الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > إذا وهب شيئا (دينا أو وديعة أو مستعارا أو مرهونا أو مغصوبا) لمن هو في يده أو لغيره
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 31 دقيقة قراءةوكذا يُردُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختياريةٍ مُسقِطةٍ للمَهرِ لمَا تقدَّمَ، وتَثبُتُ الهَديةُ للزَّوجةِ مع فَسخٍ للنِّكاحِ مُقرَّرٍ له -أي: الصَّداقِ- أو لنِصفِه، فلا رُجوعَ له في الهَديةِ إذَنْ؛ لأنَّ زَوالَ العَقدِ ليسَ من قِبَلِها.
وإنْ كانت العَطيةُ لغيرِ العاقِدَين بسَببِ العَقدِ كأُجرةِ الدَّلَّالِ ونَحوِها كأُجرةِ الكَيالِ والوَزانِ.
قالَ ابنُ عَقيلٍ في «النَّظرياتِ»: إنْ فُسخَ بَيعٌ بإقالةٍ ونَحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ من العاقدَينِ لم يَردَّ الدَّلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقِفِ الفَسخُ على تَراضيهما كالفَسخِ لعَيبٍ ونَحوِه رَدَّ الدَّلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللُّزومِ وعَدمِه، وقياسُ المَبيعِ نِكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كَفاءةِ الزَّوجِ أو ظُهورِ عَيبٍ في أحدِهما فيَردُّه -أي: يَردُّ الخاطِبُ ما أخَذَه من الزَّوجَينِ أو مِنْ أحدِهما- بسَببِ تَوسُّطِه التَّزويجَ؛ لأنَّه أُخذَ على عَقدٍ لم يُسلَّمْ، ولا يُردُّ المأخوذُ إنِ انفسَخَ النِّكاحُ لرِدةٍ ورَضاعٍ ومُخالَعةٍ (١).
إذا وهَبَ شَيئًا (دَينًا أو وَديعةً أو مُستَعارًا أو مَرهونًا أو مَغصوبًا) لمَن هو في يَدِه أو لغيرِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الواهِبُ وَديعةً أو دَينًا أو مُستعارًا أو مَرهونًا أو مَغصوبًا لمَن هو في يَدِه أو لغيرِه، هل يَصحُّ أو لا؟ وهل يُشترطُ القَبولُ أو لا؟
(١) «كشاف القناع» (٥/ ١٧٠، ١٧١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٥، ٢١٦).
فعامةُ الفُقهاءِ على جَوازِ هِبةِ هذه الأعيانِ لمَن هي في يَدِه، وأمَّا لغيرِ مَنْ هي في يَدِه فلا يَصحُّ عندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةِ في المَذهبِ على تَفصيلٍ سيَأتي بَيانُه.
قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَت العَينُ المَوهوبةُ في يَدِ المَوهوبِ له ملَكَها بالهِبةِ، ولا يُجدِّدُ فيها قَبضًا؛ لأنَّها في قَبضِه، والقَبضُ هو الشَّرطُ، فهِبةُ الوَديعةِ للمُودِعِ والعارِيةِ للمُستعيرِ والمَغصوبِ للغاصِبِ غيرُ مُحتاجةٍ إلى قَبضٍ جَديدٍ؛ لأنَّ المَوهوبَ حينَئذٍ في يَدِ المَوهوبِ له حَقيقةً، فلا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ، كما لو وهَبَ الأبُ لطِفلِه فهي هِبةٌ تامةٌ بالعَقدِ ولا تَحتاجُ إلى قَبضٍ جَديدٍ.
وكذا كلُّ أمانةٍ في يَدِ إِنسانٍ إذا وُهبَت له؛ فإنَّه يَجوزُ ويَثبتُ المِلكُ للمَوهوبِ له، ويَنوبُ قَبضُ الأمانةِ عن قَبضِ الهِبةِ وهذا استِحسانٌ، والقياسُ ألَّا يَكونَ قابِضًا حتى يَتمكَّنَ من قَبضِه بالتَّخليةِ، ووَجهُ الاستِحسانِ أنَّ الهِبةَ تَبرعٌ، وقَبضُ الأمانةِ يَنوبُ عنه بخِلافِ ما إذا باعَ من المُودِعِ؛ لأنَّ البَيعَ عَقدُ ضَمانٍ، وقَبضُ الأمانةِ لا يَنوبُ عن قَبضِ الضَّمانِ.
ولو كانت العَينُ مَضمونةً في يَدِ إِنسانٍ بالمِثلِ أو بالقيمةِ كما في الغَصبِ والمَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ فوهَبَها من صاحِبِ اليَدِ تَصحُّ الهِبةُ ويُبرأُ عن الضَّمانِ، فيَكونُ قَبضًا غيرَ مَضمونٍ.
ولو كانَت مَضمونةً بغيرِها كالرَّهنِ والمَبيعِ فوهَبَها المالِكُ لمَن هي في يَدِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قابِضًا بذلك ما لم يَقبِضْها قَبضًا مُستأنَفًا بعدَ عَقدِ الهِبةِ؛
لأنَّها إذا كانَت مَضمونةً بغيرِها لم تَصحَّ البَراءةُ عنها بالهِبةِ فلا يَصيرُ قَبضَ أمانةٍ، ولا بدَّ من تَجانُسِ القَبضَينِ حتى يَتساوَيا.
والأصلُ أنَّه متى تَجانَسَ القَبضانِ نابَ أحَدُهما عن الآخَرِ، وإذا اختَلَفا نابَ المَضمونُ عن غيرِ المَضمونِ، ولا يَنوبُ غيرُ المَضمونِ عن المَضمونِ، وبَيانُه إذا كانَ الشَّيءُ مَغصوبًا في يَدِه أو مَقبوضًا بالبَيعِ الفاسِدِ ثم باعَه منه بَيعًا صَحيحًا جازَ، ولا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ؛ لاتِّفاقِ القَبضَينِ، وكذا إذا كانَ عارِيةً أو وَديعةً فوهَبَه له لا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ؛ لاتِّفاقِهما؛ لأنَّ كلَيهِما أمانةٌ.
ولو كانَ مَغصوبًا في يَدِه أو مَقبوضًا بالعَقدِ الفاسِدِ فوهَبَه من صاحِبِ اليَدِ لا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ، وإنْ كانَ وَديعةً أو عارِيةً فباعَه منه؛ فإنَّه يَحتاجُ إلى قَبضٍ جَديدٍ؛ لأنَّ قَبضَ الأمانةِ لا يَنوبُ عن المَضمونِ.
أمَّا إذا كانت رَهنًا؛ فإنَّه يَحتاجُ إلى تَجديدِ القَبضِ، ورُوي أنَّه لا يَحتاجُ.
قالوا: وتَجوزُ هِبةُ الدَّينِ لمَن عليه الدَّينُ قِياسًا واستِحسانًا، وإذا وهَبَ دَينًا له عليه فقبِلَه لم يَكنْ له أنْ يَرجعَ فيه؛ لأنَّه سقَطَ عنه؛ فإنَّه قابِضٌ للدَّينِ بذِمَّتِه فيَملكُ بالقَبولِ، ومَن ملَكَ دَينًا عليه سقَطَ ذلك عنه، والساقِطُ يَكونُ مُتلاشيًا، فلا يَتحقَّقُ الرُّجوعُ فيه كما لو كانَ عَينًا فهلَك عندَه.
فإنْ قالَ المَوهوبُ له مُجيبًا له: لا أقبَلُها، فالدَّينُ عليه بحالِه؛ لأنَّه رَدٌّ للهِبةِ.
وأمَّا هِبةُ الدَّينِ لغيرِ مَنْ عليه الدَّينُ فجائِزةٌ أيضًا إذا أذِنَ له بالقَبضِ وقبَضَه استِحسانًا، والقِياسُ ألَّا يَجوزَ وإنْ أذِن له بالقَبضِ.
وَجهُ القِياسِ أنَّ القَبضَ شَرطُ جَوازِ الهِبةِ، وما في الذِّمةِ لا يَحتملُ القَبضَ بخِلافِ ما إذا وُهبَ لمَن عليه؛ لأنَّ الدَّينَ في ذِمَّتِه، وذِمتُه في قَبضِه، فكانَ الدَّينُ في قَبضِه بواسِطةِ قَبضِ الذِّمةِ.
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ ما في الذِّمةِ مَقدورُ التَّسليمِ والقَبضِ، ألَا تَرى أنَّ المَدينَ يُجبَرُ على تَسليمِه إلا إنْ قبَضَه بقَبضِ العَينِ، فإذا قبَضَ العَينَ قامَ قَبضُها مَقامَ قَبضِ عَينِ ما في الذِّمةِ، إلا أنَّه لا بدَّ من الإذنِ بالقَبضِ صَريحًا، ولا يُكتَفى فيه بالقَبضِ بحَضرةِ الواهِبِ بخِلافِ هِبةِ العَينِ.
ولأنَّ الواهِبَ لمَّا أمَرَه بالقَبضِ جعَلَه نائِبًا عن نَفسِه في القَبضِ، فيَقعُ قَبضُ المَوهوبِ للواهِبِ أولًا ثم لنَفسِه، أو أنَّ عَملَ الهِبةِ ما بعدَ القَبضِ، وبعدَ القَبضِ هو مالٌ مَحلٌّ للتَّمليكِ بخِلافِ البَيعِ؛ لأنَّ أوانَ عَملِه للحالِ، فهو في الحالِ ليسَ بمَحلِّ التَّمليكِ.
وإنْ كانَ المَوهوبُ له غائِبًا فلم يَعلمْ بالهِبةِ حتى ماتَ جازَتِ الهِبةُ وبَرئَ عما كانَ عليه؛ لأنَّ الهِبةَ تَنفرِدُ بالواحِدِ فتَتمُّ بالإِيجابِ، وإنَّما تَبطُلُ بالرَّدِّ، وقد فاتَ الرَّدُّ فبَقيَت (١).
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٦٥)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٩)، و «المبسوط» (١٢/ ٧٠، ٨٥)، و «المحيط البرهاني» (٦/ ١٥٨)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٢٢٤)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٤، ١٠٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٦٠، ٦٩)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢١)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٤/ ٢٤٤).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ وهَبَ شيئًا لمَن هو في يَدِه عارِيةً أو وَديعةً أو دَينًا عليه؛ فإنْ علِمَ المَوهوبُ له وقبِلَ قبلَ مَوتِ الواهِبِ صحَّتِ الهِبةُ اتِّفاقًا، وإنْ لم يَقُلْ: «قبِلتُ»، حتى ماتَ الواهِبُ ثم قبِلَ بعدَ مَوتِ الواهِبِ أو لم يَقبَلْ بطَلَت عندَ ابنِ القاسِمِ، وهو المَذهبُ؛ لأنَّها لم تَنتقِلْ إلى مِلكِ المَوهوبِ له قبلَ مَوتِ الواهِبِ؛ إذِ القَبولُ شَرطٌ في النَّقلِ. وقالَ أشهَبُ: تَصحُّ وهي للمَوهوبِ له؛ لأنَّ كَونَها بيَدِه أحوَزُ للحيازةِ إلا أنْ يَقولَ: «لا أقبَلُ».
وإنْ لم يَعلمْ بالهِبةِ حتى ماتَ الواهِبُ بطَلَت اتِّفاقًا -إلا على رِوايةِ أنَّ الهِبةَ لا تَفتقِرُ لقَبولٍ- ولا يُعذرُ بعَدمِ العِلمِ.
فإنِ ادَّعى القَبولَ قبلَ مَوتِ الواهِبِ ونازَعَه الوارِثُ فعليه البَيانُ، فإنْ لم يأتِ ببَيِّنةٍ؛ فإنَّ الهِبةَ تَبطُلُ لعَدمِ الحَوزِ الذي هو شَرطٌ في صِحةِ مِلكِ الهِبةِ، وتَرجعُ الهِبةُ حينَئذٍ إلى وَرثةِ الواهِبِ، ولا يُقالُ: الحَوزُ حاصِلٌ له؛ لأنَّا نَقولُ: حَوزُه أولًا إنَّما كانَ لحَقِّ غيرِه وهو المُودِعُ الواهِبُ، فيَدُه كيَدِ الواهِبِ، فكأنَّها باقيةٌ بيَدِ الواهِبِ حتى ماتَ. ومِثلُ الوَديعةِ الدَّينُ والعارِيةُ من عَقارٍ أو حَيوانٍ أو غيرِ ذلك.
فإنْ وهبَها لغيرِ مَنْ هي في يَدِه ولم يَحُزْ حتى ماتَ بطَلَت في الأقسامِ الثَّلاثةِ، وهي: ما إذا علِمَ وقبِلَ قبلَ مَوتِه، أو علِمَ قبلَ مَوتِه وقبِلَ بعدَه، أو لم يَعلمْ ولم يَقبلْ إلا بعدَ مَوتِه (١).
(١) «الذخيرة» (٦/ ٢٤١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٧، ١٠٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢١٢)، و «منح الجليل» (٨/ ١٨٧).
وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ هِبةُ الوَديعةِ لمَن هي عندَه ولا تَحتاجُ إلى إذنٍ في قَبضِها على الصَّحيحِ، وكذا المُستعارُ لغَيرِ المُستعيرِ، والمَغصوبُ لغيرِ الغاصِبِ إذا قدَرَ على الانتِزاعِ، وإلا فلا.
وتَصحُّ هِبةُ الدَّينِ لمَن هو في ذِمَّتِه أو التَّصدُّقُ به عليه، وهو إِبراءٌ له منه، ولا يَحتاجُ إلى قَبولٍ على الأصَحِّ نَظرًا إلى المَعنى.
وقيلَ: يَفتقِرُ إلى القَبولِ ولا يَلزمُ حتى تَمضيَ مُدةٌ يَتأتَّى فيها القَبضُ نَظرًا إلى اللَّفظِ.
وإنْ وهَبَ مَنْ له الدَّينُ دَينَه لغيرِ مَنْ هو عليه، وكانَ الدَّينُ مُستقِرًّا أو على مَليءٍ باذِلٍ ففيه وَجهانِ:
أصَحُّهما: أنَّ الهِبةَ باطِلةٌ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، وإنَّما يُقبضُ من الدُّيونِ عَينٌ لا دَينٌ، والقَبضُ في الهِبةِ إنَّما يَكونُ فيما ورَدَ العَقدُ عليه.
والثاني: أنَّ الهِبةَ صَحيحةٌ؛ لأنَّ الذِّممَ تَجري مَجرى الأَعيانِ، بدَليلِ أنَّ الرَّجلَ يَبتاعُ بعَينِ مالِه ويَبتاعُ بثَمنٍ في ذِمَّتِه، وكذلك يَبيعُ عَينَ مالِه ويَبيعُ ما في ذِمَّتِه، وما جاز بَيعُه وابتِياعُه جازَت هِبتُه.
فإذا قُلنا بهذا: فهل يَفتقِرُ لُزومُ الهِبةِ إلى الإذنِ بالقَبضِ، وإلى القَبضِ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَفتقِرُ إلى ذلك؛ لأنَّ هذا شَرطٌ في لُزومِ الهِبةِ في العَينِ، فكذلك في الدَّينِ.
والثاني: لا يَفتقِرُ إلى ذلك، وهو الأصَحُّ، كالحَوالةِ لا يُعتبَرُ فيها القَبضُ.
وأمَّا الدَّينُ غيرُ المُستقِرِّ فلا يَصحُّ هِبتُه لغيرِ مَنْ هو عليه قَطعًا.
ولو وهَبَ لفَقيرٍ دَينًا عليه أو على غيرِه بنِيَّةِ الزَّكاةِ لم يَقعْ عنها؛ لأنَّ ذلك فيما عليه إبدالٌ، وهو لا يَجوزُ، وفيما على غيرِه تَمليكٌ، وهو لا يَجوزُ أيضًا، ولو قالَ: «تصَدَّقتُ بمالي عليكَ»، برِئَ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أبرَأَ الغَريمُ غَريمَه من دَينِه أو وهَبَه له أو أحَلَّه منه برِئَ وإنْ رَدَّ ذلك ولم يَقبلْ؛ لأنَّه إِسقاطٌ فلم يَفتقِرْ إلى القَبولِ كإِسقاطِ القِصاصِ والشُّفعةِ وحَدِّ القَذفِ، وكالعِتقِ والطَّلاقِ، وكذلك إنْ قالَ: «تصَدَّقتُ به عليكَ»؛ فإنَّ القُرآنَ ورَدَ في الإِبراءِ بلَفظِ الصَّدقةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وإنْ قالَ: «عفَوتُ لك عنه»، صَحَّ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يُريدُ به الإِبراءَ من الصَّداقِ؛ فإنْ قالَ:
(١) «البيان» (٨/ ١٤٣، ١٤٤)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٣٣، ٣٤)، و (٧/ ٥٣٦)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٧، ١٨٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥٠)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٢)، و «تحفة المحتاج مع حاشية الرواني والعبادي» (٧/ ٥٧٥، ٥٧٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٧٣)، و «كفاية الأخيار» (٣٦٢)، و «الديباج» (٢/ ٥٤١).
«أسقَطتُه عنكَ» صَحَّ؛ لأنَّه أَتى بحَقيقةِ اللَّفظِ، وكذلك إنْ قالَ: «ملَّكتُكَ»؛ لأنَّه بمَنزلةِ هِبتِه إياه.
فإنْ وهَبَ الدَّينَ لغَيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه لم يَصحَّ على الصَّحيحِ من المَذهبِ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه قِياسًا على البَيعِ، ولأنَّ الهِبةَ تَقتَضي وُجودَ مُعيَّنٍ وهو مُنتَفٍ هنا، إلا لضامِنِه؛ فإنَّها تَصحُّ لتَعلُّقِه في ذِمَّتِه.
ويَحتملُ أنْ يَصحَّ؛ لأنَّه لا غَررَ فيها على المُتَّهبِ ولا الواهِبِ، فصَحَّ كهِبةِ الأَعيانِ.
ولا تَصحُّ هِبةُ ما لا يُقدَرُ على تَسليمِه كمَغصوبٍ لغيرِ غاصِبِه، أو قادِرٍ على أخذِه منه كبَيعِه، وكذا آبِقٌ وشارِدٌ وطَيرٌ في الهَواءِ وسَمكٌ بماءٍ ومَرهونٌ؛ لأنَّ ذلك لا يَتأهَّلُ للقَبضِ، والقَبضُ من ماهيةِ العَقدِ فلا يَقعُ العَقدُ عليه، والمَرهونُ يَتعذَّرُ تَسليمُه شَرعًا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ وهَبَه شَيئًا في يَدِ المُتَّهبِ كوَديعةٍ أو مَغصوبٍ فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّ الهِبةَ تَلزمُ من غيرِ قَبضٍ ولا مُضيِّ مُدةٍ يَتأتَّى القَبضُ فيها؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا وهَبَ لامرأتِه شَيئًا ولم تَقبِضْه فليسَ بينَه وبينَها خيارٌ، هي معه في البَيتِ. فظاهِرُ هذا أنَّه لم يُعتبَرْ قَبضًا ولا مُضيَّ مُدةٍ يَتأتَّى القَبضُ فيها لكَونِها معه في البَيتِ فيَدُها على ما فيه.
(١) «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٥، ٢٥٦)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٥)، و «الإنصاف» (٧/ ١٢٧، ١٢٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٣، ٣٦٧، ٣٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٩، ٤٠٢)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٩٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٥٦).
وقالَ القاضِي: لا بدَّ من مُضيِّ مُدةٍ يَتأتَّى فيها القَبضُ، وقد رُويَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى أنَّه يَفتقِرُ إلى إذنٍ في القَبضِ، وقد مضَى تَعليلُ ذلك وتَفصيلُه في الرَّهنِ.
ومَذهبُ الشافِعيِّ كمَذهبِنا في الاختِلافِ في اعتِبارِ الإذنِ واعتِبارِ مُضيِّ مُدةٍ يَتأتَّى القَبضُ فيها (١).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ إذا وهَبَ دَينًا على رَجلٍ: قالَ شُعبةُ عن الحَكمِ هو جائِزٌ، ووهَبَ الحَسنُ بنُ علِيٍّ عليهما السلام لرَجلٍ دَينَه، وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ كانَ له عليه حَقٌّ فليُعطِه أو ليَتحلَّلْه منه». فقالَ جابِرٌ: قُتلَ أَبي وعليه دَينٌ، فسألَ النَّبيُّ ﷺ غُرماءَه أنْ يَقبَلوا ثَمرَ حائِطي ويُحلِّلوا أَبي.
حدَّثَنا عَبدانُ أخبَرَنا عبدُ اللهِ أخبَرَنا يُونُسُ وقالَ اللَّيثُ حدَّثَني يُونُسُ عن ابنِ شِهابٍ قالَ: «حدَّثَني ابنُ كَعبِ بنِ مالِكٍ أنَّ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما أخبَرَه أنَّ أباه قُتلَ يَومَ أُحُدٍ شَهيدًا، فاشتَدَّ الغُرماءُ في حُقوقِهم، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فكلَّمتُه، فسألَهم أنْ يَقبَلوا ثَمرَ حائِطي ويُحلِّلوا أبي، فأبَوْا، فلم يُعطِهم رَسولُ اللهِ ﷺ حائِطي ولم يَكسِرْه لهم، ولكنْ قالَ: سأغدو عليكَ إنْ شاءَ اللهُ. فغَدا علينا حين أصبَحَ فطافَ في النَّخلِ ودَعا في ثَمرِه بالبَركةِ، فجَدَدتُها فقضَيتُهم حُقوقَهم وبَقيَ لنا من ثَمرِها بَقيةٌ، ثم جِئتُ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو جالِسٌ، فأخبَرتُه بذلك،
(١) «المغني» (٥/ ٣٨١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٣).
فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعُمرَ: اسمَعْ -وهو جالِسٌ- يا عُمرَ، فقالَ: ألَا يَكونُ؟ قد علِمْنا أنَّك رَسولُ اللهِ، واللهِ إنَّك لرَسولُ اللهِ» (١).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قَولُه: بابُ إذا وهَبَ دَينًا على رَجلٍ، أي: صَحَّ، ولو لم يَقبِضْه منه، ويَقبِضْ له، قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه (٢): لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في صِحةِ الإِبراءِ من الدَّينِ إذا قبِلَ البَراءةَ. قالَ: وإنَّما اختَلَفوا إذا وهَبَ دَينًا له على رَجلٍ لرَجلٍ آخَرَ، فمَن اشتَرطَ في صِحةِ الهِبةِ القَبضَ لم يُصحِّحْ هذه، ومَن لم يَشترطْه صحَّحَها، لكنَّ شَرطَ مالِكٍ أنْ تُسلمَ إليه الوَثيقةُ بالدَّينِ ويُشهَدَ له بذلك على نَفسِه أو يُشهدَ بذلك ويُعلِنَه أنْ لم يَكنْ به وَثيقةٌ. وعندَ الشافِعيةِ في ذلك وَجهان: جزَمَ الماوَرديُّ بالبُطلانِ وصحَّحَه الغَزاليُّ ومَن تبِعَه، وصحَّحَ العَمرانِيُّ وغيرُه الصِّحةَ. قيلَ: والخِلافُ مُرتَّبٌ على البَيعِ إنْ صحَّحْنا بَيعَ الدَّينِ من غيرِ مَنْ عليه فالهِبةُ أَولى، وإنْ منَعناه ففي الهِبةِ وَجهان، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
قَولُه: وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ كانَ عليه حَقٌّ فليُعطِه أو ليَتحلَّلْه منه»، أي مِنْ صاحِبِه، ووَجهُ الدِّلالةِ منه لجَوازِ هِبةِ الدَّينِ أنَّه ﷺ سوَّى بينَ أنْ يُعطيَه إياه وأنْ يُحلِّلَه منه، ولم يَشترطْ في التَّحليلِ قَبضًا.
قَولُه: وقالَ جابِرٌ: قُتلَ أَبي … إلخ، وصَلَه في البابِ بأتَمَّ منه، وتُؤخذُ التَّرجمةُ من قَولِه: فسألَ النَّبيُّ ﷺ غُرماءَ والِدِ جابِرٍ أنْ يَقبَلوا ثَمرَ
(١) «صحيح البخاري» (٢/ ٩١٨، ٩١٩).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ١١٩).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
مسألة:
السلام - لِرَدِّهَا عَلَى أَهْلِهَا، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ إِلَى التَّعَاوُنِ بِهَا حَاجَةً مَاسَّةً وَضَرُورَةً دَاعِيَةً لِعَوَارِضِ الزَّمَانِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، فَلَوْ تَمَانَعَ النَّاسُ فِيهَا لَاسْتَضَرُّوا وَتَقَاطَعُوا.
فَصْلٌ:
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً مِنْ ثَلَاثِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنْهَا، وَلَا يَثِقُ بِأَمَانَتِهِ نَفْسِهِ فِيهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا فَهَذَا مِمَّنْ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَلَزِمَهُ اسْتِيدَاعُهَا، كَمَا تُعَيَّنُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَحَمَّلُهَا سِوَاهُ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ خَلَاصُ نَفْسٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْيَائِهَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَيْهَا، وَقَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا، وَقَدْ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُمَنَاءِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوديعة
١٠٧٣ - مسألة؛ قال: (ولو كان فى يده وديعة، فادعاها نفسان، فقال: أودعنى أحدهما، ولا أعرفه عي
فقَتَلها، وكما لو قال: لا تُخْرِج الوَديعةَ، وإن خِفْتَ عليها. فخافَ عليها ولم يُخْرِجْها، أو أمَرَه صاحِبُها بإلْقائِها فى نارٍ أو بحرٍ. وبهذا يَنْتقِضُ ما ذكَرُوه. ومَنَعَ ابنُ المُنْذِرِ الحُكْمَ فيما إذا أمَرَه بإتْلافِها فأتْلَفَها ؛ لما تقدَّمَ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه ثابتٌ لصاحِبها، فلم يَغْرَمْ له شيئًا، كما لو اسْتنابَه فى مُباحٍ، والتَّحْرِيمُ أثَرُه فى بقاءِ حَقِّ اللَّهِ تعالى، وهو التَّأْثِيمُ، أمَّا حَقُّ الآدَمِىِّ فلا يَبْقَى مع إذْنِه فى تَفْوِيتِه، ولأنَّها لم تَتْلَفْ بفِعْلِه، وإنَّما تَلِفَتْ بتَرْكِ العَلْفِ المأْذُونِ فيه، أشْبَهَ ما لو قال له: لا تُخْرِجْها إذا خِفْتَ عليها. فلم يُخْرِجْها.
١٠٧٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ كَانَ فِى يَدِهِ وَدِيعَةٌ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ، فَقَالَ: أَوْدَعَنِى أحَدُهُمَا، وَلَا أعْرِفُهُ عَيْنًا. أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خرَجَتْ لَهُ القُرْعةُ حَلَفَ أَنَّها لَهُ، وسُلِّمتْ إلَيْهِ)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوديعة
فصل في بيان حال الوديعة
لِأَنَّ الْحِفْظَ فِي الْمِصْرِ أَكْمَلُ مِنْ الْحِفْظِ فِي السَّفَرِ؛ إذْ السَّفَرُ مَوْضِعُ الْخَطَرِ؛ إلَّا إذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَيْهَا؛ فَاضْطُرَّ إلَى الْخُرُوجِ بِهَا، فَخَرَجَ لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلْحِفْظِ، كَمَا إذَا وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ؛ أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَخَافَ الْغَرَقَ، فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: احْفَظْ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِكَ هَذِهِ، فَحَفِظَهَا فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ الدَّارَانِ فِي الْحِرْزِ سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَحْرَزَ، لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَحْرَزَ مِنْ الثَّانِيَةِ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْحِرْزِ مُفِيدٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي هَذِهِ الْقِرْيَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى - فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.