الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان العارية > المسألة الثالثة: إعارة العين المستعارة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالإِجارةِ لا يُوجِبُ ضَمانًا، وإنْ أجَّرَه بغيرِ إذنٍ لَم تَصحَّ الإِجارةُ، ويَكونُ على المُستأجِرِ الضَّمانُ وللمالكِ تَضمينُ مَنْ شاءَ منهما (١).
المَسألةُ الثالثةُ: إِعارةُ العينِ المُستَعارةِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ في المُستَعيرِ هل يَجوزُ له أنْ يُعيرَ ما استَعارَه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الصَّحيحِ إلى أنَّه يَجوزُ للمُستعيرِ أنْ يُعيرَ ما استَعارَه كما يَجوزُ للمُستأجِرِ أنْ يُعيرَ ما استَأجرَه إلا أنْ يَنهاه ربُّها عن الإِعارةِ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ للمُستعيرِ أنْ يُعيرَه إذا كانَ لا يَختلفُ باختِلافِ المُستعملِ؛ لأنَّ العارِيةَ تَمليكُ المَنافعِ، وإذا كانَت تَمليكًا فمَن ملَكَ شيئًا جازَ له أنْ يُملِّكَه على حَسبِ ما ملَكَ، وإنَّما شرَطَ ألَّا يَختلِفَ باختِلافِ المُستعمَلِ دَفعًا لمَزيدِ الضَّررِ عن المُعيرِ؛ لأنَّه رضِيَ باستِعمالِه لا باستِعمالِ غيرِه.
وإنَّما يَجوزُ له أنْ يُعيرَ إذا صدَرْت مُطلَقةً بأنِ استَعارَ دابَّةً ولَم يسمِّ له شيئًا، فإنَّ له أنْ يَحملَ ويُعيرَ غيرَه للحملِ، وله أنْ يَركبَ ويُركِبَ غيرَه؛ لأنَّه لمَّا أطلَقَ فله أنْ يُعيرَ حتى لو ركِبَ بنفسِه ليسَ له أنْ يُركبَ غيرَه؛
(١) «المغني» (٥/ ١٣٢).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٧٠)، و «اللباب» (١/ ٦٥٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٨)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٤٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٢١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٤٢، ١٤٣)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ١٨٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٤١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٦٨).
لأنَّه تعيَّنَ رُكوبُه، ولو أركَبَ غيرَه ليسَ له أنْ يَركبَ بنفسِه حتى لو فعَلَه ضمِنَ؛ لأنَّه قد تَعيَّنَ الإِركابُ، فأما إذا استَعارَها ليَركبَها هو أو استَعارَ ثَوبًا ليَلبسَه هو فأَركبَها غيرَه أو أَلبسَه غيرَه فتلِفَ ضمِنَ؛ لأنَّها مُقيَّدَةٌ هنا برُكوبِه ولبسِه، وإنِ استَعارَ دارًا ليَسكنَها هو فأَعارَها غيرَه فسكَنَها لَم يَضمنْ؛ لأنَّ الدّورَ لا تَختلِفُ باختلافِ المُستَعملِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للمُستعيرِ أنْ يُعيرَ؛ لأنَّه غيرُ مالكٍ للمَنفعةِ وإنَّما أُبيحَ له الانتِفاعُ، والمُستبيحُ لا يَملِكُ نقَلَ الإِباحةِ، كما أنَّ الضيفَ لا يُبيحُ لغيرِه ما قُدِّمَ له، ويُخالِفُ المُستأجِرَ فإنَّه يَملِكُ المَنافعَ فلذلك جازَ أنْ يُملِّكها غيرَه، كمَن اشتَرى شيئًا فله أنْ يَتصرَّفَ فيه بما شاءَ.
قالَ الحَنابلةُ: فإنْ أعارَ المُستَعيرُ بلا إذنٍ فتلِفَت العارِيةُ عندَ الثانِي فللمالكِ ربِّ العَينِ أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ، القِيمةَ والمَنفعةَ، أما الأولُ فلأنَّه سلَّطَ غيرَه على أخذِ مالِ غيرِه بغيرِ إذنِه أشبهَ ما لو سلَّطَ على مالِ غيرِه دابةً فأكلَتْه، وأما الثانِي فلأنَّ العينَ والمَنفعةَ فاتا على مالكِهما في يدِه، والقَرارُ في ضَمانِهما على الثانِي؛ لأنَّه المُستوفِي للمَنفعةِ بدونِ إذنِ المالكِ، وتَلفُ العَينِ إنَّما حصَلَ تحتَ يدِه، ومحلُّ ذلك إذا كانَ الثانِي عالمًا بالحالِ، وكذا
(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٧٠)، و «اللباب» (١/ ٦٥٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٨).
لو أجَّرَها بلا إذنِه، وإنْ لَم يَكنِ الثانِي عالمًا بالحالِ استَقرَّ عليه ضَمانُ العَينِ؛ لأنَّه قبَضَها على أنَّها عارِيةٌ والعارِيةُ مَضمونةٌ، ويَستقِرُّ ضَمانُ المَنفعةِ على المُستَعيرِ الأولِ؛ لأنَّه غرَّ الثانِي بدفعِها له على أنَّه يَستَوفي بغيرِ عِوضٍ، وعَكسُ ذلك لو أجَّرَها لجاهلٍ بالحالِ فيَستقِرُّ على المُستأجِرِ ضَمانُ المَنفعةِ وعلى المُستَعيرِ ضَمانُ العَينِ (١).
إلا إذا أذِنَ له مالكُها في الإِعارةِ فيَجوزُ اتِّفاقًا.
قالَ الشافِعيةُ: فإنْ سَمَّى صاحبُها المُستَعيرَ الثانِي برِئَ الأولُ منها ولا رُجوعَ له فيها، وإنْ ردَّها الثانِي عليه لَم يَبرَأْ، بل هو كالوَكيلِ في الإِعارةِ، فإنْ لم يُسمِّه فالأولُ على استِعارتِه والثانِي مُستَعيرٌ منه وله الرُّجوعُ متى شاءَ، فإذا ردَّها الثانِي عليه بَرِئَ.
ونصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّه يَجوزُ للمُستَعيرِ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَستوفِي المَنفعةَ له، كأَنَ يَركبَ الدَّابةَ المُستعارةَ وَكيلُه -الذي هو مثلُه أو دونَه في حاجتِه- أو زَوجتُه أو خادمُه؛ لأنَّ الانتِفاعَ راجعٌ إليه بواسطةِ المُباشرةِ، ولأنَّ وَكيلَه نائبٌ عنه ويدُه كيدِه (٢).
(١) «المغني» (٥/ ١٣٢)، و «الكافي» (٢/ ٣٨٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٨٩، ٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١١٠، ١١١)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٤٤).
(٢) «البيان» (٦/ ٥١٧، ٥١٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦١٥، ٦١٦)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٤٤)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٤١، ١٤٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٦٨)، و «تحفة المحتاج» (٦/ ٦٨٣)، و «المغني» (٥/ ١٣٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٤٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب العارية
٨٦١ - مسألة؛ قال: (والعارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير)
مَالِكِها، فكانت أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. قالوا: وقولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ" . يَدُلُّ على أنَّها أمَانَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . ولَنا، قولُ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "بل عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه لِنَفْعِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِه من غيرِ اسْتِحْقَاقٍ، ولا إذْنٍ في الإِتْلَافِ، فكان مَضْمُونًا كالغَصْبِ ، والمَأْخُوذِ على وَجْهِ السَّوْمِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ عُمَرُ بن عبد الجَبَّارِ، عن عُبَيْدِ بن حَسَّانٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وعُمَرُ وعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ضَمَانَ المَنَافِعِ والأَجْزَاءِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمَ.
فصل: وإن شَرَطَ نَفْىَ الضَّمَانِ، لم يَسْقُطْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَسْقُطُ. قال أبو الخَطَّابِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه لو أَذِنَ في إِتْلَافِها لم يَجِبْ ضَمَانُها، فكذلك إذا أسْقَطَ عنه ضَمَانَها. وقيل: بل مذهبُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ، أنَّها لا تُضْمَنُ إلَّا أن يَشْتَرِطَ ضَمَانَها فيَجِبُ؛ لقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِصَفْوَانَ: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لم يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كالمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أو فاسِدٍ، وما اقْتَضَى الأَمَانَةَ، فكذلك، كالوَدِيعَةِ
ارجع إلى أركان العارية للاطلاع على جميع المسائل.