الآية ٧ من سورة البينة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 98 البينة > الآية ٧ من سورة البينة

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة البينة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٧ من سورة البينة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عن الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة لقوله "أولئك هم خير البرية".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد, وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء, وأقاموا الصلاة, وآتوا الزكاة, وأطاعوا الله فيما أمر ونهى ( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية.

وقد: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا عيسى بن فرقد, عن أبي الجارود, عن محمد بن عليّ( أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنْتَ يا عَلي وَشِيعَتُكَ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وكذا [ ص: 129 ] خير البرية : إما على التعميم ، أو خير برية عصرهم .

وقد استدل بقراءة الهمز من فضل بني آدم على الملائكة ، وقد مضى في سورة ( البقرة ) القول فيه .

وقال أبو هريرة - رضي الله عنه - : المؤمن أكرم على الله - عز وجل - من بعض الملائكة الذين عنده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } لأنهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية» الخليقة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين صَدَّقوا الله واتبعوا رسوله وعملوا الصالحات، أولئك هم خير الخلق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) أى : وعملوا الأعمال الصالحات ( أولئك هُمْ خَيْرُ البرية ) أى : أولئك هم خير المخلوقات التى خلقها الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: الوجه في حسن تقديم الوعيد على الوعد وجوه: أحدها: أن الوعيد كالدواء، والوعد كالغذاء، ويجب تقديم الدواء حتى إذا صار البدن نقياً انتفع بالغذاء، فإن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً، هكذا قاله بقراط في كتاب الفصول.

وثانيها: أن الجلد بعد الدبغ يصير صالحاً للمدارس والخف، أما قبله فلا، ولذلك فإن الإنسان متى وقع في محنة أو شدة رجع إلى الله، فإذا نال الدنيا أعرض، على ما قال: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ .

وثالثها: أن فيه بشارة، كأنه تعالى يقول: لما لم يكن بد من الأمرين ختمت بالوعد الذي هو بشارة مني في أني أختم أمرك بالخير، ألست كنت نجساً في مكان نجس، ثم أخرجتك إلى الدنيا طاهراً، أفلا أخرجك إلى الجنة طاهراً!.

المسألة الثانية: احتج من قال: إن الطاعات ليست داخلة في مسمى الإيمان بأن الأعمال الصالحة معطوفة في هذه الآية على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه.

المسألة الثالثة: قال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ ولم يقل: إن المؤمنين إشارة إلى أنهم أقاموا سوق الإسلام حال كساده، وبذلوا الأموال والمهج لأجله، ولهذا السبب استحقوا الفضيلة العظمى كما قال: ﴿ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل  ﴾ ولفظة: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ أي فعلوا الإيمان مرة.

واعلم أن الذين يعتبرون الموافاة يحتجون بهذه الآية، وذلك لأنها تدل على أن من أتى بالإيمان مرة واحدة فله هذا الثواب، والذي يموت على الكفر لا يكون له هذا الثواب، فعلمنا أنه ما صدر الإيمان عنه في الحقيقة قبل ذلك.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ من مقابلة الجمع بالجمع، فلا يكلف الواحد بجميع الصالحات، بل لكل مكلف حظ فحظ الغني الإعطاء، وحظ الفقير الأخذ.

المسألة الخامسة: احتج بعضهم بهذه الآية في تفضيل البشر على الملك، قالوا: روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: «أتعجبون من منزلة الملائكة من الله تعالى!

والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك»، واقرؤا إن شئتم: ﴿ أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه: أحدها: ما روى عن يزيد النحوي أن البرية بنو آدم من البرا وهو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة.

وثانيها: أن قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ غير مختص بالبشر بل يدخل فيه الملك.

وثالثها: أن الملك خرج عن النص بسائر الدلائل، قالوا: وذلك لأن الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم من نور وأصلك من حمأ مسنون، ومسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة ومسكنكم أرض هي مسكن الشياطين، وايضاً فمصالحنا منتظمة بهم ورزقنا في يد البعض وروحنا في يد البعض، ثم هم العلماء ونحن المتعلمون، ثم انظر إلى عظيم همتهم لا يميلون إلى محقرات الذنوب، ومن ذلك فإن الله تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى الإلهية حين قال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ  ﴾ أي لو أقدموا على ذنب فهمتهم بلغت غاية لا يليق بها إلا دعوى الربوبية، وأنت أبداً عبد البطن والفرج، وأما العبادة فهم أكثر عبادة من النبي لأنه تعالى مدح النبي بإحياء ثلثي الليل وقال فيهم: ﴿ يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ ومرة: ﴿ لاَ يَسْئَمُونَ  ﴾ وتمام القول في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق: إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرّهم على الكفر إلاّ مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلاّ بعد اليسار: يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً.

وانفكاك الشيء من الشيء.

أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم ا يتركونه إلاّ عند مجيء البينة.

و ﴿ البينة ﴾ الحجة الواضحة.

و ﴿ رَّسُولٌ ﴾ بدل من البينة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ رسولا ﴾ حالاً من البينة ﴿ صُحُفاً ﴾ قراطيس ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ من الباطل ﴿ فِيهَا كُتُبٌ ﴾ مكتوبات ﴿ قَيِّمَةٌ ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق والعدل؛ والمراد بتفرقهم: تفرقهم عن الحق وانقشاعهم عنه.

أو تفرقهم فرقاً؛ فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال: ليس به؛ ومنهم من عرف وعاند.

فإن قلت: لم جمع بين أهل الكتاب والمشركين أوّلاً ثم أفرد أهل الكتاب في قوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ؟

قلت: لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف ﴿ وَمَا أُمِرُواْ ﴾ يعني في التوراة والإنجيل إلاّ بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ أي: دين الملة القيمة.

وقرئ: ﴿ وذلك الدين القيمة ﴾ على تأويل الدين بالملة.

فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله ﴾ ؟

قلت: معناه: وما أمروا بما في الكتابين إلاّ لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ إلا أن يعبدوا ﴾ ، بمعنى: بأن يعبدوا.

قرأ نافع: ﴿ البريئة ﴾ بالهمز؛ والقرّاء على التخفيف.

والنبيّ، والبرية: مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل وقرئ: ﴿ خيار البرية ﴾ جمع خير، كجياد وطياب: في جمع جيد وطيب.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقبلاً» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ فِيهِ مُبالَغاتُ تَقْدِيمِ المَدْحِ، وذِكْرُ الجَزاءِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ما مُنِحُوا في مُقابَلَةٍ ما وُصِفُوا بِهِ والحُكْمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ، وجَمْعُ جَنّاتُ وتَقْيِيدُها إضافَةً ووَصْفًا بِما تَزْدادُ لَها نَعِيمًا، وتَأْكِيدُ الخُلُودِ بِالتَّأْبِيدِ.

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بِما يَكُونُ لَهم زِيادَةً عَلى جَزائِهِمْ.

﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ لِأنَّهُ بَلَّغَهم أقْصى أمانِيِّهِمْ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ الجَزاءِ والرِّضْوانِ.

﴿ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ فَإنَّ الخَشْيَةَ مَلاكُ الأمْرِ والباعِثُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ خَيْرِ البَرِيَّةِ مَساءً ومَقِيلًا» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)

{إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِى نَارِ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَوْلَئِكَ هُمْ شر البرية إن الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية} ونافع بهمزهما والفراء على التخفيف والنبي والبرية مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ بَيانٌ لِمَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ جَرْيًا عَلى السُّنَّةِ القُرْآنِيَّةِ مِن شَفْعِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ أوْ هو عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا.

وقالَ عِصامُ الدِّينِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ إذْ لا تَحْقِيقَ لِكَوْنِها المِلَّةَ القَيِّمَةَ فَوْقَ أنْ يَكُونَ جَزاءُ المُعْرِضِ هَذا وجَزاءُ المُمْتَثِلِ ذَلِكَ إلّا أنَّ ذَلِكَ اقْتَضى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ وكَأنَّهُ فُصِلَ لِتَخْيِيلِ عَدَمِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ لا في المُسْنَدِ إلَيْهِ ولا في المُسْنَدِ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِما هو الغايَةُ القاصِيَةُ مِنَ الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.

﴿ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ وقَرَأ حُمَيْدٌ وعامِرُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ «هم خِيارُ البَرِيَّةِ» وهو جَمْعُ خِيرٍ كَجِيادٍ وجِيدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ يعني: الذين جحدوا من اليهود والنصارى بمحمد  ، وبالقرآن ومن مشركي مكة، وثبتوا على كفرهم فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين فيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ يعني: شر الخليقة.

قرأ نافع وابن عامر (بريئة) بالهمزة، والباقون بغير همزة.

فمن قرأ بالهمزة، فلأن الهمزة فيها أصل.

ويقال برأ الله الخلق، ويبرؤهم وهو الخالق البارئ.

ومن قرأ بغير همزة، فلأنه اختار حذف الهمزة وتخفيفها.

ثم مدح المؤمنين، ووصف أعمالهم، وبين مكانهم في الآخرة، حتى يرغبوا إلى جواره فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بالله، وأخلصوا بقلوبهم وأفعالهم، وهم أصحاب النبيّ  ومن تابعهم إلى يوم القيامة أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ يعني: هم خير الخليقة.

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص (والله للمؤمن أكرم على الله تعالى من بعض الملائكة الذين عبدوه) وروي عن الحسن، أنه سئل عن قوله أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أهم خير من الملائكة؟

قال: ويلك أين تعدل الملائكة، من الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

ثم بين ثوابهم فقال عز وجل: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: ثوابهم في الآخرة جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني: أنهار من الخمر، والعسل، واللبن، وماء غير آسن خالِدِينَ فِيها أَبَداً يعني: دائمين مقيمين فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بأعمالهم وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه الجنة ذلِكَ يعني: هذا الثواب الذي ذكر لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ يعني: وَحَّدَ ربه في الدنيا، واجتنب معاصيه والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «البيّنة»

وهي مكّيّة في قول الجمهور وقيل: مدنيّة، والأوّل أشهر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)

[قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» وفي حرف ابن مسعودٍ «٢» : «لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الكِتَابِ مُنْفَكِّينَ» .

وقوله تعالى: مُنْفَكِّينَ معناه: مُنْفَصِلِينَ متفرقينَ، تقول: انْفَكَّ الشيءُ عن الشيء إذا انفصلَ عنه، وأمَّا انفك التي هي مِنْ أخواتِ «كَانَ» فلا مَدْخَلَ لَها هنا، قال مجاهد وغيره: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ عن الكفرِ والضلالِ حتى جَاءَتْهُم البينةُ «٣» ، وأوقَعَ المستقبلَ موقِعَ الماضي في تأتيهم، والبينات: محمّد صلّى الله عليه وسلّم وشرْعُهُ، قال الثعلبيُّ: وَالْمُشْرِكِينَ يعني: من العربِ وهم عَبَدةُ الأوثانِ، انتهى، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكِّينَ عَنْ معرفةِ صحةِ نبوةِ محمّد صلّى الله عليه وسلّم والتَّوَكُّفِ لأمره حتى جاءتهم البينةُ فَتَفَرَّقُوا عند ذلك، / ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ قولٌ ثالثٌ بارعُ المعنى وذلك أَنْ يكونَ المرادُ: لَمْ يكن هؤلاء القوم

منفكينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَظَرِهِ لَهُمْ حَتَّى يبعثَ إليهمْ رَسُولاً تقومُ عليهم به الحجةُ، وتتمُّ عَلى مَنْ آمن بهِ النعمةُ فكأَنَّه قَالَ: ما كانوا لِيُتْرَكُوا سُدًى، والصحفُ المطهَّرة: القرآنُ في صحفهِ قاله قتادة والضحاك «١» ، وقال الحسن: الصحفُ المطهَّرة في السماءِ «٢» ، فِيها كُتُبٌ أي: أحكام كتب، وقَيِّمَةٌ معناه قَائِمة معتدلَة آخذةٌ للناسِ بالعَدْلِ، ثُمَّ ذَمّ تعالى أهْلَ الكتابِ في أنّهم لم يتفرّقوا في أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلا مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآياتِ الواضحةَ وكانوا مِنْ قَبْلُ مُتَّفِقِينَ على نُبُوَّتهِ وصفتهِ، وحُنَفاءَ: جَمْعُ حنيفٍ وهو المستقيمُ، وذِكْر الزكاةِ مَعَ ذِكْرِ بَنِي إسرائيل يُقَوِّي قَوْلَ من قَال: السورةُ مدنيةٌ لأنَّ الزكاةَ إنما فُرِضَتْ بالمدينةِ، ولأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنَّما دُفِعَ إلى مناقَضَةِ أهْلِ الكتَابِ بالمدينةِ، وقرأ الجمهور:

«وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة والفِرْقَةِ القيمة، وقال- ص-: قراءة الجمهور:

«وذلك دين القيمة» على تقديرِ الأمَّةِ القَيِّمَةِ أي: المستقيمةِ أو الكتُب القيمةِ، وقرأ عبد اللَّه «٣» : «وذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمَةُ» بتعريفِ الدِّينِ ورَفْعِ القيمة صفةً، والهاءُ فيه للمبالغَةِ أو عَلى تأويل أنّ الدّين بمعنى الملّة، انتهى، والْبَرِيَّةِ جميعُ الخَلْقِ لأن اللَّه تعالى براهُم أي: أوْجَدَهُمْ بَعْدَ العَدَم.

وقوله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قِيْلَ ذلك في الدنيا فَرِضاه عنهم هو ما أظْهَرَه عليهم من أمَارَاتِ رحمتهِ، ورضاهُم عنه هو رضَاهم بجميعِ مَا قَسَمَ لَهم من جميعِ الأرزاقِ والأقدارِ، وقال بعضُ الصالحين: / رَضَى العبادِ عن اللَّهِ رِضَاهُمْ بِما يَرِدُ من أحكامِه، ورِضَاه عنهم أن يُوَفِّقَهُمْ للرِّضَى عَنْهُ، وقال سري السقطي: إذَا كُنْتَ لاَ تَرْضَى عَنِ اللَّهِ فكَيْفَ تَطْلُبُ منْه أنْ يَرْضَى عَنْكَ، وقيل ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وخَصَّ تعالى بالذكرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لأنها رأْسُ كلِّ بَرَكَةٍ وهيَ الآمِرَةُ بالمعروفِ والناهِيَةُ عن المنكر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ البَيِّنَةِ وَفِيها قَوْلانِ أحَدُهُما: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿ والمُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: ومِنَ المُشْرِكِينَ، وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ ﴿ مُنْفَكِّينَ ﴾ أيْ: مُنْفَصِلِينَ وزائِلِينَ يُقالُ: فَكَكْتُ الشَّيْءَ، فانْفَكَّ، أيِ: انْفَصَلَ- والمَعْنى: لَمْ يَكُونُوا زائِلِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ ﴾ أيْ: حَتّى أتَتْهُمْ، فَلَفْظُهُ لَفْظُ المُسْتَقْبَلِ، ومَعْناهُ الماضِي.

و ﴿ البَيِّنَةُ ﴾ الرَّسُولُ، وهو مُحَمَّدٌ  ، وذَلِكَ أنَّهُ بَيَّنَ لَهم ضَلالَهم وجَهْلَهم.

وهَذا بَيانٌ عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى مَن آمَنَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إذْ أنْقَذَهم.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا حَتّى بُعِثَ فافْتَرَقُوا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُونُوا لِيُتْرَكُوا مُنْفَكِّينَ عَنْ حُجَجِ اللَّهِ حَتّى أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّنَةُ.

والوَجْهُ هو الأوَّلُ.

والرَّسُولُ هاهُنا مُحَمَّدٌ  .

ومَعْنى ﴿ يَتْلُو صُحُفًا ﴾ أيْ: ما تَضَمَّنَتْهُ الصُّحُفُ مِنَ المَكْتُوبِ فِيها، وهو القُرْآنُ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتْلُو القُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لا مِن كِتابٍ.

ومَعْنى ﴿ مُطَهَّرَةً ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ والباطِلِ.

﴿ فِيها ﴾ أيْ: في الصُّحُفِ ﴿ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ أيْ: عادِلَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وهي الآياتُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما قِيلَ لَها: كُتُبٌ لِما جَمَعَتْ مِن أُمُورٍ شَتّى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهم ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مُحَمَّدٌ  .

والمَعْنى: لَمْ يَزالُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ بِهِ حَتّى بُعِثَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: ما في كُتُبِهِمْ مِن بَيانِ نُبُوَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: وما تَفَرَّقُوا في كُفْرِهِمْ بِالنَّبِيِّ إلّا مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنُوا أنَّهُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ في كُتُبِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُمِرُوا ﴾ أيْ: في كُتُبِهِمْ ﴿ إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَجْعَلُ اللّامَ في مَوْضِعِ " أنْ " في الأمْرِ والإرادَةِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ  ﴾ ، و ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ  ﴾ .

وقالَ في الأمْرِ ﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: مُوَحِّدِينَ لا يَعْبُدُونَ سِواهُ ﴿ حُنَفاءَ ﴾ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ ﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ المَكْتُوبَةَ في أوْقاتِها ﴿ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ﴾ عِنْدَ وُجُوبِها ﴿ وَذَلِكَ ﴾ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ هو ﴿ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دِينُ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ بِالحَقِّ.

ويَكُونُ المَعْنى: ذَلِكَ الدِّينُ دِينُ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالهَمْزِ بِالكَلِمَتَيْنِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فِيهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَرِيَّةُ: الخَلْقُ.

وأكْثَرُ العَرَبِ والقُرّاءِ عَلى تَرْكِ هَمْزِها لِكَثْرَةِ ما جَرَتْ عَلى الألْسِنَةِ، وهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ.

ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّها مَأْخُوذَةٌ مَن بَرَيْتُ العُودَ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّها مِنَ البَرى وهو التُّرابُ [أيْ: خُلِقَ مِنَ التُّرابِ، وقالُوا: لِذَلِكَ لا يُهْمَزُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْ كانَ مِنَ البَرى وهو التُّرابُ] لَما قُرِنَتْ بِالهَمْزِ، وإنَّما اشْتِقاقُها مَن بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ.

وقالَ الخَطابِيُّ: أصْلُ البَرِيَّةِ الهَمْزُ، إلّا أنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلى تَرْكِ الهَمْزِ فِيها.

وما بَعْدَهُ ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِطاعَتِهِمْ ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ بِثَوابِهِ.

وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللَّهِ، فَكَيْفَ تَسْألُهُ الرِّضى عَنْكَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ أيْ: خافَهُ في الدُّنْيا، وتَناهى عَنْ مَعاصِيهِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ حُكْم اللهِ في هَذِهِ الآيَةُ بِتَخْلِيدِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ -وَهم عَبَدَةُ الأوثانِ- في النارِ، وبِأنَّهم شَرُّ البَرِيَّةِ، و"البَريَّةُ" جَمِيعُ الخَلْقِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى بَرَّأهُمْ، أيْ أوجَدَهم بَعْدَ العَدَمِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ: "البَرِيئَةُ" بِالهَمْزِ مَن "بَرَّأ"، وقَرَأ الباقُونَ والجُمْهُورُ: "البَرِّيَّةُ" بِشَدِّ الياءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، عَلى التَسْهِيلِ، والقِياسُ الهَمْزُ إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَرَكَ هَمَزَهُ كالنَبِيِّ والذُرِّيَّةِ، وقَرَأ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: البَرِّيَّةُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَرى وهو التُرابُ، وهَذا الِاشْتِقاقُ يَجْعَلُ الهَمْزَ خَطَأً وغَلَطًا، غَيْرَ مَرْضى.

و ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ﴾ شُرُوطٌ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ومَن آمَنَ بِنَبِيِّهِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "خَيْرٌ"، وقَرَأ بَعْضُ قُرّاءِ مَكَّةَ: "خِيارٌ" بِألِفٍ، ورُوِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ ﴾ ثُمَّ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ "أنْتَ يا عَلِيُّ وشِيعَتُكَ"،» ذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ، وفّى الحَدِيثِ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ  : يا خَيْرَ البَرِيَّةِ، فَقالَ لَهُ: "ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ.» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: سُكْنى جَنّاتٍ، أو دُخُولُ جَنّاتٍ، و"العَدْنُ" الإقامَةُ والدَوامُ، عَدَنَ بِالمَوْضِعِ: أقامَ، ومِنهُ المَعْدِنُ لِأنَّهُ رَأسٌ ثابِتٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جَنّاتُ عَدْنٍ: بُطْنانُ الجَنَّةِ، أيْ وسَطُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ﴾ قِيلَ: ذَلِكَ في الدُنْيا، فَرِضاهُ عنهم هو ما أظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رَحْمَتِهِ وغُفْرانِهِ، ورِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِجَمِيعِ ما قَسَّمَ لَهم مِن جَمِيعِ الأرْزاقِ والأقْدارِ، وقالَ بَعْضُ الصالِحِينَ: رِضى العِبادِ عَنِ اللهِ تَعالى رِضاهم بِما يَرُدُّ مِن أحْكامِهِ، ورِضاهُ عنهم أنَّ تَوْفِيقَهم لِلرِّضا عنهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ: الرِضا عَنِ اللهِ تَعالى خُرُوجُ الكَراهِيَةِ مِنَ القَلْبِ حَتّى لا يَكُونَ إلّا فَرَحٌ وسُرُورٌ، وقالَ سَرِيُّ السَقَطِيُّ: إذا كُنْتَ لا تَرْضى عَنِ اللهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَرْضى عنكَ؟

وقِيلَ: ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَرِضاهم عنهُ هو رِضاهم بِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ النِعَمِ، ورِضاهُ عنهم هو ما رُوِيَ مِن «أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: "هَلْ رَضِيتُمْ بِما أعْطَيْتُكُمْ؟" فَيَقُولُونَ نَعَمْ رَبَّنا، وكَيْفَ لا نَرْضى وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ؟

فَيَقُولُ: "أفَلا أعْطَيْتُكم أفْضَلَ مِن كُلِّ ما أعْطَيْتُكُمْ؟

رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"،» وخَصَّ تَعالى اللهَ بِالذِكْرِ أهْلَ الخَشْيَةِ لِأنَّها رَأْسُ كُلِّ بَرَكَةٍ، الناهِيَةُ عَنِ المَعاصِي، الآمِرَةُ بِالمَعْرُوفِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [لَمْ يَكُنْ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ البرية * إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك هُمْ خَيْرُ البرية ﴾ ﴿ البرية * جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الانهار ﴾ .

قوبل حال الكفرة من أهل الكتاب وحالُ المشركين بحال الذين آمنوا بعد أن أشِير إليهم بقوله: ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ [البينة: 5]، استيعاباً لأحوال الفِرق في الدنيا والآخرة وجرياً على عادة القرآن في تعقيب نذارة المنذَرين ببشارة المطمئنين وما ترتب على ذلك من الثناء عليهم، وقدم الثناء عليهم على بشارتهم على عكس نظم الكلام المتقدم في ضدهم ليكون ذكر وعدهم كالشكر لهم على إيمانهم وأعمالهم فإن الله شكور.

والجملة استئناف بياني ناشئ عن تكرر ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فإن ذلك يثير في نفوس الذين آمنوا من أهل الكتاب والمشركين تساؤلاً عن حالهم لعل تأخر إيمانهم إلى ما بعد نزول الآيات في التنديد عليهم يَجعلهم في انحطاط درجةٍ، فجاءت هذه الآية مبينة أن من آمن منهم هو معدود في خير البريئة.

والقول في اسم الإِشارة، وضمير الفصل والقصر وهمز البريئة كالقول في نظيره المتقدم.

واسم الإِشارة والجملة المخبر بها عنه جميعها خبر عن اسم ﴿ إن ﴾ .

وجملة: ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن ﴾ إلى آخرها مبيِّنة لجملة: ﴿ أولئك هم خير البريئة ﴾ .

و ﴿ عند ربهم ﴾ ظرف وقع اعتراضاً بين ﴿ جزاؤهم ﴾ وبين ﴿ جنات عدن ﴾ للتنويه بعِظَم الجزاء بأنه مدَّخر لهم عند ربهم تكرمةً لهم لما في ﴿ عند ﴾ من الإِيماء إلى الحظوة والعناية، وما في لفظ ربهم من الإِيماء إلى إجزال الجزاء بما يناسب عظم المضاف إليه ﴿ عندَ ﴾ ، وما يناسب شأن من يَرُب أن يبلغ بمربوبه عظيم الإحسان.

وإضافة: ﴿ جنات ﴾ إلى ﴿ عدن ﴾ لإِفادة أنها مسكنهم لأن العَدْن الإِقامة، أي ليس جزاؤهم تنزهاً في الجنات بل أقوى من ذلك بالإِقامة فيها.

وقوله: ﴿ خالدين فيها أبداً ﴾ بشارة بأنها مسكنهم الخالد.

ووصف الجنات ب ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ لبيان منتهى حسنها.

وجَرْيُ النهر مستعار لانتقال السيْل تشبيهاً لسرعة انتقال الماء بسرعة المشي.

والنهر: أخدود عظيم في الأرض يسيل فيه الماء فلا يطلق إلا على مجموع الأخدود ومائه.

وإسناد الجري إلى الأنهار توسع في الكلام لأن الذي يجري هو ماؤها وهو المعتبر في ماهية النهر.

وجعل جزاء الجماعة جمعَ الجنات فيجوز أن يكون على وجه التوزيع، أي لكل واحد جنة كقوله تعالى: ﴿ يجعلون أصابعهم في آذانهم ﴾ [البقرة: 19] وقولك: ركب القوم دوابَّهم، ويجوز أن يكون لكل أحد جنات متعددة والفضل لا ينحصر قال تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [الرحمن: 46].

وجملة: ﴿ رضي الله عنهم ﴾ حال من ضمير ﴿ خالدين ﴾ ، أي خالدين خلوداً مقارناً لرضى الله عنهم، فهم في مدة خلودهم فيها محفوفون بآثار رضى الله عنهم، وذلك أعظم مراتب الكرامة قال تعالى: ﴿ ورضوان من اللَّه أكبر ﴾ [التوبة: 72] ورِضَى الله تعلق إحسانه وإكرامه لعبده.

وأما الرضى في قوله: ﴿ ورضوا عنه ﴾ فهو كناية عن كونهم نالهم من إحسان الله ما لا مطلب لهم فوقه كقول أبي بكر في حديث الغار: «فشَرب حتى رضيتَ»، وقول مخرمة حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قَباءً: «رَضِيَ مخرمة».

وزاده حُسْن وقع هنا ما فيه من المشاكلة.

﴿ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ﴾ .

تذييل آت على ما تقدم من الوعد للذين آمنوا والوعيد للذين كفروا بُيّن به سبب العطاء وسبب الحرمان وهو خشية الله تعالى بمنطوق الصلة ومفهومها.

والإِشارة إلى الجزاء المذكور في قوله: ﴿ جزاؤهم عند ربهم ﴾ يعني أن السبب الذي أنالهم ذلك الجزاء هو خشيتهم الله فإنهم لما خشوا الله توقعوا غضبه إذا لم يصغوا إلى من يقول لهم: إني رسول الله إليكم، فأقبلوا على النظر في دلائل صدق الرسول فاهتدوا وآمنوا، وأما الذين آثروا حظوظ الدنيا فأعرضوا عن دعوة رسول من عند الله ولم يتوقعوا غضب مرسله فبقوا في ضلالهم.

فما صدْقُ: «من خشي ربه» هم المؤمنون، واللام للملك، أي ذلك الجزاء للمؤمنين الذين خشوا ربهم فإذا كان ذلك ملكاً لهم لم يكن شيء منه ملكاً لغيرهم فأفاد حرمان الكفرة المتقدم ذكرهم وتم التذييل.

وفي ذكر الرب هنا دون أن يقال: ذلك لمن خشي الله، تعريض بأن الكفار لم يرعوا حق الربوبية إذ لم يخشوا ربهم فهم عبيد سوء.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ ﴾ ﴿ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ ﴾

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ لم يكن ﴾ بالمدينة.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت سورة ﴿ لم يكن ﴾ بمكة.

وأخرج أبو نعيم في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم المزني أحد بني فضيل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسمع قراءة ﴿ لم يكن ﴾ فيقول: أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» .

وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن اسماعيل بن أبي حكيم عن مطر المزني أو المدني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليسمع قراءة ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ فيقول: أبشر عبدي فوعزتي وجلالي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى» .

وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن أبي حبة البدري قال: «لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى آخرها، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبياً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة.

قال أبيّ: وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟

قال: نعم فبكى» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ قال: وسماني لك؟

قال: نعم فبكى، وفي لفظ: لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ دعا أبيّ بن كعب فقرأها عليه، فقال: أمرت أن أقرأ عليك» .

وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيته لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل ذلك فلن يكفره» .

وأخرج أحمد عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ عليَّ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره» قال شعبة: ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ «لو أن لابن آدم وادياً من مال لسأل وادياً ثانياً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» ، قال: ثم ختم بما بقي من السورة.

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبيّ إني أمرت أن أقرئك سورة فأقرأنيها ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة ﴾ أي ذات اليهودية والنصرانية إن أقوم الدين الحنيفية مسلمة غير مشركة، ومن يعمل صالحاً فلن يكفره ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب لما جاءهم أولئك عند الله شر البرية، ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله وحده، وأولئك عند الله هم خير البرية ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ﴾ » .

وأخرج أحمد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس، ثم قال له عمر: كم مالك؟

قال: أربعون من الإِبل.

قال ابن عباس: قلت صدق الله ورسوله لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

فقال عمر: ما هذا؟

فقلت: هكذا اقرأني أبيّ.

قال: فمر بنا إليه فجاء إلى أبيّ فقال: ما تقول هذا؟

قال أبيّ: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: إذاً أثبتها في المصحف؟

قال: نعم.

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: قلت يا أمير المؤمنين: إن أبيّاً يزعم أنك تركت من آيات الله آية لم تكتبها.

قال: والله لأسألن أبيّاً فإن أنكر لتكذبن.

فلما صلى صلاة الغداة غدا على أبيّ فأذن له وطرح له وسادة وقال: يزعم هذا أنك تزعم أني تركت آية من كتاب الله لم أكتبها.

فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» فقال عمر: أفأكتبها؟

قال: لا أنهاك.

قال: فكأن أبيّاً شك أقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرآن منزل.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ لقي أبيّ بن كعب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبيّ إن الله قد أنزل سورة وأمرني أن أقرئكها فقال: الله أمرك؟

قال: نعم.

قال: فافعل.

قال: فاقرأها إياه.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ﴾ قال: منتهين عما هم فيه ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ أي هذا القرآن ﴿ رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة ﴾ قال: يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ﴾ والحنيفية الختام وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك ﴿ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ قال: هو الذي بعث الله به رسوله وشرعه لنفسه ورضيه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ منفكين ﴾ قال: برحين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ منفكين ﴾ قال: منتهين لم يكونوا ليؤمنوا حتى تبين لهم الحق.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ قال: محمد، وفي قوله: ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ قال: القيم.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ قال: محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عقيل قال: قلت للزهري تزعمون أن الصلاة والزكاة ليسا من الإِيمان فقرأ ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ ترى هذا من الإِيمان أم لا؟.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: إن قوماً قالوا: إن الصلاة والزكاة ليسا من الدين فقال: أليس يقول الله: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ﴾ فالصلاة والزكاة من الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال: كان أبو واثل إذا سئل عن شيء من الإِيمان قرأ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟

والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك واقرأوا إن شئتم ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: من أكرم الخلق على الله؟

قال: يا عائشة أما تقرئين ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ » .

وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ » فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البرية.

وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: عليّ خير البرية.

وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين» .

وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمع قول الله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ﴾ أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

وهو ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ .

في الدنيا وتناهى (١) (١) في (أ): (تناها).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة ﴾ أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ ﴾ [فصلت: 45] وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بما يجدون في كتبهم من ذكره ﴿ وَمَآ أمروا ﴾ الآية: هنا معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرّفوا أو بدّلوا، ويحتمل أن يكون المعنى ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأيّ شيء ينكرونه ويكفرون به ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وهذا الإخلاص في التوحيد من الشرك الجلّي، وهذا الإخلاص في الأعمال من الشرك الخفيّ، وهو الرياء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرياء الشرك الأصغر» وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشريكه» .

واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات، فأما المأمورات فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها بنية أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وجه الله، من طلب منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال.

وأما المنهيات فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنية وجه الله حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك فإن فعلها بغير نية لم يكن فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قُربَه إذا قصه به وجه الله مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ جمع حنيف وقد ذكر ﴿ وَذَلِكَ دِينُ القيمة ﴾ تقديره: الملة القيمة، أو الجماعة القيمة وقد فسرنا القيمة ومعناها أن الذي أمروا به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام فلأيّ شيء لا يدخلون فيه؟

﴿ البرية ﴾ الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم بعد العدم.

وقرأ بالهمز وهو الأصل بالياء وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر استعمالاً عند العرب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ البريئة ﴾ بالهمزة نافع وابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ البينة ﴾ لا ﴿ مطهرة ﴾ ه ك ﴿ قيمة ﴾ ه ك ﴿ البينة ﴾ ه ط ﴿ القيمة ﴾ ه ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ البرية ﴾ ه ط ﴿ الصالحات ﴾ ه لا ﴿ البرية ﴾ ه ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ه التفسير: استصعب بعض العلماء ومنهم الواحدي حل هذه الآية لأنه  لم يبين أنهم منفكون عن أي شيء إلا أن الظاهر أنه يريد أنفاكهم عن كفرهم، ثم إنه فسر البينة بالرسول  ومعلوم أن "حتى" لانتهاء الغاية، فالآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول وهذا ينافي قوله ﴿ وما تفرق ﴾ الآية.

والجواب على ما قال صاحب الكشاف، أن هذه حكاية كلام الكفار، وتقديره أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث النبي  : لا ننفك عما نحن فيه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي  الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد  فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه.

ثم قال ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والإنفاق على الحق إذا جاءهم الرسول.

ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر، إلا مجيء الرسول ونظيره من كلام البشر أن يقول الفاسق لمن يعظه: لست بممتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، فلما رزقه الغنى ازداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً لأن الذي وقع كان خلاف ما ادعى.

وقيل: إن " حتى " للمبالغة فيؤل المعنى إلى قولك مثلاً لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة.

وقال قوم: إنا لا نحمل قوله ﴿ منفكين ﴾ على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد  بالمناقب والفضائل، ثم لما جاءهم محمد  تفرقوا وقال كل واحد فيه قولاً آخر رديئاً، فتكون الآية كقوله ﴿ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ﴾ ولا يبعد في هذا الوجه أن يكون بعضهم قد قال في محمد قولاً حسناً وآمن به لأن التفرق يحصل بأن لا يكون الجميع باقين على حالهم الأولى، فإذا صار بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً على اختلاف طرق الكفر حصل التفرقة.

ولا يبعد أيضاً أن يراد أنهم لم يكونوا منفكين عن اتفاق كلمتهم على كفرهم حتى جاءهم الرسول فحينئذ تفرقوا، وما بقوا على ذلك الائتلاف واضطربت أقوالهم.

وفي قوله ﴿ منفكين ﴾ إشارة إلى هذا لأن انفكاك الشيء هو انفصاله عنه بعد التحامه والتئامه كالعظم إذا انفك عن مفصله، فالمعنى أن قلوبهم ما خلت عن تلك العقائد وعن الجزم بصحتها إلا بعد مبعث النبي  .

وقوله ﴿ من أهل الكتاب والمشركين ﴾ بيان للذين كفروا، والمراد أن الكفار فريقان بعضهم أهل الكتاب ومن يجري مجراهم كالمجوس، وبعضهم مشركون وقيل: المشركون هم أهل الكتاب أيضاً، وذلك أن النصارى هم أهل التثليث واليهود أهل التشبيه.

وقد يقول القائل: جاءني العقلاء والظرفاء وأراد قوماً بأعيانهم.

وفائدة الواو أنهم جامعون بين الوصفين، ومما يؤيد هذا الوجه أنه لم يعد إلا ذكر أهل الكتاب في قوله ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ والأولون اعتذروا عن ذلك بأنهم إنما خصصوا بالذكر لفضلهم وبركة علمهم ولمزيد توبيخهم فإن العصيان والعناد من العالم أقبح، ولعل هذا هو السبب في تقديم ذكرهم أولاً.

والبينة الحجة الواضحة، وإطلاقها على الرسول كإطلاق النور والسراج عليه.

والصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن المطهر من النقائص ومس المحدث إياه، ومعنى تلاوة الصحف إملاؤه إياها.

وعن جعفر الصادق  أنه  كان يقرأ من الكتاب وإن كان لا يكتب ولعل هذا من معجزاته.

والكتب المكتوبات.

والقيمة المستقيمة أو المستقلة بالدلالة من قولهم " قام فلان بأمر كذا ".

وقال أبو مسلم: البينة مطلق الرسل وهم الملائكة أي رسل من السماء يتلون عليهم صحفاً كقوله ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء  ﴾ وكقوله ﴿ بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة  ﴾ قال الجبائي: في قوله وما تفرقوا إلا من بعد كذا دلالة على أن الشقاوة والسعادة لم يثبتا في الأزل ولا في أصلاب الآباء.

وزيف بأن المراد ظهور التفرق منهم لا حصوله في علم الله وهو ظاهر.

قوله ﴿ وما أمروا ﴾ أي وما أمروا بما أمروا به في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله على حالة الإخلاص والميل عن الأديان الباطلة.

فقوله ﴿ حنفاء ﴾ حال مترادفة أو متداخلة ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ موصوفها محذوف أي دين الملة القيمة.

ويعلم من هذا الإخبار أن الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضاً كما في شرعهم، ويحتمل أن يراد وما أمروا على لسان محمد  قاله مقاتل.

استدل بالآية من قال: إن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والعمل بيانه أن الله  ذكر العبادة المقرونة بالإخلاص وهو التوحيد، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أشار إلى المجموع بقوله ﴿ وذلك دين القيمة ﴾ ورد بالمنع من أن المشار إليه هو المجموع، ولم لا يجوز أن يكون إشارة إلى التوحيد فقط؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد بدين القيمة الدين الكامل المستقل بنفسه وهو أصل الدين ونتائجه وثمراته؟

ثم ذكر وعيد الكفار ووعد الأبرار.

قدم في الوعيد أهل الكتاب على المشركين، والسر فيه بعد ما مر أنه  كان يقدم حق الله على حق نفسه ولهذا حين كسروا رباعيته قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وحيث فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال: ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً فقال الله  : كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضاً أقدم حقك على حقي، فمن ترك الصلاة طول عمره لم يكفر، ومن طعن فيك بوجه يكفر.

ثم إن أهل اكتاب طعنوا فيك فقدمتهم في الوعيد على المشركين الذين طعنوا فيّ، وأيضاً المشركون رأوه صغيراً يتيماً فيما بينهم.

ثم إنه بعد النبوة سفه أحلامهم وكسر أوثانهم وهذا أمر شاق يوجب العداوة الشديدة عند أهل الظاهر.

وأما أهل الكتاب فقد كانوا مقرين بنبي آخر الزمان وكان النبي  مثبتاً لنبيهم وكتابهم فلم يوجب لهم ذلك عداوة شديدة، فطعنهم في محمد  طعن في غير موقعه فاستحقوا التقديم في الوعيد لذلك وكانوا شر البرية، وهذه جملة يطول تفصيلها شر من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد  ، وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا على سفلتهم طريق الحق، وشر من الجهال لأن العناد أقبح أنواع الكفر، وفيه دلائل على أن وعيد علماء السوء أفظع.

قوله في هذه الآية ﴿ خالدين فيها ﴾ وفي آية الوعد ﴿ خالدين فيها أبداً ﴾ إشارة إلى كمال كرمه وسعة رحمته كما قال " سبقت رحمتي غضبي " قال العلماء: هذه الآية مخصوصة في صورتين إحداهما أن من تاب منهم وأسلم خرج من الوعيد، والثانية أن من مضى من الكفرة ويجوز أن لا يدخل فيها لأن فرعون كان شراً منهم.

قوله ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فلا مكلف يأتي بجميع الصالحات بل لكل مكلف حظ.

فحظ الغني الإعطاء وحظ الفقير الأخذ.

احتج بعضهم بقوله ﴿ أولئك هم خير البرية ﴾ على تفضيل البشر على الملك قالوا: روى أبو هريرة أنه  قال: " أتعجبون من منزلة الملائكة من الله والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك وقرأ هذه الآية " أجاب المنكرون بأن الملك أيضاً داخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو المراد بالبرية بنو آدم لأن اشتقاقها من البرإ وهو التراب لا من برأ الله الخلق، وتمام البحث في المسألة قد سبق في أول البقرة.

قوله ﴿ ذلك لمن خشي ربه ﴾ مع قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ظاهر في أن العلماء بالله هم خير البرية اللهم اجعلنا منهم والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ : ذكر في حق أهل الكتاب: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ بحرف ﴿ مِنْ ﴾ ، وهو للتبعيض، ولم يقل: "أهل الكتاب"، وذكر في حق أهل الشرك: ﴿ وَٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ؛ لأن أهل الكتاب كانوا فرقا: منهم من كان آمن برسول الله  من قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، ومنه من كان كافراً به، فلما بعث آمن به، فلزم الإيمان به، ومنه من كان كافرا به، فلما بعث، وأرسل، لزم الكفر به، ولم يؤمن، فلما كانوا أصنافا وفرقا؛ لذلك قال: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ بحف "من".

وأما المشركون: فإنهم كانوا صنفا واحدا، ثم لم يبين: أنهم إذا أتاهم البينة ينفكون أو لا؟.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ ، أي: لم يكن بعض أهل الكتاب وبعض المشركين منفكين من الكفر؛ لأنه عطف المشركين على أهل الكتاب؛ كأنه قال: من أهل الكتاب ومن المشركين؛ ولذلك خفض المشركين، ولم يقل: "والمشركون"، بل كانوا أهل كفر وشرك إلى آخر عمره، وإن أتتهم البينة، والبينة: هي ما خفي خلقه كل أحد مما يدل على ألوهيته ووحدانيته.

ويحتمل أن بعضا من الفريقين على الشرك حتى تأتيهم البينة، وهي معاينة العذاب عند الموت؛ كقوله -  -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

 ﴾ ، ونحو ذلك.

وذكر في حرف ابن مسعود -  -: (لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين)، وفي حرف أبي: "ما كان الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين).

ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : قال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منتهين، زائلين عن الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة.

وقال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين خارجين من الدنيا حتى تأتيهم البينة.

ثم اختلفوا في البينة التي ذكر أنها تأتيهم: قال بعضهم: البينة رسول الله  ؛ حيث قال على أثره: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ .

وقال بعضهم: ما جاء به رسول الله  ، وهو القرآن، وما جاء به محمد [رسول الله  ] من الحجج: فمن جعل قوله: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : منتهين، زائلين، يجعل البينة: رسول الله  ، ورسول الله -  - [سمى] بينة؛ لأنه به يعرف [كل] خير وكل إحسان، وبه يتبين الحق من الباطل، وكل شيء من أمر المعاد والمعاش، وكذلك القرآن جاء به.

ومن قال: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ : خارجين من الدنيا: يجعل البينة التي ذكر أنها تأتيهم: العذاب معاينة جهارا؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ...

 ﴾ ، أي: خارجين من الدنيا؛ حتى يعلموا العذاب؛ فعند ذلك يؤمنون.

وقوله - عزو جل -: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ : على التأويل الأول في البينة يكون ما ذكر من قوله: ﴿ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ تفسيرا للبينة.

وعلى الثاني يخرج على الابتداء، يقول: رسول الله  يتلو صحفا مطهرة.

ثم جائز أن يكون سمى القرآن وحده: صفحا؛ على المبالغة؛ إذ قد يسمى الواحد باسم الجميع على المبالغة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُواْ صُحُفاً ﴾ : القرآن، وسائر الصحف؛ لأن سائر الصحف فيه.

وكذلك: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، جائز أن يكون سمى كتابه المنزل على رسول الله  : كتبا؛ على الإبلاغ، والتأكيد؛ على ما ذكرنا.

وجائز أن يكون: يتلو صفحا وكتبا عليهم، وهي التوراة والإنجيل والزبور، كأن هذا القرآن في تلك الكتاب، وتلك الكتب في هذا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ  صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ  ﴾ أخبر أنه في تلك الكتب، وأن الكتب الأولى فيه؛ فيصير بتلاوة هذا عليهم كأنه [تلا] تلك الكتب عليهم، وعلى هذا قوله -  -: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي...

 ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ...

 ﴾ ، وقوله عز وجل -: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ...

 ﴾ ففى هذا ما في تلك الكتب.

وقال بعضهم: ﴿ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ﴾ : التي كانت في أيدي السفرة البررة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ ، يحتمل: مطهرة من أن يكون للباطل فيها حجة أو مدخل.

أو مطهرة من الافتعال والافتراء.

أو مطهرة من أن تحتمل ما ذكره أولئك الكفرة.

وقال قتادة: سمى كتابه بأحسن الأسماء، وأثنى عليه بأحسن الثناء، سماه: نورا، وهدى، ورحمة، وبركة، وآية شفاء، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَيِّمَةٌ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: فيها كتب صادقة.

وقال بعضهم: عادلة.

قال غيرهم: مستقيمة على ما توجبه الحكمة.

وجائز أن يكون قوله -  -: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، أي: أحكام كثيرة مستقيمة؛ على ما توجبه الشريعة والحكمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ : يقول أهل التأويل: إنما تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة، وهو محمد  .

وقال أبو بكر: هذا التأويل: خطأ؛ لأنهم كانوا متفرقين قبل ذلك؛ فلا معنى لهذا.

وعندنا: ليس كما توهم هو، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: وما تفرقوا في محمد  إلا من بعد ما جاءم العلم به، عند ذلك تفرقوا فيه، فأما قبل ذلك، كانوا مجتمعين فيه كلهم.

أو ما تفرقوا في الدين والمذهب إ لا من بعد ما جاءتهم البينة، أي: عن بيان وعلم تفرقوا في الدين، وفيما تفرقوا فيه، وهو ما جعل في خلقه كل أحد دلالة التوحيد والربوبية له ما لو تفكروا، لعرفوا بأن الله -  - واحد، والبينة تحتمل من هذا الموضع رسول الله  والقرآن، ونفس الخلقة على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : أي: ما أمروا إلا ليجعلوا الألوهية لله والوحدانية له.

ودل قوله: ﴿ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ على أن تأويل - قوله -  : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ على إضمار الأمر، أي: إلا ليأمرهم بالعبادة على كل حال؛ لأنه لو خلقهم للعبادة ما قدروا [على] غيره.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ على الخصوص، خلق من علم أنه يعبده للعبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : إخلاص الدين له يخرج على وجهينن: أحدهما: أن يخلص له الدين، ويصفي، لا يشرك فيه غيره، ويكون من خلوصه وصفائه.

والثاني: الدين الخالص هو الدائم، كقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً...

 ﴾ ، أي: دائما.

وكذلك يحتمل قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ...

 ﴾ .

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ : قل أهل التأويل: المسلمونز وقال بعضهم: حنفاء: متبعين، والحنف: الميل كأنه قال: مائلين إلى الإسلام.

وقل: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ : الحجاج.

وقيل: الحنف: المستقيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ : يحتمل القبول، أي: قبلوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ  ﴾ ، أي: تابوا، وقبلوا ذلك، ليسي على حقيقة الإقامة.

ويحتمل [أن يكون] حقيقة الإقامة والإيتاء، وأيهما كان، ففيه أن أوائلهم كانوا مأمورين بالصلاة والزكاة.

ثم المعنى الذي في الصلاة والزكاة لا يحتمل النسخ في وقت من الأوقات؛ لأن الصلاة معناها: هو الاستسلام، والخضوع له، والزكاة: هي تزكية النفس وطهارتها، وذلك لا يحتمل النسخ أصلا.

ثم قال: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ والدني مذكر، والقيمة مؤنث؛ فجائز أن يكون الذي ذكر هو الملة القيمة، ويحتمل دين الأمة القيمة، وهو قول الزجاج.

أو يقول: ذلك الذي قومته الحجج والبراهين، أضيف إلى الحجج.

وجائز أن يكون ذكر القَيِّمة، على التسوية بين ما سبق وما تقدم من أواخر الآي، من قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ ، و ﴿ مُّطَهَّرَةً ﴾ ، و ﴿ كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ ، ثم قال على ذلك: ﴿ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ﴾ ، تسوية بين ما تقدم وما تأخر من قوله: ﴿ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ ، و ﴿ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ .

وفي حرف أبي: (ذلك الدين القيم) بغير هاء.

وفي قوله -  -: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ﴾ - وجهان: أحدهما: تحذير لهذه الأمة؛ لئلا يتفرقوا كما تفرق أولئك في رسول الله  ، وفيما جاء به.

والثاني: يكونون أبدا فزعين إلى الله -  - في كل وقت، خائفين منه، وألا يكلوا إلى البيان الذي جاءهم؛ فيتفرقوا كما تفرق أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ .

ظاهر هذا أن يكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، أي: بعض المشركين في النار، لا كل المشركين، ولكن من كفر من المشركين، كان كمن كفر من أهل الكتاب في نار جهنم، لكن الكفر هو الشرك، والشرك هو الكفر؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ...

 ﴾ ؛ فدل أن الكفر والشرك واحد؛ فكل كافر مشرك؛ فكانه قال: إن الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية.

ثم جاء كل هذا التشديد لهؤلاء؛ لأن أهل الكتاب ادعوا أنه من نسل الأنبياء، ثم تركوا اتباعهم، والمشركون قد ﴿ ...وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ...

 ﴾ ، [ثم] نفضوا ذلك العهد.

وأهل الكتاب قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، فتركوا اتباع الصالحين من آبائهم.

والعرب - أيضا - كانوا أقرب إلى رسول الله  من غيره؛ فحقه عليهم ألزم وأوجب؛ فشدد على هؤلاء لهذا لمعنى.

ثم إ ن كان البرية مأخوذاً مقدرا من البري وهو التراب، ويرجع تأويل الآية إلى البشر؛ كأنه قال: أولئك هم شر ما أنشئ من الأرض.

وإن كان مأخوذا مقدرا من البرا وهو الخلق؛ فيصر كأنه قال: أولئك هم شر ما خلقوا؛ فيدخل في ذلك الملائكة والجن والبشر، وفي الأول لا يدخل إلا البشر خاصة.

وكذلك ما ذكر من أهل الإيمان؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ﴾ : فإن كان البرية مأخوذا من البرى، فهو يرجع إلى الأصناف جميعا، وإن كان من البري - وهو التراب - فهو يرجع إلى البشر خاصة؛ فيصير كأنه قال: شر أهل البشر من جنسهم، وخير أهل الخير من جنسهم؛ لأنهم صاورا قادة في الهدى والخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ : فإن كان العدن هو المقام، فجميع الجنان عدن، وجميع الجنان نعيم.

ثم قد قسم الخلق صنفين: صنفا جعله شر البرية، وصنفا جعله خير البرية، ثم يكون [من] كل صنف شر من شر، وخير من خير، وسوى بين من نشأ على الكفر، ودوام عليه في التأييد والتخليد وبين من أحدث الكفر في آخر عمره، وكذلك من دام على الإيمان، ومن أحدث سوى بينهما، ولم يجعل لما مضى من الكفر والإيمان جزاء ولا عقابا؛ وذلك - والله أعلم - هو أن من اعتقد إيمانا إنما يعتقده للأبد، وكذلك من يعتقد الكفر، إنما يعتقده للأبد، فإذا أحدث الإيمان بعد الكفر اعتقد قبح ما عمل في حال كفره وشره، وحسن ما أحدث من الإيمان والتوحيد، وكذلك من أحدث الكفر بعد الإيمان، اعتقد فساد مع ما عمل في حال إيمانه؛ لذلك سوى بين أحدث، وبين من دام عليه، وليس [كمن يذنب] في وقت، ويتوب في وقت؛ لأنه ليس يعتقد حسن ذلك، ولا قبحه في الأبد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول:  م، بعملهم الذي عملوا لأنفسهم، وسيعهم الذي سعوا في الدنيا لهم؛ رضي سعيهم لهم، ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ، أي: رضوا هم عنه بما أكرمهم، ووفقهم للأعمال التي عملوا لأنفسهم في الدنيا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ  ﴾ ، أي: إن قبلوا ما أحسن إليهم، وأحسنوا صحبة إحسانه إليهم يرضى ذلك لهم.

وهذا يدل أن ما يعملون من خير أو شر إنما يعملون لأنفسهم، ولمنفعة ترجع إليهم، أو مضرة تندفع عنهم.

والثاني: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما أكرمهم من الثواب لأعمالهم التي عملوا لأنسهم، ورضوا عنه بكرامته التي أكرمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ هذا منه إفضال وإنعام؛ حيث ذكر رضاه عنهم، وإن ذكر العفو والتجاوز كان حقا، ولكن هذا كما ذكر من لطيف معاملته عباده؛ حيث سمى ما ادخروا من وقت حاجتهم إليه: قرضا؛ حيث قال: ﴿ ...وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...

 ﴾ ، وسمى بذلهم أنفسهم وأموالهم سرّاً، وما يعملون لأنفسهم - جزاء وشكرا، وأموالهم وأنفسهم في الحقيقة له، ولكن سمى بالذي ذكرنا؛ لطفا منه وفضلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من رضاه عنهم به، وكذلك قوله: ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ ذكر رضاهم عنه بفضله ولطفه، وإلا من هم حتى يذكر منهم الرضا عن الله  ؟!.

ثم هو يخرج على وجهين سوى ما ذكرنا: أحدهما: رضوا عنه بما امتحنهم في الدنيا بالمجن الشديدة العظيمة، وإن اشتدت تلك، وثقلت على أنفسهم إذا رأوا إحسان الله -  - وفضله في الآخرة.

والثاني: رضوا عنه بالنعم التي أكرمهم في الجنة، ﴿ ...لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ، ولا يريدون غيرها، ولا يملون على ما يملون في الدنيا.

قال أبو عوسجة: ﴿ مُنفَكِّينَ ﴾ ، أي: لا يزالون على هذه الحال، يقول الرجل: ما انفككت أفعل كذا وكذا، أي: ما زلت أفعل كذا وكذا.

وقال القتبي وأبو عبيد وغيرهما: المنفكين: زائلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ : أي: الذي ذكر من الجزاء لمن خشي نقمته، أو خشي سو صحبة نعمه، وأصله أن من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات، فإنما يفعل ذلك؛ لخشية ربه -  - وكل من [كان] أعلم بربه فهو أخشى لربه  ، ومن [كان] أجهل به فهو أجرأ؛ قال الله -  -: ﴿ ...إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ...

 ﴾ .

وقال الحسن: الخشية: هي الخوف اللازم في القلب الدائم فيه، أو خشي خلافه وكفران نعمه، والله أعلم، [والحمد لله رب العالمين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات أولئك هم خير الخليفة.

<div class="verse-tafsir" id="91.yn5Mg"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه السورة مدنية على أرجح الأقوال.

كان الكثير الأغلب من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين من العرب في ظلام من الجهل بما يجب الاعتقاد به والعمل عليه من شرائع أنبيائهم وسلفهم، وذلك لاعتمادهم -فيما يعتقدون وما يعملون- على تقليد آبائهم.

وقد كان فيمن تقدم منهم من أدخل على الشرائع كثيرًا مما ليس منها: إما بسوء الفهم وإما للعناد لإفحام الخصم، وإما باستحسان عقولهم ضروبًا من البدع يتوهمونها مؤيدة للدين مفخمة لأمره، وهي من أشد الأشياء ضررًا بالدين، ثم جاء من بعدهم يزيد على ما وضعوه إلى أن خفي الحق في الظلام الباطل، ولم يزالوا كذلك إلى أن جاء النبي  ، فأخذت صيحته تشق تلك القبور، ويده الكريمة ترفع تلك الستور، فيسري شعاع من ضوء الحق الذي جاء به من خلال تلك الحجب إلى ما وراءها من أعماق الضمائر، فإذا أحسوا ببصيصه فرح به طلاب الحقائق في تلك الظلم، وأزاحوا عن أبصارهم غطاء الشبهة، ومثلوا بين يدي الداعي  ملبين دعوته طالبين هدايته.

أما أهل العناد منهم فيقع الزلزال في اعتقادهم، ويضعف حبل تقليدهم، ولكنهم يثبتون في ضلالهم، ويقولون لأنفسهم ولإخوانهم: هذا الذي يقوله الداعي ليس بالشيء الجديد، ولم يترك شيئًا للآخر.

وجميع ما يدعونا إليه كان معروفًا لنا، مذكورًا في كتبنا، واردًا في قول أسلافنا، ولو لم يأت به لعرفناه واهتدينا إليه مما عندنا، ولكن ما نحن فيه خير مما يدعو إليه.

وينسجون من أوهامهم ما يبيعونه على الجهال، كما هي عادة أمثالهم في كل زمان.

ففي الرد على مزاعم هؤلاء الكافرين الجاحدين الذين يجدون لامع الحق فيعرفونه، ثم يغمضون عيونهم عن النظر إليه، نزلت هذه السورة، فيقول الله ﴿ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ وجحدوا نبوتك بعنادهم بعدما تبينوا الحق منها.

(من أهل الكتاب) اليهود والنصارى والصابئين الذين عرفوك وسمعوا أدلتك وشهدوا آياتك -لم يكونوا هم (والمشركين) أي وثنيي العرب، (منفكين) عن غفلتهم وجهلهم بالحق، ووقوفهم عندما قلدوا فيه آباءهم، لا يعرفون من الحق شيئًا (حتى تأتيهم البينة ): أي الحجة القاطعة المثبتة للمدعي، وهي هنا النبي  .

فمجيئه هو الذي أحدث هذه الرجة فيما رسخ من عقائدهم، وتمكن من عوائدهم، حتى أخذوا يحتجون لعنادهم ومناكرتهم بأنه كان شيئًا معروفًا لهم يصلون إليه بما كان لديهم، ولكنه ليس بمستحق أن يتبع، فإن ما هم فيه أجمل وأبدع، ومتابعة الآباء فيه أشهى إلى النفوس أمتع.

تلك البينة التي تعرفهم وجه الحق هي (رسول من الله) محمد  (يتلو صحفًا مطهرة) هي صحف القرآن وهي مطهرة من الخلط وحشو المدلسين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه ومنكروه معًا.

وتلاوتها: تلاوة ما فيها.

تقول حفظت الصحيفة أو حفظت المصحف، والمعنى حفظت ما فيه.

والنبي  -وإن كان أُميًا- فقد كان يتلو الكلام المكتوب في تلك الصحف، هذه الصحف (فيها كتب قيمة ): القيمة المستقيمة التي لا عوج فيها.

واستقامة الكتب: اشتمالها على الحق الذي لا يميل إلى باطل ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ .

والكتب التي في صحف القرآن ومصاحفه إما أن تكون هي ما صح من كتب الأولين: كموسى وعيسى وغيرهما، مما حكاه الله في كتابه عنهم، فإنه لم يأت منها إلا بما هو قويم سليم وقد ترك حكاية ما لبس فيه الملبسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه، ولهذا لم يجد الجاحدون لرسالته  من أهل الكتاب سبيلًا إلى إنكار الحق، وإنما فضلوا عليه سواه، أو هي سور القرآن، فإن كل سورة كتاب قويم.

فصحف القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه تحتوي على سور من القرآن هي كتب قيمة.

ولما كان لسائل أن يسأل: إذا كان هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين قد انفكوا عن ذلك الظلام المطبق، وبدا لهم من الحق ما عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فما بالهم لم يؤمنوا بهذا الحق الذي جاءهم؟

أجاب الحق بأن أهل الكتاب قد جاءتهم البينة والحجة القاطعة على الحق الذي لا يختلف وجهه بما أوحى الله به إلى أنبيائهم، وكان من حقهم أن يسترشدوا بكتبهم في معرفة سبيله حتى لا ينحرفوا عنه، فإذا عرض لأحدهم شبهة رجع في كشفها إلى العارف بمعاني الكتب، ثم كان عليهم أن يحرصوا على تعلم معانيها وفهم أساليبها ويحافظوا عليها حتى لا يضللهم فيها مضلل ..

لكن هذه البينة لم تفدهم شيئًا، فإنهم اختلفوا في التأويل، وتفرقوا في المذاهب، حتى صار أهل كل مذهب يبطل ما عند أهل المذهب الآخر، وكان ذلك بغيًا منهم، واستمرارًا في المراء، وإصرارًا على ما قاد إليه الهوى.

وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ  ﴾ على ألسنة أنبيائهم.

فهكذا كان شأنهم في النبي  : جحدوا بينته -كما جحدوا بينة أنبيائهم- بتفرقهم فيها، وبعدهم بالتفرق عن حقيقتها.

فإن كان هذا شأن أهل الكتاب في بينتهم وبينتنا، فما ظنك بالمشركين، وهم أعرق في الجهالة، وأسلس قيادًا للهوى منهم؟

يقول الله على أهل الكتاب: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ  ﴾ .

والواو في قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُوا  ﴾ إلخ للحال ومعنى (أمروا): أي بلغت إليهم أوامر، ووضعت لهم شرائع وأحكام.

والدين هو إذعان النفس لإلهها مع الخضوع له وامتثال أوامره فيما يطلب منها، وإخلاص الدين لله تنقيته من أن يشركه فيه شيء بلا واسطة، ولا مال، ولا كرامة، ولا جاه.

والحنفاء: جمع حنيف، وهو من يتبع إبراهيم  أو من يكون على مثاله.

والأصل في معني الحنيف المائل المنحرف.

ولما كان الناس في زمن إبراهيم على وثنية واحدة، وفارقهم إبراهيم إلى التوحيد وحده قيل فيه: حنيف، أي مائل عن الناس كافة.

ولما كان العرب قبل النبوة يزعمون أنهم على دين إبراهيم لقبوا بالحنفاء، مع ما خلطوا في دينهم، وأدخلوا عليه من عقائد الوثنية وعوائدها، وخفي هذا على كثير من الناس فظنوا أن الحنيف معناه الوثني، وليس الأمر كما يظنون.

وإقامة الصلاة: الإتيان بها لإحضار القلب هيبة المعبود وترويضه بالخشوع، لا أن تكون مجرد حركات ظاهرة، فإن ذلك ليس من الصلاة في شيء البتة.

وإيتاء الزكاة: صرفها في مصارفها التي عينها الله.

وهذا هو دين الكتب القيمة أو دين الأمة القيمة المستقيمة.

ومعنى الآية إن أهل الكتاب قد افترقوا، ولعنت كل فرقة أختها، وكان افتراقهم في العقائد والأحكام وفروع الشريعة، مع أنها لم يؤمروا ولم توضع لهم تلك الأحكام إلا لأجل أن يعبدوا الله، ويخلصوا له عقائدهم وأعمالهم، فلا يأخذونها إلا عنه مباشرة لا يقلدون فيها أبًا ولا رئيسًا، وإنما يحصلون من العلم ما يؤهلهم لفهمها، مائلين في ذلك عما عليه أهل الضلال من الأمم الأخرى، وأن يخشعوا لله في صلاتهم، وأن يصلوا عباد الله بزكاتهم.

فإذا كان هذا هو الأصل الذي يرجع إليه في الأوامر، فما كان عليهم إلا أن يجعلوه نصب أعينهم، فيردوا إليه كل ما يعرض لهم من المسائل، ويحلوا به كل ما يعترض أمامهم من المشاكل.

ومتى تحكم الإخلاص في الأنفس تسلط الإنصاف عليها فسادت فيها الوحدة، ولم تطرق طرقها الفرقة.

هذا ما نعاه الله من حال أهل الكتاب.

فما نقول فيه حالنا؟

أفما ينعاه كتابنا الشاهد علينا بسوء أعمالنا في افتراقنا في الدين، وأن صرنا فيه شيعًا، وملأناه محدثات وبدعًا؟!

بهذا الذي تقدم عرفت أن الذين كفروا هم الذين أنكروا رسالة النبي  عند دعوتهم إلى قبول ما جاء به، وأن (من) في قوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ للتبعيض، وأن معنى لم يكونوا منفكين، أي لم يكن وجه الحق لينكشف لهم فيقع الزلزال في عقائدهم: فينفكوا عن الغفلة المحضة التي كانوا فيها حتى تأتيهم البينة.

ويجوز أن يكون المراد من الذين كفروا -والله أعلم- أولئك الذين جحدوا شيئًا من دين الله تعالى عندما جاءهم، ولم ينظروا في دليله، أو أعرضوا عنه -بعدما عرفوا دليله- سواء كانوا من مشركي العرب أو من أهل الكتاب، وإن آمنوا بعد ذلك وصدقوا.

فأراد الله أن يذكر منته على من آمن من هؤلاء، فبيّن أن الذين كفروا -أي جحدوا ما أوجب الله على عباده أن يعتقدوه عنه من صفاته وشرائعه من أهل الكتاب ومشكي العرب- لم يكونوا براجعين عن كفرهم وجحودهم هذا حتى يأتيهم الرسول فيبين لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر فيؤمنوا.

فما أعظم فضل الله عليهم في إرسال رسوله إليهم!

وهذا وجه آخر غير الذي قدمناه في معنى الذين كفروا وانفكاكهم.

وبذلك أو هذا ظهر معنى حتى، وبطل جميع ما يهذي به كثير من المفسرين الذين أضلهم التقليد عن الرأي السديد، فصعبوا من القرآن سهله، وحرموا من فهمه أهله.

(نار جهنم): هي دار العذاب في الآخرة، وهي نار يجب علينا الإيمان بها، والتصديق بأن العذاب فيها أشد من العذاي في نار الدنيا، كما يجب علينا أن لا نبحث في حقيقتها، ولا بم تتقد، ولا أين يكون موضعها، فذلك مما لا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، وليس بمحال عقلي حتى نحتاج فيه إلى تأويل.

(خالدين فيها): أي لا يخرجون منها أبدًا.

(أولئك)هؤلاء الذين كفروا وجحدوا الحق، بعدما عرضت عليهم حجته، وظهرت لهم حقيقته.

(هم شر البرية): أي شر الخليقة.

أي هم أقبح وأسوأ ما خلق الله حالًا لأن منكر الحق بعد معرفته، وقيام الدليل عليه، منكر في الحقيقة لعقل نفسه، مهلك لروحه، جالب الهلاك إلى غيره.

(الذين آمنوا) هم الذين سطع لهم نور الدليل، فاهتدوا به، وأذعنوا لما دل عليه، فصدقوا من جاء به، وهو النبي  (وعملوا الصالحات) لأن إذعانهم الصحيح، ووجدانهم لذة معرفة الحق ملَّكت الحق قيادهم فعملوا الأعمال الصالحة: من بذل النفس في سبيل الجهاد للحق، وبذل المال في أعمال البر مع القيام بفرائض العبادات والإخلاص في سائر ضروب المعاملات.

(أولئك هم خير البرية): أي هؤلاء المؤمنون الصالحون المحسنون هم أفضل الخليقة، لأنهم بمتابعة الحق -عند معرفته بالدليل القائم عليه- قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم الله بها، وبالعمل الصالح قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود الإنساني، وهدوا غيرهم حسن الأسوة إلى مثل ما هدوا إليه من الخير والسعادة، فمن يكون أفضل منهم؟!

(جنات عدن تجري من تحتها الانهار): الجنات هي مغراس الأشجار النضرة.

والعدن: الإقامة، والأنهار: جمع نهر، وهو جدول الماء العظيم.

والمراد منها ههنا دار النعيم في الحياة الآخرة، وهي كذلك مما يجب علينا الاعتقاد به، وأن النعيم واللذة فيها أكمل وأوفر من جميع لذائذ الدنيا، وأنها دار خلد: أي أن من دخلها من أهلها لا يخرج منها أبدًا.

وهو معنى (خالدين فيها أبدًا).

ولا يجوز لنا البحث في حقيقتها ولا أين موضعها، ولا كيفية التمتع فيها، فإن ذلك لا يعلمه إلا الله.

(رضي الله عنهم) لأنهم لم يخرجوا عن حدود شريعته، ولم يهملوا العمل بسنته.

ورضا الله: تفضله وإحسانه.

(ورضوا عنه) لأنهم يحمدون صنيعه فيهم، وإحسانه إليهم بسعادة الدارين.

فإنهم -بحسن يقينهم- يرتاحون إلى امتثال ما يأمر به في الدنيا، فهم راضون عنه.

ثم إذا ذهبوا إلى نعيم الآخرة وجدوا من فضل الله ما لا محل للسخط معه، فهم راضون عن الله في كل حال.

(ذلك لمن خشي ربه): أي هذا الجزاء الحسن، وهذا الرضا، إنما هو لمن كان قلبه بيتًا لخشية ربه والخوف منه.

أراد بهذه الكلمة الرفيعة الاحتياط لدفع سوء الفهم الذي وقع، ولا يزال يقع فيه العامة من الناس، بل الخاصة كذلك، وهو أن مجرد الاعتقاد بالوراثة، وتقليد الأبوين، ومعرفة ظواهر بعض الأحكام، وأداء بعض بعض العبادات: كحركات الصلاة، وإمساك الصوم ..

مجرد هذا يكفي في نيل ما أعد الله من الجزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وإن كانت قلوبهم حشوها الحسد والحقد والكبرياء والرياء، وأفواههم ملؤها الكذب والنميمة والافتراء، وتهز أعطافهم رياح العجب والخيلاء، وسرائرهم مسكن العبودية والرق للأمراء -بل ولمن دون الأمراء- خالية من أقل مراتب الخشوع والإخلاص لرب الأرض والسماء!

كلا ..

لا ينالون حسن الجزاء.

فإن خشية ربهم لم تحل قلوبهم، ولهذا لم تهذب من نفوسهم، ولا يكون ذلك الجزاء إلا لمن خشي ربه، وأشعر خوفه قلبه ..

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله