محاسبة ناظر الوقف

الإسلام > الأوقاف والملكية > أحكام ناظر الوقف > محاسبة ناظر الوقف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

محاسبة ناظر الوقف - الأقوال والأدلة

مُحاسَبةُ ناظِرِ الوَقفِ:

قالَ الحَنفيةُ: يَنبغِي للقاضي أنْ يُحاسِبَ الأُمَناءَ بما جَرى على أيديهم مِنْ أموالِ اليَتامى وغلَّاتِهم كُلَّ سِتةِ أشهُرٍ وكلَّ سَنةٍ على حَسبِ ما يَرَى، حتى يَنظُرَ هل أدَّى الأمانةَ فيما فُوِّضَ إليه أو خانَ؟ فإنْ أدَّى الأمانةَ قرَّرَه عليهِ، وإنْ خانَ استَبدلَ غيرَه.

وكانَ عُمرُ رضي الله عنه يُحاسِبُ الأُمَناءَ كلَّ سَنةٍ، وكذلكَ يُحاسِبُ القُوَّامَ على الأوقافِ، ويَقبلُ قَولَهُم في مِقدارِ ما حصلَ في أيديهِم مِنْ الغلَّاتِ والأموالِ، الوَصيُّ والقيِّمُ في ذلكَ على السَّواءِ؛ فإنَّ الأصلَ في الشرعِ أنْ القَولَ قَولُ القاضي في مِقدارِ المَقبوضِ وفيما يُخبِرُ مِنْ الأوقافِ على اليَتيمِ أو على الضَّيعةِ، وما صُرِفَ منها في مُؤناتِ الأراضي، إنْ كانَ وَصيًّا يُقبلُ قَولُه في المُحتمِلِ، وإنْ كانَ فيما لا يُحتملُ لا يُقبلُ (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ في ناظرِ وَقفٍ على نِساءٍ: ولو كُنَّ غيرَ مالِكاتٍ لأُمورِ أنفُسِهنَّ لَوجَبَ إذا ثبَتَ عندَ السُّلطانِ أنه سَيِّئُ النظرِ غيرُ مَأمونٍ أنْ يَعزِلَه ويُقدِّمَ سِواهُ، ولم يَلتفِتْ إلى رِضا مَنْ رَضيَ به مِنهنَّ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: لأهلِ الوَقفِ مُطالَبةُ الناظِرِ بانتِساخِ كِتابِ الوَقفِ؛ لتَكونَ نُسخُه في أيديهِم وَثيقةً، والسُّؤالُ عن حالِه.

(١) «المحيط البرهاني» (٨/ ٥١٣)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٦٢)، و «الهندية» (٣/ ٣٤٩).
(٢) «البيان والتحصيل» (١٢/ ٢٢٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٥٠١، ٥٠٢).

قالَ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: واحتَجَّ شَيخُنا بمُحاسَبةِ النبيِّ عامِلَه على الصَّدقةِ، مع أنَّ له وِلايةَ صَرفِها، والمُستحِقُّ غيرُ مُعيَّنٍ، فهُنا أَولَى، ونَصُّه: إذا كانَ مُتهَمًا ولم يَرضَوا به ونصْبَ المُستَوفي الجامِعُ للعمَّالِ المُتفرِّقينَ هو بحَسبِ الحاجةِ والمَصلحةِ، فإنْ لم تَتمَّ مَصلحةُ قَبضِ المالِ وصَرفِه إلا به وجَبَ.

وقد يَستَغني عنهُ لقلَّةِ العمَّالِ ومُباشَرةُ الإمامِ والمُحاسَبةُ بنَفسِه كنَصبِ الإمامِ للحاكِمِ، ولهذا كانَ عليه السلام في المَدينةِ يُباشِرُ الحُكمَ واستيفاءَ الحِسابِ بنَفسِه ويُولِّي مع البُعدِ، ذكَرَه شَيخُنا (١).

ومِن الأدلَّةِ التي يُستدلُّ بها على مُحاسَبةِ العُمَّالِ ما رَواهُ الشيخانِ عن أبي حُميدٍ الساعِديِّ رضي الله عنه «أنَّ النبيَّ استَعملَ ابنَ اللُّتبيةِ على صَدَقاتِ بنِي سُليمٍ، فلمَّا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ وحاسَبَه قالَ: هذا الذي لكُم وهذه هَديةٌ أُهدِيتْ لي، فقالَ رَسولُ اللهِ : فهَلَّا جَلَستَ في بَيتِ أبيكَ وبَيتِ أمِّكَ حتى تَأتيَكَ هَديَّتُكَ إنْ كنتَ صادِقًا؟! ثمَّ قامَ رَسولُ اللهِ فخطَبَ الناسَ وحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليهِ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بعدُ فإني أستَعملُ رِجالًا مِنكم على أُمورٍ ممَّا ولَّانِيَ اللهُ، فيَأتِي أحَدُكم فيَقولُ: «هذا لَكمْ وهذه هَديَّةٌ أُهدِيتْ لي»، فهَلَّا جلَسَ في بَيتِ أبيهِ وبَيتِ أمِّهِ حتى تَأتيَه هَديتُه إنْ كانَ صادِقًا؟! فوَاللَّهِ لا يَأخذُ أحَدُكم منها شيئًا

(١) «الفروع» (٤/ ٤٥٣)، و «المبدع» (٢/ ٢١٤)، و «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٨٦، ٨٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٣٥)، و «الإنصاف» (٧/ ٦٨).

بغيرِ حقِّه إلَّا جاءَ اللهَ يَحملُه يَومَ القِيامةِ، ألَا فلَأعرِفَنَّ ما جاءَ اللهَ رَجلٌ ببَعيرٍ له رُغاءٌ أو ببَقرةٍ لها خُوارٌ أو شاةٍ تَيعَرُ، ثمَّ رفَعَ يَديهِ حتى رَأيتُ بَياضَ إبطَيهِ ثمَّ قالَ: ألا هل بَلَّغتُ، بَلَّغتُ بَصُرَ عَيني وسَمِعَ أُذُني» (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فيه مُحاسَبةُ العُمَّالِ ليعلَمَ ما قَبَضوهُ وما صَرَفوا (٢).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قالَ المُهلَّبُ: حَديثُ البابِ أصلٌ في مُحاسَبةِ المُؤتمَنِ، وأنَّ المُحاسَبةَ تَصحيحُ أمانتِه، وقالَ ابنُ المُنيرِ في «الحاشِيَة»: يُحتملُ أنْ يَكونَ العامِلُ المَذكورُ صرَفَ شيئًا مِنْ الزَّكاةِ في مَصارِفِه فحُوسِبَ على الحاصِلِ والمَصروفِ، قُلتُ: والذي يَظهرُ مِنْ مَجموعِ الطُّرقِ أنَّ سبَبَ مُطالبَتِه بالمُحاسَبةِ ما وُجدَ معَه مِنْ جِنسِ مالِ الصَّدقةِ وادَّعى أنه أُهديَ إليه (٣).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وهذا -أي الحَديثُ- أصلٌ في مُحاسَبةِ العُمَّالِ المُتفرِّقينَ (٤).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وكانَ في هذا -أي الحَديثِ- حجَّةٌ على مُحاسَبةِ العمَّالِ والأُمَناءِ، فإنْ ظَهَرتْ خِيانتُهم عزَلَهم ووَلَّى أمينًا (٥).

(١) أخرجه البخاري (٦٧٧٢)، ومسلم (١٨٣٢).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٢٠).
(٣) «فتح الباري» (٣/ ٣٦٦).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٨٦).
(٥) «زاد المعاد» (٣/ ٥٠٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوقف والصدقة
فصل في الصدقة الموقوفة

الْمَوْقُوفُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ حَبْسُ الْأَصْلِ وَتَصَدُّقٌ بِالْفَرْعِ، وَالْحَبْسُ لَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمَحْبُوسِ كَالرَّهْنِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِصَرْفِ الْفَرْعِ إلَى مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْ بِنَائِهِ وَسَائِرِ مُؤْنَاتِهِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَجْرِي إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ.

وَلَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى سُكْنَى وَلَدِهِ، فَالْعِمَارَةُ عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا قُلْنَا، كَذَا هَذَا، فَإِنْ امْتَنَعَ، مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَ فَقِيرًا، آجَرَهَا الْقَاضِي وَعَمَرَهَا بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَقْفِ وَاجِبٌ وَلَا يَبْقَى إلَّا بِالْعِمَارَةِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي اسْتِبْقَائِهِ بِالْإِجَارَةِ، كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ إذَا امْتَنَعَ صَاحِبُهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَنْفَقَ الْقَاضِي عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 597 - 599

ارجع إلى أحكام ناظر الوقف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله