حكم اقتناء الكلاب

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الصيد > حكم اقتناء الكلاب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

حكم اقتناء الكلاب - الأقوال والأدلة

حُكمُ اقتِناءِ الكِلابِ:

اتَّفق أهلُ العِلمِ على جَوازِ اقتِناءِ كَلبِ الصَّيدِ والحِراثةِ والماشِيةِ؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ عن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ أمسَكَ كَلبًا فإنه يَنقُصُ كلَّ يَومٍ مِنْ عَملِه قِيراطٌ، إلا كلْبَ حَرثٍ أو ماشِيةٍ»، قالَ ابنُ سِيرينَ وأبو صالحٍ عن أبي هُريرةَ عن النبيِّ : «إلا كَلبَ غَنمٍ أو حَرثٍ أو صَيدٍ»، وقالَ أبو حازِمٍ عن أبي هُرَيرةَ عن النبيِّ : «كَلبَ صَيدٍ أو ماشِيةٍ» (١).

وفي لَفظٍ لمُسلمٍ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن رَسولِ اللهِ قالَ: «مَنْ اقتَنَى كَلبًا ليسَ بكَلبِ صَيدٍ ولا ماشِيةٍ ولا أرضٍ فإنه يَنقصُ مِنْ أَجرِه قِيراطانِ كلَّ يَومٍ» (٢).

وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ اقتَنَى كَلبًا إلا كَلبَ ماشِيةٍ أو ضَاري نقَصَ مِنْ عَملهِ كلَّ يَومٍ قِيراطانِ»، وفي لفظٍ: «مَنْ اقتَنَى كَلبًا إلا كَلبَ صَيدٍ أو ماشِيةٍ نقَصَ مِنْ أَجرِه كلَّ يَومٍ قِيراطانِ» (٣).

ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إلى الكَلبِ في هَذهِ المَواضعِ، فجازَ اقتِناؤُه (٤).

(١) أخرجه البخاري (٢١٩٧)، ومسلم (١٥٧٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٥٧٥).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٧٤).
(٤) «المهذب» (١/ ٢٦١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ورَدَ هذا الحَديثُ بالتَّرخيصِ لأحَدِ ثَلاثةِ أشياءَ وهيَ: الزَّرعُ والماشِيةُ والصَّيدُ، وهذا جائِزٌ بلا خِلافٍ (١).

إلا أنهُم اختَلفُوا في غَيرِ هذهِ الأنواعِ الثَّلاثةِ، هل يَحرمُ أم يُكرَهُ أم يُباحُ؟ وهل يَجوزُ اقتِناؤُه لمَنفعةٍ غيرِ هذهِ الثلاثةِ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى جَوازِ اقتناءِ الكَلبِ لصَيدٍ أو لحِفظِ الزَّرعِ أو المَواشي أو البُيوتِ أو لأيِّ شَيءٍ جائزٌ، ويُكرَهُ إذا لم يَكنْ لمَنفعةٍ.

قالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: يُكرَهُ اقتِناءُ الكَلبِ لغيرِ مَنفعةٍ، فأما كَلبُ الزَّرعِ أو الضَّرعِ أو الصَّيدِ أو الحَرسِ فلا بأسَ به (٢).

وأما ما ورَدَ مِنْ النهيِ عن اقتِنائِه فإنَّ هذا قالَه النبيُّ في الحالِ التي شدَّدَ في أمرِ الكِلابِ؛ لأنه قَدِمَ المدينةَ وقد أَلِفُوها وخالَطَتْ بُيوتَهم، فشدَّدَ فيها حتى حسَمَ المادَّةَ، ثمَّ خَفَّ حُكمُها (٣).

وقالَ المالِكيةُ -كما في «الرِّسالَة» لابنِ أبي زَيدٍ القَيروانِيِّ رحمة الله عليه: لا يُتَّخذُ كَلبٌ في الدُّورِ في الحَضرِ ولا في دُورِ الباِديةِ إلا لزَرعٍ أو ماشِيةٍ يَصحَبُها في الصَّحراءِ ثمَّ يَروحُ معَها أو لصَيدٍ يَصطادُه لعَيشِه لا للَّهوِ (٤).

(١) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٨٦).
(٢) «الموطأ» (٣/ ٣٦١).
(٣) «التجريد» للقدوري (٥/ ٢٦٢٥)، و «الهداية» (٣/ ٧٩)، و «فتح باب العناية بشرح النقاية» (٤/ ١٨٨)، و «البناية شرح الهداية» (٨/ ٣٨٢).
(٤) «الرسالة» ص (١٦٦).

قالَ ابنُ ناجِي في شَرحِه: يُريدُ إلا أنْ يُضطرَّ فيَتَّخذَه حتى يَزولَ المانعُ، ويُذكَرُ أنَّ أبا مُحمدٍ ابنَ أبي زَيدٍ -صاحِبَ «الرِّسالَة» - وقَعَ له حائِطٌ مِنْ دارِه وكانَ يَخافُ على نَفسِه مِنْ الشِّيعةِ، فاتَّخذَ كَلبًا لذلكَ، فقيلَ له في ذلكَ فقالَ: لو أدرَكَ مالكٌ زمَنَنا لَاتَّخذَ أسَدًا ضارِيًا (١).

وقالَ الإمامُ النَّفراويُّ في شَرحِه للرِّسالةِ: (ولا) يَحِلُّ أنْ (يُتَّخذَ) بالبِناءِ للمَجهولِ (كَلبٌ في الدُّورِ) الكائِنةِ (في الحَضرِ، ولا في دُورِ البادِيةِ)، ولعَلَّ المُرادَ بعَدمِ الحِلِّ الكَراهةُ، إلا أنْ يَكونَ عَقورًا فيَحرمُ، (وإلا) أنْ يُتَّخذَ (لزَرعٍ) أو غيرِه مما يَحتاجُ للحِراسةِ، (أو) إلا أنْ يُتَّخذَ لحِراسةِ (ماشِيةٍ يَصحبُها في الصَّحراءِ ثمَّ يَروحُ) أي يَرجعُ (معَها) لحراستِها مِنْ اللُّصوصِ في الطريقِ أو في المَبيتِ، (أو) أي: أو إلَّا أنْ تُتَّخذَ (لصَيدٍ يَصطادُه لعَيشِه) أو عَيشِ عِيالِه، فلا حرَجَ في اتِّخاذِه لواحِدٍ مِنْ هَذهِ الثَّلاثِ، ولكنْ اختُلفَ هل يَتقيَّدُ الجَوازُ بزَمنِ هذهِ المَذكوراتِ ويُطلَبُ إخراجُها مِنْ حَوزِه بعدَ الاستِغناءِ عنها؟ أو الجَوازُ غيرُ مُقيَّدٍ؟ قَولانِ، والمُرادُ بالماشِيةِ الغَنمُ، وكذا غيرُها إنِ احتاجَتْ إلى الحِراسةِ، (لا للَّهوِ) فيُكرَهُ؛ لِما تقدَّمَ مِنْ أنَّ الصَّيدَ تَعتريهِ الأحكامُ الخَمسةِ، يَجبُ لقُوتِه وقُوتِ مَنْ تَلزمُه نَفقتُه إنْ لم يُمكنْ إلا مِنْ الصَّيدِ، ويَحرمُ اصطِيادُ المأكولِ لا بنيَّةِ الذَّكاةِ، ويُندَبُ إذا كانَ للتَّوسعةِ، ويُكرَهُ إذا كانَ لمُجرَّدِ اللهوِ، ويُباحُ فيما عدا ذلكَ كأنَ يَشتري به فاكِهةً ونحوَها مِنْ كُلِّ مُباحٍ.

(١) «شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة» (٢/ ٤٨٩)، و «شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني» (٥/ ٣١).

(تَنبيهاتٌ): الأولُ: ما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ عَدمِ جَوازِ اتِّخاذِ الكِلابِ في غيرِ المَسائلِ الثَّلاثِ مُقيَّدٌ بما إذا لم يَضطرَّ إلى اتِّخاذِها لحِفظِ مَحلِّه أو حِفظِ نَفسِه، وإلا جازَ، كما وقَعَ للمُصنِّفِ حينَ سقَطَ حائِطُ دارِه وكانَ يَخافُ على نَفسِه مِنْ الشِّيعةِ فاتَّخذَ كَلبًا، ولمَّا قيلَ له: كيفَ تَتخذُه ومالِكٌ نهَى عن اتِّخاذِ الكِلابِ في غيرِ المَواضعِ الثلاثةِ؟ فقالَ: لو أدرَكَ مالكٌ زَماننَا لَاتَّخذَ أسدًا ضارِيًا (١).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ويَجوزُ اقتِناءُ الكِلابِ للمَنافعِ كُلِّها ودَفعِ المَضارِّ إذا احتاجَ الإنسانُ إلى ذلكَ، إلا أنه مَكروهٌ اقتِناؤُها في غيرِ الوُجوهِ المَذكورةِ في هذهِ الآثارِ؛ لنُقصانِ أجرِ مُقتَنيها، واللهُ أعلَمُ (٢).

وأما الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وهل يَجوزُ اقتِناؤُه لحِفظِ الدُّروبِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ للخبَرِ.

والثاني: يَجوزُ؛ لأنه حِفظُ مالٍ، فأشبَهَ الزَّرعَ والماشِيةَ.

وهل يَجوزُ لمَن لا يَصطادُ أنْ يَقتنيَه فيَصطادَ به إذا أرادَ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَجوزُ؛ للخبَرِ.

والثاني: لا يَجوزُ؛ لأنه لا حاجَةَ به إليهِ.

وهل يَجوزُ اقتِناءُ الجَروِ للصَّيدِ والزَّرعِ والماشِيةِ؟ فيه وَجهانِ:

أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ لأنه ليسَ فيه مَنفعةٌ يحتاجُ إليها.

(١) «الفواكه الدواني» (٢/ ٣٤٤).
(٢) «التمهيد» (١٤/ ٢١٩).

والثَّاني: يَجوزُ؛ لأنه إذا جازَ اقتِناؤُه للصَّيدِ جازَ اقتِناؤُه لتَعليمِ ذلكَ (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وقد اتَّفقَ أصحابُنا وغَيرُهم على أنه يَحرمُ اقتِناءُ الكَلبِ لغيرِ حاجةٍ، مثلَ أنْ يَقتني كلبًا إعجابًا بصُورتِه أو للمُفاخَرةِ به، فهذا حَرامٌ بلا خِلافٍ.

وأما الحاجَةُ التي يَجوزُ الاقتِناءُ لها فقدْ ورَدَ هذا الحديثُ بالتَّرخيصِ لأحَدِ ثَلاثةِ أشياءَ وهيَ: الزَّرعُ والماشِيةُ والصَّيدُ، وهذا جائزٌ بلا خِلافٍ.

واختَلفَ أصحابُنا في اقتِنائِه لحِراسةِ الدُّورِ والدُّروبِ وفي اقتناءِ الجَروِ ليُعلَّمَ، فمِنهُم مَنْ حرَّمَه؛ لأنَّ الرُّخصةَ إنما ورَدَتْ في الثلاثةِ المُتقدِّمةِ، ومنهم مَنْ أباحَه وهو الأصَحُّ؛ لأنه في مَعناها (٢).

وقالَ: وفي جَوازِ إيجادِه (٣) لحِفظِ الدُّورِ والدُّروبِ وَجهانِ مَشهورانِ ذكَرَهُما المُصنِّفُ بدَليلِهما، أصَحُّهما: الجَوازُ، وهو المَصنوصُ في «المُختَصَر»، قالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ اقتناءُ الكَلبِ إلا للصَّيدِ أو ماشِيةٍ أو زَرعٍ وما في مَعناها. هذا نَصُّه في «المُختصَر»، قالَ القاضِي حُسينٌ في تَعليقِه: وفي جَوازِ إيجادِه في السَّفرِ للحِراسِة الوَجهانِ، أصَحُّهما: الجَوازُ.

وفي جَوازِ تَربيةِ الجَروِ للصَّيدِ أو الزَّرعِ أو غيرِهما ممَّا يُباحُ اقتِناءُ الكَبيرِ له فيه وَجهانِ مَشهورانِ ذكَرَهُما المُصنِّفُ بدَليلِهما، أصَحُّهما: الجَوازُ.

(١) «المهذب» (١/ ٢٦١).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٨٦).
(٣) هكذا في جميع النسخ ولعلها اقتناؤه أو إيجاره والله أعلم.

ولو أرادَ إيجادَ الكَلبِ ليَصطادَ به إذا أرادَ ولا يَصطادُ بهِ في الحالِ، أو ليَحفظَ الزَّرعَ أو الماشِيةَ إذا سارَا لهُ فوَجهانِ، أصَحُّهما: الجَوازُ.

واتَّفقَ الأصحابُ على أنه يَجوزُ اقتِناءُ الكَلبِ الكَبيرِ لتَعليمِ الصَّيدِ وغَيرِه، وإنما الوَجهانِ في الجَروِ (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «ولا يَجوزُ اقتِناؤُه إلا لصاحبِ صَيدٍ أو حَرثٍ أو ماشِيةٍ أو ما كانَ في مَعناهُم».

قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ، لا يَجوزُ اقتِناءُ الكَلبِ إلا أنْ يَكونَ مُنتفعًا به فيَجوزُ اقتِناؤُه.

وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ اقتِناؤُه بكُلِّ حالٍ وإنْ لم يَكنْ مُنتفعًا بهِ؛ استِدلالًا بأنَّ كلَّ حَيوانٍ جازَ اقتِناؤُه إذا كانَ مُنتفعًا به جازَ اقتِناءُ جَميعِ جِنسِه وإنْ كانَ غيرَ مُنتفعٍ به، كالبِغالِ والحَميرِ طَردًا، والخَنازيرِ عَكسًا (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فَصلٌ: ولا يَجوزُ اقتِناءُ الكَلبِ إلا كلبَ الصَّيدِ أو كلبَ ماشِيةٍ أو حَرثٍ …

وإنِ اقتِناهُ لحِفظِ البُيوتِ لم يَجُزْ؛ للخبَرِ.

ويَحتملُ الإباحةَ، وهو قَولُ أصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنه في مَعنى الثَّلاثةِ، فيُقاسُ عليهَا.

(١) «المجموع» (٩/ ٢١١).
(٢) «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨).

والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ قِياسَ غيرِ الثَّلاثةِ عليهَا يُبيحُ ما يَتناولُ الخبَرُ تَحريمَه.

قالَ القاضِي: وليسَ هو في مَعناها، فقدْ يَحتالُ اللِّصُّ لإخراجِه بشَيءٍ يُطعمُه إياهُ ثم يَسرقُ المَتاعَ.

وأما الذِّئبُ فلا يُحتمَلُ هذا في حقِّه، ولأنَّ اقتِناءَه في البُيوتِ يُؤذِي المارَّةَ، بخِلافِ الصَّحراءِ.

فَصلٌ: فأما تَربيةُ الجَروِ الصَّغيرِ لأحَدِ الأمورِ الثَّلاثةِ فيَجوزُ في أقوَى الوَجهينِ؛ لأنه قصَدَه لذلكَ، فيَأخذُ حُكمَه، كما يَجوزُ بَيعُ العَبدِ الصَّغيرِ والجَحشِ الصَّغيرِ الذي لا نفْعَ فيه في الحالِ؛ لمَآلِه إلى الانتِفاعِ، ولأنه لو لم يَتَّخذِ الصَّغيرَ ما أمكَنَ جَعلُ الكَلبِ للصيدِ؛ إذْ لا يَصيرُ مُعلَّمًا إلا بالتعليمِ، ولا يُمكِنُ تَعلُّمُه إلا بتَربيتِه واقتِنائِه مُدَّةً يُعلِّمُه فيها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يُوجَدُ كلبٌ مُعلَّمٌ بغيرِ تَعليمٍ.

والوَجهُ الثاني: لا يَجوزُ؛ لأنه ليسَ مِنْ الثلاثةِ (١).

(١) «المغني» (٤/ ١٧٣).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 630 - 636

ارجع إلى أركان الصيد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله