الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الصيد > إذا شرب من دمه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةإذا شَرِبَ مِنْ دَمِه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على لا يُشترطُ أنْ لا يَشربَ مِنْ دَمِه، فإنْ شَربَ مِنْ دَمِه لم يَحرمْ؛ لعُمومِ الآيةِ والأخبارِ؛ لأنَّ الدمَ لا يَقصدُه الصائدُ منه ولا ينتفعُ بهِ، فلا يَخرجُ بشُربِه عن أنْ يَكونَ مُمسِكًا على صائِدِه (١).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَجرحَ الحَيوانُ الصَّيدَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجارِحةِ إذا قتَلَتِ الصَّيدَ بالخَنقِ أو بالصَّدمةِ دُونَ أنْ تَجرحَه، هل يَحلُّ أم لا بُدَّ مِنْ جَرحِ الصَّيدِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ -وهو المُفتَى به- والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَجرحَ الصَّيدَ في أيِّ مَوضعٍ كانَ مِنْ بَدنِ الصَّيدِ.
فإنْ خنَقَه أو قتَلَه بصَدمتِه ولم يَجرحْهُ بنابٍ ولا مِخلبٍ لم يُبَحْ؛ لأنه قتَلَه بغيرِ جَرحٍ، أشبَهَ ما قتْلَه بالحَجرِ والبُندقِ، ولأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ المَوقوذةَ، وهذا كذلكَ، وقَولُ النبيِّ ﷺ: «ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ فكُلْ» يَدلُّ على أنه لا يُباحُ ما لم يُنهَرِ الدمُ.
(١) «المبسوط» (١١/ ٢٤٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٥٧، ٣٥٩)، و «المعونة» (٢/ ٤٥٠)، و «الذخيرة» (٤/ ١٧١، ١٧٢)، و «المهذب» (١/ ٢٥٣)، و «البيان» (٤/ ٥٤٤)، و «المجموع» (٩/ ٩٨)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٣٦)، و «المبدع» (٩/ ٢٤٤)، و «الإنصاف» (١٠/ ٤٣٢)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٠٤).
ولأنَّ المَقصودَ إخراجُ الدمِ المَسفوحِ، وهو يَخرجُ بالجَرحِ عادةً ولا يَتخلَّفُ عنه إلا نادِرًا، فأُقيمَ الجَرحُ مَقامَه كما في الذَّكاةِ الاختِياريةِ والرَّميِ بالسَّهمِ، ولأنه إذا لم يَجرحْه صارَ مَوقوذةً وهي مُحرَّمةٌّ بالنصِّ.
ولا يَحلُّ بالكَسرِ؛ لأنه لا يُنهِرُ الدمَ، فصار كالخَنقِ، وعن أبي حَنيفةَ: إذا كسَرَ عُضوًا منه أُكلَ؛ لأنه جِراحةٌ باطِنةٌ، ولو أصابَ السَّهمُ ظِلفَ الصَّيدِ أو قَرنَه فإنْ وصَلَ إلى اللحمِ فأدماهُ أُكلَ، وإلا فلا.
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنهُما وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُشترطُ جَرحُ الصَّيدِ، ويُباحُ أكلُه إنْ تَحاملَتِ الجارِحةُ على الصَّيدِ فقتَلَتْه بثِقلِها ولم تَجرحْه؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] مُطلَقًا مِنْ غيرِ قَيدٍ بالجَرحِ، فمَن شرَطَه فقدْ زادَ على النصِّ.
وكذا ما جاءَ في حَديثِ عَديٍّ وثَعلبةَ يَدلُّ على ذلكَ؛ لأنه مُطلَقٌ، فيَجري على إطلاقِه، وإلا لَزمَ نَسخُه بالرأيِّ، وهو لا يَجوزُ.
فعَن عَديِّ بنِ حاتمٍ رضي الله عنه قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقُلتُ: إنَّا قَومٌ نَتصيَّدُ بهذه الكِلابِ؟ فقال: «إذا أرسَلْتَ كِلابَكَ المُعلَّمةَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ ممَّا أمسَكْنَ عليكَ، إلا أنْ يَأكلَ الكَلبُ فلا تَأكلْ، فإني أخافُ أنْ يَكونَ إنِّما أمسَكَ على نَفسِهِ، وإنْ خالَطَها كَلبٌ مِنْ غَيرِها فلا تَأكلْ» (١).
(١) أخرجه البخاري (٥١٦٩)، ومسلم (١٩٢٩).
وفي رِوايةٍ عن عَديِّ بنِ حاتمٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ أمسَكَ عليكَ فأدرَكْتَه حيًّا فاذبَحْهُ، وإنْ أدرَكْتَه قد قتَلَ ولم يَأكلْ منه فكُلْهُ، وإنْ وَجَدتَ مع كَلبِكَ كَلبًا غيرَه وقد قتَلَ فلا تَأكلْ، فإنكَ لا تَدرِي أيُّهمَا قتَلَه، وإنْ رَمَيتَ سَهمَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ غابَ عنكَ يَومًا فلمْ تَجِدْ فيه إلا أثَرَ سَهمِكَ فكُلْ إنْ شِئتَ، وإنْ وجَدْتَه غَريقًا في الماءِ فلا تَأكلْ» (١).
وفي رِوايةٍ عن عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ رضي الله عنه قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن الصَّيدِ، قالَ: «إذا رمَيْتَ سَهمَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ وجَدْتَه قد قتَلَ فكُلْ، إلا أنْ تَجدَهُ قد وقَعَ في ماءٍ، فإنكَ لا تَدرِي الماءُ قتَلَه أو سَهمُكَ» (٢).
وعَن أبي ثَعلبةَ الخُشَنيِّ رضي الله عنه قالَ: قلتُ: يا نَبيَّ اللهِ إنَّا بأرضِ قَومٍ مِنْ أهلِ الكِتابِ أفَنَأكلُ في آنِيتِهم؟ وبأرضِ صَيدٍ أصِيدُ بقَوسِي وبكَلبِي الذي ليسَ بمُعلَّمٍ وبكَلبِي المُعلَّمِ فما يَصلحُ لي؟ قالَ: «أمَّا ما ذكَرْتَ مِنْ أهلِ الكِتابِ فإنْ وَجدْتُم غيرَها فلا تَأكلُوا فيها، وإنْ لم تَجدُوا فاغسِلُوها وكُلُوا فيها، وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ المُعلَّمِ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ غيرِ مُعلَّمٍ فأدرَكْتَ ذَكاتَه فكُلْ» (٣).
(١) أخرجه مسلم (١٩٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٢٩).
(٣) أخرجه البخاري (٥١٧٠)، ومسلم (١٩٣٠).
ولأنه يَعُزُّ تَعليمُه أنْ لا يَقتلَ إلا جَرحًا، وليسَ كالإصابةِ بعَرضِ السَّهمِ؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ سُوءِ الرَّميِ (١).
قالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: هل يُعتبَرُ في الجارحِ أنْ يَجرحَ الصَّيدَ، فلا يُباحُ ما قتَلَه بخَنقِه أو صَدمتِه، وهو اختِيارُ أبي الخطَّابِ في خِلافِه، وبه قطَعَ القاضي في «الجامِع» والشَّريفُ والشِّيرازيُّ وأبو مُحمدٍ في «المُغنِي»؟ أو لا يُعتبَرُ فيُباحُ ذلكَ، وهو اختِيارُ ابنِ حامِدٍ، وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ، وقالَ القاضِي في «المُجرَّد»: إنه ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ؟ على رِوايتَينِ، مَناطُهما أنَّ خَنْقَ الجارحِ أو صَدْمَه هل هوَ بمَنزلةِ قَتلِ المِعراضِ بعَرضِه أم لا؟ ويُرشِّحُ الأولَ مَفهومُ قولِ النبيِّ ﷺ: «ما أنهَرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليهِ فكُلْ»، ويُرشِّحُ الثَّاني قَولُ النبيِّ ﷺ: «فإنْ أدرَكْتَه حيًّا فاذبَحْهُ، وإنْ أدرَكْتَه قد قتَلَ ولم يَأكلْ منه فكُلْه، فإنَّ أخْذَ الكَلبِ ذَكاتُه» مُتفَقٌ عليهِ، وهو يَشملُ القَتلَ صَدمًا أو خَنقًا، وأيضًا فالجارِحُ حَيوانٌ له اختِيارٌ ما، وقد أمسَكَ على صاحبِه، فيَدخلُ تَحتَ قولِه:
(١) «الهداية» (٤/ ١٢٠)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٥٢)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٥٢)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٤٢)، و «اللباب» (٢/ ٣٥٠)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢١٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٦٤)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣١٠)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٢١، ١٢٢)، و «المغني» (٩/ ٢٩٦)، و «الكافي» (١/ ٤٨٤)، و «المبدع» (٩/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و «الإنصاف» (١٠/ ٤٣٢، ٤٣٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٨٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٠٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأشربة
حد شرب الخمر وحد السكر
وَغَيْرُ الْمُحَرَّمِ لَا يُوصَفُ بِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً فِي نَفْسِهَا، وَقَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ المائدة: ٩١ الْآيَةُ فَدَلَّ عَلَى حُرْمَةِ السُّكْرِ فَحُرِّمَتْ عَيْنُهَا وَالسُّكْرُ مِنْهَا وَقَالَ: عليه الصلاة والسلام «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ شُرْبَهَا عِنْدَ ضَرُورَةِ الْعَطَشِ أَوْ لِإِكْرَاهٍ قَدْرَ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ وَلِأَنَّ حُرْمَةَ قَلِيلِهَا ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ الْمَحْضِ فَاحْتُمِلَ السُّقُوطُ بِالضَّرُورَةِ كَحُرْمَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَنَا فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَسْقِيَ الصَّغِيرَ الْخَمْرَ فَإِذَا سَقَاهُ فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ دُونَ الصَّغِيرِ لِأَنَّ خِطَابَ التَّحْرِيمِ يَتَنَاوَلُهُ.
(وَمِنْهَا) أَنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا لِأَنَّ حُرْمَتَهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَهُوَ نَصُّ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ فَكَانَ مُنْكَرُ الْحُرْمَةِ مُنْكَرًا لِلْكِتَابِ.
ارجع إلى أركان الصيد للاطلاع على جميع المسائل.