النوع الثاني: الآلات المثقلات (وحكم الصيد بالمعراض)

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الصيد > النوع الثاني: الآلات المثقلات (وحكم الصيد بالمعراض)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

النوع الثاني: الآلات المثقلات (وحكم الصيد بالمعراض) - الأقوال والأدلة

النَّوعُ الثانِي: الآلاتُ المُثقَّلاتُ (وحُكمُ الصَّيدِ بالمِعراضِ):

نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ ما كانَ يَقتلُ بثِقَلِه دَقًّا أو خَنقًا لم يَحلَّ الحَيوانُ به ولو كانَ مُحدَّدًا قتَلَ بثِقلِه لا بجَرحِه؛ لحَديثِ عَديِّ بنِ حاتمٍ قالَ: سَألتُ النبيَّ : إني أَرمِي بالمِعراضِ الصَّيدَ فأُصِيبُ، فقالَ: «إذا رَمَيتَ بالمِعراضِ فخَزَقَ فكُلْه، وإنْ أصابَهُ بعَرضِه فلا تَأكُلْه» (١).

وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «إذا أصابَ بحَدِّه فكُلْ، وإذا أصابَ بعَرضِه فقتَلَ فإنه وَقيذٌ فلا تَأكُلْ» (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: المِعراضُ - بكَسرِ المِيمِ وبالعَينِ المُهمَلةِ-: وهي خَشبةٌ ثَقيلةٌ أو عَصًا في طَرفِها حَديدةٌ، وقد تَكونُ بغَيرِ حَديدةٍ، هذا هو الصَّحيحُ في تَفسيرِه، وقالَ الهَرويُّ: هو سَهمٌ لا رِيشَ فيه ولا نَصْلَ، وقالَ ابنُ دُريدٍ: هو سَهمٌ طَويلٌ له أربَعُ قُذَذٍ رِقاقٍ، فإذا رَمَى به اعتَرضَ، وقالَ الخَليلُ كقَولِ الهَرويِّ، ونحوُه عن الأصمَعيِّ، وقيلَ: هو عُودٌ رَقيقُ الطَّرفينِ غَليظُ الوَسطِ إذا رُمِيَ به ذهَبَ مُستويًا.

وأمَّا «خَزَقَ» فهو بالخاءِ المُعجَمةِ والزايِ، ومعناهُ: نفَذَ، والوَقذُ والمَوقوذُ: هو الذي يُقتَلُ بغَيرِ مُحدَّدٍ مِنْ عصًا أو حَجرٍ وغيرِهِما، ومَذهبُ الشافعيِّ ومالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ والجَماهيرِ أنه إذا اصطادَ بالمِعراضِ فقتَلَ الصَّيدَ بحَدِّه حَلَّ، وإنْ قتَلَه بعَرضِه لم يَحلَّ؛ لهذا الحَديثِ (٣).

(١) أخرجه البخاري (٦٩٦٢)، ومسلم (١٩٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (١٩٢٩).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ٧٥)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٧٠٠، ٧٠١)، ويُنظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ١٩٦، ١٩٧)، و «فتاوى السغدي» (١/ ٢٣٧).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا صادَ بالمِعراضِ أكَلَ ما قتَلَ بحَدِّه، ولا يَأكلُ ما قتَلَ بعَرضِه).

المِعراضُ: عُودٌ مُحدَّدٌ، ورُبَّما جُعلَ في رأسِه حَديدةٌ، قالَ أحمَدُ: المِعراضُ يُشبِهُ السهمَ يُحذَفُ به الصَّيدُ، فرُبَّما أصابَ الصَّيدَ بحَدِّه فخَرَقَ وقتَلَ فيُباحُ، ورُبَّما أصابَ بعَرضِه فقتَلَ بثِقَلِه فيكونُ مَوقوذًا فلا يُباحُ، وهذا قولُ عليٍّ وعُثمانَ وعمَّارٍ وابنِ عبَّاسٍ، وبه قالَ النخَعيُّ والحَكمُ ومالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ.

وقالَ الأوزاعيُّ وأهلُ الشامِ: يُباحُ ما قتَلَه بحَدِّه وعَرضِه، وقالَ ابنُ عُمرَ: «ما رُميَ مِنْ الصَّيدِ بجُلَّاهِقَ (١) أو مِعراضٍ هو مِنْ المَوقوذةِ»، وبه قالَ الحَسنُ.

ولنَا: ما روَى عَديُّ بنُ حاتمٍ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ عن صَيدِ المِعراضِ فقالَ: «ما خرَقَ فكُلْ، وما قتَلَ بعَرضِه فهو وَقيذٌ فلا تَأكلْ» مُتفَقٌ عليهِ، وهذا نَصٌّ؛ ولأنَّ ما قتَلَه بحَدِّه بمَنزلةِ ما طعَنَه برُمحِه أو رَماهُ بسَهمِه، ولأنه مُحدَّدٌ خرَقَ وقتَلَ بحَدِّه، وما قتَلَ بعَرضِه إنما يَقتلُه بثِقلِه، فهو مَوقوذٌ، كالذي رَماهُ بحَجرٍ أو ببُندُقةٍ.

فَصلٌ: قالَ: وحُكمُ سائرِ آلاتِ الصَّيدِ حُكمُ المِعراضِ في أنها إذا قَتَلتْ بعَرضِها ولم تَجرحْ لم يُبَحِ الصَّيدُ، كالسَّهمِ يُصيبُ الطائرَ بعَرضِه

(١) الجُلَّاهِقُ -بضُمِّ الجيمِ-: البُندقُ المَعمولُ مِنْ الطِّينِ، الواحِدةُ: جُلاهِقةُ، وهو فارِسيٌّ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصيد
الباب الثاني فيما يكون به الصيد

النَّحْرُ، وَيُذْبَحَ مَا ذَكَاتُهُ الذَّبْحُ، أَوْ يُفْعَلَ بِهِ أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إِذَا لَمْ يُقْدَرُ عَلَى ذَكَاةِ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُ كَالصَّيْدِ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ فِي ذَلِكَ لِلْخَبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ لَا يُؤْكَلُ إِلَّا بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْوَحْشِيَّ يُؤْكَلُ بِالْعَقْرِ.

وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمُعَارِضُ لِهَذِهِ الْأُصُولِ فَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَفِيهِ قَالَ: «فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» . وَالْقَوْلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى لِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ، مَعَ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْأَصْلِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي كَوْنِ الْعَقْرِ ذَكَاةً فِي بَعْضِ الْحَيَوَانِ لَيْسَ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَا لِأَنَّهُ وَحْشِيٌّ فَقَطْ، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْإِنْسِيِّ جَازَ أَنْ تَكُونَ ذَكَاتُهُ ذَكَاةَ الْوَحْشِيِّ، فَيَتَّفِقُ الْقِيَاسُ وَالسَّمَاعُ.

الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَكُونُ بِهِ الصَّيْدُ

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيد والذبائح
١٧١٥ - مسألة؛ قال: (وإذا رمى صيدا فعقره، ورماه آخر فأثبته، ورماه آخر فقتله، لم يؤكل، وكان

تَأْكُلْ " مُتَّفَقٌ عليه . وهذا نصّ، ولأنَّ ما قَتَلَه بحَدِّه بمَنْزلَةِ ما طَعَنَه برُمْحِه، أو رَماهُ بِسَهْمِه، ولأنَّه مُحَدَّدٌ خَرَقَ وقَتَلَ بحَدِّه، وما قتلَ بعرضِه إنّما يقْتُلُه بثُقْلِه، فهو مَوْقُوذٌ، كالذى رَماه بحَجَرٍ أو بُنْدُقَةٍ .

فصل : وحُكْمُ سائِرِ آلاتِ الصَّيْدِ حُكْمُ المِعْراضِ، فى أَنَّها إذا قَتَلَتْ بعَرْضِها ولم تَجْرَحْ، لم يُبَحِ الصَّيْدُ، كالسَّهْمِ يُصِيبُ الطَّائِرَ بعَرْضِه فيقتُلُه، والرُّمْحِ والحَرْبَةِ والسَّيْفِ يُضْرَبُ به صَفْحًا فيقْتُلُ، فكُلُّ ذلك حَرامٌ. وهكذا إنْ أصابَ بحَدِّه فلم يَجْرَحْ، وقَتَلَ بثُقْلِه، لم يُبَحْ؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَا خَرَقَ، فَكُلْ". ولأنَّه إذا لم يجرَحْه، فإنَّما يَقْتُلُ بثُقْلِه، فأشْبَهَ ما أصابَ بعَرْضِه.

١٧١٥ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا رَمَى صَيْدًا فعَقَرَه، ورَمَاهُ آخَرُ فَأَثْبَتَهُ، ورَمَاهُ آخَرُ فقَتَلَهُ، لَمْ يُؤْكَلْ، وَكَانَ لِمَنْ أَثْبَتَهُ الْقِيمَةُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ)

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيد والذبائح
(فصل:)

قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَكُلْ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الصَّيْدِ إِذَا رَمَيْتُهُ، فَقَالَ: إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلْتَهُ، فَكُلْهُ إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي ماءٍ، فَمَاتَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ.

وَقَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ سَهْمِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: ما أصاب بجده فَكُلْ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ، فَهُوَ وقيزٌ ". وَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَوْعِبُ إِبَاحَةَ الصَّيْدِ بِجَمِيعِ آلَتِهِ.

(فَصْلٌ:)

وَإِنْ ثَبَتَ إِبَاحَةُ الصَّيْدِ جَازَ صَيْدُهُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ مِنْ ضَوَارِي الْبَهَائِمِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ، وَكَوَاسِرِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْعُقَابِ وَالنَّسْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كل الصيد يجمعها إِلَّا بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر، مجاهد، وَالسُّدِّيُّ: لَا يَحِلُّ إِلَّا صَيْدُ الْكَلْبِ وَحْدَهُ، ويحرم الِاصْطِيَادُ بِمَا عَدَاهُ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) {المائدة: ٤) ، وَاسْتَدَلَّ الْحَسَنُ بِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أمةٌ مِنَ الْأُمَمِ؛ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنَهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ".

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 600 - 601

ارجع إلى أركان الصيد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل