الإسلام > الأوقاف والملكية > أحكام ناظر الوقف > الحالة الثانية: أن تكون مقدرة من قبل القاضي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةفَقرِه، وقالَ: ولا يُقدَّمُ بمَعلومِه بلا شَرطٍ إلا بأخذِ أُجرةِ عَملِه مع فَقرِه كوَصيِّ اليَتيمِ (١).
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ تكونَ مُقدَّرةً مِنْ قِبَلِ القاضي:
إذا لم يُعيِّنِ الواقفُ أُجرةً للناظِرِ فهل يَكونُ له أُجرةٌ؟ وهل يَجوزُ للقاضي أنْ يُقدِّرَها؟ وهَل له أنْ يَزيدَ عن أُجرةِ المِثلِ أم لا؟
فَذهَبَ جُمهورُ الفُقَهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقفَ إذا لم يَشرِطْ للناظِرِ أُجرةً أنَّ للقاضي أنْ يُعطيَه أُجرةً مِنْ رَيعِ الوَقفِ حَسبَ ما يُؤدِّيه اجتِهادُه عندَ المالِكيةِ، وعندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ لا تَزيدُ عن أُجرةِ المِثلِ.
قالَ الحَنفيةُ: الواقِفُ إنْ عيَّنَ له شيئًا فهو له، كَثيرًا كانَ أو قَليلًا، على حَسبِ ما شرَطَه، عَمِلَ أو لم يَعمَلْ حَيثُ لم يَشرِطْه في مُقابَلةِ العَملِ على حَسبِ ما شَرَطَه، وإنْ لم يُعَيِّنْ له الواقِفُ وعيَّنَ له القاضِي أُجرةَ مِثلِه جازَ، وإنْ عيَّنَ أكثَرَ يُمنَعُ عنه الزائِدُ عن أُجرةِ المِثلِ، هذا إنْ عَمِلَ، وإنْ لم يَعمَلْ لا يَستحِقُّ أُجرةً، قالَ ابنُ عابدِينَ: وبمِثلِه صرَّحَ في «الأشبَاه» في كِتابِ الدَّعوى، وإنْ نصَبَه القاضي ولم يُعَيِّنْ له شيئًا يُنظَرُ، إنْ كانَ المَعهودُ أنْ لا يَعملَ إلَّا بأُجرةِ المِثلِ فله أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ المَعهودَ كالمَشروطِ، وإلَّا فلا
(١) «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤١٨)، ويُنظَر: «الإنصاف» (٧/ ٥٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٢٨).
شيءَ له، فاغتَنمْ هذا التَّحريرِ، فإنه يَجبُ إليهِ المَصيرُ؛ لأنه المَفهومُ مِنْ عِباراتِهم والمُتبادِرُ مِنْ كَلِماتِهم (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: قالَ في «القُنيَة»: عُزِلَ القاضي فادَّعَى القيِّمُ أنه قد أجرَى له كذا مُشاهَرةً أو مُسانَهةً وصدَّقَه المَعزولُ فيهِ، لا يُقبَلُ إلا ببيِّنةٍ، ثمَّ إنْ كانَ ما عيَّنَه أجْرَ مِثلِ عَملِه أو دُونَه يُعطيهِ الثاني، وإلا يَحُطُّ الزِّيادةَ ويُعطيهِ الباقيَ. اه
فقدْ أفادَ أنَّ القاضيَ الثانِيَ يَحُطُّ ما زادَ على أجرِ المِثلِ، فأفادَ عدَمَ صِحةِ تَقريرِ القاضي للناظِرِ مَعلومًا أكثَرَ مِنْ أجْرِ المِثلِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ لم يُسَمِّ الواقفُ للنَّاظِرِ شيئًا فقِياسُ المَذهبِ: إنْ كانَ مَشهورًا بأخذِ أجرِ المِثلِ على عَملِه -أي: مُعَدَّا لأخذِ العِوضِ على عَملِه- فله أجرةُ مِثلِ عَملِه، وإلَّا بأنْ لم يَكُنْ مُعَدًّا لأخذِ العِوضِ على عَملِه فلا شيءَ له؛ لأنه مُتبَرِّعٌ بعَملِه.
قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وهذا في عامِلِ الناظِرِ واضِحٌ، وأمَّا الناظِرُ فقدْ تقدَّمَ إذا لم يُسَمَّ له شيءٌ يَأكلُ بالمَعروفِ (٣).
(١) «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٣/ ٨٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٦٤)، و «ابن عابدين» (٤/ ٤٥١).
(٢) «البحر الرائق» (٥/ ٢٦٤).
(٣) «كشاف القناع» (٤/ ٣٢٨).
وقالَ قبلَ ذلكَ: قالَ الشَّيخُ -ابنُ تَيميةَ-: ومَتى فرَّطَ الناظِرُ سقَطَ ممَّا له -أي: مِنْ المَعلومِ- بقَدرِ ما فوَّتَه على الوَقفِ مِنْ الواجِبِ عليه مِنْ العَملِ، فيُوزَّعُ ما قُدِّرَ له على ما عَمِلَ وعلى ما لَم يَعملْه، ويَسقطُ قِسطُ ما لم يَعملْه.
ويُؤيِّدُه ما ذكَرَه بقَولِه: وفي «الأحكَام السُّلطانيَّة» في العامِلِ يَستحِقُّ ما جُعلَ له إنْ كانَ الجُعلُ مَعلومًا، فإنْ قصَّرَ العامِلُ فترَكَ بَعضَ العملِ لم يَستحِقَّ ما قابَلَ بعضَ العَملِ المَتروكَ، وإنْ كانَ العَملُ قد وُجدَ لكنْ مع جِنايةٍ مِنْ العامِلِ استَحقَّ الجُعلَ؛ لوُجودِ العملِ، ولا يَستحِقُّ الزِّيادةَ على الجُعلِ وإنْ كانَ عَملُه يُساوِي أكثَرَ مِمَّا جُعلَ له؛ لأنَّ الجاعِلَ لم يَلتزمْها، وإنْ كانَ الجُعلُ مَجهولًا ولم يَكنْ مِنْ مالِ كُفَّارٍ فالجِعالةُ فاسِدةٌ، وللعامِلِ أجرةُ مِثلِه، فإنْ كانَ الجُعلُ مُقدَّرًا في الدِّيوانِ وعَمِلَ به -أي: بذلكَ المِقدارِ- جَماعةٌ مِنْ العُمَّالِ فهو أجرَةُ المِثلِ، يَستحقُّه ذلكَ العامِلُ الذي لم يُسَمَّ له شَيءٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ مُوافَقتُه للواقِعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: النَّظرُ في الحَبسِ لمَن جعَلَه إليه مُحبِّسُه، يَجعلُه لمَن يَثقُ به في دِينِه وأمانتِه، فإنْ غَفِلَ المُحبِّسُ عن ذلكَ كانَ النَّظرُ فيهِ للقاضي، يُقدِّمُ له مَنْ يَرتضِيهِ، ويُجعلُ للقائِمِ به مِنْ كِراءِ الوَقفِ ما يَراهُ القاضي سَدادًا على حَسبِ اجتِهادِه (٢).
(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٢٨)، و «الفروع» (٤/ ٤٥٠).
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٥٧٩)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٩)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٨).
وقالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ عَرفةَ عن ابنِ فَتُّوحٍ: للقاضي أنْ يَجعلَ لمَن قدَّمَه للنَّظرِ في الأحباسِ رِزقًا مَعلومًا في كُلِّ شَهرٍ باجتِهادِه في قَدرِ ذلكَ بحَسبِ عَملِه، وفعَلَه الأئمَّةُ.
ابنُ عَتَّابٍ عن المُشاوِرِ: لا يَكونُ أجرُه إلَّا مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ أخَذَها مِنْ الأحباسِ أُخِذتْ منه ورجَعَ بأجرِه في بَيتِ المالِ، فإنْ لم يُعْطَ منها فأجرُه على اللهِ.
وإنَّما لم يُجعلْ له فيها شَيءٌ لأنه تَغييرٌ للوَصايا، وبمِثلِ قَولِ المُشاوِرِ أفتَى ابنُ وَردٍ وقالَ: لا يَجوزُ أخذُ أُجرَتِه مِنْ الأحباسِ إلَّا أنْ يُحمَلَ على مَنْ حَبسَ.
وخالَفَه عَبدُ الحَقِّ وابنُ عَطيَّةَ وقالَ: ذلكَ جائِزٌ، لا أعلَمُ فيهِ نَصَّ خِلافٍ. انتهى، ونقَلَ البُرزُليُّ كَلامَ عَبدِ الحَقِّ وابنِ عَطيَّةَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالوا: إذا لم يَشرِطِ الواقفُ للناظِرِ أجرةً لم يَستحقَّ أجرةً على الصَّحيحِ كالغَسَّالِ ونَحوِه، فإنْ أخَذَ شيئًا مِنْ مالِ الوَقفِ ضَمِنَه، ولا يَبرأُ إلا بإقباضِهِ.
نَعمْ، له رَفعُ الأمرِ إلى الحاكِمِ ليُقرِّرَ له أجرةَ مِثلِه وإنْ كانَ غَنيًّا كوليِّ اليَتيمِ، ولأنه الأحوَطُ للوَقفِ، وقيلَ: يُقدَّرُ له الأقلُّ مِنْ نَفقتِه وأجرةِ مِثلِه.
وأَفتَى ابنُ الصَّبَّاغِ بأنَّ له الاستِقلالَ بذلكَ مِنْ غَير حاكِمٍ.
(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٥٠٢، ٥٠٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان
الْمُودَعَ بَعْدَ الصُّلْحِ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْأَلْفَ لَهُ، لَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا؛ لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُودَعَ فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَنْكُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِأَحَدِهِمَا وَيَنْكُلَ لِلْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَهَلْ يَمْلِكَانِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى أَخْذِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الِاسْتِحْلَافِ، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ، أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَمْلِكَانِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ بَعْدَ الْحَلِفِ، وَقَدْ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.
ارجع إلى أحكام ناظر الوقف للاطلاع على جميع المسائل.