التأقيت بعمر الأجنبي

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > التأقيت بعمر الأجنبي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

التأقيت بعمر الأجنبي - الأقوال والأدلة

التَّأقيتُ بعُمرِ الأَجنَبيِّ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَّتَ المُعمِرُ الشَّيءَ المُعمَرَ بعُمرِ أجنَبيٍّ بأنْ قالَ: «جعَلتُها لك عُمرَ فُلانٍ»، هل يَصحُّ أو لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لو قالَ: «أعمَرتُك عُمرَ زَيدٍ، أو جعَلتُها لك عُمرَ فُلانٍ الأجنَبيِّ» صحَّت؛ لشُمولِ اسمِ العُمرَى (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في أصَحِّ الوَجهَينِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ أضافَ الهِبةَ إلى عُمرِ غيرِه بأنْ قالَ: «وهَبتُك الدارَ ونَحوَها عُمرَ زَيدٍ» لم تَصحَّ، وهي عَطيةٌ باطِلةٌ لمَا فيه من تأقيتِ المِلكِ، وليست من العُمرَى ولا الرُّقبى (٢).

وأمَّا الحَنفيةُ فلم يَذكُروا في أَلفاظِ الهِبةِ إلا حَياةَ المُعمِرِ أو المُعمَرِ فقط، كما تقدَّمَ.

إذا اقتصَرَ على قَولِ «أعمَرتُك»:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اقتصَرَ المُعمِرُ على قَولِ: «أعمَرتُك» للمُعمَرِ له بأنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ -مَثلًا-، أو جعَلتُها لك عُمرَك، أو ما عِشتَ أو ما حَييتَ»، وأطلَقَ ولم يَتعرَّضْ لمَا بعدَ مَوتِه، فهل تَكونُ له في

(١) «الذخيرة» (٦/ ٢١٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٠٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٤١).
(٢) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤٢)، و «البيان» (٨/ ١٤٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٦)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٧٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٩٨).

حَياتِه ولوَرثتِه بعدَ مَوتِه أو تَكونُ له في حَياتِه فإذا ماتَ تَرجِعُ إلى المُعطي أو تَكونُ العَطيةُ فاسِدةً؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ وهو الصَّحيحُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها هِبةٌ أيضًا، وهي للمُعمَرِ حَياتَه ولوَرثتِه بعدَ مَوتِه، ولا تَرجعُ إلى المُعطِي لقَولِه : «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (١).

وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: «أعمَرتِ امرأةٌ بالمَدينةِ حائِطًا لها ابنًا لها، ثم تُوفِّي وتُوفِّيت بعدَه، وترَكت وَلدًا وله إخوةٌ بَنونَ للمُعمِرةِ، فقالَ وَلدُ المُعمِرةِ: رجَعَ الحائِطُ إلينا، وقالَ بَنو المُعمَرِ: بل كانَ لأبينا حَياتَه ومَوتَه. فاختَصَموا إلى طارِقٍ مَولى عُثمانَ، فدَعا جابِرًا فشهِدَ على رَسولِ اللهِ بالعُمرَى لصاحِبِها فقَضى بذلك طارِقٌ، ثم كتَبَ إلى عبدِ المَلِكِ فأخبَرَه ذلك وأخبَرَه بشَهادةِ جابِرٍ، فقالَ عبدُ المَلِكِ: صدَقَ جابِرٌ، فأمضى ذلك طارِقٌ، فإنَّ ذلك الحائِطَ لبَني المُعمَرِ حتى اليَومِ» (٢).

وعن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «أمسِكوا عليكم أَموالَكم ولا تُفسِدوها؛ فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرى فهي للذي أُعمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه النسائي (٢/ ١٣٦)، وأبو داود (٣٥٥٦)، والطحاوي (٢/ ٢٤٨)، والبيهقي (٦/ ١٧٥).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢٥).

وعن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ أعمَرَ عُمرى فهي له ولعَقِبِه يَرِثُها مَنْ يَرِثُه من عَقِبِه» (١)؛ لأنَّها تَمليكٌ للرَّقبةِ فأشبَهَت الهِبةَ، وليسَ في جَعلِها له مُدةَ حَياتِه ما يُنافي انتِقالَها إلى وَرثتِه؛ فإنَّ الأَملاكَ كلَّها مُقدَّرةٌ بحَياتِه؛ لأنَّ الأَملاكَ المُستقِرةَ إنَّما يُتقدَّرُ زَمانُها بحَياةِ المالِكِ، ثم تَنتقِلُ بعدَ مَوتِه إلى وَرثةِ المالِكِ.

فلم يَكنْ ما جعَلَه له من المِلكِ مُدةَ حَياتِه مُنافيًا لحُكمِ الأَملاكِ، وإذا لم تُنافِه اقتَضى أنْ يَصحَّ، وإذا صَحَّ اقتَضى أنْ يَكونَ مَوروثًا.

وأمَّا القَولُ القَديمُ للشافِعيةِ فاختَلفَ فيه الأَصحابُ:

فقالَ أبو إِسحاقَ المَروزيُّ رحمة الله عليه (وهي الرِّوايةُ الثانيةُ للحَنابِلةِ): قَولُه القَديمُ: (إنَّها تَكونُ للمُعمَرِ في حَياتِه، فإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعطِي)؛ لقَولِه : «مَنْ أُعمِرَ شَيئًا له ولعَقِبِه فهو للذي يُعطاها، لا تَرجعُ إلى الذي أعطاها»، فدَليلُ خِطابِه أنَّه إذا لم يَشترطْ لعَقِبِه؛ فإنَّها تَرجعُ إلى الذي أعطاها، فإذا ماتَ عادت إلى الواهِبِ أو وَرثتِه؛ لأنَّه خَصَّه بها حَياتَه فقط.

وقالَ أكثرُ الأَصحابِ -وعليه المَذهبُ-: قَولُه القَديمُ: (إنَّ العَطيةَ تَكونُ فاسِدةً)؛ لأنَّه تَمليكُ عَينٍ قُدِّرَ بمُدةٍ فوجَبَ أنْ يَكونَ باطِلًا، كما لو قالَ: بِعتُك داري هذه عُمرَك، ولأنَّها عُمرَى مُقدَّرةٌ وجَبَ أنْ تَكونَ باطِلةً كما لو قالَ: قد أعمَرتُكها سَنةً، ولأنَّه إذا جعَلَها له مُدةَ عُمرِه فقد يَحتمِلُ أنْ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٥٣)، والنسائي (٣٧٤٢).

يُريدَ الرُّجوعَ إليه بعدَ مَوتِه فيَبطُلُ، ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ أنْ يُورَثَ عنه فيَصحَّ، فلم يَجزْ أنْ يُحملَ على الصِّحةِ مع الاحتِمالِ الفاسِدِ.

وقالَ بَعضُهم: القَديمُ أنَّها عارِيةٌ يَستردُّها الواهِبُ متى شاءَ، فإذا ماتَ عادَت إلى وَرثتِه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا شرَطَ في العُمرَى أنَّها للمُعمَرِ وعَقِبِه فهذا تأكيدٌ لحُكمِها، وتَكونُ للمُعمَرِ ووَرثتِه، وهذا قَولُ جَميعِ القائِلين بها.

وإذا أطلَقَها بأنْ يَقولَ أعمَرتُكها حَياتَك ولم يَزِدْ، ففيها رِوايتانِ:

إحداهُما: هي كالأُولى للخَبَرِ، وجاءَ في لَفظٍ: «قَضى رَسولُ اللهِ بالعُمرَى لمَن وُهبَت له» مُتَّفقٌ عليه، ولأنَّ الأَملاكَ المُستقرةَ كلَّها مُقدَّرةٌ بحَياةِ المالِكِ وتَنتقلُ إلى الوَرثةِ فلم يَكنْ تَقديرُه بحَياتِه مُنافيًا لحُكمِ الإملاكِ.

والثانيةُ: يَرجعُ بعدَ مَوتِه إلى المُعمِرِ؛ لمَا رَوى جابِرٌ قالَ: «إنَّما العُمرَى التي أجازَ رَسولُ اللهِ أنْ يَقولَ: «هي لك ولعَقِبِك». فأمَّا إذا

(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٧٠، ٧١)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤١)، و «المهذب» (١/ ٤٤٨)، و «البيان» (٨/ ١٣٧، ١٣٨)، و «الوسيط» (٥/ ٢١٠، ٢١١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٤، ١٨٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤٤، ٥٤٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٩، ٤٩٠)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «الديباج» (٥٣٩، ٥٤٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٧٥، ٢٧٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٦)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٨)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٧٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 311 - 314

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله