الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان العارية > الركن الرابع: الصيغة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالرُّكنُ الرَّابعُ: الصِيغةُ:
الصِّيغةُ هي الرُّكنُ الرابِعُ مِنْ أَركانِ الإِعارةِ، وتَنعقدُ عندَ الجُمهورِ بكلِّ ما يَدلُّ على الإِعارةِ مِنْ لفظٍ أو فعلٍ أو إِشارةٍ، كما نصَّ على ذلك المالِكيةُ.
وقالَ الحَنفيةُ: ركنُ الإِعارةِ هو الإِيجابُ مِنْ المُعيرِ، وأما القَبولُ صَريحًا مِنْ المُستعيرِ فليسَ بركنٍ.
والإِيجابُ هو أنْ يَقولَ: أعرْتُك هذا الشيءَ أو مَنحتُك هذا الثَّوبَ أو هذه الدارَ، أو أَطعمْتُك هذه الأرضَ أو هذه الأرضُ لك طُعمةٌ أو أَخدَمْتُك هذا العبدَ أو هذا العبدُ لك خِدمةٌ، أو حَملتُك على هذه الدابةِ إذا لَم يَنوِ به الهِبةَ، أو دارِي لك سُكنَى أو دارِي لك عُمرِي سُكنَى (١).
وقالَ المالِكيةُ: العارِيةُ تَنعقدُ بما يَدلُّ عليها مِنْ قولٍ ك «أعرتُك» أو «نَعمْ» جَوابًا ل «أعِرْني»، أو فِعلٍ كالمُناولِة، أو إِشارةٍ، وتَكفي المُعاطاةُ فيها فلا يَشتَرطُ فيها صِيغةٌ مَخصوصةٌ كالبيعِ، بل كلُّ ما يَدلُّ على تَمليكِ المَنفعةِ بلا عِوضٍ كافٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا تَنعقدُ العارِيةُ إلا بالإِيجابِ والقَبولِ مِنْ الناطقِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ كما في هبةِ الأَعيانِ؛ لأنَّ الانتِفاعَ بمالِ الغيرِ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢١٤)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٦٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٣٨٣).
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٢٨٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٢٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٤٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٦٩)، و «الشرح الصغير» (٨/ ١٨٤).
يَعتَمِدُ إذْنَه كأعرْتُك هذا أو أعرْتُك مَنفعتَه وإنْ لَم يُضِفْه إلى العينِ، أو أعرْني أو خُذْه لِتَنتفعَ به؛ لأنَّ ذلك يَدلُ على الرضا القلبيِّ، فأُنِيطَ الحُكمُ به.
ويَكفي لَفظُ أحدِهما والفعلُ مِنْ الآخرِ: بأنْ يَقولَ: «أَعرْني»، فيُسلِّمها إليه المالكُ، أو يَقولُ المالكُ: «أعرْتُك»، فيَقبضُها الآخرُ، كما في إِباحةِ الطَّعامِ.
ولا يَكفي الفعلُ مِنْ الطَّرفينِ، وقيلَ: يَصحُّ.
وأما الأَخرسُ فتَصحُّ بإِشارتِه المَفهومةِ واستِعارتِه بها وبكِتابتِه، وكذا تَصحُّ بالكِتابةِ مِنْ الناطقِ كالبَيعِ، وأَولى بالمُراسلةِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: وتَنعقِدُ الإِعارةُ بكلِّ قَولٍ أو فِعلٍ يَدلُّ عليها كقولِه: أعرْتُك هذا الشيءَ أو أبحْتُ لك الانتِفاعَ به، أو يَقولُ المُستَعيرُ أعرْني هذا أو أعطِنِيه أركَبُه أو أحْمِلُ عليه، فيُسلِّمُه المُعيرُ إليه، ونحوُه كاسترِحْ على هذه الدابةِ، وكدَفعِه الدابَّةَ لرَفيقِه عندَ تَعبِه وتَغطيتِه بكِسائِه إذا رآه بَرَدَ؛ لأنَّها مِنْ البِرِّ فصحَّت بمُجرِّدِ الدَّفعِ كدَفعِ الصَّدقةِ، ومتى ركِبَ الدابَّةَ أو استَبقَى الكِساءَ عليه كانَ دَفعُ ذلك قَبولًا.
فيَكفي ما دلَّ على الرِّضى مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ، كما لو سمِعَ مَنْ يَقولُ: أردْتُ مَنْ يُعيرُني كذا فأَعطاه كذا؛ لأنَّها إِباحةٌ لا عَقدٌ وأَشباه هذا؛ لأنَّه إِباحةٌ للتَّصرُّفِ فصحَّ بالقَولِ والفِعلِ الدالِّ عليه، كإِباحةِ الطَّعامِ بقولِه وتَقديمِه إلى الضَّيفِ (٢).
(١) «البيان» (٦/ ٥١٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦١٨، ٦١٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٤٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٧١).
(٢) «المغني» (٥/ ١٣٠)، و «الكافي» (٢/ ٣٨١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٧٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٧٢٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة
لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.
(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
ارجع إلى أركان العارية للاطلاع على جميع المسائل.