ما يحرم من حيوان البر

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما يحرم من حيوان البر

مسائلُ فقهيةٌ في ما يحرم من حيوان البر على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

تعريف ما يحرم من حيوان البر وحكمها

فيباحُ كلُّ طَعامٍ طاهِرٍ لا مَضرَّةَ فيه مِنْ الحُبوبِ والثِّمارِ وغيرِها، ولا يُباحُ أكلُ النَّجاساتِ كالمَيتةِ والدَّمِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقَولِه في الخَمرِ: «أَكفِئُوها فإنها رِجسٌ» (١).

وكذا البَولُ والرَّوثُ ولو طاهِرَينِ؛ لاستِقذارِهما، فإنِ اضطرَّ إليهما أو إلى أحَدِهما أُبيحَا؛ لقصَّةِ العُرَنيينَ.

ولا يُمكِنُ حَصرُ الطيِّباتِ كما قُلنا، إلا أنَّني أذكُرُ هُنا ما يَحرمُ مِنْ حَيوانِ البَرِّ والبَحرِ، وإنْ كانَ الأصلُ في كُلِّ شَيءٍ الحِلَّ، إلا ما جاءَ به نَصٌّ مِنْ قُرآنٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ أنه حَرامٌ.

ما يَحرمُ مِنْ حَيوانِ البَرِّ:

الأصلُ أنَّ جَميعَ حَيوانِ البَرِّ مِنْ الأنعامِ حَلالٌ أكلُه، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على إباحةِ لُحومِ الأنعامِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ (٢).

ولا يَحرمُ إلَّا ما ورَدَ فيه نَصٌّ بالحُرمةِ، ومِن ذلكَ ما يلي:

أولاً: الحُمُرُ الأهليَّةُ:

ذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والمالِكيةُ في المُعتمدِ إلى أنَّ الحِمارَ الأهلِيَّ لا يَجوزُ أكلُه وأنه مُحرَّمٌ؛ لِما ورَدَ مِنْ

(١) أخرجه البخاري (٢٩٩١)، ومسلم (١٩٤٠).
(٢) «الإجماع» (٧٤٢).

الأحاديثِ الكَثيرةِ الثابِتةِ عن النبيِّ في حُرمتِه، منها ما رَواهُ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: «أنَّ رَسولَ اللهِ نَهَى يومَ خَيبَرَ عن لُحومِ الحُمرِ الأهليَّةِ» (١).

وعن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه: «أنَّ رَسولَ اللهِ نَهى عن مُتعةِ النِّساءِ يومَ خَيبَرَ، وعن أَكلِ لُحومِ الحُمرِ الإنسِيةِ» (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما لَحمُ الحُمُرِ الإنسِيةِ فلا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ اليومَ في تَحريمِها، وعلى ذلكَ جَماعةُ السَّلفِ، إلا ابنَ عبَّاسٍ وعائِشةَ فإنهُما كانَا لا يَرَيانِ بأكلِها بأسًا ويَتأوَّلانِ قولَ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، على الاختِلافِ في ذلكَ عن ابنِ عبَّاسٍ، والصَّحيحُ فيه ما عليهِ الناسُ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ اليومَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ أنَّ الحُمرَ الأهلِيةَ لا يَجوزُ أكلُها؛ لنَهيِ رَسولِ اللهِ عنها، وعليهِ السَّلفُ (٤).

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ البِغالَ والحَميرَ الأهلِيةَ حَرامٌ أكلُها، إلا مالِكًا فإنه اختُلفَ عنه، فرُويَ عنه أنها مَكروهةٌ، إلا أنها

(١) أخرجه البخاري (٣٩٨٠)، ومسلم (٥٦١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٩٧٩)، ومسلم (١٤٠٧).
(٣) «التمهيد» (١٠/ ١٢٣).
(٤) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٢/ ٩٨٣)، رقم (١٨٤٩).

مُغلَّظةُ الكَراهةِ جِدًّا فوقَ كَراهيةِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وقيلَ عنه: إنها مُحرَّمةٌ بالسُّنةِ دونَ تَحريمِ الخِنزيرِ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لَحمُ الحُمرِ الأهلِيةِ حَرامٌ عندَنا، وبه قالَ جَماهيرُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ، قالَ الخَطابيُّ: هو قَولُ عامَّةِ العُلماءِ، قالَ: وإنما رُويَتِ الرُّخصةُ فيه عن ابنِ عبَّاسٍ، رواهُ عنه أبو داودَ في سُننِه، قلتُ: ورَواهُ عن ابنِ عبَّاسٍ البُخاريُّ في صَحيحِه كما سنُوضحُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

وعندَ مالِكٍ ثَلاثُ رِواياتٍ في لَحمِها، أشهَرُها أنه مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ شَديدةً، والثانيةُ: حَرامٌ: والثالِثةُ: مُباحٌ، واحتَجَّ لابنِ عبَّاسٍ بقولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، وبحَديثِ غالِبِ بنِ أبجَرَ قالَ: «أصابَتْنا سَنةٌ، فلم يَكنْ في مالي شَيءٌ أطعمُ إلا الحُمرَ الأهلِيةَ، وقد كانَ رَسولُ اللهِ حرَّمَ لُحومَ الحُمرِ الأهلِيةِ، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ أصابَتْنا السَّنةُ، ولم يَكنْ في مالي ما أُطعِمُ أهلِي إلا سِمانَ حُمُرٍ، وإنكَ حرَّمْتَ الحُمرَ الأهليةَ، فقالَ: أَطعِمْ أهلَكَ مِنْ سَمينِ حُمُرِكَ، فإنما حرَّمتُها مِنْ أجلِ جَوَالِّ القَريةِ»، -يَعني بالجَوَالِّ التي تَأكلُ الجَلَّةَ، وهي العَذرةُ- رَواهُ أبو داودَ (٢)،

(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٥٥)، ويُنظَر: «العناية» (١١/ ٥٨٩، ٥٩٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٩)، و «اللباب» (٢/ ٣٦٦)، و «المهذب» (١/ ٢٤٧).
(٢) ضَعيفُ الإسنادِ مُضطربٌ: رواه أبو داود (٣٨٠٩).

واتَّفقَ الحُفاظُ على تَضعيفِه، قالَ الخطَّابيُّ والبَيهقيُّ وغَيرُهما: هو حَديثٌ يُختلَفُ في إسنادِه، يَعنُونَ مُضطربًا، قالَ البَيهقيُّ وغيرُه: وهذا الحَديثُ لا يُعارِضُ الأحاديثَ الصَّحيحةِ … ولو صَحَّ حُمِلَ على الأكلِ منها في حالِ الاضطِرارِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أكثَرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ تَحريمَ الحُمرِ الأهلِيةِ، قالَ أحمَدُ: خَمسةَ عشَرَ مِنْ أصحابِ النبيِّ كَرِهُوها، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ اليومَ في تَحريمِها (٢).

وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ رحمة الله عليه: وأما الخَيلُ والبِغالُ والحَميرُ فالمَشهورُ أنها حَرامٌ، ولو كانَ الحِمارُ وَحشيًّا دجَنَ وصارَ يعمَلُ عليهِ عندَ مالِكٍ في «المُدوَّنة» خِلافًا لابنِ القاسِمِ (٣).

وقالَ المَواقُ رحمة الله عليه: مِنْ «المُدوَّنة»: قالَ مالِكٌ: لا تُؤكلُ البِغالُ والخَيلُ والحُمرُ (٤).

وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ رحمة الله عليه: أكلُ الحُمرِ الأهلِيةِ مغلَّظٌ عندَ مالكٍ في الكَراهيةِ، وليسَ كالخِنزيرِ، ومِن أصحابِنا مَنْ يقولُ: هو مُحرَّمٌ، وكذلكَ البِغالُ، فدَليلُنا الظاهِرُ، ولأنه حَيوانٌ للرُّكوبِ كالخَيلِ (٥).

(١) «المجموع» (٩/ ٧، ٨)، و «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ٩١، ٩٢).
(٢) «المغني» (٩/ ٣٢٤).
(٣) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣٠).
(٤) «التاج والإكليل» (٢/ ٢٤٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٨٢).
(٥) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٧٩، ٣٩٠).

مسائل ما يحرم من حيوان البر الفقهية

ارجع إلى الأطعمة والصيد للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 29 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 0.7 / 29.5
الإضاءة 1%
البدر بعد 14 يوم
الله أكبر