الإسلام > الأوقاف والملكية > أحكام ناظر الوقف > اشتراط الواقف النظر لنفسه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةاشتِراطُ الواقِفِ النَّظرَ لنَفْسِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ النَّظرَ لنَفسِه، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى جَوازِ أنْ يَشتَرطَ الواقفُ النَّظرَ لنَفسِه ويَكونُ له الوِلايةُ عليه؛ «لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه كانَ يَلي أمْرَ صَدَقتِه بنَفسِه، ثُمَّ جعَلَه إلى حَفصةَ تَليهِ ما عاشَتْ ثُمَّ يَليهِ أُولو الرَّأيِ مِنْ أهلِها» (١)، ولأنَّ المُتولِّيَ إنَّما يَستفيدُ الوِلايةَ مِنْ جِهتِه بشَرطِه، فيَستَحيلُ ألَّا يَكونَ له الوِلايةُ وغَيرُه يَستفيدُ الوِلايةَ منه، ولأنه أقرَبُ الناسِ إلى هذا الوَقفِ، فيَكونُ أَولى بوِلايتِه، كمَن اتَّخذَ مَسجدًا يَكونُ أَولَى بعِمارتِه ونَصبِ المُؤذِّنِ فيهِ، وكمَن أعتَقَ عَبدًا كانَ الوَلاءُ له؛ لأنه أقرَبُ الناسِ إليه (٢).
(١) صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٨٧٩)، و «الدارقطني» (٥/ ٣٤١)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٦٠).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٣١)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٩)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٥٣)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٤٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦٢٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٦٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٠)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٣٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥١٩)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٦٦)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٤)، و «المغني» (٥/ ٣٧٧)، و «المبدع» (٥/ ٣٣٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٢١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٨).
وأمَّا المالِكيةُ فيُفرِّقونَ بينَ أنْ يَقفَ على مَحجورِه، كأنْ يَقفَ على صِغارِ وَلدِه أو مَنْ في حِجرِه أو على سَفيهٍ، فيَجوزُ أنْ يَشتَرطَ وِلايةَ الوَقفِ لنَفسِه.
وأمَّا إذا وقَفَ على غيرِ مَحجورِه واشتَرطَ النَّظرَ على الوَقفِ لنَفسِه بطَلَ الوَقفُ؛ لأنَّ فيهِ تَحجيرًا (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: المِثالُ السَّادسُ والأربَعونَ: إذا وقَفَ وَقفًا وجعَلَ النَّظرَ فيهِ لنَفسِه مدَّةَ حَياتِه ثُمَّ مِنْ بَعدِه لغيرِه صَحَّ ذلكَ عندَ الجُمهورِ، وهو اتِّفاقٌ مِنْ الصَّحابةِ، فإنَّ عمرَ رضي الله عنه كانَ يَلي صَدَقتَه، وكذلكَ الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ وغَيرُهم مِنْ الصَّحابةِ، والنبيُّ ﷺ لمَّا أشارَ على عُمرَ بوَقفِ أرضِه لم يَقُلْ له: «لا يَصحُّ ذلكَ حتى تُخرِجَها عن يَدِكَ ولا تَليَ نظَرَها»، وأيُّ غَرضٍ للشَّارعِ في ذلكَ وأيُّ مَصلحةٍ للواقِفِ أو للمَوقوفِ عليه؟! بل المَصلحةُ خِلافُ ذلكَ؛ لأنه أخبَرُ بمالِه وأقوَمُ بعِمارتِه ومَصالحِه وحِفظِه مِنْ الغَريبِ الذي ليسَتْ خِبرتُه وشَفقتُه كخِبرةِ صاحِبِه وشَفقتِه، ويَكفي في صِحةِ الوَقفِ إخراجُه عن مِلكِه وثُبوتُ نَظرِه ويَدِهِ عليه كثُبوتِ نَظرِ الأجنَبيِّ ويَدِه، ولا سِيَّما إنْ كانَ مُتبَرِّعًا، فأيُّ مَصلحةٍ في أنْ
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٦٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٨٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٦٧)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٤٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٥٩)، و «شفاء الغليل في حل مقفل خليل» (٢/ ٩٦٣).
يُقالَ له: لا يَصحُّ وَقفُكَ حتى تَجعلَه في يَدِ مَنْ لستَ على ثِقةٍ مِنْ حِفظِه والقيامِ بمَصالحِه وإخراجِ نَظرِكَ عنه؟!
فإنْ قيلَ: إخراجُه للهِ يَقتضي رفْعَ يَدِه عنهُ بالكُليةِ كالعِتقِ.
قيلَ: بالعِتقِ خرَجَ العَبدُ عن أنْ يَكونَ مالًا، وصارَ مُحرَّرًا مَحضًا، فلا تَثبتُ عليه يَدُ أحدٍ، وأمَّا الوَقفُ فإنه لا بُدَّ مِنْ ثُبوتِ اليَدِ عليه لحِفظِه والقِيامِ بمَصالحِه، وأحَقُّ ما يَثبتُ عليه يَدُ أشفَقِ الناسِ عليه وأقوَمِهم بمَصالحِه، وثُبوتُ يَدِه ونَظرِه لا يُنافي وقْفَه للهِ؛ فإنه وقَفَه للهِ وجعَلَ نظَرَه عليه ويَدَهُ للهِ، فكِلاهُما قُربةٌ وطاعةٌ، فكيفَ يُحرَمُ ثَوابَ هذه القُربةِ ويُقالُ له: لا يَصِحُّ لكَ قُربةُ الوَقفِ إلَّا بحِرمانِ قُربةِ النَّظرِ والقِيامِ بمَصالحِ الوَقفِ؟! فأيُّ نَصٍّ وأيُّ قِياسٍ وأيُّ مَصلحةٍ وأَيُّ غَرضٍ للشارعِ أوجَبَ ذلكَ؟ بل أيُّ صاحِبٍ قالَ ذلكَ؟
فإنِ احتاجَ الواقفُ إلى ذلكَ في مَوضعٍ لا يُحكَمُ فيه إلَّا بقَولِ مَنْ يُبطِلُ الوَقفَ إذا لم يُخرجْه عن يَدِه وإذا شرَطَ النَّظرَ بنَفسِه، فالحِيلةُ في ذلكَ أنْ يُفوِّضَ النَّظرَ إلى مَنْ يَثقُ به ويَجعلَ إليه تَفويضَ النَّظرِ لمَن شاءَ، فيَقبَلُ الناظِرُ ذلكَ ويَصحُّ الوَقفُ ويَلزمُ، ثمَّ يُفوِّضُه الناظِرُ إليهِ، فإنه قد صارَ أجنَبيًّا بمَنزلةِ سائِرِ الناسِ، فهذه حِيلةٌ صَحيحةٌ يُتوصَّلُ بها إلى حقٍّ فهي جائِزةٌ، وكذلكَ لو جعَلَ النَّظرَ فيهِ للحاكِمِ ثُمَّ فَوَّضَه الحاكمُ إليه، فإنْ خافَ أنْ لا يُفوِّضَه الحاكِمُ إليه فلْيُملِّكْه لمَن يَثقُ به، ويَقفُه ذلكَ على ما يُريدُ المُملِّكُ، ويَشتَرطُ أنْ يَكونَ نَظرُه له وأنْ يَكونَ تَحتَ يَدِه (١).
(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٣٧١، ٣٧٢).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الغصب
باب كراء الإبل وغيرها
باب كراء الإبل وغيرها
مسألة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَكِرَاءُ الْإِبِلِ جائزٌ لِلْمَحَامِلِ وَالزَّوَامِلِ وَالرِّجَالِ وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ لِلسُّرُوجِ وَالْأَكُفِّ وَالْحَمُولَةِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشافعي في الإجارات ثلاثة كتب:
أحدهما: إِجَارَةُ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَقَدْ مَضَى.
وَالثَّانِي: إِجَارَةُ الْإِبِلِ وَالْبَهَائِمِ وَهُوَ هَذَا.
وَالثَّالِثُ: تَضْمِينُ الْأُجَرَاءِ ويأتي. ورووا وَإِجَارَةُ الْبَهَائِمِ جَائِزَةٌ لِرِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ إِنِّي رجلٌ أُكْرِي إِبِلِي أَفَتُجْزِئُ عَنِّي مِنْ حَجَّتِي فَقَالَ: أَلَسْتَ تُلَبِّي وَتَقِفُ وَتَرْمِي؟ قُلْتُ بَلَى. قَالَ ابْنُ عُمَرَ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عما سألتني عنه فلم يجبه حتى أنزل اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) {البقرة: ١٩٨) وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) {النحل: ٨) فكان عَلَى عُمُومِ الْإِبَاحَةِ فِي رُكُوبِهَا بِالْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَدْ شَاهَدَ النَّاسَ عَلَى هَذَا فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ فَصَارَ شَرْعَا.
وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ عَمِلَتِ بِهِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَصَارَ إِجْمَاعًا وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ وَالْحَاجَةَ بَاعِثَةٌ عَلَيْهِ فَكَانَ مُبَاحًا.
مسألة
ارجع إلى أحكام ناظر الوقف للاطلاع على جميع المسائل.