الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الصيد > الشرط الخامس: أن يقصد الصيد عند إرسال الآلة أو الجارحة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةالتسميةُ عليهِ عَمدًا مع القُدرةِ عليهَا، وأما ما تُركَتِ التَّسميةُ عليهِ نِسيانًا أو عَجزًا فإنه يُؤكلُ، والجاهِلُ بالحُكمِ كالعامِدِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التسميةَ عندَ الذبحِ وعندَ إرسالِ الجارِحةِ أو إرسالِ السَّهمِ على الصَّيدِ مُستحَبةٌ استِحبابًا مُتأكدًا؛ فإنْ ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا أو سَهوًا حَلَّ الصَّيدُ بلا خِلافٍ في المَذهبِ؛ لِما رَوتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «أنَّ قَومًا قالوا: يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا يَأتونَنا باللَّحمِ لا نَدرِي أذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ أم لا؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: سَمُّوا اللهَ عليهِ وكُلُوهُ» (٢).
لكنْ في تَركِها عَمدًا ثَلاثةُ أوجُهٍ:
الصَّحيحُ: أنه مَكروهٌ، والثاني: لا يُكرَهُ، والثالثُ: يَأثمُ به (٣).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَقصدَ الصَّيدَ عندَ إرسالِ الآلةِ أو الجارحةِ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ قَصدُ الفِعلِ، وهو أنْ يُرسِلَ الآلةَ أو الجارِحةَ بقَصدِ الصَّيدِ؛ لأنَّ قتْلَ الصَّيدِ أمرٌ يُعتبَرُ له الدِّينُ، فاعتُبِرَ له القَصدُ، كطَهارةِ الحَدثِ، فإذا سقَطَ السَّيفُ مَثلًا مِنْ يَدِه فعقَرَه لم يَحِلَّ.
(١) «القوانين الفقهية» ص (١١٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، و «مواهب الجليل» (٤/ ٣٣٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٦٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣١٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢).
(٣) «المهذب» (١/ ٢٥٢)، و «البيان» (٤/ ٥٣٩)، و «المجموع» (٩/ ٨٠، ٨٢، ٩٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١١٤، ١١٥).
قالَ الحَنابلةُ: فلو سَمَّى وأرسَلَها، لا لقَصدِ الصَّيدِ، أو لقَصدِه ولمْ يَرَه، أو استَرسَلَ الجارِحُ بنَفسِه فقتَلَ صَيدًا؛ لم يُبَحْ؛ لحَديثِ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» مُتفَقٌ عليهِ.
ولأنَّ إرسالَ الجارحِ جُعلَ بمَنزلةِ الذَّبحِ، ولهذا اعتُبِرَت التسميةُ معهُ، فإنْ زجَرَه فزادَ عَدْوُه بزَجرِه حَلَّ حيثُ سمَّى عندَ زَجرِه، وبه قالَ مالكٌ والشافِعيُّ؛ لأنَّ زجْرَه أثَّرَ في عَدوِه، أشبَهَ ما لو أرسَلَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنْ يُرسلَ الجارِحةَ على الصَّيدِ، فإنِ استَرسَلَتْ بنَفسِها فقتَلَتْ لم يُبَحْ، وبهذا قالَ رَبيعةُ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، وقالَ عطاءٌ والأوزاعِيُّ: يُؤكَلُ صيدُه إذا أخرَجَه للصَّيدِ، وقالَ إسحاقُ: إذا سمَّى عندَ انفِلاتِه أبيحَ صَيدُه، ورَوى بإسنادِه عنِ ابنِ عُمرَ «أنه سُئلَ عن الكِلابِ تَنفلِتُ مِنْ مَرابضِها فتَصيدُ الصَّيدَ قالَ: اذكُرِ اسمَ اللهِ وكُلْ»، قالَ إسحاقُ: فهذا الذي أختارُ إذا لم يَتعمَّدْ هو إرسالَه مِنْ غيرِ ذِكرِ اسمِ اللهِ عليهِ، قالَ الخلَّالُ: هذا على معنَى قولِ أبي عبدِ اللهِ.
ولنا: قولُ النبيِّ ﷺ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فكُلْ»، ولأنَّ إرسالَ الجارِحةِ جُعلَ بمَنزلةِ الذَّبحِ، ولهذا اعتُبِرَت التسميةُ معهُ.
وإنِ استَرسَلَ بنَفسِه فسمَّى صاحبُه وزجَرَه فزادَ في عَدْوِه أبيحَ صَيدُه، وبه قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يُباحُ، وعن عَطاءٍ كالمَذهبَينِ.
ولنَا: إنَّ زجْرَه أثَّرَ في عَدوِه، فصارَ كما لو أرسَلَه؛ وذلكَ لأنَّ فِعلَ الإنسانِ متَى انضافَ إلى فِعلِ غيرِه فالاعتبارُ بفِعلِ الإنسانِ؛ بدَليلِ ما لو
صالَ الكَلبُ على إنسانٍ فأغراهُ إنسانٌ فالضَّمانُ على مَنْ أغراهُ، وإنْ أرسَلَه بغيرِ تَسميةٍ ثم سمَّى وزجَرَه فزادَ في عَدوِه فظاهِرُ كلامِ أحمَدَ أنه يُباحُ؛ فإنه قالَ: إذا أرسَلَ ثمَّ سمَّى فانزَجرَ أو أرسَلَ وسمَّى فالمعنَى قَريبٌ مِنْ السَّواءِ، وظاهِرُ هذا الإباحةُ؛ لأنه انزَجرَ بتَسميتِه وزَجرِه، فأشبَهَ التي قبلَها، وقالَ القاضي: لا يُباحُ صَيدُه؛ لأنَّ الحُكمَ يتَعلقُ بالإرسالِ الأولِ، بخِلافِ ما إذا استَرسلَ بنَفسِه، فإنه لا يَتعلقُ به حَظرٌ ولا إباحةٌ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الإرسالُ والرميُ على الصَّيدِ وإليهِ، حتى لو أرسَلَ على غيرِ صَيدٍ أو رَمَى إلى غَيرِ صَيدٍ فأصابَ صيدًا لا يَحلُّ؛ لأنَّ الإرسالَ إلى غَيرِ الصَّيدِ والرَّميَ إلى غيرِه لا يَكونُ اصطِيادًا، فلا يَكونُ قَتلُ الصَّيدِ وجَرحُه مُضافًا إلى المُرسِلِ والرامِي، فلا تَتعلقُ به الإباحةُ.
وعلى هذا يُخرَّجُ ما إذا سَمِعَ حِسًّا فظَنَّه صَيدًا فأرسَلَ عليهِ كَلبَه أو بازَه أو رَماهُ بسَهمٍ فأصابَ صَيدًا أو بانَ لهُ أنَّ الحِسَّ الذي سَمعَه لم يَكنْ حِسَّ صَيدٍ وإنما كانَ شاةً أو بَقرةً أو آدميًّا أنهُ لا يُؤكلُ الصَّيدُ الذي أصابَه؛ لأنه تَبيَّنَ أنه أرسَلَ على ما ليسَ بصَيدٍ ورَمَى إلى ما ليسَ بصَيدٍ، فلا يَتعلقُ به الحِلُّ، وصارَ كأنه رَمَى إلى آدَميٍّ أو شاةٍ أو بَقرةٍ وهو يَعلمُ به فأصابَ صَيدًا أنه لا يُؤكَلُ، كذا هذا.
وإنْ كانَ الحِسُّ حِسَّ صَيدٍ فأصابَ صَيدًا يُؤكلُ، سَواءٌ كانَ ذلكَ الحِسُّ حِسَّ صَيدٍ مأكولٍ أو غيرِ مَأكولٍ بعدَ أنْ كانَ المُصابُ صَيدًا مَأكولًا.
(١) «المغني» (٩/ ٢٩٤)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٦٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٥٨، ٣٥٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٠٥).
ولو رَمَى طائِرًا فأصابَ صَيدًا وذهَبَ المَرمِيُّ إليهِ ولم يَعلمْ أوَحشِيٌّ أو مُستأنِسٌ أُكِلَ الصَّيدُ؛ لأنَّ الأصلَ في الطَّيرِ التوحُّشُ، فيَجبُ التمسُّكُ بالأصلِ حتى يُعلَمَ الاستِئناسُ.
ولو عَلِمَ أنَّ المَرميَّ إليه داجِنٌ تأوِي البُيوتَ لا يُؤكلُ الصَّيدُ؛ لأنَّ الداجِنَ يأويهِ البَيتُ وتَثبتُ اليدُ عليهِ، فكانَ الرميُ إليه كالرميِ إلى الشاةِ، وذلكَ لا يَتعلقُ به الحِلُّ، كذا هذا (١).
وقالَ المالِكيةُ: تَجبُ نِيةُ الذكاةِ بأقسامِها الأربَعةِ الذَّبحِ والنَّحرِ والعَقرِ وما يُعجِّلُ الموتَ كإلقاءِ في نارٍ ونحوها أو قَطعِ جَناحٍ لجَرادٍ ونحوِه ممَّا مَيتتُه طاهِرةٌ مِنْ البَرِّ، لكنَّ النيةَ في العَقرِ عندَ إرسالِ الجارحِ أو السَّهمِ، فيَجبُ قَصدُ الذَّكاةِ على كُلِّ تَقديرٍ، فلو رمَى بحَجرٍ أو غيرِه ولم يَنوِ الاصطِيادَ فوافَقَ الإصابةَ فإنه لا يُؤكلُ، كما إذا ضرَبَ شاةً أو غيرَها لا يُريدُ ذبْحَها فوافَقَ الذَّبحَ أو النَّحرَ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ قَصدُ العَينِ بالفِعلِ وإنْ أخطَأَ في الظَّنِّ، أو قَصدُ الجِنسِ وإنْ أخطَأَ في الإصابةِ، فعَلى هذا لو كانَ بيَدِه سِكينٌ مَثلًا فسقَطَ مِنْ يَدِه وانجَرحَ به صَيدٌ مَثلًا وماتَ، أو احتكَّتْ به شاةٌ مَثلًا وهو في يَدِه -سَواءٌ أحَرَّكَه أم لا- فانقَطعَ حُلقومُها ومَريئُها، أو تَعقَّرَ به صَيدٌ، أو استَرسلَ
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٥٧).
(٢) «التاج والإكليل» (٢/ ٢١٧)، و «مواهب الجليل» (٤/ ٣٣٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٦٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣١٢).
كلَبٌ مُعلَّمٌ بنَفسِه فقتَلَ صَيدًا؛ لم يَحِلَّ واحِدٌ ممَّا ذُكِرَ قَطعًا؛ لانتِفاءِ الذَّبحِ وقَصدِه والإرسالِ.
وكذا لو استَرسلَ كَلبٌ فأغراهُ صاحِبُه أو غيرُه فزادَ عَدْوُه لم يَحلَّ الصَّيد في الأصَحِّ المَنصوصِ؛ لاجتِماعِ الاستِرسالِ المانعِ والإغراءِ المُبيحِ، فغُلِّبَ جانبُ المَنعِ.
والثاني: يَحلُّ؛ لظُهورِ أثَرِ الإغراءِ بزِيادةِ العَدوِ.
ومَحلُّ الوَجهينِ إذا لم يَتقدمْ إغراءٌ وزَجرٌ، فإنْ تَقدمَ بأنِ انزَجرَ ثم أغراهُ فاستَرسلَ واصطادَ حَلَّ قَطعًا، وإنْ لم يَنزجرْ فأغراهُ فزادَ عَدوُه فعلى الوَجهينِ، وأَولى بالتَّحريمِ.
ولو أرسَلَ سَهمًا مَثلًا لاختِبارِ قُوَّتِه أو إلى غَرضٍ يَرمي إليهِ فاعتَرضَه صَيدٌ فقتَلَه ذلكَ السهمُ حَرُمَ في الأصَحِّ المَنصوصِ؛ لأنه لم يَقصدْ صَيدًا مُعيَّنًا ولا مُبهَمًا.
والثاني: لا يَحرمُ؛ نَظرًا إلى قَصدِ الفِعلِ دونَ مَوردِه، كما لو قطَعَ ما ظنَّه ثَوبًا فبانَ حَلْقَ شاةٍ، وفارَقَ الأولَ بأنه هُناكَ قصَدَ عَينًا بخِلافِه هُنا.
ولو رمَى صَيدًا ظنَّه حَجرًا أو حيَوانًا لا يُؤكلُ فأصابَ صَيدًا حَلَّ، أو رَمَى سِربَ -بكَسرِ السِّينِ، أي: قَطيعَ- ظِباءٍ ونَحوِها مِنْ الوُحوشِ فأصابَ واحِدةً مِنْ ذلكَ السِّربِ حلَّتْ، وإنْ قصَدَ واحِدةً مِنْ السِّربِ فأصابَ غيرَها منه حلَّتْ في الأصَحِّ المَنصوصِ.
والثَّاني: المَنعُ؛ نَظرًا إلى أنها غيرُ المَقصودةِ.
ولو أرسَلَ كَلبًا على صَيدٍ فعدَلَ إلى غيرِه ولو إلى غيرِ جِهةِ الإرسالِ فأصابَه وماتَ حَلَّ كما في السَّهمِ؛ لأنه يَعسُرُ تَكليفُه ترْكَ العُدولِ، ولأنَّ الصَّيدَ لو عدَلَ فتَبِعَه حَلَّ قَطعًا، والظاهِرُ حِلُّه، وإنْ ظهَرَ للكَلبِ بعدَ إرسالِه كما لو أرسَلَه على صَيدٍ فأمسَكَه ثمَّ عَنَّ له آخَرُ فأمسَكَه فإنهُ يَحلُّ، سَواءٌ أكانَ عندَ الإرسالِ مَوجودًا أم لا؛ لأنَّ المُعتبَرَ أنْ يُرسِلَه على صَيدٍ، وقد وُجدَ.
ولو قصَدَ وأخطَأَ في الظنِّ والإصابةِ مَعًا كمَن رَمَى صَيدًا ظنَّه حَجرًا أو خِنزيرًا فأصابَ صَيدًا غيرَه حَرُمَ؛ لأنه قصَدَ مُحرَّمًا، فلا يَستفيدُ الحِلَّ، بخِلافِ عَكسِه بأنْ رمَى حَجرًا أو خِنزيرًا ظنَّه صَيدًا فأصابَ صَيدًا فماتَ حَلَّ؛ لأنه قصَدَ مُباحًا.
ولو رَمَى في ظُلمةٍ لعلَّه يُصادِفُ صَيدًا فصادَفَه وماتَ لم يَحِلَّ؛ لأنه لم يَقصدْ قَصدًا صَحيحًا، وقد يُعَدُّ مِثلُه سَفهًا وعَبثًا.
ولو رَمَى شاةً فأصابَ مَذبحَها -ولو اتِّفاقًا بأنْ لم يَقصدْه- فقطَعَه حلَّتْ؛ لأنه قصَدَ الرميَ إليها.
ولو أحَسَّ بصَيدٍ في ظُلمةٍ أو مِنْ وَراءِ شَجرةٍ أو غيرِها فرَماهُ فأصابَه وماتَ حَلَّ؛ لأنَّ له به نوعَ عِلمٍ، ولا يَقدحُ هذا في عَدمِ الحِلِّ برَميِ الأعمَى؛ إذِ البَصيرُ يَصحُّ رَميُه في الجُملةِ، بخِلافِ الأعمَى (١).
(١) «النجم الوهاج» (٩/ ٤٨٣، ٤٨٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٢٢، ١٢٣).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيد والذبائح
(فصل:)
قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَكُلْ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّيْدِ إِذَا رَمَيْتُهُ، فَقَالَ: إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلْتَهُ، فَكُلْهُ إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي ماءٍ، فَمَاتَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ.
وَقَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ سَهْمِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: ما أصاب بجده فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَهُوَ وقيزٌ ". وَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَوْعِبُ إِبَاحَةَ الصَّيْدِ بِجَمِيعِ آلَتِهِ.
(فَصْلٌ:)
وَإِنْ ثَبَتَ إِبَاحَةُ الصَّيْدِ جَازَ صَيْدُهُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ مِنْ ضَوَارِي الْبَهَائِمِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ، وَكَوَاسِرِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْعُقَابِ وَالنَّسْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كل الصيد يجمعها إِلَّا بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر، مجاهد، وَالسُّدِّيُّ: لَا يَحِلُّ إِلَّا صَيْدُ الْكَلْبِ وَحْدَهُ، ويحرم الِاصْطِيَادُ بِمَا عَدَاهُ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) {المائدة: ٤) ، وَاسْتَدَلَّ الْحَسَنُ بِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أمةٌ مِنَ الْأُمَمِ؛ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنَهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ".
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصيد
الباب الثالث في معرفة الذكاة المختصة بالصيد وشروطها
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ الذَّكَاةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالصَّيْدِ وَشُرُوطِهَا
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ الْمُخْتَصَّةَ بِالصَّيْدِ هِيَ الْعَقْرُ، وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا. وَإِذَا اعْتَبَرْتَ أُصُولَهَا الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ سِوَى الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْآلَةِ وَفِي الصَّائِدِ وَجَدْتَهَا ثَمَانِيَةَ شُرُوطٍ: اثْنَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي الذَّكَاتَيْنِ، أَعْنِي: ذَكَاةَ الْمَصِيدِ وَغَيْرِ الْمُصِيدِ، وَهِيَ: النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ.
وَسِتَّةٌ تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الذَّكَاةِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْآلَةُ أَوِ الْجَارِحُ الَّذِي أَصَابَ الصَّيْدَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُذَكَّى بِذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مِمَّا أَصَابَهُ مِنَ الْجَارِحِ أَوْ مِنَ الضَّرْبِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَلَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسْتَحَبُّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ الصَّيْدُ مَبْدَؤُهُ مِنَ الصَّائِدِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، أَعْنِي: لَا مِنَ الْآلَةِ كَالْحَالِ فِي الْحِبَالَةِ، وَلَا مِنَ الْجَارِحِ كَالْحَالِ فِيمَا يُصِيبُ الْكَلْبُ الَّذِي يَنْشَلِي مِنْ ذَاتِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْعَقْرِ مَنْ لَيْسَ عَقْرُهُ ذَكَاةً.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَشُكَّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ الَّذِي أَصَابَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ الصَّيْدُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فِي وَقْتِ الْإِرْسَالِ عَلَيْهِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَوْتُهُ مِنْ رُعْبٍ مِنَ الْجَارِحِ أَوْ بِصَدْمَةٍ مِنْهُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧٠٧ - مسألة؛ قال: (وإذا أرسل كلبه، فأصاب معه غيره، لم يؤكل إلا أن يدرك فى الحياة، فيذكى)
١٧٠٧ - مسألة؛ قال: (وإِذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ، فَأَصَابَ مَعَه غَيْرَهُ، لَمْ يُؤْكَلْ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ فى الْحَيَاةِ، فيُذَكَّى)
ارجع إلى أركان الصيد للاطلاع على جميع المسائل.