الإسلام > أسماء الله الحسنى > القادر
آخر تحديث 10 يونيو 2026 - 02:23
القادر اسمٌ من أسماء الله الحسنى التسعةِ والتسعين. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقال النبيُّ ﷺ: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنّة». ومعنى اسمِ الله القادر: ذو القدرةِ التامّةِ على كلِّ شيء.
مَعْنَاهُمَا ذُو الْقُدْرَة لَكِن المقتدر أَكثر مُبَالغَة وَالْقُدْرَة عبارَة عَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ يُوجد الشَّيْء متقدرا بِتَقْدِير الْإِرَادَة وَالْعلم وَاقعا على وفقهما والقادر هُوَ الَّذِي إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ لم يفعل وَلَيْسَ من شَرطه أَن يَشَاء لَا محَالة فَإِن الله قَادر على إِقَامَة الْقِيَامَة الْآن لِأَنَّهُ لَو شَاءَ أَقَامَهَا فَإِن كَانَ لَا يقيمها لِأَنَّهُ لم يشأها وَلَا يشاؤها لما جرى فِي سَابق علمه من تَقْدِير أجلهَا ووقتها فَلذَلِك لَا يقْدَح فِي الْقُدْرَة والقادر الْمُطلق هُوَ الَّذِي يخترع كل مَوْجُود اختراعا يتفرد بِهِ ويستغني فِيهِ عَن معاونة غَيره وَهُوَ الله تَعَالَى وَأما العَبْد فَلهُ قدرَة على الْجُمْلَة وَلكنهَا نَاقِصَة إِذْ لَا يتَنَاوَل إِلَّا بعض الممكنات وَلَا يصلح للاختراع بل الله تَعَالَى هُوَ المخترع لمقدورات العَبْد بِوَاسِطَة قدرته مهما هيأ لَهُ جَمِيع أَسبَاب الْوُجُود لمقدوره وَتَحْت هَذَا غور لَا يحْتَمل مثل هَذَا الْكتاب كشفه الْمُقدم والمؤخر هُوَ الَّذِي يقرب وَيبعد وَمن قربه فقد قدمه وَمن أبعده فقد أَخّرهُ وَقد قدم أنبياءه وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم وَأخر أعداءه بإبعادهم وَضرب الْحجاب بَينه وَبينهمْ وَالْملك إِذا قرب شَخْصَيْنِ مثلا وَلَكِن جعل أَحدهمَا أقرب إِلَى نَفسه يُقَال قدمه أَي جعله قُدَّام غَيره والقدام تَارَة يكون فِي الْمَكَان وَتارَة يكون فِي الرُّتْبَة وَهُوَ مُضَاف لَا محَالة إِلَى مُتَأَخّر عَنهُ وَلَا بُد فِيهِ من مقصد هُوَ الْغَايَة بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ يتَقَدَّم مَا يتَقَدَّم ويتأخر مَا يتَأَخَّر والمقصد هُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والمقدم عِنْد الله تَعَالَى هُوَ المقرب فقد قدم الْمَلَائِكَة ثمَّ الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْأَوْلِيَاء ثمَّ الْعلمَاء وكل مُتَأَخّر فَهُوَ مُؤخر بِالْإِضَافَة إِلَى مَا قبله مقدم بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُقدم والمؤخر لِأَنَّك إِذا أحلّت تقدمهم وتأخرهم على توفيرهم وتقصيرهم وكمالهم فِي الصِّفَات ونقصهم فَمن الَّذِي حملهمْ على التوفير بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة بإثارة دواعيهم وَمن الَّذِي حملهمْ على التَّقْصِير بِصَرْف دواعيهم إِلَى ضد الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَذَلِكَ كُله من الله تَعَالَى فَهُوَ الْمُقدم والمؤخر وَالْمرَاد هُوَ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي الرُّتْبَة وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه لم يتَقَدَّم من تقدم بِعِلْمِهِ وَعَمله بل بِتَقْدِيم الله عز وَجل إِيَّاه وَكَذَلِكَ الْمُتَأَخر وَقد صرح بذلك قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون ٢١ سُورَة الْأَنْبِيَاء الْآيَة ١٠١ وَقَوله تَعَالَى وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم ٣٢ سُورَة السَّجْدَة الْآيَة ١٣ تَنْبِيه حَظّ العَبْد من صِفَات الْأَفْعَال ظَاهر فَلذَلِك قد لَا نشتغل بإعادته فِي كل اسْم حذرا من التَّطْوِيل إِذْ فِيمَا ذَكرْنَاهُ تَعْرِيف لطريق الْكَلَام الأول وَالْآخر اعْلَم أَن الأول يكون أَولا بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وَالْآخر يكون آخرا بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وهما متناقضان فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد من وَجه وَاحِد بِالْإِضَافَة إِلَى شَيْء وَاحِد أَولا وآخرا جَمِيعًا بل إِذا نظرت إِلَى تَرْتِيب الْوُجُود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فَالله تَعَالَى بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا أول إِذْ الموجودات كلهَا استفادت الْوُجُود مِنْهُ وَأما هُوَ فموجود بِذَاتِهِ وَمَا اسْتَفَادَ الْوُجُود من غَيره وَمهما نظرت إِلَى تَرْتِيب السلوك ولاحظت مَرَاتِب منَازِل السائرين إِلَيْهِ فَهُوَ آخر إِذْ هُوَ آخر مَا يرتقي إِلَيْهِ دَرَجَات العارفين وكل معرفَة تحصل قبل مَعْرفَته فَهِيَ مرقاة إِلَى مَعْرفَته والمنزل الْأَقْصَى هُوَ معرفَة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ آخر بِالْإِضَافَة إِلَى السلوك أول بِالْإِضَافَة إِلَى الْوُجُود فَمِنْهُ المبدأ أَولا وَإِلَيْهِ الْمرجع والمصير آخرا
المصدر: تفسير الإمام الغزالي في «المقصد الأسنى»