن الله -  - واحد، والبينة تحتمل من هذا الموضع رسول الله  والقرآن، ونفس الخلقة على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : أي: ما أمروا إلا ليجعلوا الألوهية لله والوحدانية له.

ودل قوله: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ على أن تأويل - قوله -  : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ على إضمار الأمر، أي: إلا ليأمرهم بالعبادة على كل حال؛ لأنه لو خلقهم للعبادة ما قدروا [على] غيره.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ على الخصوص، خلق من علم أنه يعبده للعبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : إخلاص الدين له يخرج على وجهينن: أحدهما: أن يخلص له الدين، ويصفي، لا يشرك فيه غيره، ويكون من خلوصه وصفائه.

والثاني: الدين الخالص هو الدائم، كقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً...

 ﴾ ، أي: دائما.

وكذلك يحتمل قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ...

 ﴾ .

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ : قل أهل التأويل: المسلمونز وقال بعضهم: حنفاء: متبعين، والحنف: الميل كأنه قال: مائلين إلى الإسلام.

وقل: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ : الحجاج.

وقيل: الحنف: المستقيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ : يحتمل القبول، أي: قبلوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ ، أي: تابوا، وقبلوا ذلك، ليسي على حقيقة الإقامة.

ويحتمل [أن يكون] حقيقة الإقامة والإيتاء، وأيهما كان، ففيه أن أوائلهم كانوا مأمورين بالصلاة والزكاة.

ثم المعنى الذي في الصلاة والزكاة لا يحتمل النسخ في وقت من الأوقات؛ لأن الصلاة معناها: هو الاستسلام، والخضوع له، والزكاة: هي تزكية النفس وطهارتها، وذلك لا يحتمل النسخ أصلا.

ثم قال: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ والدني مذكر، والقيمة مؤنث؛ فجائز أن يكون الذي ذكر هو الملة القيمة، ويحتمل دين الأمة القيمة، وهو قول الزجاج.

أو يقول: ذلك الذي قومته الحجج والبراهين، أضيف إلى الحجج.

وجائز أن يكون ذكر القَيِّمة، على التسوية بين ما سبق وما تقدم من أواخر الآي، من قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ ، و ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ ، و ﴿ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، ثم قال على ذلك: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ ، تسوية بين ما تقدم وما تأخر من قوله: ﴿ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ ، و ﴿ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ .

وفي حرف أبي: (ذلك الدين القيم) بغير هاء.

وفي قوله -  -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ - وجهان: أحدهما: تحذير لهذه الأمة؛ لئلا يتفرقوا كما تفرق أولئك في رسول الله  ، وفيما جاء به.

والثاني: يكونون أبدا فزعين إلى الله -  - في كل وقت، خائفين منه، وألا يكلوا إلى البيان الذي جاءهم؛ فيتفرقوا كما تفرق أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: بعض المشركين في النار، لا كل المشركين، ولكن من كفر من المشركين، كان كمن كفر من أهل الكتاب في نار جهنم، لكن الكفر هو الشرك، والشرك هو الكفر؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ...

 ﴾ ؛ فدل أن الكفر والشرك واحد؛ فكل كافر مشرك؛ فكانه قال: إن الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية.

ثم جاء كل هذا التشديد لهؤلاء؛ لأن أهل الكتاب ادعوا أنه من نسل الأنبياء، ثم تركوا اتباعهم، والمشركون قد ﴿ ...وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ...

 ﴾ ، [ثم] نفضوا ذلك العهد.

وأهل الكتاب قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، فتركوا اتباع الصالحين من آبائهم.

والعرب - أيضا - كانوا أقرب إلى رسول الله  من غيره؛ فحقه عليهم ألزم وأوجب؛ فشدد على هؤلاء لهذا لمعنى.

ثم إ ن كان البرية مأخوذاً مقدرا من البري وهو التراب، ويرجع تأويل الآية إلى البشر؛ كأنه قال: أولئك هم شر ما أنشئ من الأرض.

وإن كان مأخوذا مقدرا من البرا وهو الخلق؛ فيصر كأنه قال: أولئك هم شر ما خلقوا؛ فيدخل في ذلك الملائكة والجن والبشر، وفي الأول لا يدخل إلا البشر خاصة.

وكذلك ما ذكر من أهل الإيمان؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ : فإن كان البرية مأخوذا من البرى، فهو يرجع إلى الأصناف جميعا، وإن كان من البري - وهو التراب - فهو يرجع إلى البشر خاصة؛ فيصير كأنه قال: شر أهل البشر من جنسهم، وخير أهل الخير من جنسهم؛ لأنهم صاورا قادة في الهدى والخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ : فإن كان العدن هو المقام، فجميع الجنان عدن، وجميع الجنان نعيم.

ثم قد قسم الخلق صنفين: صنفا جعله شر البرية، وصنفا جعله خير البرية، ثم يكون [من] كل صنف شر من شر، وخير من خير، وسوى بين من نشأ على الكفر، ودوام عليه في التأييد والتخليد وبين من أحدث الكفر في آخر عمره، وكذلك من دام على الإيمان، ومن أحدث سوى بينهما، ولم يجعل لما مضى من الكفر والإيمان جزاء ولا عقابا؛ وذلك - والله أعلم - هو أن من اعتقد إيمانا إنما يعتقده للأبد، وكذلك من يعتقد الكفر، إنما يعتقده للأبد، فإذا أحدث الإيمان بعد الكفر اعتقد قبح ما عمل في حال كفره وشره، وحسن ما أحدث من الإيمان والتوحيد، وكذلك من أحدث الكفر بعد الإيمان، اعتقد فساد مع ما عمل في حال إيمانه؛ لذلك سوى بين أحدث، وبين من دام عليه، وليس [كمن يذنب] في وقت، ويتوب في وقت؛ لأنه ليس يعتقد حسن ذلك، ولا قبحه في الأبد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول:  م، بعملهم الذي عملوا لأنفسهم، وسيعهم الذي سعوا في الدنيا لهم؛ رضي سعيهم لهم، ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ، أي: رضوا هم عنه بما أكرمهم، ووفقهم للأعمال التي عملوا لأنفسهم في الدنيا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ ، أي: إن قبلوا ما أحسن إليهم، وأحسنوا صحبة إحسانه إليهم يرضى ذلك لهم.

وهذا يدل أن ما يعملون من خير أو شر إنما يعملون لأنفسهم، ولمنفعة ترجع إليهم، أو مضرة تندفع عنهم.

والثاني: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما أكرمهم من الثواب لأعمالهم التي عملوا لأنسهم، ورضوا عنه بكرامته التي أكرمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ هذا منه إفضال وإنعام؛ حيث ذكر رضاه عنهم، وإن ذكر العفو والتجاوز كان حقا، ولكن هذا كما ذكر من لطيف معاملته عباده؛ حيث سمى ما ادخروا من وقت حاجتهم إليه: قرضا؛ حيث قال: ﴿ ...وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...

 ﴾ ، وسمى بذلهم أنفسهم وأموالهم سرّاً، وما يعملون لأنفسهم - جزاء وشكرا، وأموالهم وأنفسهم في الحقيقة له، ولكن سمى بالذي ذكرنا؛ لطفا منه وفضلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من رضاه عنهم به، وكذلك قوله: ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ذكر رضاهم عنه بفضله ولطفه، وإلا من هم حتى يذكر منهم الرضا عن الله  ؟!.

ثم هو يخرج على وجهين سوى ما ذكرنا: أحدهما: رضوا عنه بما امتحنهم في الدنيا بالمجن الشديدة العظيمة، وإن اشتدت تلك، وثقلت على أنفسهم إذا رأوا إحسان الله -  - وفضله في الآخرة.

والثاني: رضوا عنه بالنعم التي أكرمهم في الجنة، ﴿ ...لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ، ولا يريدون غيرها، ولا يملون على ما يملون في الدنيا.

قال أبو عوسجة: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ ، أي: لا يزالون على هذه الحال، يقول الرجل: ما انفككت أفعل كذا وكذا، أي: ما زلت أفعل كذا وكذا.

وقال القتبي وأبو عبيد وغيرهما: المنفكين: زائلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ : أي: الذي ذكر من الجزاء لمن خشي نقمته، أو خشي سو صحبة نعمه، وأصله أن من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات، فإنما يفعل ذلك؛ لخشية ربه -  - وكل من [كان] أعلم بربه فهو أخشى لربه  ، ومن [كان] أجهل به فهو أجرأ؛ قال الله -  -: ﴿ ...إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ...

 ﴾ .

وقال الحسن: الخشية: هي الخوف اللازم في القلب الدائم فيه، أو خشي خلافه وكفران نعمه، والله أعلم، [والحمد لله رب العالمين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما اختلف اليهود الذين أعطوا التوراة، والنصارى الذين أعطوا الإنجيل، إلا من بعد ما بعث الله نبيَّه إليهم، فمنهم من أسلم، ومنهم من تَمَادى في كفره مع علمه بصدق نبيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.eDKZy"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه السورة مدنية على أرجح الأقوال.

كان الكثير الأغلب من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين من العرب في ظلام من الجهل بما يجب الاعتقاد به والعمل عليه من شرائع أنبيائهم وسلفهم، وذلك لاعتمادهم -فيما يعتقدون وما يعملون- على تقليد آبائهم.

وقد كان فيمن تقدم منهم من أدخل على الشرائع كثيرًا مما ليس منها: إما بسوء الفهم وإما للعناد لإفحام الخصم، وإما باستحسان عقولهم ضروبًا من البدع يتوهمونها مؤيدة للدين مفخمة لأمره، وهي من أشد الأشياء ضررًا بالدين، ثم جاء من بعدهم يزيد على ما وضعوه إلى أن خفي الحق في الظلام الباطل، ولم يزالوا كذلك إلى أن جاء النبي  ، فأخذت صيحته تشق تلك القبور، ويده الكريمة ترفع تلك الستور، فيسري شعاع من ضوء الحق الذي جاء به من خلال تلك الحجب إلى ما وراءها من أعماق الضمائر، فإذا أحسوا ببصيصه فرح به طلاب الحقائق في تلك الظلم، وأزاحوا عن أبصارهم غطاء الشبهة، ومثلوا بين يدي الداعي  ملبين دعوته طالبين هدايته.

أما أهل العناد منهم فيقع الزلزال في اعتقادهم، ويضعف حبل تقليدهم، ولكنهم يثبتون في ضلالهم، ويقولون لأنفسهم ولإخوانهم: هذا الذي يقوله الداعي ليس بالشيء الجديد، ولم يترك شيئًا للآخر.

وجميع ما يدعونا إليه كان معروفًا لنا، مذكورًا في كتبنا، واردًا في قول أسلافنا، ولو لم يأت به لعرفناه واهتدينا إليه مما عندنا، ولكن ما نحن فيه خير مما يدعو إليه.

وينسجون من أوهامهم ما يبيعونه على الجهال، كما هي عادة أمثالهم في كل زمان.

ففي الرد على مزاعم هؤلاء الكافرين الجاحدين الذين يجدون لامع الحق فيعرفونه، ثم يغمضون عيونهم عن النظر إليه، نزلت هذه السورة، فيقول الله ﴿ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ وجحدوا نبوتك بعنادهم بعدما تبينوا الحق منها.

(من أهل الكتاب) اليهود والنصارى والصابئين الذين عرفوك وسمعوا أدلتك وشهدوا آياتك -لم يكونوا هم (والمشركين) أي وثنيي العرب، (منفكين) عن غفلتهم وجهلهم بالحق، ووقوفهم عندما قلدوا فيه آباءهم، لا يعرفون من الحق شيئًا (حتى تأتيهم البينة ): أي الحجة القاطعة المثبتة للمدعي، وهي هنا النبي  .

فمجيئه هو الذي أحدث هذه الرجة فيما رسخ من عقائدهم، وتمكن من عوائدهم، حتى أخذوا يحتجون لعنادهم ومناكرتهم بأنه كان شيئًا معروفًا لهم يصلون إليه بما كان لديهم، ولكنه ليس بمستحق أن يتبع، فإن ما هم فيه أجمل وأبدع، ومتابعة الآباء فيه أشهى إلى النفوس أمتع.

تلك البينة التي تعرفهم وجه الحق هي (رسول من الله) محمد  (يتلو صحفًا مطهرة) هي صحف القرآن وهي مطهرة من الخلط وحشو المدلسين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه ومنكروه معًا.

وتلاوتها: تلاوة ما فيها.

تقول حفظت الصحيفة أو حفظت المصحف، والمعنى حفظت ما فيه.

والنبي  -وإن كان أُميًا- فقد كان يتلو الكلام المكتوب في تلك الصحف، هذه الصحف (فيها كتب قيمة ): القيمة المستقيمة التي لا عوج فيها.

واستقامة الكتب: اشتمالها على الحق الذي لا يميل إلى باطل ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ .

والكتب التي في صحف القرآن ومصاحفه إما أن تكون هي ما صح من كتب الأولين: كموسى وعيسى وغيرهما، مما حكاه الله في كتابه عنهم، فإنه لم يأت منها إلا بما هو قويم سليم وقد ترك حكاية ما لبس فيه الملبسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه، ولهذا لم يجد الجاحدون لرسالته  من أهل الكتاب سبيلًا إلى إنكار الحق، وإنما فضلوا عليه سواه، أو هي سور القرآن، فإن كل سورة كتاب قويم.

فصحف القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه تحتوي على سور من القرآن هي كتب قيمة.

ولما كان لسائل أن يسأل: إذا كان هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين قد انفكوا عن ذلك الظلام المطبق، وبدا لهم من الحق ما عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فما بالهم لم يؤمنوا بهذا الحق الذي جاءهم؟

أجاب الحق بأن أهل الكتاب قد جاءتهم البينة والحجة القاطعة على الحق الذي لا يختلف وجهه بما أوحى الله به إلى أنبيائهم، وكان من حقهم أن يسترشدوا بكتبهم في معرفة سبيله حتى لا ينحرفوا عنه، فإذا عرض لأحدهم شبهة رجع في كشفها إلى العارف بمعاني الكتب، ثم كان عليهم أن يحرصوا على تعلم معانيها وفهم أساليبها ويحافظوا عليها حتى لا يضللهم فيها مضلل ..

لكن هذه البينة لم تفدهم شيئًا، فإنهم اختلفوا في التأويل، وتفرقوا في المذاهب، حتى صار أهل كل مذهب يبطل ما عند أهل المذهب الآخر، وكان ذلك بغيًا منهم، واستمرارًا في المراء، وإصرارًا على ما قاد إليه الهوى.

وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ  ﴾ على ألسنة أنبيائهم.

فهكذا كان شأنهم في النبي  : جحدوا بينته -كما جحدوا بينة أنبيائهم- بتفرقهم فيها، وبعدهم بالتفرق عن حقيقتها.

فإن كان هذا شأن أهل الكتاب في بينتهم وبينتنا، فما ظنك بالمشركين، وهم أعرق في الجهالة، وأسلس قيادًا للهوى منهم؟

يقول الله على أهل الكتاب: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ  ﴾ .

والواو في قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُوا  ﴾ إلخ للحال ومعنى (أمروا): أي بلغت إليهم أوامر، ووضعت لهم شرائع وأحكام.

والدين هو إذعان النفس لإلهها مع الخضوع له وامتثال أوامره فيما يطلب منها، وإخلاص الدين لله تنقيته من أن يشركه فيه شيء بلا واسطة، ولا مال، ولا كرامة، ولا جاه.

والحنفاء: جمع حنيف، وهو من يتبع إبراهيم  أو من يكون على مثاله.

والأصل في معني الحنيف المائل المنحرف.

ولما كان الناس في زمن إبراهيم على وثنية واحدة، وفارقهم إبراهيم إلى التوحيد وحده قيل فيه: حنيف، أي مائل عن الناس كافة.

ولما كان العرب قبل النبوة يزعمون أنهم على دين إبراهيم لقبوا بالحنفاء، مع ما خلطوا في دينهم، وأدخلوا عليه من عقائد الوثنية وعوائدها، وخفي هذا على كثير من الناس فظنوا أن الحنيف معناه الوثني، وليس الأمر كما يظنون.

وإقامة الصلاة: الإتيان بها لإحضار القلب هيبة المعبود وترويضه بالخشوع، لا أن تكون مجرد حركات ظاهرة، فإن ذلك ليس من الصلاة في شيء البتة.

وإيتاء الزكاة: صرفها في مصارفها التي عينها الله.

وهذا هو دين الكتب القيمة أو دين الأمة القيمة المستقيمة.

ومعنى الآية إن أهل الكتاب قد افترقوا، ولعنت كل فرقة أختها، وكان افتراقهم في العقائد والأحكام وفروع الشريعة، مع أنها لم يؤمروا ولم توضع لهم تلك الأحكام إلا لأجل أن يعبدوا الله، ويخلصوا له عقائدهم وأعمالهم، فلا يأخذونها إلا عنه مباشرة لا يقلدون فيها أبًا ولا رئيسًا، وإنما يحصلون من العلم ما يؤهلهم لفهمها، مائلين في ذلك عما عليه أهل الضلال من الأمم الأخرى، وأن يخشعوا لله في صلاتهم، وأن يصلوا عباد الله بزكاتهم.

فإذا كان هذا هو الأصل الذي يرجع إليه في الأوامر، فما كان عليهم إلا أن يجعلوه نصب أعينهم، فيردوا إليه كل ما يعرض لهم من المسائل، ويحلوا به كل ما يعترض أمامهم من المشاكل.

ومتى تحكم الإخلاص في الأنفس تسلط الإنصاف عليها فسادت فيها الوحدة، ولم تطرق طرقها الفرقة.

هذا ما نعاه الله من حال أهل الكتاب.

فما نقول فيه حالنا؟

أفما ينعاه كتابنا الشاهد علينا بسوء أعمالنا في افتراقنا في الدين، وأن صرنا فيه شيعًا، وملأناه محدثات وبدعًا؟!

بهذا الذي تقدم عرفت أن الذين كفروا هم الذين أنكروا رسالة النبي  عند دعوتهم إلى قبول ما جاء به، وأن (من) في قوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ للتبعيض، وأن معنى لم يكونوا منفكين، أي لم يكن وجه الحق لينكشف لهم فيقع الزلزال في عقائدهم: فينفكوا عن الغفلة المحضة التي كانوا فيها حتى تأتيهم البينة.

ويجوز أن يكون المراد من الذين كفروا -والله أعلم- أولئك الذين جحدوا شيئًا من دين الله تعالى عندما جاءهم، ولم ينظروا في دليله، أو أعرضوا عنه -بعدما عرفوا دليله- سواء كانوا من مشركي العرب أو من أهل الكتاب، وإن آمنوا بعد ذلك وصدقوا.

فأراد الله أن يذكر منته على من آمن من هؤلاء، فبيّن أن الذين كفروا -أي جحدوا ما أوجب الله على عباده أن يعتقدوه عنه من صفاته وشرائعه من أهل الكتاب ومشكي العرب- لم يكونوا براجعين عن كفرهم وجحودهم هذا حتى يأتيهم الرسول فيبين لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر فيؤمنوا.

فما أعظم فضل الله عليهم في إرسال رسوله إليهم!

وهذا وجه آخر غير الذي قدمناه في معنى الذين كفروا وانفكاكهم.

وبذلك أو هذا ظهر معنى حتى، وبطل جميع ما يهذي به كثير من المفسرين الذين أضلهم التقليد عن الرأي السديد، فصعبوا من القرآن سهله، وحرموا من فهمه أهله.

(نار جهنم): هي دار العذاب في الآخرة، وهي نار يجب علينا الإيمان بها، والتصديق بأن العذاب فيها أشد من العذاي في نار الدنيا، كما يجب علينا أن لا نبحث في حقيقتها، ولا بم تتقد، ولا أين يكون موضعها، فذلك مما لا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، وليس بمحال عقلي حتى نحتاج فيه إلى تأويل.

(خالدين فيها): أي لا يخرجون منها أبدًا.

(أولئك)هؤلاء الذين كفروا وجحدوا الحق، بعدما عرضت عليهم حجته، وظهرت لهم حقيقته.

(هم شر البرية): أي شر الخليقة.

أي هم أقبح وأسوأ ما خلق الله حالًا لأن منكر الحق بعد معرفته، وقيام الدليل عليه، منكر في الحقيقة لعقل نفسه، مهلك لروحه، جالب الهلاك إلى غيره.

(الذين آمنوا) هم الذين سطع لهم نور الدليل، فاهتدوا به، وأذعنوا لما دل عليه، فصدقوا من جاء به، وهو النبي  (وعملوا الصالحات) لأن إذعانهم الصحيح، ووجدانهم لذة معرفة الحق ملَّكت الحق قيادهم فعملوا الأعمال الصالحة: من بذل النفس في سبيل الجهاد للحق، وبذل المال في أعمال البر مع القيام بفرائض العبادات والإخلاص في سائر ضروب المعاملات.

(أولئك هم خير البرية): أي هؤلاء المؤمنون الصالحون المحسنون هم أفضل الخليقة، لأنهم بمتابعة الحق -عند معرفته بالدليل القائم عليه- قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم الله بها، وبالعمل الصالح قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود الإنساني، وهدوا غيرهم حسن الأسوة إلى مثل ما هدوا إليه من الخير والسعادة، فمن يكون أفضل منهم؟!

(جنات عدن تجري من تحتها الانهار): الجنات هي مغراس الأشجار النضرة.

والعدن: الإقامة، والأنهار: جمع نهر، وهو جدول الماء العظيم.

والمراد منها ههنا دار النعيم في الحياة الآخرة، وهي كذلك مما يجب علينا الاعتقاد به، وأن النعيم واللذة فيها أكمل وأوفر من جميع لذائذ الدنيا، وأنها دار خلد: أي أن من دخلها من أهلها لا يخرج منها أبدًا.

وهو معنى (خالدين فيها أبدًا).

ولا يجوز لنا البحث في حقيقتها ولا أين موضعها، ولا كيفية التمتع فيها، فإن ذلك لا يعلمه إلا الله.

(رضي الله عنهم) لأنهم لم يخرجوا عن حدود شريعته، ولم يهملوا العمل بسنته.

ورضا الله: تفضله وإحسانه.

(ورضوا عنه) لأنهم يحمدون صنيعه فيهم، وإحسانه إليهم بسعادة الدارين.

فإنهم -بحسن يقينهم- يرتاحون إلى امتثال ما يأمر به في الدنيا، فهم راضون عنه.

ثم إذا ذهبوا إلى نعيم الآخرة وجدوا من فضل الله ما لا محل للسخط معه، فهم راضون عن الله في كل حال.

(ذلك لمن خشي ربه): أي هذا الجزاء الحسن، وهذا الرضا، إنما هو لمن كان قلبه بيتًا لخشية ربه والخوف منه.

أراد بهذه الكلمة الرفيعة الاحتياط لدفع سوء الفهم الذي وقع، ولا يزال يقع فيه العامة من الناس، بل الخاصة كذلك، وهو أن مجرد الاعتقاد بالوراثة، وتقليد الأبوين، ومعرفة ظواهر بعض الأحكام، وأداء بعض بعض العبادات: كحركات الصلاة، وإمساك الصوم ..

مجرد هذا يكفي في نيل ما أعد الله من الجزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وإن كانت قلوبهم حشوها الحسد والحقد والكبرياء والرياء، وأفواههم ملؤها الكذب والنميمة والافتراء، وتهز أعطافهم رياح العجب والخيلاء، وسرائرهم مسكن العبودية والرق للأمراء -بل ولمن دون الأمراء- خالية من أقل مراتب الخشوع والإخلاص لرب الأرض والسماء!

كلا ..

لا ينالون حسن الجزاء.

فإن خشية ربهم لم تحل قلوبهم، ولهذا لم تهذب من نفوسهم، ولا يكون ذلك الجزاء إلا لمن خشي ربه، وأشعر خوفه قلبه ..

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل