إذا قال: «داري لك عمري»

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > إذا قال: «داري لك عمري»

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

إذا قال: «داري لك عمري» - الأقوال والأدلة

ولأنَّه تَمليكٌ مُعلقٌ بعُمرِه كتَعلُّقِه بعُمرِ المُملِّكِ، فوجَبَ أنْ يَرجعَ إلى المَنافعِ دونَ الرَّقبةِ، أصلُه قَولُه: «أسكَنتُك» (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اختَلفوا في العُمرَى، فقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: العُمرَى تَمليكُ الرَّقبةِ، فإذا أعمَرَ الرَّجلُ رَجلًا دارًا فقالَ: «أعمَرتُك داري هذه وجعَلتُها لك عُمرَك أو عُمري، أو ما عِشتُ»، فهي للمُعمَرِ ولوَرثتِه من بَعدِه إنْ كانَ له وَرثةٌ، سَواءٌ قالَ المُعمِرُ للمُعمَرِ: «هي لكَ ولعَقِبِك»، أو أطلَقَ؛ فإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ كانَت لبَيتِ المالِ ولا تَعودُ إلى المُعمِرِ.

وقالَ مالِكٌ: هي تَمليكُ المَنافعِ، فإذا ماتَ المُعمَرُ رجَعَت إلى المُعمِرِ، وإنْ أطلَقَ لم تَرجعْ إليهم، بل تَرجعُ إلى المُعمِرِ؛ فإنْ لم يَكُنِ المُعمِرُ مَوجودًا عادَت إلى وَرثتِه (٢).

إذا قالَ: «داري لك عُمري»:

اختَلفَ الفُقهاءُ في لَفظِ العُمرَى، هل يُشترطُ أنْ يَقولَ: «دارِي لك عُمرَك أو حَياتَك أو ما عِشتَ أو ما حَييتَ أو ما بَقيتَ» وما يُفيدُ هذا

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧)، رقم (١٠٩٩)، ويُنظَرُ: «تفسير القرطبي» (١/ ٢٩٩، ٣٠١)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١٨، ٢١)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١٩، ٢٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١٧، ١٨)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٧٠)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ٢٤١).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٥٨).

المَعنى، فيُجعلُ هذا مَقرونًا بحَياةِ المُعمَرِ له فقط، أو يَجوزُ أنْ يَقولَ: «دارِي لك عُمري أو حَياتِي فإذا مِتُّ فهي لوَرثتِي»؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ أنْ يَقولَ: «جعَلتُ لك داري عُمرَك أو عُمرِي، أو حَياتَك أو حَياتِي»؛ لشُمولِ اسمِ العُمرَى.

قالَ أَبو عُبيدٍ: والعُمرَى أنْ يَقولَ الرَّجلُ للرَّجلِ: «داري هذه لك عُمرَك» أو يَقولَ: «دارِي هذه لك عُمرِي» (١).

قالَ الحَنفيةُ: إنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ»، أو صرَّحَ فقالَ: «جعَلتُ هذه الدارَ لك عُمرِي»، أو قالَ: «جعَلتُها لك عُمرَك»، أو قالَ: «هي لك عُمرَك أو حَياتَك فإذا مِتَّ أنتَ فهي رَدٌّ علَيَّ»، أو قالَ: «جعَلتُها لك عُمرِي أو حَياتِي فإذا مِتُّ أنا فهي رَدٌّ على وَرثَتي»، فهذا كلُّه هِبةٌ، وهي للمُعمَرِ له في حَياتِه ولوَرثتِه بعدَ وَفاتِه، والتَّوقيتُ باطِلٌ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: إذا قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ أو أرقَبتُكها أو جعَلتُها لك عُمرَك أو حَياتَك أو أعطَيتُكها أو جَعلتُها لك عُمرَى، أو جعَلتُها لك رُقبَى أو ما بَقيتَ»؛ فإنَّه يَصحُّ، وتَكونُ للمُعمَرِ ولوَرثتِه من بعدِه (٣).

(١) «تهذيب اللغة» (٢/ ٢٣٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٦)، و «المبسوط» (١٢/ ٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٨٨)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٩٣).
(٣) «الإنصاف» (٧/ ١٣٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠٣)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٩٧).

وقالَ المالِكيةُ: العُمرَى تَمليكُ المَنفعةِ حَياةَ المُعطَى -بفَتحِ الطاءِ-، وظاهِرُه أنَّ تَمليكَ المَنفعةِ مُدةَ حَياةِ المُعطِي -بكَسرِها- ليسَ بعُمرَى حَقيقةً -أي: اصطِلاحًا- بل عُمرى مَجازًا، وإنْ جازَت.

قالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه: العُمرَى ثَلاثٌ: مُقيَّدةٌ بأجَلٍ أو حَياةِ المُعمَرِ، ومُطلَقةٌ، ومُعقِبةٌ.

فإنْ كانت مُقيَّدةً بأجلٍ فقالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ سَنةً أو عَشرًا أو حَياتِي أو حَياتَك» كانَت على ما أَعطى، وإنْ أطلَقَ ولم يُقيِّدْ كانَ مَحمَلُه على عُمرِ المُعطَى، حتى يَقولَ: «عُمرِي أو حَياتِي»، وإنْ عقَّبَها فقالَ: «أعمَرتُكها أنتَ وعَقِبَك»، لم تَرجِعْ إليه إلا أنْ يَنقرضَ العَقِبُ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في أصَحِّ الوَجهَينِ إلى البُطلانِ لخُروجِه عن اللَّفظِ المُعتادِ، ولمَا فيه من تأقيتِ المِلكِ؛ فإنَّه قد يَموتُ الواهِبُ أولًا بخِلافِ العَكسِ، وإنَّما اغتُفرَ الأولُ مع أنَّ فيه تأقيتًا؛ لأنَّه تَصريحٌ بالواقعِ؛ لأنَّ الإِنسانَ لا يَملكُ إلا مُدةَ حَياتِه، فلا تَوقيتَ فيه، فإذا قالَ: «هذه الدارُ لك عُمري أو حَياتي» فهي عَطيةٌ باطِلةٌ؛ لأنَّه لا يُملِّكُه إياها عُمرَه فيُورَثُ عنه، ولا جعَلَها عُمرى فيَستعملُ فيها الخبَرَ، وإنَّما قدَّرَ ذلك بعُمرِ نَفسِه فاقتَضى -لمَا هي عليه من خِلافِ الأصلِ- خُروجَها من حُكمِ النَّفيِ أنْ تَبطُلَ (٢).

(١) «مواهب الجليل» (٨/ ١٩)، ويُنظَرُ: «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٠٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٤١).
(٢) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤٢)، و «البيان» (٨/ ١٤٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٦)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٧٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 308 - 310

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله