البراءة من المجهول

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > البراءة من المجهول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

البراءة من المجهول - الأقوال والأدلة

حائِطِه وأنْ يُحلِلوه، فلو قبِلوا كانَ في ذلك بَراءةُ ذمَّتِه من بَقيةِ الدَّينِ، ويَكونُ في مَعنى التَّرجمةِ، وهو هِبةُ الدَّينِ، ولو لم يَكنْ جائِزًا لمَا طلَبَه النَّبيُّ (١).

وقالَ ابنُ القَطانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: وإنْ وهَبَ الرَّجلُ مالَه على الرَّجلِ وأبرَأه وقبِلَ البَراءةَ فذلك جائِزٌ لا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢).

البَراءةُ من المَجهولِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ البَراءةِ من المَجهولِ كمَن له دَينٌ عندَ إِنسانٍ لا يَعرفُ مِقدارَه، هل يَصحُّ إبراؤُه منه مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ يَقدِرُ على مَعرِفتِه أو لا يَقدِرُ، أو لا يَجوزُ إنْ كانَ يَقدِرُ على مَعرفتِه، ويَجوزُ إنْ كانَ لا يَقدِرُ، أو لا يَجوزُ مُطلقًا سَواءٌ كانَ يَقدِرُ أو لا يَقدِرُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى صِحةِ البَراءةِ من المَجهولِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ يَقدِرُ على مَعرفتِه أو لا يَقدِرُ؛ لمَا رَواه أحمدُ وأَبو داودَ وغَيرُهما عن أُمِّ سَلمةَ رضي الله عنها قالَت: جاءَ رَجلانِ يَختصِمانِ إلى رَسولِ اللهِ في مَواريثَ بينَهما قد درَسَت ليسَ بينَهما بَيِّنةٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ : «إنَّكم تَختصِمون إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولعلَّ بَعضَكم ألحَنُ بحُجتِه من بَعضٍ، وإنَّما أَقضي بينَكم على نَحوٍ مما أسمَعُ، فمَن قضَيتُ له من حَقِّ أَخيه شَيئًا فلا يأخُذْه، فإنَّما

(١) «فتح الباري» (٥/ ٢٢٤).
(٢) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٣٧)، رقم (٣٢١١).

أقطَعُ له قِطعةً من النارِ يَأتي بها أَسطامًا في عُنقِه يَومَ القيامةِ». فبَكى الرَّجلانِ وقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: حَقِّي لأَخي، فقالَ رَسولُ اللهِ : «أمَا إذا قُلتُما فاذهَبا فاقتَسِما ثم تَوخَّيا الحَقَّ ثم استَهِما، ثم ليُحلِلْ كلُّ واحِدٍ منكما صاحِبَه» (١). ولأنَّه إسقاطٌ صَحَّ في المَجهولِ، وكما لو قالَ: «من دِرهمٍ إلى ألفٍ»، ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى تَبرئةِ الذِّمةِ ولا سَبيلَ إلى العِلمِ بما فيها، فلو وقَفَت صِحةُ البَراءةِ على العِلمِ لكانَ سَدًّا لبابِ عَفوِ الإِنسانِ عن أَخيه المُسلمِ وتَبرئةً لذِمَّتِه، فلم يَجزْ ذلك كالمَنعِ من العِتقِ.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: والدَّليلُ على جَوازِ الإِبراءِ من الحُقوقِ المَجهولةِ ما رُويَ أنَّ رَجلَين اختصَما -ثم ذكَرَ الحَديثَ السابِقَ- ثم قالَ: وعلى هذا إِجماعُ المُسلِمينَ من استِحلالِ مُعامَلاتِهم في آخِرِ أَعمارِهم في سائِرِ الأَعصارِ من غيرِ إِنكارٍ (٢).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٥٨٤)، وابن أبي شيبة (٢٢٩٧٤)، وأحمد (٢٦٧٦٠)، وأبو يعلى في «مسنده» (٦٨٩٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٥٤)، والحاكم في «المستدرك» (٧٠٣٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٧٣)، ويُنظَرُ: «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٤٣)، و «العناية» (٩/ ٨٦، ٨٧)، و «ابن عابدين» (٦/ ٤١١)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٣/ ٣٧٧)، و «التمهيد» (٢٢/ ٢٢٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٢، ١٠٣)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٩٠، ٤٩٢)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣، ٤)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٩٤)، و «الشرح الصغير» (٩/ ٢٠٣).

وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: الفَرقُ الرابِعُ والعِشرونَ بينَ قاعِدةِ ما تُؤثِّرُ فيه الجَهالاتُ والغَررُ وقاعِدةِ ما لا يُؤثِّرُ فيه ذلك من التَّصرُّفاتِ.

ورَدَت الأَحاديثُ الصَّحيحةُ في نَهيِه عليه السلام عن بَيعِ الغَررِ وعن بَيعِ المَجهولِ، واختَلفَ العُلماءُ بعدَ ذلك فمنهم من عمَّمَه في التَّصرفاتِ وهو الشافِعيُّ، فمنَعَ من الجَهالةِ في الهِبةِ والصَّدقةِ والإِبراءِ والخُلعِ والصُّلحِ وغيرِ ذلك.

ومنهم مَنْ فصَّلَ -وهو مالِكٌ- بينَ قاعِدةِ ما يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ وهو بابُ المُماكَساتِ والتَّصرُّفاتِ المُوجِبةِ لتَنميةِ الأَموالِ وما يُقصدُ به تَحصيلُها، وبينَ قاعِدةِ ما لا يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ، وهو ما لا يُقصدُ لذلك، وانقسَمَت التَّصرُّفاتُ عندَه إلى ثَلاثةِ أَقسامٍ، إلى طرَفَينِ وواسِطةٍ.

فالطَّرفانِ: أحدُهما: مُعاوضةٌ صِرفةٌ فيُجتنَبُ فيها ذلك إلا ما دعَت الضَّرورةُ إليه عادةً، كما تَقدَّمَ أنَّ الجَهالاتِ ثَلاثةُ أقسامٍ، فكذلك الغَررُ والمَشقةُ.

وثانيهما: ما هو إِحسانٌ صِرفٌ لا يُقصدُ به تَنميةُ المالِ، كالصَّدقةِ والهِبةِ والإبراءِ؛ فإنَّ هذه التَّصرفاتِ لا يُقصدُ بها تَنميةُ المالِ، بل إنْ فاتَتْ على مَنْ أُحسِنَ إليه بها فلا ضَررَ عليه فإنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا بخِلافِ القِسمِ الأولِ إذا فاتَ بالغَررِ والجَهالاتِ ضاعَ المالُ المَبذولُ في مُقابَلتِه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ مَنعَ الجَهالةِ فيه، أمَّا الإِحسانُ الصِّرفُ فلا ضَررَ فيه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإِحسانِ التَّوسعةَ فيه بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ

والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه، فإذا وهَبَ له عَبدَه الآبِقَ جازَ أنْ يَجدَه فيَحصُلَ له ما يَنتفعُ به ولا ضَررَ عليه إنْ لم يَجِدْه؛ لأنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، وهذا فِقهٌ جَميلٌ، ثم إنَّ الأَحاديثَ لم يَرِدْ فيها ما يَعمُّ هذه الأقسامَ حتى نَقولَ يَلزمُ منه مُخالفةُ نُصوصِ صاحِبِ الشَّرعِ، بل إنَّما ورَدَت في البَيعِ ونَحوِه.

وأمَّا الواسِطةُ بينَ الطَّرفَينِ فهي النِّكاحُ، فهو من جِهةِ أنَّ المالَ فيه ليسَ مَقصودًا، وإنَّما مَقصِدُه المَودةُ والأُلفةُ والسُّكونُ يَقتَضي أنْ يَجوزَ فيه الجَهالةُ والغَررُ مُطلقًا، ومِن جِهةِ أنَّ صاحِبَ الشَّرعِ اشتَرطَ فيه المالَ بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتَضي امتِناعَ الجَهالةِ والغَررِ فيه، فلوُجودِ الشَّبهَين توسَّطَ مالِكٌ فجوَّزَ فيه الغَررَ القَليلَ دونَ الكَثيرِ نحوَ عَبدٍ من غيرِ تَعيينٍ، وشُورةِ -أي: مَتاعِ- بَيتٍ، ولا يَجوزُ على العَبدِ الآبِقِ والبَعيرِ الشارِدِ؛ لأنَّ الأولَ يُرجعُ فيه إلى الوَسطِ المُتعارَفِ، والثانِي ليسَ له ضابِطٌ، فامتنَعَ وأُلحِقَ الخُلعُ بأحدِ الطَّرفَين الأوَّلَين، والذي لا يَجوزُ فيه الغَررُ مُطلقًا؛ لأنَّ العِصمةَ وإطلاقَها ليسَا من بابِ ما يُقصدُ للمُعاوضةِ، بل شأنُ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ بغيرِ شَيءٍ فهو كالهِبةِ، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَينِ والضابِطُ للبابَينِ، وهو الفِقهُ مع مالِكٍ رحمة الله عليه فيه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ البَراءةُ من المَجهولِ، سَواءٌ كانَ مَجهولًا لهما -أي: لصاحِبِ الدَّينِ والمَدينِ- أو كانَ مَجهولًا لأحدِهما، وسَواءٌ جهِلا

(١) «الفروق» (١/ ٣٤٧، ٣٤٩).

قَدرَه أو جهِلا وَصفَه أو جهِلاهما معًا، وسَواءٌ كانَ ممَّا يَتعذَّرُ عِلمُه أو ممَّا لا يَتعذَّرُ عِلمُه؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ، فيَنفُذُ مع العِلمِ والجَهلِ كالعِتقِ والطَّلاقِ، ولأنَّ النَّبيَّ قالَ لرَجلَين اختَصَما في مَواريثَ درَسَت بينَهما: «استَهِما، وتوَخَّيا الحَقَّ، وليُحلِلْ أحدُكما صاحِبَه» (١)، ولأنَّه إِسقاطٌ فصَحَّ في المَجهولِ، وكما لو قالَ: «من دِرهمٍ إلى ألفٍ»، ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى تَبرئةِ الذِّمةِ ولا سَبيلَ إلى العِلمِ بما فيها، فلو وقَفَت صِحةُ البَراءةِ على العِلمِ لَكانَ سَدًّا لبابِ عَفوِ الإِنسانِ عن أخيه المُسلمِ وتَبرئةً لذِمَّتِه فلم يَجزْ ذلك كالمَنعِ من العِتقِ.

وأمَّا إنْ كانَ مَنْ عليه الحَقُّ يَعلمُه ويَكتُمُه المُستحَقَّ خَوفًا من أنَّه إذا علِمَه لم يَسمَحْ بإِبرائِه منه فلا تَصحُّ البَراءةُ فيه؛ لأنَّ فيه تَغريرًا بالمُشتَري، وقد أمكَنَ التَّحرُّزُ منه.

ولو أبرَأَه مِنْ مِئةٍ وهو يَعتقدُ أنَّه لا شَيءَ له عليه، وكانَ له عليه مِئةٌ ففي صِحةِ البَراءةِ وَجهانِ:

أحدُهما: صِحتُها؛ لأنَّها صادَفَت مِلكَه فأسقَطَته كما لو علِمَها.

والثاني: لا تَصحُّ؛ لأنَّه أبرأه ممَّا لا يَعتقدُ أنَّه عليه؛ فلم يَكنْ ذلك إبراءً في الحَقيقةِ.

وأصلُ الوَجهَينِ ما لو باعَ مالًا كانَ لمَوروثِه يَعتقدُ أنَّه باقٍ لمَوروثِه وكانَ مَوروثُه قد ماتَ وانتقَلَ مِلكُه إليه، فهل يَصحُّ؟ فيه وَجهان.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

ولو أبرَأَ رَبُّ الدَّينِ المَدينَ من دِرهمٍ إلى ألفٍ صَحَّ الإِبراءُ في الألفِ وفيما دونَه.

ولا يَصحُّ الإِبراءُ من الدَّينِ قبلَ وُجوبِه.

ومِن صُورِ الإِبراءِ من المَجهولِ لو كانَ له على إِنسانٍ دَينانِ وأبرَأَه من أحدِهما لا بعَينِه، أو كانَ له دَينانِ على شَخصَينِ وأبرَأَ أحدُهما لا بعَينِه صَحَّ ويَرجعُ إلى المُبرئِ في البَيانِ، قالَه الحَلوانِيُّ والحارثيُّ.

والمَذهبُ: لا يَصحُّ الإِبراءُ مع إبهامِ المَحلِّ، ك «أبرَأتُ أحدَ غَريمَيَّ أو من أحدِ دَينَيَّ»، كما لو قالَ: «وهَبتُ أحَدَ هذَين العَبدَينِ أو ضمِنتُ لك أحدَ الدَّينَينِ» (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا تَصحُّ البَراءةُ من المَجهولِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ يَقدِرُ على مَعرفتِه أو لا يَقدِرُ، كما لو كتَمَه المُبرأُ خَوفًا من أنَّه لو علِمَه المُبرئُ لم يُبرئْه، ولأنَّه إِزالةُ مِلكٍ لم يَصحَّ مع الجَهلِ به كالهِبةِ.

قالَ الشافِعيةُ: الإِبراءُ من العَينِ باطِلٌ جَزمًا، وكذا من الدَّينِ المَجهولِ جِنسًا أو قَدرًا أو صِفةً باطِلٌ في الجَديدِ؛ لأنَّ البَراءةَ مُتوقِّفةٌ على الرِّضا، ولا يُعقَلُ مع الجَهالةِ، ولأنَّه إزالةُ مِلكٍ لم يَصحَّ مع الجَهلِ به كالهِبةِ.

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٥)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٦)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٥)، و «الإنصاف» (٧/ ١٢٧، ١٢٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٩٣).

ولا أثَرَ لجَهلٍ يُمكنُ مَعرفتُه، فيَكفي في النَّقدِ الرائِجِ عِلمُ العَددِ، وفي الإبراءِ من حِصَّتِه من مُورِّثِه عِلمُ قَدرِ التَّركةِ وإنْ جهِلَ قَدرَ حِصتِه.

ولا يُشترطُ قَبولُ المَدينِ، ولا يَرتدُّ برَدِّه نَظرًا لشائِبةِ الإسقاطِ.

وطَريقُ الإِبراءِ من المَجهولِ -أي: الحِيلةُ في صِحةِ الإبراءِ من المَجهولِ- أنْ يُبرئَ الدائِنُ مَدينَه من قَدرٍ يَعلمُ المُبرِئُ أنَّه لا يَنقُصُ عن الدَّينِ الذي له، كأنْ يُبرئَه من ألفٍ وهو يَعلمُ أنَّ دَينَه لا يَزيدُ عليها، بل شَكَّ هل يَبلغُها أو يَنقُصُ عنها.

وإنْ قالَ: «أبرَأتُك من دِينارٍ إلى مِئةِ دِينارٍ»، وكانَ يَعلمُ أنَّه يَستحقُّ ذلك عليه صحَّت البَراءةُ؛ لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنعَت لأجلِ الغَررِ، فإذا رضِيَ بالجُملةِ فقد زالَ الغَررُ وصحَّت البَراءةُ.

ولو أبرَأَ شَخصٌ شَخصًا من دَينٍ مُعيَّنٍ كمِئةِ رِيالٍ حالَ كَونِ المُبْرِئِ -بكَسرِ الراءِ- مُعتقِدًا أنَّه لا يَستحقُّها فتبيَّنَ بعدَ ذلك أنَّه يَستحقُّها وَقتَ الإبراءِ بأنْ ماتَ مُورِّثُه وله مِئةُ رِيالٍ عندَ المُبرَأِ -بفَتحِ الراءِ- فهل تَصحُّ البَراءةُ؟ فيه وَجهان:

أحدُهما: تَصحُّ البَراءةُ؛ لأنَّها وافَقَت وُجوبَ الدَّينِ والعِبرةُ بالواقِعِ.

والثاني: لا تَصحُّ؛ لأنَّه عَقدُ البَراءةِ، وهو مُتلاعِبٌ.

وإنْ قالَ: «تصَدَّقتُ عليكَ بالدَّينِ الذي لي عليكَ» صَحَّ ذلك، وكانَ بَراءةً بلَفظِ الصَّدقةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].

وقَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وأرادَ بالصَّدقةِ في الآيتَينِ البَراءةَ.

وهذا يَدلُّ على صِحةِ البَراءةِ بلَفظِ الصَّدقةِ، وعلى أنَّ الصَّدقةَ تَصحُّ على الغَنيِّ والفَقيرِ، وعلى أنَّ صَدقةَ التَّطوُّعِ تَصحُّ على بَني هاشِمٍ، وبَني المُطَّلبِ؛ لأنَّه لم يُفرِّقْ في الآيتَينِ.

والخِلافُ بينَ القَديمِ والجَديدِ في صِحةِ البَراءةِ من المَجهولِ مَبنيٌّ على أنَّ البَراءةَ تَمليكٌ أو إِسقاطٌ؛ فإنْ قلُنا: «تَمليكٌ» وهو الصَّحيحُ، لا تَصحُّ البَراءةُ من المَجهولِ، وإنْ قُلنا: «إِسقاطٌ» صَحَّ الإبراءُ من المَجهولِ، وتَظهرُ ثَمرةُ الخِلافِ فيما لو اغتابَ شَخصٌ شَخصًا آخَرَ ثم قالَ له: «اغتَبتُك فاجعَلني في حِلٍّ»، ففعَلَ وهو لا يَدري بم اغتابَه به، فهل يُبرأُ؟ فيه وَجهانِ:

أحدُهما: يُبرأُ؛ لأنَّه إِسقاطٌ مَحضٌ كمَن قطَعَ عُضوًا من عَبدٍ ثم عَفا سَيدُه عن القِصاصِ وهو لا يَعلمُ عَينَ المَقطوعِ؛ فإنَّه يَصحُّ.

والثانِي -وهو أصَحُّهما-: لا يُبرأُ؛ لأنَّ المَقصودَ رِضاه، ولا يُمكنُ الرِّضا بالمَجهولِ، ويُخالِفُ القِصاصَ؛ فإنَّه مَبنيٌّ على التَّغليبِ والسِّرايةِ بخِلافِ إسقاطِ المَظالِمِ (١).

(١) «البيان» (٨/ ١٤٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ١٥٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٥٠، ٤٥١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٦٨)، و «الديباج» (٢/ ٢٨٢)، و «كفاية الأخيار» ص (٣١٧)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩)، و «المغني» (٥/ ٣٨٥)، و «الإنصاف» (٧/ ١٢٧، ١٢٩).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 376 - 383

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله