الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الصيد > السمك إذا مات حتف أنفه ثم طفا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ صَيدَ البَحرِ حَلالٌ كلُّه للمُحرِمِ (١).
واتَّفقَ العُلماءُ على إباحَةِ السَّمكِ غيرِ الطَّافي.
قالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ المُسلمينَ في إباحةِ السَّمكِ غيرِ الطافي، وفي الجَرادِ (٢).
السَّمكُ إذا ماتَ حَتْفَ أنفِه ثمَّ طَفَا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّمكِ إذا ماتَ حَتْفَ أنفِه في الماءِ مِنْ غَيرِ سَببٍ ثمَّ طَفَا، هل يَحلُّ أكلُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ السَّمكَ الطافِيَ -وهو الذي يَموتُ في الماءِ حَتْفَ أنفِه مِنْ غَيرِ سَببٍ مَعلومٍ، ويَعلُو على وَجهِ الماءِ- لا يَحلُّ أكلُه، والذي يَدلُّ على حَظرِ أكلِه ظاهِرُ قَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، واتَّفقَ المُسلمونَ على تَخصيصِ غيرِ الطَّافي مِنْ الجُملةِ فخَصَّصناهُ، واختَلفُوا في الطافِي، فوجَبَ استِعمالُ حُكمِ العُمومِ فيهِ.
ولِما رَوى جابِرٌ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَا ألقَى البَحرُ أو جزَرَ عنهُ فكُلُوهُ، وما ماتَ فيهِ وطَفَا فلا تأكُلوهُ» (٣).
وأمَّا الآيةُ فلا حُجةَ فيها؛ لأنَّ المُرادَ مِنْ قَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذَفَه البَحرُ إلى الشَّطِّ فماتَ، كذا قالَ أهلُ التأويلِ، وذلكَ حَلالٌ؛
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٦٥).
(٢) «أحكام القرآن» (١/ ١٣٢).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٨١٥).
لأنه ليسَ بطافٍ، إنما الطَّافي اسمٌ لِمَا ماتَ في الماءِ مِنْ غَيرِ آفةٍ وسَببٍ حادِثٍ، وهذا ماتَ بسَببٍ حادِثٍ وهو قَذفُ البَحرِ، فلا يَكونُ طافِيًا.
ثمَّ السَّمكُ الطَّافي الذي لا يَحلُّ أكلُه هو الذي يَموتُ في الماءِ حَتْفَ أنفِه بغَيرِ سَببٍ حادِثٍ منهُ، سَواءٌ عَلا على وَجهِ الماءِ أو لم يَعْلُ بعدَ أنْ ماتَ في الماءِ حَتفَ أنفِه مِنْ غيرِ سَببٍ حادِثٍ.
ولو ماتَ مِنْ الحَرِّ والبَردِ وكَدرِ الماءِ ففيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: لا يُؤكلُ؛ لأنَّ الحَرَّ والبَردَ وكدَرَ الماءِ ليسَ مِنْ أسبابِ المَوتِ ظاهِرًا، فلمْ يُوجَدِ المَوتُ بسَببٍ حادِثٍ يُوجِبُ المَوتَ ظاهِرًا وغالبًا، فلا يُؤكلُ.
والثَّانيةُ: يُؤكلُ؛ لأنَّ هذهِ أسبابُ المَوتِ في الجُملةِ، فقدْ وُجدَ المَوتُ بسَببٍ حادِثٍ، فلمْ يَكنْ طافيًا، فيُؤكلُ، ويَستوِي في حِلِّ الأكلِ جَميعُ أنواعِ السَّمكِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى إباحَةِ الطَّافي مِنْ السَّمكِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقالَ عُمرُ رضي الله عنه: «صَيدُه ما اصطِيدَ، وطَعامُه ما رَمَى به»، وقالَ أبو بَكرٍ رضي الله عنه: «الطَّافي حَلالٌ»، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «طَعامُه مَيتتُه، إلا ما قَذِرْتَ مِنها» (٢).
(١) «أحكام القرآن» (١/ ١٣٣)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٦)، و «الاختيار» (٥/ ١٨، ١٩)، و «البناية شرح الهداية» (١١/ ٦٠٩)، و «عمدة القاري» (٢١/ ١٠٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٧٤، ٤٧٥).
(٢) ذكَرَها عنهُم الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه» (٥/ ٢٠٩٢).
وعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ: «هو الطَّهورُ مَاؤهُ الحِلُّ مَيتتُه» (١)، وأحَقُّ ما يَتناولُه اسمُ المَيتةِ الطَّافي؛ لأنه المَيتُ حَقيقةً.
وقَولِه ﷺ: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ، فأمَّا المَيتَتانِ فالحُوتُ والجَرادُ، وأما الدَّمَانِ فالكَبدُ والطِّحالُ» (٢)، فسَّرَ النبيُّ ﷺ المَيتةَ بالسَّمكِ مِنْ غَيرِ فَصلٍ بينَ الطَّافي وغيرِه، فكانَ على عُمومِه.
ولِما رواهُ مُسلمٌ عن أبي الزُّبيرِ عن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: «بعَثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ وأمَّرَ عَلينَا أبا عُبيدةَ نَتلقَّى عِيرًا لقُريشٍ وزَوَّدَنا جِرابًا مِنْ تَمرٍ لم يَجدْ لنا غيرَهُ، فكانَ أبو عُبيدةَ يُعطِينا تَمرةً تَمرةً، قالَ: فقُلتُ: كيفَ كُنتمْ تَصنعونَ بها؟ قالَ: نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبيُّ ثمَّ نَشربُ عَليها مِنْ الماءِ فتَكفينَا يَومَنا إلى اللَّيلِ، وكنَّا نَضربُ بعِصِيِّنا الخبَطَ ثمَّ نَبُلُّه بالماءِ فنأكُلُه، قالَ: وانطَلَقْنا على ساحِلِ البَحرِ فرُفعَ لنا على ساحِلِ البَحرِ كهَيئةِ الكثِيبِ الضَّخمِ، فأتَينَاهُ فإذا هي دابَّةٌ تُدعَى العَنبَرَ، قالَ: قالَ أبو عُبيدةَ: مَيْتةٌ، ثمَّ قالَ: لا، بل نحنُ رُسلُ رَسولِ اللهِ ﷺ وفي سَبيلِ اللهِ، وقدِ اضطُرِرتُم فكُلُوا، قالَ: فأقَمْنَا عليهِ شَهرًا ونحنُ ثَلاثُ مائةٍ حتى سَمِنَّا، قالَ: ولقدْ رَأيتُنَا نَغترفُ مِنْ وَقبِ عَينِه بالقِلالِ الدُّهنَ ونَقتطعُ منهُ الفِدرَ كالثَّورِ -أو كقَدرِ الثَّورِ- فلقدْ أخَذَ منَّا أبو عُبيدةَ ثَلاثةَ عشَرَ رَجلًا فأقعَدَهُم في وَقبِ عَينِه،
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٤١)، وأحمد (٨٧٢٠)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣).
وأخَذَ ضِلعًا مِنْ أضلاعِه فأقامَها ثمَّ رحَلَ أعظَمَ بَعيرٍ مَعنَا فمَرَّ مِنْ تَحتِها، وتَزوَّدْنا مِنْ لَحمِه وَشائقَ، فلمَّا قَدِمْنا المَدينةَ أتَينَا رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرْنا ذلكَ له فقالَ: هو رِزقٌ أخرَجَه اللهُ لكم، فهَل مَعكُم مِنْ لَحمِه شيءٌ فتَطعِمُونَا؟ قالَ: فأرسَلْنا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ منهُ فأكَلَه» (١)، فدَلَّ هذا الخبَرُ على أمرَينِ:
أحدَهُما: إباحةُ أكلِ الطَّافي، والثاني: إباحَةُ أكلِ دَوابِّ البَحرِ وإنْ لم يَكنْ حُوتًا.
ولأنَّ كلَّ حيَوانِ استَغنَى عن الذَّكاةِ في إباحتِه استغنى في مَوتِه كالجَرادِ؛ ولأنَّ ما حَلَّ أكلُه قبلَ الظَّفرِ حَلَّ أكلُه بعدَ الظَّفرِ كالمُذكَّى.
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «أشهَدُ على أبي بَكرٍ رضي الله عنه أنه قالَ: السَّمكةُ الطافِيةُ فيه حَلالٌ لمَن أرادَ أكْلَها» رَواهُ البَيهقيُّ بإسنادٍ صَحيحٍ، وروَى البَيهقيُّ بإسنادِه عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه عن علي بنِ أبي طالبٍ قالَا: «الجَرادُ والنُّونُ زَكيٌّ كلُّه»، وعن أبي أيُّوبَ وأبي صرمةَ الأنصاريَّينِ «أنهُما أكَلَا السَّمكَ الطافِيَ»، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لا بأسَ بالسَّمكِ الطَّافي»، وعن أبي هُريرةَ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ أنهُما «كانَا لا يَرَيانِ بأكلِ ما لفَظَ بأسًا»، وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ مثلُه، قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: رَوى البَيهقيُّ هذا كلَّه بأسانيدِه المُتصِلةِ (٢).
(١) أخرجه مسلم (١٣٩٥).
(٢) «المجموع» (٩/ ٣٠، ٣٢)، ويُنظَر: «شرح صحيح البخاري» (٥/ ٤٠٠)، و «الاستذكار» (٥/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٦٥)، و «البيان» (٤/ ٥٢٣)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٥٠)، و «المغني» (٩/ ٣١٤، ٣١٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٥١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧٢٤ - مسألة؛ قال: (وكذلك كل ما مات من الحيتان فى الماء، وإن طفا)
الثِّقاتُ فأَوْقَفُوه على جابرٍ، وقد أَسْنِدَ من وَجْهٍ ضعيفٍ. وإِنْ صَحَّ فنَحْمِلُه على نَهْىِ الكَراهَةِ؛ لأنَّه إذا ماتَ رَسَا فى أسفَلِه، فإذا أَنْتَنَ طفَا، فكرِهَه لِنَتْنِه، لا لتَحْرِيمِه.
فصل: يُباحُ أكلُ الْجرادِ بإِجْماعِ أهلِ العلمِ. وقد قال عبدُ اللَّه بنُ أبى أَوْفَى: غَزَوْنا مع رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَبْعَ غَزَواتٍ، نَأْكلُ الجَرادَ. رواه البخارِىُّ، وأبو داودَ . ولا فَرْقَ بين أَنْ يمُوتَ بسبَبٍ أو غيرِ سبَبٍ، فى قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافِعِىُّ، وأصْحابُ الحديثِ، وأصحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المنذِرِ. وعن أحمد، أنَّه إذا قَتَلَه البردُ، لم يُؤْكَلْ. وعنه، لا يُؤْكَلْ إذا ماتَ بغيرِ سبَبٍ. وهو قولُ مالِكٍ. ويُرْوَى أيضًا عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، ولَنا، عمومْ قولِه عليه السلام: "أُحِلَّت لَنا مَيْتَتان ودَمانِ، فالمَيْتتانِ السَّمَكُ والجَرادُ " . ولم يفصِّلْ. ولأنَّه تُباحُ مَيْتَتُه، فلم يُعْتبَرْ له سببٌ، كالسَّمَكِ، ولأنَّه لو افْتَقَرَ إلى سبَبٍ، لَافْتَقَرَ إلى ذَبْحٍ وذابِحٍ وآلةٍ، كبهيمَةِ الأَنْعامِ.
فصل: ويُباحُ أَكْلُ الجَرادِ بما فيه، وكذلك السَّمَكُ، يجوزُ أَنْ يُقْلَى من غيرِ أَنْ يُشَقَّ جَوْفُه ، وقال أصحابُ الشافِعِىِّ فى السَّمكِ: لا يجوزُ؛ لأنَّ رَجِيعَه نَجِسٌ. ولَنا، عُمومُ النَّصِّ فى إباحَتِه، وما ذَكَرُوهُ غيرُ مُسَلَّمٍ. وإِنْ بَلَعَ إنسانٌ شيئًا منه حَيًّا كُرِهَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبًا له.
فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن السَّمَكِ يُلْقَى فى النَّارِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِى. والجَرادِ؟ فقال: ما يُعْجِبُنِى، والجَرادُ أَسْهَلُ، فإنَّ هذا له دَمٌ. ولم يَكْرَهْ أكْلَ السَّمَكِ إذا
ارجع إلى أركان الصيد للاطلاع على جميع المسائل.