تقدير أجرة الناظر

الإسلام > الأوقاف والملكية > أحكام ناظر الوقف > تقدير أجرة الناظر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

تقدير أجرة الناظر - الأقوال والأدلة

بحَديثِ عُمرَ الذي أردَفَه بعدَه؛ أنه شرَطَ في وَقفِه أنْ يَأكلَ مَنْ وَلِيَه بالمَعروفِ، فبانَ بهذا أنَّ العامِلَ في الحَبسِ له منه أُجرةُ عَملِه وقِيامِه عليه، وليسَ ذلكَ بتَغييرٍ للحَبسِ ولا نَقضٍ لشَرطِ المُحبِّسِ إذا حَبسَ على قَومٍ بأعيانِهم، لا غِنى عن عامِلٍ يَعملُ للمالِ (١).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وهو دالٌّ على مَشروعيَّةِ أُجرةِ العامِلِ على الوَقفِ، والمُرادُ بالعامِلِ في هذا الحَديثِ القيِّمُ على الأرضِ والأجيرُ ونَحوُهما (٢).

تَقديرُ أُجرَةِ الناظِرِ:

أُجرةُ الناظِرِ لا تَخلو: إمَّا أنْ تَكونَ مَشروطةً مِنْ قِبَلِ الواقفِ، وإمَّا أنْ تَكونَ مُقدَّرةً مِنْ قِبَلِ القاضِي، وإمَّا ألا يَكونَ شَيئًا مِنْ ذلكَ.

الحالَةُ الأُولى: أنْ تَكونَ مَشروطةً مِنْ قِبَلِ الواقفِ:

نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الواقفَ لو شرَطَ للناظِرِ على الوَقفِ أُجرةً استَحقَّها ولو كانَتْ أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ -على تَفصيلٍ سَيأتي-؛ لأنه لو جعَلَ له ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَشترطَ عليه القِيامَ بأمرِه يَجوزُ، فهذا أَولى بالجَوازِ.

قالَ الحَنفيةُ: ولو جعَلَ الواقفُ للقائِمِ بوَقفِه أكثَرَ مِنْ أجرِ مِثلِه يَجوزُ؛ لأنه لو جعَلَ له ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَشترطَ عليه القِيامَ بأمرِه يَجوزُ، فهذا أَولَى

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٠١).
(٢) «فتح الباري» (٥/ ٤٠٩).

بالجَوازِ، ولا يَجوزُ له أخذُ زيادةٍ على ما قرَّرَه له الواقفُ، وقيلَ: لو عيَّنَ له الواقفُ أقَلَّ مِنْ أجرِ المِثلِ فللقاضي أنْ يُكملَ له أجرَ المِثلِ بطَلبِه (١).

وقالَ في «الإسْعَاف»: يَجوزُ أنْ يَجعلَ الواقفُ للمُتولِّي على وَقفِه في كلِّ سَنةٍ مالًا مَعلومًا لقِيامِه بأمرِه، والأصلُ في ذلكَ ما فعَلَه عُمرُ بْنُ الخطَّابِ رضي الله عنه حَيثُ قالَ لوالي هذه الصَّدقةِ: «أنْ يَأكلَ منها غَيرَ مُتأثِّلٍ مالًا»، وما فعَلَه عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ رضي الله عنه حيثُ جعَلَ نَفقةَ العَبيدِ الذينَ وقَفَهُم مع صَدَقتِه ليَقوموا بعِمارتِها مِنْ الغَلَّةِ، وهو بمَنزلةِ الأجيرِ في الوَقفِ، ألَا تَرى أنه يَجوزُ له أنْ يَستأجِرَ أُجَراءَ لِما يَحتاجُ إليهِ الوَقفُ مِنْ العِمارةِ، وعليه عَمَلُ الناسِ، وليسَ له حَدٌّ مُعيَّنٌ، وإنَّما هو على ما تَعارَفَه الناسُ مِنْ الجُعلِ عندَ عَقدِه الوَقفَ ليَقومَ بمَصالحِه (٢).

وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للقاضي أنْ يَجعلَ للناظِرِ أُجرةً مِنْ رَيعِ الوَقفِ على حَسبِ المَصلحةِ إذا لم يَكنْ له شيءٌ، خِلافًا لقَولِ ابنِ عَتَّابٍ أنه لا يَحلُّ له أخذُ شيءٍ مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ بل مِنْ بَيتِ المالِ إلا إذا عَيَّنَ الواقفُ شيئًا، وهو ضَعيفٌ (٣).

(١) «الإسعاف» ص (٥٤)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٦٤)، و «ابن عابدين» (٤/ ٤٥١)، (٦/ ٧١٣)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٣/ ٨٤، ٢٠٠).
(٢) «الإسعاف» ص (٥٣).
(٣) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٧٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٦٧).

وقالَ الشافِعيُة: يَستحِقُّ الناظِرُ ما شُرطَ له مِنْ الأُجرةِ وإنْ زادَ على أُجرةِ المِثلِ، ما لم يَكنْ هو الواقفَ، فلو شرَطَ لنَفسِه النَّظرَ بأُجرةِ المِثلِ صَحَّ؛ لأنَّ استِحقاقَه لها مِنْ جِهةِ العَملِ لا مِنْ جِهةِ الوَقفِ، فإنْ شرَطَ النَّظرَ بأكثَرَ منها لم يَصِحَّ الوَقفُ؛ لأنه وَقفٌ على نَفسِه (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ شرَطَ الواقفُ له شيئًا فله ما شرَطَ الواقفُ فقط، قَليلًا كانَ المَشروطُ أو كَثيرًا لنَظرِه، قالَه في «القَواعِد».

فإنْ شرَطَ الواقفُ للناظِرِ أُجرةً -أي: عِوضًا مَعلومًا- فإنْ كانَ المَشروطُ بقَدرِ أُجرةِ المِثلِ اختَصَّ به، وكانَ ما يَحتاجُ إليهِ الوَقفُ مِنْ أُمَناءَ وغَيرِهم مِنْ غَلةِ الوَقفِ، وإنْ كانَ المَشروطُ أكثَرَ فكُلفةُ ما يَحتاجُ إليهِ الوَقفُ مِنْ نَحوِ أُمَناءَ وعُمَّالٍ على الناظِرِ، يَصرِفُها مِنْ الزيادةِ حتى يَبقَى له أُجرةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ الواقفُ شرَطَه له خالِصًا.

وللناظِرِ الأُجرةُ على عَملِه مِنْ وَقتِ نظَرَه في الوَقفِ، قالَ الرُّحَيبانِيُّ: وهذا المَذكورُ في الناظِرِ نقَلَه الحارِثيُّ عن الأصحابِ، وقالَ: ولا شَكَّ أنَّ التَّقديرَ بقَدرٍ مُعيَّنٍ صَريحٌ في اختِصاصِ الناظِرِ به، فتَوقُّفُ الاختِصاصِ على ما قالُوا لا معنَى له … إلى أن قالَ: وصَريحُ المُحاباةِ لا يَقدحُ في الاختِصاصِ به إجماعًا، ويَتَّجهُ: ليسَ مِنْ المَعروفِ مُجاوَزةُ أجرِ مِثلِه، وهو مُتجِهٌ، قالَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ: له -أي: لناظِرِ الوَقفِ- أخذُ أُجرةِ عَملِه مع

(١) «أسنى المطالب» (٢/ ٤٦٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥٩، ٤٨٢)، و «حاشية الجمل» (٣/ ٥٩٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٥٩).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 579 - 581

ارجع إلى أحكام ناظر الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر