ترجمة الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بن المعز

الإسلام > أعلام الإسلام > الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بن المعز

ترجمة الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بن المعز من كتاب سير أعلام النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، من الطبقة الثامنة عشرة من أعلام الإسلام. توفي الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بن المعز سنة 381 هـ.

« فأراد أن يستميله، فأظهر التفقه، وحمل في كمه الدفاتر، وطلب إلى عنده فقيهين، وأمرهما بتدريس فقه مالك في الجامع، ثم تغير، فقتلهما صبرا »الذهبي، سير أعلام النبلاء

بطاقة تعريف الحاكم بأمر الله منصور

الاسمالحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بن المعز
الطبقةالطبقة الثامنة عشرة
الوفاةسنة 381 هـ
المصدرسير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (الجزء ١٥ [طبقة ١٨، ١٩، ٢٠])

آخر تحديث 12 سبتمبر 2026 - 16:22

📖 9 دقيقة قراءة

سيرة الحاكم بأمر الله منصور عند الذهبي

وَغلَبَ شَرَفُ الدَّوْلَة عَلَى بَغْدَادَ، وَقَبَضَ عَلَى أَخِيْهِ الصَّمْصَام .

وَفِي سَنَةِ ٣٨١ عُزِلَ مِنَ الخِلاَفَة الطَّائِعُ، وَوَلِيَ القَادِرُ .

وفِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ فِي رَمَضَانَ مَاتَ العَزِيْز بِبِلْبِيس فِي حمَّام مِنَ القُولَنج، وَعمره اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُوْنَ سَنَةً وَأَشهر.

وَقَامَ ابْنُهُ الحَاكِمُ الزِنْدِيْق .

٧٠ - الحَاكِمُ بِأَمرِ الله مَنْصُوْرُ بنُ العَزِيْز بنِ المُعِزِّ *

صَاحِبُ مِصْرَ الحَاكِمُ بِأَمرِ الله، أَبُو عَلِيٍّ مَنْصُوْرُ بنُ العَزيز نزَار بنِ المُعزِّ مَعَدِّ بن المَنْصُوْر إِسْمَاعِيْلَ بنِ القَائِمِ مُحَمَّدِ بنِ المَهْدِيّ، العُبَيْديُّ المِصْرِيُّ الرَّافضيُّ، بَلِ الإِسْمَاعِيْلِيُّ الزِّنديق المدَّعِي الرُّبُوبِيَّة.

مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.

وَأَقَامُوهُ فِي المُلْك بَعْدَ أَبِيْهِ، وَلَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.

فحكَى هُوَ، قَالَ:

ضمَّنِي أَبِي وَقَبَّلَنِي وَهُوَ عُرْيَان وَقَالَ:

امضِ فَالْعب، فَأَنَا فِي عَافيَة.

قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَأَتَانِي بَرْجَوَان ، وَأَنَا عَلَى جُمَّيزَة فِي الدَّار.

فَقَالَ: انزلْ وَيْحَكَ، اللهَ اللهَ فِيْنَا، فنزلتُ، فوضَعَ العِمَامَة بِالجَوْهر عَلَى رَأْسِي، وَقبَّل الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ، وَخَرَجَ بِي إِلَى النَّاس، فَقبَّلُوا الأَرْضَ، وَسلَّمُوا عليَّ بِالخِلاَفَة .

قُلْتُ: وَكَانَ شَيطَاناً مَريداً جَبَّاراً عنيداً، كَثِيْر التلُوَّنَ، سفَّاكاً لِلدمَاء، خَبِيْثَ النِّحْلَة، عَظِيْمَ المكْرِ جَوَاداً مُمَدَّحاً، لَهُ شَأْنٌ عَجِيْبٌ، وَنبأٌ غَرِيْبٌ، كَانَ فِرْعَوْن زمَانه، يَخْتَرِع كُلَّ وَقتٍ أَحْكَاماً يُلْزِمُ الرَّعيَة بِهَا.

أَمر بِسَبِّ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُم -، وَبكِتَابَةِ ذَلِكَ عَلَى أَبْوَابِ المَسَاجِدِ وَالشوَارع.

وَأَمر عُمَّالَه بِالسَّبِّ، وَبِقَتْل الكِلاَبِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ.

وَأَبطل الفُقَّاعَ وَالمُلوخيَا، وَحرَّمَ السَّمَكَ الَّذِي لاَ فُلُوسَ عَلَيْهِ ، وَوَقَعَ ببَائِعٍ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقتلهُم .

وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، حرَّم بيع الرُّطَب، وَجَمَع مِنْهُ شَيْئاً عَظِيْماً، فَأَحْرَقَه، وَمَنَعَ مِنْ بيع العِنَبِ، وَأَبَاد الْكُرُوم .

وَأَمَرَ النَّصَارَى بِتَعْلِيق صَليبٍ فِي رِقَابِهِم زِنَتُه رَطْلٌ وَرُبْعٌ بِالدِّمَشْقِيّ.

وَأَلزم اليَهُوْدَ أَنْ يعلِّقُوا فِي أَعنَاقهُم قُرمِيَّةً فِي زِنَةِ الصَّليب إِشَارَةً إِلَى رَأْس العِجْل الَّذِي عَبَدُوهُ، وَأَن تكُون عمَائِمُهُم سُوداً، وَأَن يَدْخُلُوا الحَمَّامَ بِالصَّليب وَبَالقُرمِيَّة.

ثُمَّ أَفْرَدَ لَهُم حَمَّامَاتٍ.

وَأَمر فِي العَامِ بِهَدْمِ كنيسَة قُمَامَة ، وَبهدم كنَائِسِ مِصْر.

فَأَسْلَمَ عِدَّة، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْ تقبيلِ الأَرْضِ، وَعَنِ الدُّعَاءِ لَهُ فِي الخُطَب وَفِي الكُتُبِ، وَجَعَلَ بدله السَّلاَم عَلَيْهِ .

وَقِيْلَ: إِنَّ ابْنَ بَادِيس أَمِيْرَ المَغْرِب بَعَثَ يَنْقم عَلَيْهِ أُمُوراً.

فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَمِيلَه، فَأَظهر التَّفَقُّه، وَحَمَلَ فِي كُمِّه الدَّفَاتَر، وَطَلَبَ إِلَى عِنْدَهُ فَقيهينِ، وَأَمرَهُمَا بتدريسِ فَقهِ مَالِكٍ فِي الجَامِع، ثُمَّ تغيَّرَ، فَقتلهُمَا صَبْراً .

وَأَذِنَ لِلنَّصَارَى الَّذِيْنَ أَكْرَهَهُم فِي العَوْد إِلَى الكُفْر.

وَفِي سَنَةِ ٤٠٤ نَفَى المنجِّمِينَ مِنْ بلاَدِهِ ، وَمَنَعَ النِّسَاء مِنَ الخُرُوج مِنَ البُيوت، فَأَحسنَ وَأَبطَلَ عَمَلَ الخِفَاف لَهُنَّ جُمْلَةً، وَمَا زِلْنَ مِمَّنوعَاتٍ مِنَ الخُرُوج سبعَ سِنِيْنَ وَسبعَةَ أَشْهُرٍ .

ثمَّ بَعْد مُدَّة أَمرَ بِإِنشَاء مَا هَدَم مِنَ الكنَائِسِ، وَبتنصُّر مَنْ أَسْلَمَ .

وَأَنشَأَ الجَامِعَ بِالقَاهِرَة، وَكَانَ العَزِيْز ابتدأَه .

وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو رَكْوَة الوَلِيْدُ بنُ هِشَام العُثْمَانِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ بِأَرْضِ بَرْقَة، وَالتفَّ عَلَيْهِ البَرْبَرُ، وَاسْتَفْحل أَمْرُه، فَجَهَّزَ الحَاكِمُ لِحَرْبِهِ جَيْشاً،

فَانتصَرَ أَبُو رَكْوَة وَتَمَلَّكَ وَجَرَتْ خُطُوب، ثُمَّ أُسِرَ وَقُتِلَ مِنْ جُنْده نَحْوٌ مِنْ سَبْعِيْنَ أَلْفاً.

وَحُمِلَ إِلَى الحَاكِم فِي سَنَةِ ٣٩٧، فَذَبَحَه صَبْراً .

وَقَدْ حُبِّبَ فِي الآخر إِلَى الحَاكِم العُزْلَةُ، وَبَقِيَ يَرْكَبُ وَحْدَهُ فِي الأَسوَاق عَلَى حمَار، وَيقيم الحِسْبَة بنَفْسِهِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عبدٌ ضخمٌ فَاجرٌ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَأَدِيْبٌ، أَمرَ العَبْدَ أَنْ يولجَ فِيْهِ، وَالمَفْعُوْل بِهِ يَصِيْح .

وَقِيْلَ: إِنَّهُ أَرَادَ ادِّعَاءَ الإِلهيَّة، وَشَرَعَ فِي ذَلِكَ، فَكلَّمه الكُبَرَاء، وَخوَّفُوهُ مِنْ وَثوبِ النَّاسِ، فَتَوَقَّف .

وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِ مائَةٍ، أَقَامَ الدَّعوَة قِرْوَاشُ بنُ مُقَلد بِالمَوْصِل لِلْحَاكِم، فَأَعطَى الخَطِيْب نُسْخَة بِمَا يَقُوْله: الحَمْدُ للهِ الَّذِي انجلتْ بِنُورِهِ غَمَرَاتُِ الغصْبِ وَانقهرتْ بقدرتِهِ أَركَانُ النصْبِ، وَأَطْلَعَ بِأَمره شَمْسَ الحَقِّ مِنَ الغَرْب، وَمحَى بِعدْلِهِ جُوْرَ الظُّلْمَة، فَعَادَ الحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ البَاين بذَاته، المُنْفَرِدِ بِصِفَاتِهِ، لَمْ يُشْبِه الصُوَرَ فتحتويه الأَمكِنَة، وَلَمْ تَرَه العُيُونُ فَتَصِفُهُ، ثمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ عليّ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، وَسَيِّد الْوَصِيّين، وَعمَادِ العِلْمِ، وَعَلَى أَغصَانه البوَاسق.

اللَّهُمَّ وَصلِّ عَلَى الإِمَامِ المَهْدِيّ بِك، وَالَّذِي جَاءَ بِأمرِكَ، وَصلِّ عَلَى القَائِم بِأَمرك، وَالمَنْصُوْر بنَصْرِكَ، وَعَلَى المُعِزِّ لدينك، المجَاهِد فِي سَبِيلك، وَصلِّ عَلَى العَزِيْزِ بِكَ، وَاجعل نوَامِي صلوَاتك عَلَى مولاَنَا إِمَام الزَّمَان، وَحِصْن

الإِيْمَان، صَاحِب الدَّعوَة العَلَوِيَّة عبدِك وَوليِّك أَبِي عَلِيٍّ الحَاكِمِ بِأَمرك أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ .

وأُقيمت الدَّعْوَةُ عَلَى يدِ قِرْوَاش بِالكُوْفَةِ وَبَالمَدَائِن .

ثمَّ اسْتمَالَ القَادِرُ بِاللهِ قِرْوَاشاً، وَنَفَّذّ إِلَيْهِ تُحَفاً بِثَلاَثِيْنَ أَلفَ دِيْنَارٍ، فَأَعَاد لَهُ الخُطبَة .

وَاستحوذَتِ العَرَبُ عَلَى الشَّامِ، وَحَاصرُوا القِلاَع.

وَتمَّ القَحْط الشَّدِيدُ بنَيْسَابُوْرَ وَنوَاحيهَا، حَتَّى هَلَكَ مائَة أَلْف أَوْ يَزيدُوْنَ.

وَأُكِلت الجِيَف وَلحوم الآدمِيين .

وفِي الأَربع مائَة وَبعدَهَا كَانَتِ الأَنْدَلُسُ تَغْلِي بِالحُرُوبِ وَالقِتَال عَلَى المُلْك .

وَأَنشَأَ دَاراً كَبِيْرَةً ملأَهَا قيوداً وَأَغْلاَلاً وَجَعَلَ لَهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَسمَّاهَا جَهَنَّم، فَكَانَ مِنْ سَخِطَ عَلَيْهِ، أَسْكَنَه فِيْهَا.

وَلَمَّا أَمَرَ بحَرِيْق مِصْر، وَاسْتبَاحَهَا، بَعَثَ خَادمَه ليشَاهدَ الحَال.

فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟

قَالَ: لَوِ اسْتبَاحَهَا طَاغيَةُ الرُّوْم مَا زَادَ عَلَى مَا رَأَيْتُ، فَضَرَبَ عُنُقَه.

وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِ مائَةٍ كُتِبَ بِبَغْدَادَ محَضرٌ يتضمَّن القَدْحَ فِي أَنْسَابِ

أَصْحَابِ مِصْر وَعَقَائِدِهم وَأَنَّهُم أَدْعيَاء.

وَأَنَّ انتمَاءهُم إِلَى الإِمَامِ عَلِيّ بَاطِلٌ وَزور، وَأَنَّ النَّاجمَ بِمِصْرَ اليَوْمَ وَسَلَفَه كفّارٌ وَفُسَّاق وزنَادقَة، وَأَنَّهُم لمَذْهَبِ الثَّنَوِيَّة معتقدُوْنَ، عطَّلُوا الحُدُوْدَ، وَأَباحُوا الفُروج، وَسفكُوا الدِّمَاء، وَسبُّوا الأَنْبِيَاءَ، وَادَّعُو الربوبيَةَ، فَكَتَبَ خَلْقٌ فِي الْمحْضر مِنْهُم الشَّرِيْف الرَّضِي، وَأَخُوْهُ المُرْتَضَى، وَالقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ الأَكْفَانِي، وَالشَّيْخ أَبُو حَامِدٍ الإِسْفَرَايينِي، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الكَشْفُلِيُّ الفَقِيْه، وَالقُدورِيُّ، وَالصَّيْمَرِيُّ، وَعِدَّةٌ .

وَهَرَبَ مِنْ مِصْرَ نَاظرُ الدِّيْوَانِ الوَزِيْرُ أَبُو القَاسِمِ بنُ المَغْرِبِيّ إِذْ قَتَلَ الحَاكِمُ أَبَاهُ وَعَمَّه وَصَارَ إِلباً عَلَيْهِ يَسْعَى فِي زوَالِ مُلْكه ، وَحسَّن لمفرج الطَّائِيّ أَمِيْرِ العَرَب الخُرُوجَ عَلَى الحَاكِم.

فَفَعَلَ وَقُتِلَ قَائِدُ جَيْشه، وَعَزَمُوا عَلَى مبَايعَة صَاحِب مَكَّة العَلَوِيِّ، وَكَادَ أَنْ يتمَّ ذَلِكَ ثُمَّ تلاشَى .

وفِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، أُخِذَ الوفدُ العِرَاقِيُّ، وَغوِّرت المِيَاهُ، وَهَلَكَ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلف مُسْلِمٍ.

ثُمَّ أُخِذَ مِنَ العَرَب ببَعْض الثَّأْر، وَقُتِلَ عِدَّة .

وَبَعَثَ المَلِكُ مَحْمُوْدُ بنُ سُبُكْتِكين كِتَاباً إِلَى الخَلِيْفَة بِأَنَّهُ وَرَدَ إِلَيْهِ مِنَ الحَاكِمِ كِتَابٌ يدعُوهُ فِيْهِ إِلَى بيعَته، وَقَدْ خرَّق الكِتَابَ، وَبصَقَ عَلَيْهِ .

وفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ جَعَلَ الحَاكمُ وَلِيَّ عَهْدِهِ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ الرَّحِيْمِ بنَ

إِليَاس ، وَصَلُحَتْ سِيرتهِ، وَأَعتقَ أَكْثَرَ مَمَالِيْكه.

وفِي هَذَا الْقرب تمت مَلْحَمَة عَظِيْمَةٌ بَيْنَ ملكِ التُّرْكِ طُغَان بِالمُسْلِمِيْنَ، وَبَيْنَ عَسَاكِرِ الصين، فَدَامت الحَرْبُ أَيَّاماً، وَقُتِلَ مِنْ كُفَّار الصين نَحْوٌ مِنْ مائَةِ أَلْف .

وَفِي سَنَةِ خَمْس ظَفِرَ الحَاكِمُ بنسَاءٍ عَلَى فسَادٍ، فَغَرّقَهُنَّ، وَكَانَتِ الغَاسِلَة لاَ تخرجُ إِلَى امْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ عَدلين.

وَمَرَّ القَاضِي مَالِكُ بنُ سَعِيْدٍ الفَارقِي، فَنَادته صبية مِنْ رَوْزَنَةٍ :أَقْسَمت عَلَيْك بِالحَاكِمِ أَنْ تَقِفَ، فَوَقَفَ فَبكَتْ، وَقَالَتْ:

لِي أَخٌ يموتُ، فَبِاللهِ إِلاَّ مَا حَمَلْتَنِي إِلَيْهِ لأَرَاهُ، فَرَقَّ، وَبَعَثَ مَعَهَا عَدْلَين، فَأَتَتْ بيْتاً، فَدَخَلَتْ، وَالبَيْت لعَاشِقِهَا.

فَجَاءَ الزَّوجُ فسَأَلَ الجِيرَان، فَحَدَّثوهُ، فَجَاءَ إِلَى القَاضِي، وَصَاح، وَقَالَ:

لاَ أَخَ لَهَا، وَمَا أُفَارقُك حَتَّى تردهَا إِلَيَّ ، فَحَار القَاضِي، وَطَلَعَ بِالرَّجُل إِلَى الحَاكِم، وَنَادَى العفْوَ فَأَمَرَه أَنْ يَرْكَبَ مَعَ الشَّاهدَيْن، فَوَجَدُوا المَرْأَةَ وَالشَّابَّ فِي إِزَارٍ وَاحِد عَلَى خُمَار فَحُمِلا عَلَى هيئتِهِمَا.

فسأَلهَا الحَاكِمُ فَأَحَالتْ عَلَى الشَّابِّ، وَقَالَ: بَلْ هَجَمَتْ عَلِيَّ، وَزَعَمَتْ أَنَّهَا بِلاَ زوجٍ.

فلُفَّتْ فِي بارِيَّةٍ ، وَأُحْرِقَتْ، وضُرِبَ الشَّابُّ أَلفَ سَوط .

وولِي دِمَشْقَ لِلْحَاكُم عِدَّةُ أُمرَاء مَا كَانَ يَدَع النَّائِب يَسْتَقر حَتَّى يَعْزِله.

وفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِ مائَةٍ سقَطَتْ قُبَّة الصَّخْرَة .

وَفِيْهَا: اسْتولَى ابْن سُبُكْتِكين عَلَى خُوَارَزْم .

وَفِيْهَا: قتل الدُّرْزِيُّ الزِّنديق لادِّعَائِه ربوبيَةَ الحَاكِم.

وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ افتَتَح مَحْمُوْد مَدِينَتَيْنِ مِنَ الهِنْد، وَجَرَتْ لَهُ حُرُوبٌ وَملاَحم عَجِيْبَة .

وفِي شَوَّال سنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ عُدِمَ الحَاكِمُ، وَكَانَ الخَلْق فِي ضَنْكٍ مِنَ الْعَيْش مَعَهُ، صَالحهُم وَطَالحهُم، وَكَانُوا يَدسُّوْنَ إِلَيْهِ الرِّقَاع المَخْتُوْمَة بِسبِّه وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، لأَنَّه كَانَ يَدُور فِي القَاهرَة عَلَى دَابَّةٍ، وَيتزهَّد.

وعَمِلُوا هَيْئَةَ امْرَأَةٍ مِنْ كَاغَد بخُفٍّ وَإِزَار فِي يدِهَا قِصَّةٌ، فَأَخَذَهَا فَرَأَى فِيْهَا العظَائِمَ، فَهَمَّ بِالمَرْأَةِ فَإِذَا هِيَ تمثَال، فَطَلبَ العُرفَاء وَالأُمَرَاء فَأَمَرَ بِالمُضِي إِلَى مِصْرَ وَنهبهَا وَإِحرَاقهَا، فَذهبُوا لِذَلِكَ، فَقَاتل أَهْلُهَا، وَدَافَعُوا وَاسْتَمرَّت النَّار، وَالحَرْبُ بَيْنَ الرَّعيَة وَالعَبيد ثَلاَثاً، وَهُوَ يَركب حِمَاره، وَيشَاهدُ الحَرِيْقَ وَالضَّجَّةَ فيتَوَجَّعُ لِلنَّاسِ، وَيَقُوْلُ: لَعَنَ اللهُ مِنْ أَمر بِهَذَا.

فَلَمَّا كَانَ ثَالثُ يَوْمٍ اجتَمع الكُبَرَاءُ وَالمَشَايِخ إِلَيْهِ، وَرَفعُوا المَصَاحِفَ وَبكُوا، فَرَحمهُمْ جُنْدُه الأَترَاك، وَانْضَمُّوا إِلَيْهِم، وَقَاتَلُوا مَعَهُم.

وَقَالَ هُوَ: مَا أَذِنْتَ لَهُم، وَقَدْ أَذِنْتُ لَكُم فِي الإِيقَاع بِهِم.

وَبَعَثَ فِي السرّ إِلَى العبيد: اسْتمرُّوا، وَقوَّاهُمْ بِالأَسلحَة. وَفَهِمَ

ذَلِكَ النَّاسُ فَبعثُوا إِلَيْهِ يَقُوْلُوْنَ:

نَحْنُ نَقْصِدُ أَيْضاً القَاهرَة، فَأَمرَ العبيدَ بِالكَفِّ بَعْدَ أَنْ أَحرق مِنْ مِصْرَ ثلثهَا، وَنَهَبَ وَأَسَرَ النِّصْفَ، ثُمَّ اشْتَرَى النَّاس حُرَمَهُم مِنَ العبيدِ بَعْدَ أَنْ فَجَرُوا بِهنَّ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنْ جَهَلَةِ الغَوْغَاءِ إِذَا رأَوا الحَاكِم، يَقُوْلُوْنَ:

يَا وَاحِدُ، يَا أَحَدْ، يَا مُحْيِي يَا مُمِيت، ثُمَّ أَوْحَش أُخْتَه سِتَّ المُلْك بِمرَاسلاَتٍ قبيحَة أَنَّهَا تزنِي، فَغَضِبَتْ، وَرَاسلت الأَمِيْرَ ابْنَ دَوَّاس، وَكَانَ خَائِفاً مِنَ الحَاكِم، ثُمَّ ذَهَبَتْ إِلَيْه سِرّاً، فَقبَّل قَدَمَهَا، فَقَالَتْ:

جِئْتُ فِي أَمرٍ أَحْرُسُ نَفْسِي وَنفْسَك، قَالَ: أَنَا مَمْلُوكك.

قَالَتْ: أَنْتَ وَنَحْنُ عَلَى خطرٍ مِنْ هَذَا.

وَقَدْ هَتَكَ النَّاموسَ الَّذِي قررَّه آبَاؤنَا، وَزَاد بِهِ جُنونُه، وَعمِلَ مَا لاَ يَصْبر عَلَيْهِ مُسْلِمٌ، وَأَنَا خَائِفَةٌ أَنْ يُقتلَ فَنقْتَل، وَتنقضِي هَذِهِ الدَّوْلَة أَقبح انْقِضَاءٍ.

قَالَ: صَدَقْتِ، فَمَا الرَّأْيُّ؟

قَالَتْ: تحلِفْ لِي، وَأَحلِفُ لَكَ عَلَى الكِتْمَان.

فتعَاقدَا عَلَى قَتْله، وَإِقَامِة ابْنِه، وَتكُون أَنْتَ أَتَابكَه ، فَاخْتَر عبدينِ تعتمدُ عَلَيْهِمَا عَلَى سرِّكَ.

فَأَحْضَرَ عَبْدَيْنِ شَهْمِين، أَمِينين، فحلَّفَتْهُمَا، وَأَعْطَتْهُمَا أَلفَ دِيْنَارٍ، وَإِقْطَاعاً.

وَقَالَتْ: اكْمُنَا لَهُ فِي الجَبَلِ، فَإِنَّهُ غداً يصعدُ، وَمَا مَعَهُ سِوَى رِكَابِيٍّ وَمَمْلُوْكٍ، ثُمَّ ينفَرِدُ عَنْهُمَا فَدُونَكُمَاهُ، وَكَانَ الحَاكِم ينظُر فِي النُّجُوْمِ وَعَلَيْهِ قطع حِيْنَئِذٍ مَتَى نَجَا مِنْهُ عَاشَ نَيِّفاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً.

فَأَعلَم أُمّه، وَأَعطَاهَا مِفتَاح خِزَانَة فِيْهَا ثَلاَث مائَة أَلْف دِيْنَار، وَقَالَ:

حوّلِيهَا إِلَى قصرك، فَبكَتْ، وَقَالَتْ: إِذَا كُنْتَ تتصوُّر هَذَا فَلاَ تركب اللَّيْلَةَ.

قَالَ: نَعَمْ.

وَكَانَ يعُسُّ فِي رِجَالٍ، فَفَعَل ذَلِكَ، وَنَامَ، فَانْتَبَه فِي الثُّث الأَخِيْر وَقَالَ: إِنْ لَمْ أَركبْ وَأَتفرجْ، خرجَتْ نَفْسِي.

وَكَانَ مُسودَناً، فَرَكِبَ وَصعَّد فِي الجبلِ، وَمَعَهُ صَبِيٌّ، فشدَّ عَلَيْهِ العَبْدَان

فَقَطَعَا يَدَيْهِ، وَشقَّا جَوْفَه، وَحَمَلاَهُ فِي عَبَاءةٍ لَهُ إِلَى ابْنِ دوَّاس، وَقتلاَ الصَّبيَّ، وَأَتَى بِهِ ابْنُ دوَّاس إِلَى أُخْته فَدَفَنَتْهُ فِي مَجْلِسٍ سِرّاً .

وَطلبتِ الوَزِيْر وَاسْتكتمَتْه، وَأَنَّ يطلُبَ وَلِيَّ العهدِ عَبْدَ الرَّحِيْم ليُسْرِع، وَكَانَ بِدِمَشْقَ، وَجهّزت أَمِيْراً فِي الطَّرِيْق ليقْبض عَلَى عَبْد الرَّحِيْمِ، وَيدَعه بتنِّيس، وَفُقِدَ الحَاكِم، وَمَاجَ الخَلْق، وَقصدُوا الجبلَ، فَمَا وَقفُوا لَهُ عَلَى أَثَرٍ.

وَقِيْلَ: بَلْ وَجَدُوا حمَارَه مُعَرْقَباً ، وَجبَّتَه بِالدِّمَاء.

وَقِيْلَ: قَالَتْ أُخْته: إِنَّهُ أَعْلَمنِي أَنَّهُ يغيبُ فِي الْجَبَل أُسْبُوْعاً، وَرتبتْ ركَابية يمضُون وَيعُودُوْنَ، فَيَقُوْلُوْنَ: فَارَقْنَاهُ بِمَكَان كَذَا وَكَذَا، وَوعَدَنَا إِلَى يَوْم كَذَا.

وَأَقبلت سِتُّ المُلْك تَدْعُو الأُمَرَاء وَتستحلِفُهُم، وَتعطيهُم الذَّهب، ثُمَّ أَلبست عَلِيَّ بن الحَاكِم أَفخَر الثِّيَاب، وَقَالَتْ لاِبْنِ دوَّاس:

المعوَّل فِي قيَامِ دَوْلته عَلَيْك، فَقبَّل الأَرْضَ، وَأَبرزت الصَّبيَّ، وَلقبتْه الظَّاهِرَ لإِعزَازِ دينِ الله.

وَأَلبستْه تَاجَ جدِّهَا المُعِزِّ، وَأَقَامت النِّيَاحَة عَلَى الحَاكِم ثَلاَثَةَ أَيَّام، وَجَعَلت القَوَاعد كَمَا فِي النَّفْس، وَبَالَغَتْ فِي تعَظِيْم ابْنِ دوَّاس، ثُمَّ رتَّبَتْ لَهُ فِي الدِّهليز مائَةً، فَهبَّروهُ، وَقتلت جَمَاعَةً مِمَّن اطَّلع عَلَى سرِّهَا، فعظُمَت هيبتُهَا، وَمَاتَتْ بَعْد ثَلاَثِ سِنِيْنَ .

وَذَكَرْنَا فِي تَرْجَمَتِهِ ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ القَصْر فطَافَ ليلَته، ثُمَّ أَصْبَحَ، فتوجَّه إِلَى شرقِي حُلْوَان مَعَهُ رِكَابيَان، فردَّ أَحَدهُمَا مَعَ تِسْعَةٍ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ أَمر الآخر ِالاَنْصرَافِ، فزعَمَ أَنَّهُ فَارقه عِنْد المَقْصَبَة . فَكَانَ آخِرَ الْعَهْد

بِهِ. وَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى رَسمْهم يلتَمِسُوْنَ رَجُوعَه، مَعَهُم الجَنَائِب، فَفَعلُوا ذَلِكَ جُمعَةً.

ثُمَّ خَرَجَ فِي ثَانِي ذِي القَعْدَةِ مُظَفَّر صَاحِب المِظَلَّة وَنسيم، وَعِدَّة، فَبلّغُوا دَير القُصَيْر ، وَأَمعَنُوا فِي الدُّخول فِي الجَبَل، فَبَصُرُوا بحمَارِهِ الأَشهب المسمَّى بقَمر، وَقَدْ ضُربت يدَاهُ، فَأَثَّر فِيْهِمَا الضَرْب، وَعَلَيْهِ سَرْجه وَلجَامُهُ، فتتبعُوا أَثَر الحِمَار فَإِذَا أَثر رَاجلٍ خَلْفَه، وَرَاجل قُدَّامه، فَقصُّوا الأَثر إِلَى بِرْكَةٍ بشرقِي حُلْوَان، فَنَزَلَ رَجُلٌ إِلَيْهَا، فَيجد فِيْهَا ثيَابه وَهِيَ سَبْع جِبَاب، فَوَجِدَت مُزَرَّرَةً، وَفِيْهَا آثَار السَّكَاكين، فَمَا شكُّوا فِي قَتْلِهِ .

وَثَمَّ اليَوْم طَائِفَة مِنْ طَغَام الإِسْمَاعِيْلِيَّة الَّذِيْنَ يحلِفون بغيبَة الحَاكِم، مَا يعتقِدُوْنَ إِلاَّ أَنَّهُ باقٍ، وَأَنَّهُ سَيظْهر - نَعُوذ بِاللهِ مِنَ الجَهْل -.

وحُلْوَان قريَةلإ نَزِهَةٌ عَلَى خَمْسَة أَمِيَالٍ مِنْ مِصْرَ، كَانَ بِهَا قصرُ الأَمِيْر عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ مَرْوَانَ، فَوُلِدَ لَهُ هُنَاكَ عمَر بن عَبْدِ العَزِيْزِ فِيْمَا يُقَال .

وفاة الحاكم بأمر الله منصور

توفي الحاكم بأمر الله منصور سنة 381 هـ كما في ترجمته عند الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء، وهي من الطبقة الثامنة عشرة من طبقات أعلام الإسلام.

مصدر ترجمة الحاكم بأمر الله منصور من سير أعلام النبلاء

المصدر: سير أعلام النبلاء (الجزء ١٥ [طبقة ١٨، ١٩، ٢٠])
المؤلف: شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)
الطبقة: الطبقة الثامنة عشرة

أعلام آخرون من الطبقة الثامنة عشرة في عصر الحاكم بأمر الله منصور

ارجع إلى سير أعلام النبلاء لتراجم أعلام أخرى، أو إلى الطبقة الثامنة عشرة.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 34%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله