المسألة الرابعة: رهن العين المستعارة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان العارية > المسألة الرابعة: رهن العين المستعارة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

المسألة الرابعة: رهن العين المستعارة - الأقوال والأدلة

المَسألةُ الرابِعةُ: رَهنُ العَينِ المُستَعارةِ:

لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَستَعيرَ شيئًا ليَرهنَه؛ لأنَّ الرهنَ تَوثيقٌ، وهو يَحصلُ بما لا يَملكُه بدَليلِ الإِشهادِ والكَفالةِ، ولأنَّ المالكَ رضِيَ بتَعلُّقِ دَينِ المُستَعيرِ بمالِه، وهو يَملِكُ ذلك كما يَملِكُ تَعلُّقَه بذمَّتِه بالكَفالةِ، ولأنَّ الرَّهنَ للاستِيفاءِ، وللمالكِ أنْ يَأذنَ للمُستَعيرِ في إِيفاءِ دينِه، وهذا بإِجماع أهلِ العلمِ، كأَنْ يَستَعيرُ شَخصٌ مِنْ آخرَ عينًا ليَرهنَها في دَينٍ عليه؛ فإنْ وفَّى المُستَعيرُ دَينَه رجَعَت العَينُ المُستَعارةُ لصاحبِها؛ وإلا بِيعَت في الدِّينِ المَرهونةِ بسببِه، ورجَعَ صاحبُها -وهو المُعيرُ- بقِيمةِ العينِ على الذي استَعارَها أو مثلِها إنْ كانَت مِنْ ذَواتِ الأَمثالِ على ما يَأتي بَيانُه.

قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ، على أنَّ الرجلَ إذا استَعارَ مِنْ الرَّجلِ شيئًا يَرهنُه على دَنانيرَ مَعلومةٍ عندَ رَجلٍ سمَّاه إلى وقتٍ مَعلومٍ ففعَلَ، أنَّ ذلك جائزٌ (١).

شُروطُ صُحةِ رهنِ المُستعارِ للرهنِ:

إذا أذِنَ المالكُ بالرهنِ فإذنُه بالرهنِ لا يَخلو إما أنْ يَكونَ مُقيَّدًا أو مُطلَقًا.

فإنْ كانَ مُقيَّدًا بأنْ سمَّى قدرًا أو جنسًا أو مكانًا أو إنسانًا يَتقيَّدُ به، فلو أذِنَ أنْ يَرهنَه بجنسٍ لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه بجنسٍ آخرَ؛ لأنَّ قضاءَ الدينِ مِنْ بعضِ الأجناسِ قد يَكونُ أيسرَ مِنْ بعضٍ، فكانَ التقييدُ بالجنسِ مُفيدًا، وكذا

(١) «الأوسط» (٥/ ٦٩٧)، و «الإجماع» (٥٢٣)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٦٠)، رقم (٣٢٤٥).

إذا أذِنَ له أنْ يَرهنَه بالكوفةِ لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه بالبصرةِ؛ لأنَّ التقييدَ بمكانٍ دونَ مكانٍ مُفيدٌ فيَتقيَّدُ بالمكانِ المذكورِ، وكذا إذا أذِنَ له أنْ يَرهنَه مِنْ إنسانٍ بعينِه لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه مِنْ غيرِه؛ لأنَّ الناسَ مُتفاوتونَ في المُعاملاتِ فكانَ التعيينُ مُفيدًا، فإنْ خَالفَ في شيءٍ مما ذكَرْنا فهو ضامنٌ له إذا هلَكَ؛ لأنَّه تصرُّفٌ في ملكِ الغيرِ بغيرِ إذنِه فصارَ غاصبًا، وهذا محلُّ اتفاقٍ بينَ الفَقهاءِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَنبغي أنْ يَذكرَ المُرتَهنَ، والقدرَ الذي يَرهنُه به، وجنسَه، ومدةَ الرهنِ؛ لأنَّ الضررَ يَختلفُ بذلك فاُحتِيجَ إلى ذكرِه كأصلِ الرهنِ، ومتى شرطَ شيئًا مِنْ ذلك فخالفَ ورهنَه بغيرِه لم يَصحَّ الرهنُ؛ لأنَّه لَم يُؤذَنْ له في هذا الرهنِ، فأشبَه مَنْ لَم يَأذنْ في أصلِ الرهنِ، قالَ ابنُ المنذرِ: أجمعَ أهلُ العلمِ على ذلك (١).

لكنَّهم اختلَفُوا فيما لو أذِنَ له أنْ يَرهنَه بعشرةٍ فرهَنَه بأقلَّ.

فقالَ الحَنفيةُ: لا يَصحُّ ولا يَجوزُ له أنْ يَرهنَه بأقلَّ ولا أكثرَ؛ لأنَّ المُتصرِّفَ بإذنِ يَتقيَّدُ تصرُّفُه بقدرِ الإذنِ، والإذنُ لَم يَتناولِ الزيادةَ فلَم يَكنْ له أنْ يَرهنَ بالأكثرِ ولا بالأقلِّ أيضًا؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ والمالكُ إنَّما جعَلَه مضمونًا بالقدرِ، وقد يَكونُ له في ذلك غرضٌ صحيحٌ فكانَ التقييدُ به مفيدًا.

وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: يَصحُّ؛ لأنَّ مَنْ أجازَ له الرهنَ بالأكثرِ أجازَ له الرهنَ بالأقلِّ.

(١) «المغني» (٤/ ٢٢٥)، ويُنظَر: «الأوسط» (٥/ ٦٩٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب العارية
٨٦١ - مسألة؛ قال: (والعارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير)

مَالِكِها، فكانت أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. قالوا: وقولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ" . يَدُلُّ على أنَّها أمَانَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . ولَنا، قولُ النبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "بل عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ورَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيرِه لِنَفْعِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِه من غيرِ اسْتِحْقَاقٍ، ولا إذْنٍ في الإِتْلَافِ، فكان مَضْمُونًا كالغَصْبِ ، والمَأْخُوذِ على وَجْهِ السَّوْمِ. وحَدِيثُهُم يَرْوِيهِ عُمَرُ بن عبد الجَبَّارِ، عن عُبَيْدِ بن حَسَّانٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، وعُمَرُ وعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ. قالَه الدَّارَقُطْنِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ضَمَانَ المَنَافِعِ والأَجْزَاءِ، وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بالمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمَ.

فصل: وإن شَرَطَ نَفْىَ الضَّمَانِ، لم يَسْقُطْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَسْقُطُ. قال أبو الخَطَّابِ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه لو أَذِنَ في إِتْلَافِها لم يَجِبْ ضَمَانُها، فكذلك إذا أسْقَطَ عنه ضَمَانَها. وقيل: بل مذهبُ قَتَادَةَ والعَنْبَرِىِّ، أنَّها لا تُضْمَنُ إلَّا أن يَشْتَرِطَ ضَمَانَها فيَجِبُ؛ لقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِصَفْوَانَ: "بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَة" . ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ، لم يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ، كالمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أو فاسِدٍ، وما اقْتَضَى الأَمَانَةَ، فكذلك، كالوَدِيعَةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 144 - 145

ارجع إلى أركان العارية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد