الشرط الثاني: العدالة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أحكام ناظر الوقف > الشرط الثاني: العدالة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الشرط الثاني: العدالة - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الثاني: العَدالةُ:

اختَلفَ الفُقَهاءُ في الناظِرِ على الوَقفِ، هل يُشترطُ فيهِ العَدالةُ أم لا؟

فقيلَ: إنها شَرطُ صِحةٍ، كما هو قَولٌ للحَنفيةِ ومَذهبُ الشافِعيةِ.

وقيلَ: إنها شَرطُ أَولوِيةٍ، كما هو ظاهِرُ مَذهبِ الحَنفيةِ.

وقيلَ: إنها شَرطُ صِحةٍ ما لم يَكُنِ الناظِرُ هو المَوقوفَ عليه أو مَنصوبًا مِنْ قِبَلِ الواقفِ، كما هو قَولُ المالِكيةِ والحَنابلةِ على تَفصيلٍ عندَهُم.

وقيلَ: إنها ليسَتْ شَرطًا مُطلَقًا إذا كانَتْ على مُعيَّنينَ، وهو قَولٌ ضَعيفٌ للشافِعيةِ.

وبَيانُه على التَّفصيلِ الآتي:

أمَّا الحَنفيةُ فاختَلَفوا هل العَدالةُ شَرطُ صِحةٍ؟ أم شَرطُ أَولوِيةٍ؟ على قَولينِ:

الأولُ: أنَّ العَدالةَ شَرطُ صِحَّةٍ، قالَ في «الإسْعَاف»: لا يُوَلَّى إلَّا أمينٌ قادِرٌ بنَفسِه أو بنائِبِه؛ لأنَّ الوِلايةَ مُقيَّدةٌ بشَرطِ النَّظر، وليسَ مِنْ النَّظرِ تَولِيةُ الخائِنِ؛ لأنه يُخِلُّ بالمَقصودِ، وكذا تَولِيةُ العاجزِ؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصلُ به، ويَستوي فيهِ الذَّكرُ والأُنثى، وكذا الأعمَى والبَصيرُ، وكذا المَحدودُ في قَذفٍ إذا تابَ؛ لأنه أمينٌ، ومَن طلَبَ التَّولِيةَ على الوَقفِ لا يُعطَى له، وهو كمَن طلَبَ القَضاءَ لا يُقلَّدُ (١).

(١) «الإسعاف» ص (٤٩).

والقَولُ الثاني: أنَّ العَدالةَ شَرطُ أَولوِيةٍ، قالَ ابنُ نُجيمٍ وتَبِعَه ابنُ عابدِينَ: والظاهِر أنها شَرائطُ الأَولوِيةِ لا شَرائِطُ الصِّحةِ، وأنَّ الناظِرَ إذا فسَقَ استَحقَّ العَزلَ، ولا يَنعزِلُ؛ لأنَّ القَضاءَ أشرَفُ مِنْ التَّولِيةِ ويُحتاطُ فيهِ أكثَرَ مِنْ التَّولِيةِ، والعَدالةُ فيهِ شَرطُ الأولوِيةِ، حتى يَصحَّ تَقليدُ الفاسِقِ، وإذا فسَقَ القاضي لا يَنعزِلُ على الصَّحيحِ المُفتى به، فكذا الناظِرُ، ويُقرَأُ «يُخْرَجُ» في عِبارةِ ابنِ الهُمامِ بالبِناءِ للمَجهولِ، أي: يَجبُ إخراجُه ولا يَنعزلُ (١).

وقالَ المَرغِينانِيُّ رحمة الله عليه: ولو أنَّ الواقفَ شرَطَ وِلايتَه لنَفسِه وكانَ الواقفُ غيرَ مَأمونٍ على الوَقفِ فللقاضي أنْ يَنزعَها مِنْ يَدِه نَظرًا للفُقراءِ، كما له أنْ يُخرجَ الوَصيَّ نَظرًا للصِّغارِ، وكذا إذا شرَطَ أنْ ليس لسُلطانٍ ولا لقاضٍ أنْ يُخرجَها مِنْ يَدِه ويُولِّيَها غيرَه؛ لأنه شَرطٌ مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ فبطَلَ (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنفيةُ في أحَدِ القَولينِ-كما تَقدَّمَ- إلى أنه يُشترطُ في الناظِرِ على الوَقفِ العَدالةُ الظاهِرةُ والباطِنةُ، سَواءٌ كانَ مَنصوبَ الواقفِ أو الحاكِمِ على ما قالَه الأذرَعيُّ ورجَّحَه ابنُ حَجرٍ والرَّمليُّ وإنْ كانَ هو الواقفَ؛ لأنَّ النَّظرَ وِلايةٌ على الغَيرِ، فاشتُرِطَ فيه العَدالةُ كما في الوَصيِّ والقيِّمِ، فيُعزَلُ بالفِسقِ المُحقَّقِ، بخِلافِ نَحوِ كَذبٍ أمكَنَ أنَّ له فيهِ عُذرًا، وإذا انعَزلَ بالفِسقِ فالنَّظرُ للحاكِمِ.

ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الجِهاتِ العامَّةِ والأشخاصِ المُعيَّنينَ الرُّشداءِ.

(١) «البحر الرائق» (٥/ ٢٤٤)، و «ابن عابدين» (٤/ ٣٨٠).
(٢) «الهداية» (٣/ ١٩).

وقالَ السُّبكيُّ: يَنبغِي أنْ يُكتفَى في مَنصوبِ الحاكِمِ بالعَدالةِ الظاهِرةِ، ورَجَّحَه الخَطيبُ الشِّربينيُّ.

وقالَ الدَّميريُّ: ولو كانَ لشَخصٍ النَّظرُ على أماكِنَ فأثبَتَ أهلِيتَهُ في مَكانٍ ثبَتَ في باقي الأماكِنِ مِنْ حيثُ الأمانةُ، ولا يَثبتُ مِنْ حيثُ الكِفايةُ، إلا أنْ تَثبتَ أهلِيتُه في سائِرِ الوَقفِ، قالَه ابنُ الصَّلاحِ، وهو ظاهِرٌ إذا كانَ الباقي فوقَ ما أثبَتَ أهلِيتَه فيهِ أو مثلَه بكَثرةِ مَصارِفِه وأعمالِه، فإنْ كانَ قَليلًا فلا.

ولو فسَقَ الناظِرُ ثمَّ عادَ عَدلًا عادَتْ وِلايتُه إنْ كانَتْ له بشَرطِ الواقفِ وإلَّا فلا، كذا أَفتَى به المُصنِّفُ، وقالَ الإمامُ: هو كفِسقِ الوَصيِّ، ومُقتَضاهُ عَدمُ عَودِ الوِلايةِ.

ولو فوَّضَ النَّظرَ إلى مُتصِفٍ بالعَدالَةِ والكِفايةِ فاختَلَّتْ إحداهُما ونزَعَ الحاكِمُ الوَقفَ منه قالَ ابنُ الرِّفعةِ: يُشبِهُ أنْ يَنزعَه لمَن يَستحِقُّ النَّظرَ بعدَه؛ تَنزيلًا لخُروجِه عن الأهلِيةِ مَنزلةَ المَوتِ، كما تَنتقلُ وِلايةُ النِّكاحِ إلى الأبعَدِ بفِسقِ الأقرَبِ، فإنْ عادَتِ الأهلِيةُ عادَتِ الوِلايةُ (١).

وذهبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العَدالةَ شَرطٌ إذا كانَ الناظِرُ مَنصوبًا مِنْ قِبَلِ القاضي أو مِنْ قِبلِ الواقفِ، قالوا: النَّظرُ في الحَبسِ لمن جعَلَه إليه مُحبِّسُه،

(١) «النجم الوهاج» (٥/ ٥٢١، ٥٢٣)، ويُنظَر: «روضة الطالبين» (٤/ ١٦٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨١)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٤٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٦٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٤).

يَجعلُه لمَن يَثقُ به في دِينِه، فإنْ غفَلَ المُحبِّسُ عن ذلكَ كانَ النَّظرُ فيهِ للحاكِمِ يُقدِّمُ له مَنْ يَرتضيهِ، هذا إذا لم يَكنِ المُحبَّسُ عليه مُعيَّنًا مالِكًا أمْرَ نَفسِه.

وأمَّا إنْ كانَ مالِكًا أمْرَ نَفسِه ولم يُوَلِّ المُحبِّسُ على حَبسِه أحَدًا فهو الذي يَجوزُ ويَتولَّاهُ.

والناظِرُ على الحَبسِ إذا كانَ سَيِّئَ النَّظرِ غيرَ مَأمونٍ فإنَّ القاضيَ يَعزلُه، إلَّا أنْ يَكونَ المُحبَّسُ عليه مالِكًا أمْرَ نَفسِه ويَرضَى به ويَستمرُّ.

وقالَ القَرافِيُّ: القاضي لا يَعزِلُ ناظِرًا إلا بجُنحةٍ، وللواقِفِ عَزلُه ولو بغَيرِ جُنحةٍ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: متى كانَ النَّظرُ للمَوقوفِ عليه إمَّا بجَعلِ الواقفِ ذلكَ له أو لكَونِه أحَقَّ بذلكَ عند عَدمِ ناظِرٍ سِواهُ وكانَ واحِدًا مُكلَّفًا رَشِيدًا فهو أحَقُّ بذلكَ، رَجلًا كانَ أو امرَأةً، عَدلًا كانَ أو فاسِقًا؛ لأنه يَنظرُ لنَفسِه، فكانَ له ذلكَ في هذه الأحوالِ كمِلكِه المُطلَقِ، ويُحتملُ أنْ يُضَمَّ إلى الفاسِقِ أمينٌ؛ حِفظًا لأصلِ الوَقفِ عن البَيعِ أو التَّضييعِ.

وإنْ كانَ الوَقفُ لجَماعةٍ رَشيدينَ فالنَّظرُ للجَميعِ لكُلِّ إنسانٍ في نَصيبِه، وإنْ كانَ المَوقوفُ عليه غيرَ رَشيدٍ إمَّا لصِغرٍ أو سَفهٍ أو جُنونٍ قامَ وَليُّه في النَّظرِ مَقامَه، كما يَقومُ مَقامَه في مالِه المُطلَقِ.

(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٤٩٩)، و «حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٥).

وإنْ كانَ النَّظرُ لغَيرِ المَوقوفِ عليه بأنْ وقَفَ على الفُقراءِ أو وَلَّى الحاكِمُ ناظِرًا مِنْ غَيرِهم، أو كانَ النَّظرُ لبَعضِ المَوقوفِ عليهم وكانَتْ وِلايتُه مِنْ حاكِمٍ، بأنْ كانَ وَقفٌ على الفُقراءِ أو و وَلَّى الحاكِمُ مِنهم ناظِرًا عليه، أو مِنْ ناظِرٍ أصليٍّ، فلا بُدَّ مِنْ شَرطِ العَدالةِ فيهِ؛ لأنها وِلايةٌ على مالٍ، فاشتُرطَ لها العَدالةُ كالوِلايةِ على مالِ اليَتيمِ.

فإنْ لم يَكُنِ الأجنَبيُّ المَولَّى مِنْ حاكِمٍ أو ناظِرٍ أصليٍّ عَدلًا لم تَصحَّ وِلايتُه؛ لفَواتِ شَرطِها وهو العَدالةُ، وأُزيلَتْ يَدُه عن الوَقفِ؛ حِفظًا له.

وإنْ تَولَّى الأجنَبيُّ وهو عَدلٌ ثمَّ فسَقَ عُزِلَ؛ لأنها وِلايةٌ على حقِّ غَيرِه، فنَافاها الفِسقُ، ولأنَّ ما منَعَ التَّولِيةَ ابتِداءً منَعَها دَوامًا.

فإنْ عادَ إلى أهلِيتِه عادَ حقُّه مِنْ النَّظرِ المَشروطِ له، كما لو صرَّحَ الواقفُ بأنه إذا عادَ إلى أهليَّتِه عادَ حقُّه كالمَوصوفِ بأنْ قالَ: النَّظرُ للأرشَدِ ونحوَه، فإذا زالَ هذا الوَصفُ عنه أُزيلَتْ يَدُه، فإنْ عادَ عادَ حقُّه.

ويَتَّجهُ أنه إذا عادَ إلى أهليَّتِه يُعادُ إلى النَّظرِ ما لم يُقرِّرِ الحاكِمُ شَخصًا غيرَه قبلَ عَودِه، فإنْ قرَّرَه قبلَ عَودِه لم يَكنْ له إزالَتُه بدونِ مُوجِبٍ شَرعيٍّ؛ لمُصادَفةِ تَقريرِه مَحلَّه.

وإنْ وَلَّاهُ -أي الأجنَبيَّ- الواقفُ أو شرَطَه له وهو -أي الأجنَبيُّ- فاسِقٌ أو وهو عَدلٌ ثُمَّ فسَقَ يُضَمُّ إليهِ أمينٌ لحِفظِ الوَقفِ، ولم تُزَلْ يَدُه؛ لأنه أمكَنَ الجَمعُ بينَ الحَقَّينِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 565 - 569

ارجع إلى أحكام ناظر الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله