الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > إذا وهب الأب بعض بنيه ثم مات فهل لباقي الأولاد أن يرجعوا على الموهوب له؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةإذا وهَبَ الأبُ بعضَ بَنيه ثم ماتَ فهل لباقي الأولادِ أنْ يَرجِعوا على المَوهوبِ له؟
إذا وهَبَ الأبُ بعضَ بَنيه ثم ماتَ، فهذا لا يَخلو من أحدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَهبَه في صِحتِه وإمَّا أنْ يَهبَه في مَرضِ مَوتِه …
الحالةُ الأُولى: أنْ يَهبَ الأبُ بعضَ بَنيه في حالِ صِحتِه ثم يَموتَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الأبُ في صِحتِه بعضَ بَنيه وحازَ الهِبةَ ثم ماتَ الأبُ ولم يُرجعْها من وَلدِه، فهل لبَقيةِ الوَرثةِ أنْ يَستردُّوها أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الأبَ إذا فاضَلَ بينَ وَلدِه في العَطايا أو خَصَّ بَعضَهم بَعطيةٍ ثم ماتَ قبلَ أنْ يَستردَّها ثبَتَ ذلك للمَوهوبِ له ولزِمَ، وليسَ لبَقيةِ الوَرثةِ الرُّجوعُ، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ رضي الله عنها زَوجِ النَّبيِّ ﷺ أنَّها قالَت: «إنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه نحَلَها جِدادَ عِشرينَ وَسقًا من مالٍ بالغابةِ، فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما من الناسِ أحدٌ أحُّب إلَيَّ غنًى بَعدي منك، ولا أعزُّ علَيَّ فَقرًا بَعدي منك، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك من مالي جِدادَ عِشرينَ وَسقًا، فلو كُنْتِ جَددتيه واحتَزتيه كانَ لك ذلك، وإنَّما هو مالُ الوارِثِ، وإنَّما هو أَخواك وأُختاك، فاقتَسِموه على كِتابِ اللهِ. فقالَت: يا أبتِ واللهِ لو كانَ كذا وكذا لتَركتُه، إنَّما هو أَسماءُ، فمَن الأُخرى؟ قالَ: ذو بَطنٍ بِنتُ خارِجةَ
أراها جاريةً» (١) فدَلَّ على أنَّها لو كانَت حازَته لم يَكنْ له الرُّجوعُ، وكذلك ما رَواه الإمامُ مالِكُ بنُ أنَسٍ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَبدٍ القاريِّ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ أنَّه قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَنحُلون أبناءَهم نِحلًا ثم يُمسِكونَها، فإنْ ماتَ ابنُ أحدِهم قالَ: مالي بيَدي لم أُعطِه أحدًا، وإن ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ أعطَيتُه إِياهُ، مَنْ نحَلَ نِحلةً لم يَحُزْها الذي نحَلَها حتى تَكونَ إنْ ماتَ لوارِثِه فهي باطِلٌ» (٢).
وفي رِوايةِ سُفيانَ عن الزُّهريِّ عن عُروةَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَبدٍ القاريِّ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «ما بالُ أَقوامٍ يَنحُلونَ أَولادَهم نِحلةً فإذا ماتَ أحدُهم قالَ: مالي في يَدي، وإذا ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ نحَلتُه وَلدي. لا نِحلةَ إلا نِحلةً يَحوزُها الوَلدُ دونَ الوالِدِ، فإنْ ماتَ ورِثَه» (٣). ولأنَّها عَطيةٌ لوَلدِه فلزِمَت بالمَوتِ كما لو انفرَدَ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: هذا المَنصوصُ عن أحمدَ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحَكمِ والمَيمونيِّ، وهو اختيارُ الخَلَّالِ وصاحِبِه أَبي بَكرٍ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤٣٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤٣٩)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٩).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٩).
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ -وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنَّ لسائِرِ الوَرثةِ أنْ يَرتجِعوا ما وهَبَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وفيه رِوايةٌ أُخرى عن أحمدَ أنَّ لسائِرِ الوَرثةِ أنْ يَرتجِعوا ما وهَبَه، اختارَه ابنُ بَطةَ وأبو حَفصٍ العُكبَريانِ، وهو قَولُ عُروةَ ابنِ الزُّبَيرِ وإِسحاقَ، وقالَ أحمدُ: عُروةُ قد رَوى الأَحاديثَ الثَّلاثةَ؛ حَديثَ عائِشةَ وحَديثَ عُمرَ وحَديثَ عُثمانَ، وترَكَها وذهَبَ إلى حَديثِ النَّبيِّ ﷺ: «يُردُّ في حَياةِ الرَّجلِ وبعدَ مَوتِه» وهذا قَولُ إِسحاقَ، إلا أنَّه قالَ: إذا ماتَ الرَّجلُ فهو ميراثٌ بينَهم، لا يَسعُ أنْ يَنتفعَ أحدٌ بما أُعطيَ دونَ إخوَتِه وأخواتِه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سَمَّى ذلك جَورًا بقَولِه: «لا تُشهِدْني على جَورٍ» (١). والجَورُ حَرامٌ لا يَحلُّ للفاعِلِ فِعلُه ولا للمُعطي تَناولُه، والمَوتُ لا يُغيرُه عن كَونِه جَورًا حَرامًا فيَجبُ رَدُّه، ولأنَّ أبا بَكرٍ وعُمرَ أمَرا قَيسَ بنَ سَعدٍ أنْ يَردَّ قِسمةَ أبيه حين وُلدَ له وَلدٌ ولم يَكنْ علِمَ به ولا أَعطاه شَيئًا، وكانَ ذلك بعدَ مَوتِ سَعدٍ، فرَوى سَعيدٌ بإِسنادِه من طَريقَينِ «أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ قسَّمَ مالَه بينَ أَولادِه، وخرَجَ إلى الشامِ فماتَ بها، ثم وُلدَ بعدَ ذلك وَلدٌ، فمَشى أبو بَكرٍ وعُمرُ رضي الله عنهما إلى قَيسِ بنِ سَعدٍ فقالا: إنَّ سَعدًا قسَّمَ مالَه ولم يَدرِ ما يَكونُ، وإنَّا نَرى أنْ تَردَّ هذه القِسمةَ. فقالَ قَيسٌ: لم أكُنْ لأغيِّرَ شَيئًا صنَعَه سَعدٌ ولكنْ نَصيبِي له» (٢) وهذا مَعنى الخَبرِ.
(١) أخرجه البخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٦٢٣).
(٢) رواه سعيد بن منصور في «سننه» ص (١١٩)، رقم (٢٩١، ٢٩٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٥ - مسألة؛ قال: (فإن مات ولم يردده، فقد ثبت لمن وهب له، إذا كان ذلك في صحته)
أو ارْتَدَدْتُها . أو نحو ذلك من الألْفاظِ الدَّالَّةِ على الرُّجُوعِ، ولا يَحْتاجُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بِقَضَاءِ قاضٍ؛ لأنَّ مِلْكَ المَوْهُوبِ له مُسْتَقِرٌّ. ولَنا، أنَّه خِيَارٌ في فَسْخِ عَقْدٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى قَضَاءٍ، كالفَسْخِ بخِيَارِ الشَّرْطِ. فأمَّا إن أخَذَ ما وَهَبَه لِوَلَدِه، فإن نَوَى به الرُّجُوعَ، كان رُجُوعًا، والقولُ قَوْلُه في نِيَّتِه، وإن لم يُعْلَمْ هل نَوَى الرُّجُوعَ أو لا، وكان ذلك بعدَ مَوْتِ الأبِ، فإن لم تُوجَدْ قَرِينَةٌ تدُلُّ على الرُّجُوعِ، لم يُحْكَم بكَوْنِه رُجُوعًا؛ لأنَّ الأخْذَ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وغيرَه، فلا نُزِيلُ حُكْمًا يَقِينِيًّا بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. وإن اقْتَرَنَتْ به قَرَائِنُ دالَّةٌ على الرُّجُوعِ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يكونُ رُجُوعًا. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّنا اكْتَفَيْنَا في العَقْدِ بدَلَالةِ الحالِ، ففى الفَسْخِ أَوْلَى، ولأنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّما كان رُجُوعًا لِدَلَالَتِه عليه، فكذلك كلُّ ما دَلَّ عليه. والآخَرُ، لا يكون رُجُوعًا. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ المِلْكَ ثابِتٌ لِلْمَوْهُوبِ له يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بالصَّرِيحِ. ويُمْكِنُ أن يُبْنَى هذا على نَفْسِ العَقْدِ، فمَن أوْجَبَ الإِيجَابَ والقَبُولَ فيه، لم يَكْتَفِ ههُنا إلَّا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي زَوَالَه، ومن اكْتَفَى في العَقْدِ بالمُعَاطاةِ الدَّالَّةِ على الرِّضَا به، فههُنا أَوْلَى. وإن نَوَى الرُّجُوعَ من غيرِ فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، لم يَحْصُلِ الرُّجُوعُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إثْباتُ المِلكِ على مالٍ مَمْلُوكٍ لغيرِه، فلم يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كسائِر العُقُودِ. وإن عَلَّقَ الرُّجُوعَ بِشَرْطٍ، فقال: إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فقد رَجَعْتُ في الهِبَة. لم…
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.