الإسلام > الأوقاف والملكية > أحكام ناظر الوقف > الشرط الثالث: البلوغ
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُحتمَلُ ألَّا يَصحَّ تَوليَتُه، وأنه يَنعزِلُ إذا فسَقَ في أثناءِ وِلايتِه؛ لأنها وِلايةٌ على حقِّ غَيرِه، فنافاها الفِسقُ، كما لو وَلَّاهُ الحاكِمُ، وكما لو لم يُمكِنُ حِفظُ الوَقفِ منه مع بَقاءِ وِلايتِه على حقِّ غَيرِه، فإنه مَتى لم يُمكِنْ حِفظُه منه أُزيلَتْ وِلايتُه، فإنَّ مُراعاةَ حِفظِ الوَقفِ أهَمُّ مِنْ إبقاءِ وِلايةِ الفاسِقِ عليه (١).
وفي قَولٍ للشافِعيةِ ضَعيفٍ أنه لا تُشترطُ العَدالةُ إذا كانَ الوَقفُ على مُعيَّنينَ ولا طِفلَ فيهِم، فإنْ خانَ حَمَلوهُ على السَّدادِ (٢).
الشَّرطُ الثَّالثُ: البُلوغُ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في الجُملةِ على شَرطِ البُلوغِ في الناظِرِ.
أمَّا الحَنفيةُ فقدْ قالَ ابنُ عابدِينَ: مَطلبٌ في تَولِيةِ الصَّبيِّ:
ويُشترطُ للصِّحةِ بُلوغُه وعَقلُه، لا حُرِّيتُه وإسلامُه؛ لِما في «الإسْعَاف»: لو أوصَى إلى الصَّبيِّ تَبطلُ في القِياسِ مُطلَقًا، وفي الاستِحسانِ هِي باطِلةٌ ما دامَ صَغيرًا، فإذا كَبِرَ تَكونُ الوِلايةُ له، ولو كانَ عَبدًا يَجوزُ قِياسًا واستِحسانًا؛ لأهلِيتِه في ذاتِه، بدَليلِ أنَّ تَصرُّفَه المَوقوفَ لحَقِّ المَولى يَنفذُ عليه بعد العِتقِ؛ لزَوالِ المانعِ، بخِلافِ الصبيِّ، ثُمَّ الذِّمِيُّ في الحُكمِ كالعَبدِ،
(١) «المغني» (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢١٤)، و «الإنصاف» (٧/ ٦٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٢٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٩)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٦٥).
فلو أخرجَهُما القاضي ثُمَّ عتَقَ العَبدُ وأسلَمَ الذِّميُّ لا تَعودُ إليهما. اه «بَحر» مُلخَّصًا، ونَحوُه في «النَّهر».
وفي «فَتاوى العَلَّامةِ الشَّلَبيِّ»: وأمَّا الإسنادُ للصَّغيرِ فلا يَصحُّ بحالٍ، لا على سَبيلِ الاستِقلالِ بالنَّظرِ ولا على سَبيلِ المُشارَكةِ لغيرِه؛ لأنَّ النَّظرَ على الوَقفِ مِنْ بابِ الوِلايةِ، والصَّغيرُ يُولَّى عليه لقُصورِه، فلا يَصحُّ أنْ يُولَّى على غَيرِه. اه
وفي «أنفَع الوَسائِلِ» عن «وَقف هِلالٍ»: لو قالَ: «وِلايتُها إلى وَلدِي» وفيهِم الصَّغيرُ والكَبيرُ يُدخِلُ القاضي مَكانَ الصَّغيرِ رَجلًا، وإنْ شاءَ أقامَ الكِبارَ مَقامَه، ثُمَّ نقلَ عنه ما مَرَّ عن «الإسعَاف» بهذه النُّقولِ صَريحةً بأنَّ الصَّبيَّ لا يَصلحُ ناظِرًا.
وأمَّا ما في «الأَشْبَاه» في أحكامِ الصِّبيانِ مِنْ أنَّ الصَّبيَّ يَصلحُ وَصيًّا وناظِرًا، ويُقِيمُ القاضي مَكانَه بالِغًا إلى بُلوغِه، كما في «مَنظومَة ابنِ وَهْبانَ مِنْ الوَصايا» اه، ففيهِ أنه لم يَذكرْ في المَنظومةِ قَولَه: «وناظِرًا»، ثمَّ رَأيتُ شارحَ «الأَشباه» نبَّهَ على ذلكَ أيضًا.
وأمَّا ما ذكَرَه الشارِحُ في بابِ الوَصيِّ عن «المُجتَبى» مِنْ أنه لو فوَّضَ وِلايةَ الوَقفِ للصَّبيِّ صَحَّ استِحسانًا، ففي أنَّ ما ذكَرَه صاحِبُ «المُجتبَى» صرَّحَ به نَفسُه في «الحاوي» بقَولِه: ولو أَوصَى إلى صَبيٍّ في وَقفِه فهو باطِلٌ في القِياسِ، ولكنِ اُستُحْسِنَ أنْ تَكونَ الوِلايةُ إليه إذا كَبِرَ. اه، وهذا هو ما مَرَّ عن «الإسْعَاف».
نَعمْ، رَأيتُ في «أحكَام الصِّغارِ» لِلأْسْتُرُوشَنِيِّ عن «فَتاوى رَشيدِ الدِّينِ» قالَ القاضي: إذا فوَّضَ التَّولِيةَ إلى صَبيٍّ يَجوزُ إذا كانَ أهلًا للحِفظِ، وتَكونُ له وِلايةُ التَّصرُّفِ، كما أنَّ القاضيَ يُملِّكُ الصَّبيَّ وإنْ كانَ الوَليُّ لا يَأذَنُ. اه
وعليهِ فيُمكِنُ التَّوفيقُ بحَملِ ما في «الإسْعَاف» وغَيرِه على غيرِ الأهلِ للحِفظِ بأنْ كانَ لا يَقدِرُ على التَّصرفِ، أمَّا القادِرُ عليه فتَكونُ تَوليتُه مِنْ القاضي إذنًا له في التَّصرُّفِ، وللقاضي أنْ يَأذنَ للصَّغيرِ وإنْ لم يَأذنْ له وَليُّه.
مَطلَبٌ فيما شاعَ في زَمانِنا مِنْ تَفويضِ نَظرِ الأوقافِ للصَّغيرِ:
وبهذا نَعلمُ أنَّ ما شاعَ في زَمانِنا مِنْ تَفويضِ نَظرِ الأوقافِ لصَغيرٍ لا يُعقَلُ، وحُكمُ القاضي الحَنفيِّ بصِحةِ ذلكَ خَطأٌ مَحضٌ، ولا سِيَّما إذا شرَطَ الواقفُ تَولِيةَ النَّظرِ للأرشَدِ فالأرشَدِ مِنْ أهلِ الوَقفِ، فإنه حِينئذٍ إذا وُلِّيَ بالغٌ عاقِلٌ رَشيدٌ وكانَ مِنْ أهلِ الوَقفِ أرشَدُ منه لا تَصحُّ تَوليَتُه؛ لمُخالَفتِها شرْطَ الواقفِ، فكيفَ إذا كانَ طِفلًا لا يَعقِلُ وثَمَّ بالغٌ رَشيدٌ؟! إنَّ هذا لهُوَ الضَّلالُ البَعيدُ، واعتِقادُهم أنَّ خبَرَ الأبِ لابنِهِ لا يُفيدِ؛ لِما فيه مِنْ تَغييرِ حُكمِ الشَّرعِ ومُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ، وإعطاءِ الوَظائفِ مِنْ تَدريسٍ وإمامَةٍ وغَيرِها إلى غَيرِ مُستحِقِّها، كما أوضَحْتُ ذلكَ في الجِهادِ في آخِرِ فَصلٍ الجِزيةِ، كيفَ ولو أَوصَى الواقفُ بالتَّولِيةِ لابنِهِ لا تَصحُّ ما دامَ صَغيرًا حتى يَكبَرَ، فتَكونُ الوِلايةُ له كما مَرَّ، وكذلكَ اعتِقادُهم أنَّ الأرشَدَ إذا فوَّضَ وأسنَدَ في مَرَضِ مَوتِه لمَن أرادَ صَحَّ لأنَّ مُختارَ الأرشَدِ أرشَدٌ فهو باطِلٌ؛ لأنَّ الرُّشدَ في أُمورِ الوَقفِ صِفةٌ قائِمةٌ بالرَّشيدِ لا تَحصلُ به بمُجرَّدِ اختِيارِ غَيرِه له، كما لا يَصيرُ الجاهِلُ
عالِمًا بمُجرَّدِ اختيارِ الغَيرِ له في وَظيفةِ التَّدريسِ، وكلُّ هذه أُمورٌ ناشِئةٌ عن الجَهلِ واتِّباعِ العادةِ المُخالَفةِ لصَريحِ الحَقِّ بمُجرَّدِ تَحكيمِ العَقلِ المُختَلِّ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ العَليِّ العَظيمِ (١).
وقالَ المالِكيةُ والحَنابلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الناظِرُ رَشيدًا، فإنْ كانَ مَحجورًا عليه وهو المُستحِقُّ للوَقفِ فوَليُّه يَقومُ مَقامَه.
قالَ المالِكيةُ: يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في تَخصيصِ ناظِرٍ مُعيَّنٍ، أو ناظِرٍ مُعيَّنٍ وله عَزلُ نَفسِه، فيُولِّي صاحِبُه مَنْ شاءَ إنْ كانَ حَيًّا وإلَّا فالحاكِمُ، فإنْ لم يَجعلْ ناظِرًا فإنْ كانَ المُستحِقُّ مُعيَّنًا رَشيدًا فهو الذي يَتولَّى أمْرَ الوَقفِ، وإنْ كانَ غيرَ رَشيدٍ فوَليُّه، وإنْ كانَ المُستحِقُّ غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ فالحاكِمُ يُولِّي عليه مَنْ شاءَ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ يُشترطُ في الناظِرِ التَّكليفُ؛ لأنَّ غيرَ المُكلَّفِ لا يَنظرُ في مِلكِه المُطلَقِ، ففي الوَقفِ أَولى، وهذا إذا لم يَكنْ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ، فإنْ كانَ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ فالنَّظرُ فيهِ إلى وَليِّه يَقومُ مَقامَه.
قالوا: يَنظرُ في الوَقفِ المَوقوفُ عليه إنْ كانَ مُكلَّفًا رَشيدًا، أو يَنظرُ فيه وَليُّه إنْ كانَ المَوقوفُ عليه صَغيرًا أو مَجنونًا أو سَفيهًا، وقالَ ابنُ أبي موسى: يَنظرُ فيهِ الحاكِمُ (٣).
(١) «ابن عابدين» (٤/ ٣٨١).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٥).
(٣) «الشرح الكبير» (٦/ ٢١٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣١١، ٣٢٨، ٣٢٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٥٦، ٣٥٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٠٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٣٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب الإحصان الذي به يرجم من زنى من كتاب التعريض بالخطبة وغير ذلك
باب الإحصان الذي به يرجم من زنى من كتاب التعريض بالخطبة وغير ذلك
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فإذا أَصَابَ الْحُرُّ الْبَالِغُ أَوْ أُصِيبَتِ الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ فهو إحصانٌ في الشرك وغيره لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رجم يهوديين زنيا فلو كَانَ الْمُشْرِكُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا كَمَا قَالَ بعض الناس لما رجم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غَيْرَ محصنٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْإِحْصَانُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ الْمَنْعُ، يُقَالُ قَدْ أَحْصَنَتِ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا إِذَا امْتَنَعَتْ مِنَ الْفُجُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) {الأنبياء: ٩١) أَيْ مَنَعَتْهُ وَيُقَالُ: مَدِينَةٌ حَصِينَةٌ أَيْ مَنِيعَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِي قُرَىً مُحَصَّنَةٍ} (الحشر: ١٤) أَيْ مَمْنُوعَةٍ، وَيُقَالُ امْرَأَةٌ حَصَانٌ إِذَا امْتَنَعَتْ مِنَ الْفُجُورِ وَفَرَسٌ حَصَانٌ إِذَا امْتَنَعَ بِهِ رَاكِبُهُ، وَدِرْعٌ حصن إِذَا امْتَنَعَ بِهَا لَابِسُهَا فَسُمِّيَتْ ذَاتُ الزَّوْجِ مُحْصَنَةً؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا قَدْ حَصَّنَهَا وَمَنَعَهَا، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالْحَصَانَةُ فِي النِّكَاحِ اسْمٌ جَامِعٌ لِشُرُوطٍ مَانِعَةٍ إِذَا تَكَامَلَتْ كَانَ حَدَّ الزِّنَا فِيهَا الرَّجْمُ دُونَ الْجَلْدِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ " .
وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْحَصَانَةِ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: الْبُلُوغُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مَمْنُوعًا مُكَلَّفًا.
وَالثَّانِي: الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنَ الْقَبَائِحِ مُوجِبٌ لِتَكْلِيفِ الْعِبَادَاتِ.
ارجع إلى أحكام ناظر الوقف للاطلاع على جميع المسائل.