الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الصيد > الشرط الرابع: التسمية عند الرمي أو الإرسال
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ صَيدَ البَحرِ حَلالٌ كلُّه للمُحرِمِ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: التَّسميةُ عندَ الرَّميِ أو الإرسالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ التَّسميةُ عندَ الرَّميِ أو عندَ الإرسالِ مُطلَقًا؟ أم هيَ سُنةٌ وليسَتْ واجِبةً؟ أم واجِبةٌ عندَ الذِّكرِ وتَسقطُ عندَ النِّسيانِ؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسميةَ واجِبةٌ عندَ إرسالِ الجارِحِ أو رَميِ السِّلاحِ، فإنْ ترَكَ التسميةَ عَمدًا أو سَهوًا لم يُبَحِ الصَّيدُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
وقالَ النبيُّ ﷺ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فكُلْ، قلتُ: أُرسِلُ كَلبِي فأخَذَ معه كَلبًا آخَرَ؟ قالَ: لا تَأكلْ، فإنَّكَ إنما سَمَّيتَ على كَلبِكَ ولم تُسَمِّ على الآخَرِ»، مُتفَقٌ عليهِ، وفي لَفظٍ: «وإذا خالَطَ كِلابًا لم يُذكرِ اسمَ اللهِ عليهَا فأمسَكْنَ وقَتَلْنَ فلا تَأكلْ»، وفي حَديثِ أبي ثَعلبةَ: «وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ».
وهذهِ نُصوصٌ صَحيحةٌ لا يُعرَّجُ على ما خالَفَها، وقولُه ﷺ: «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» يَقتضِي نفيَ الإثمِ لا جعْلَ الشَّرطِ المَعدومِ كالمَوجودِ؛ بدَليلِ ما لو نَسيَ شرْطَ الصلاةِ.
والفَرقُ بينَ الصَّيدِ والذَّبيحةِ أنَّ الذَّبحَ وقَعَ في مَحلِّه، فجازَ أنْ يُتسامَحَ فيه بخِلافِ الصَّيدِ.
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٦٥).
ولا يَضرُّ تَقدُّمٌ يَسيرٌ عُرفًا للتَّسميةِ على الإرسالِ أو الرميِ كالعِباداتِ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ يَسيرٌ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ كَثيرٌ في جارحٍ إذا زجَرَه فانزجَرَ؛ إقامةً لذلكَ مَقامَ ابتِداءِ إرسالِه.
إذا ثبَتَ هذا فالتَّسميةُ المُعتبَرةُ قولُه: «بِسمِ اللهِ»؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ يَنصرفُ إلى ذلكَ، وقد ثبَتَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا ذبَحَ قالَ: بِسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ»، وكانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما يَقولُه، ولا خِلافَ في أنَّ قولَه: «بِسمِ اللهِ» يُجزِئُه، وإنْ قالَ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم يَكفِ؛ لأنَّ ذلكَ طَلبُ حاجَةٍ، وإنْ هلَّلَ أو سبَّحَ أو كبَّرَ أو حَمدَ اللهَ تعالَى احتَملَ الإجزاءَ؛ لأنه ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ، واحتَملَ المَنعَ؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ لا يَتناولُه.
وإنْ ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى بغيرِ العرَبيةِ أجزَأَه وإنْ أحسَنَ العرَبيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ ذِكرُ اسمِ اللهِ، وهو يَحصلُ بجَميعِ اللُّغاتِ، بخِلافِ التَّكبيرِ في الصلاةِ؛ فإنَّ المَقصودَ لفظُه.
وتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَ الإرسالِ؛ لأنه الفِعلُ المَوجودُ مِنْ المُرسِلِ، فتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَه كما تُعتبَرُ عندَ الذبحِ مِنْ الذابحِ وعندَ إرسالِ السَّهمِ مِنْ الرَّامِي، نَصَّ أحمَدُ على هذا، ولا تُشرَعُ الصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ مع التَّسميةِ في ذَبحٍ ولا صَيدٍ.
واختارَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا استِحبابَ ذلكَ.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ أنَّ التَّسميةَ تُشترطُ على إرسالِ الكَلبِ في العَمدِ
والنِّسيانِ، ولا يَلزمُ ذلكَ في إرسالِ السَّهمِ؛ لأنَّ السهمَ آلةٌ حَقيقةً وليسَ له اختِيارٌ، فهو بمَنزلةِ السِّكينِ، بخِلافِ الحيَوانِ؛ فإنه يَفعلُ باختِيارِه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ التسميةَ تَجبُ في حالِ الإرسالِ عندَ الذِّكرِ، وتَسقطُ عندَ النِّسيانِ؛ لحَديثِ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» مُتفَقٌ عليهِ.
ولا بُدَّ مِنْ التسميةِ وقتَ الرميِ والإرسالِ، فإنْ رمَى ولمْ يُسمِّ عامِدًا أو أرسَلَ كَلبَه ولمْ يُسمِّ عامِدًا فالصَّيدُ مَيتةٌ لا يَحلُّ أكلُه، وإنْ ترَكَ التسميةَ عندَ ذلكَ ناسيًا حَلَّ أكلُه.
قالَ الحَنفيةُ: وإنْ رمَى ثمَّ سَمَّى بعدَ ذلكَ أو أرسَلَ كَلبَه ثمَّ سمَّى بعدَ ذلكَ لا يَحِلُّ أكلُه؛ لأنَّ المُعتبَرَ وقتُ الرَّميِ ووقتُ الإرسالِ بالاتِّفاقِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ لعَديِّ بنِ حاتِمٍ رضي الله عنه حينَ سألَه عن صَيدِ المِعراضِ والكَلبِ: «إذا رَمَيتَ بالمِعراضِ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ، وإنْ أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» (٢).
وقَولُه: «عَليهِ» أي: على المِعراضِ والكَلبِ، ولا تَقعُ التسميةُ على السَّهمِ والكَلبِ إلا عندَ الرَّميِ والإرسالِ، فكانَ وقتُ التَّسميةِ فيها هو وُقتُ الرَّميِ والإرسالِ، والمَعنى هكذا يَقتضِي، وهو أنَّ التسميةَ شَرطٌ، والشَّرائطُ
(١) «المغني» (٩/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٨٨، ٢٨٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٠٥، ٤٠٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٢٩)، وأبو داود (٢٨٤٧).
يُعتبَرُ وُجودُها حالَ وُجودِ الرُّكنِ؛ لأنَّ عندَ وُجودِها يَصيرُ الرُّكنُ عِلةً كما في سائرِ الأركانِ معَ شَرائطِها …
والرُّكنُ في الذَّكاةِ الاختِياريةِ هو الذَّبحُ، وفي الاضطِراريةِ هو الجَرحُ، وذلكَ مُضافٌ إلى الرامِي والمُرسِلِ، وإنما السَّهمُ والكَلبُ آلةُ الجَرحِ، والفِعلُ يُضافُ إلى مُستعمِلِ الآلةِ، لذلكَ اعتُبِرَ وُجودُ التَّسميةِ وقتَ الذبحِ والجَرحِ، وهو وَقتُ الرَّميِ والإرسالِ، ولا يُعتبَرُ وقتُ الإصابةِ في الذَّكاةِ الاضطِراريةِ؛ لأنَّ الإصابةَ ليسَتْ مِنْ صُنعِ العَبدِ، لا مُباشَرةً ولا سَببًا، بل مَحضُ صُنعِ اللهِ ﷿ (١).
وقالَ المالِكيةُ: التسميةُ واجِبةٌ معَ الذِّكرِ في الذَّكاةِ عندَ الرميِ وعندَ إرسالِ الجَوارحِ وعندَ الذَبحِ، فيَقولُ: «بِاسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ» عندَ الذبحِ وعندَ النَّحرِ وعندَ الإرسالِ في العَقرِ، ولا خُصوصيةَ لهذا اللفظِ، بل لو قالَ غيرَه مِنْ الأذكارِ يُجزئُه، وما مضَى عليهِ الناسُ أحسَنُ، وهو: «بِاسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ»، فإنْ ترَكَ التسميةَ مع الذِّكرِ والقُدرةِ لم تُؤكلْ، سَواءٌ كانَ جاهِلًا أو لا، خِلافًا لأشهَبَ في الجاهلِ.
وأما إذا كانَ ناسِيًا للتسميةِ فتَحلُّ، وحِينئذٍ فيُقيَّدُ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: لا تَأكُلوا ممَّا تُرِكَتِ
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ٧٧)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٤٩)، و «الاختيار» (٥/ ٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٣٦، ٤٣٨، ٤٥٤، ٤٥٥)، و «اللباب» (٢/ ٣٤٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧٠٢ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه الله: (وإذا سمى وأرسل كلبه أو فهده المعلم، واصطاد، وقتل
المُعَلَّمَ، فيُمْسِكُ علينا؟ قال: "كُلْ" . قلتُ: وإِنْ قَتَلَ؟ قال: "كُلْ مَا لَمْ يَشْرَكْهُ كَلْبٌ غَيْرُهُ" . قال: وسُئِلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صَيْدِ المِعْرَاضِ ، فقال: "مَا خَرَقَ فَكُلْ، ومَا قَتَلَ بِعَرْضِه فَلَا تَأْكُلْ" . مُتَّفَق عليهما . وأجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على إباحَةِ الاصْطِادِ والأَكْلِ من الصَّيْدِ.
١٧٠٢ - مسألة؛ قال أبو القاسِم، رحمه اللَّهُ: (وَإِذَا سَمَّى وأَرْسَلَ كَلْبَه أَوْ فَهْدَهُ المُعَلَّمَ، واصْطَادَ، وقَتَلَ، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ ، جَازَ أَكْلُهُ)
أمَّا ما أَدرَك ذَكاتَه من الصَّيْدِ، فلا يُشْتَرَطُ فى إباحَتِه سِوَى صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ؛ ولذلك قال عليه السلام: "ومَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِى لَيْسَ بِمعَلَّمٍ، فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ" . وأمَّا ما قَتَلَهُ الجارِحُ، فيُشْتَرَطُ فى إباحَتِه شروطٌ سَبْعَة؛ أحدُها، أَنْ يكونَ الصَّائِدُ من أهْلِ
ارجع إلى أركان الصيد للاطلاع على جميع المسائل.