التسوية بين الأولاد في الهبة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > التسوية بين الأولاد في الهبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 42 دقيقة قراءة

التسوية بين الأولاد في الهبة - الأقوال والأدلة

ولا رَيبَ أنَّ في تَجويزِ ذلك ذَريعةً إلى التَّحيُّلِ على الفَقيرِ بأنْ يَدفعَ إليه صَدقةَ مالِه ثم يَشتريها منه بأقَلَّ من قيمَتِها، ويَرى المِسكينُ أنَّه قد حصَلَ له شَيءٌ مع حاجَتِه فتَسمحُ نَفسُه بالبَيعِ، واللهُ عالِمٌ بالأَسرارِ، فمِن مَحاسنِ هذه الشَّريعةِ الكامِلةِ سَدُّ الذَّريعةِ ومَنعُ المُتصدقِ من شِراءِ صَدقتِه وباللهِ التَّوفيقُ (١).

التَّسويةُ بينَ الأولادِ في الهِبةِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُستحَبُّ التَّسويةُ بينَ الأولادِ في الهِبةِ في حالِ الصِّحةِ ويُكرهُ التَّفضيلُ بينَهم؛ لقَولِ النَّبيِّ للنُّعمانِ بنِ بَشيرٍ وقد خَصَّ ابنَه بالنِّحَلِ: «أتُحِبُّ أنْ يَكونوا في البِرِّ سَواءً»، كيف تَجِدُه مُتضمنًا لبَيانِ الوَصفِ الداعِي إلى شَرعِ التَّسويةِ بينَ الأَولادِ، وهو العَدلُ الذي قامَت به السَّمواتُ والأرضُ، فكما أنَّك تُحبُّ أنْ يَستَووا في بِرِّك وألَّا يَنفردَ أحدُهم ببِرِّك وتُحرَمَه من الآخَرِ، فكيف يَنبَغي أنْ تُفرِدَ أحدَهما بالعَطيةِ وتَحرمَها الآخَرَ؟! (٢).

ولأنَّ في التَّسويةِ تَأليفَ القُلوبِ، والتَّفضيلُ يُورثُ الوَحشةَ بينَهم فكانَت التَّسويةُ أَولى (٣)، ولئلَّا يُفضيَ بهم الأمرُ إلى العُقوقِ والتَّحاسدِ (٤).

(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٥٦).
(٢) «بدائع الفوائد» (٤/ ٩٣٩).
(٣) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٧).
(٤) «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥٤).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأمَّا قَولُه : «أكُلَّ وَلدِك نَحَلتَه مِثلَ هذا؟»؛ فإنَّ العُلماءَ مُجمِعون على استِحبابِ التَّسويةِ في العَطيةِ بينَ الأبناءِ إلا ما ذكَرنا عن أهلِ الظاهِرِ من إيجابِ ذلك (١).

وأمَّا التَّفضيلُ بينَهم في حالِ مَرضِ المَوتِ فهو وَصيةٌ، ولا تَجوزُ لوارِثٍ إلا برِضا الوَرثةِ اتِّفاقًا (٢).

ثم اختلَفَ الفُقهاءُ في تَفضيلِ الأبِ لبَعضِ أَبنائِه من غيرِ حاجةٍ من غيرِ رِضا البَقيةِ، بأنْ فضَّلَ بَعضَهم على بَعضٍ، أو أَعطى بَعضًا وحرَمَ بَعضَهم الآخَرَ، هل يَصحُّ تَصرُّفُه ويَجوزُ له التَّفضيلُ مع الكَراهةِ أو لا يَجوزُ ويَجبُ نَقضُ القِسمةِ، وتَجبُ التَّسويةُ بينَهم؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يَجوزُ تَفضيلُ بعضِ الأبناءِ على بَعضٍ في الهِبةِ، أو في إِعطاءِ أحدِهم وحِرمانِ الآخَرينَ، وهذا في الجُملةِ، إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا قالَ: بشَرطِ ألَّا يُعطيَه جَميعَ مالِه؛ فإنْ أعطَى بَعضَه وأبقَى لنَفسِه وترَكَ أولادَه الآخَرينَ جازَ (٣).

وقالَ أَبو يُوسفَ رحمة الله عليه: يَجوزُ التَّفضيلُ إذا لم يُردِ الإِضرارَ.

(١) «التمهيد» (٧/ ٢٣٤).
(٢) «التمهيد» (٧/ ٢٢٥).
(٣) قالَ الخرشي رحمة الله عليه في «شرح مختصر خليل» (٧/ ٨٢): وأمَّا هِبةُ الرَّجلِ لبَعضِ وَلدِه مالَه كلَّه أو جُلَّه فمَكروهةٌ، ويُكرهُ أيضًا أنْ يُعطيَ مالَه كلَّه لأَولادِه ويَقسمَه بينَهم بالسَّويةِ إنْ كانوا ذُكورًا وإناثًا، وإنْ قسَّمَه بينَهم على قَدرِ مَواريثِهم فذلك جائِزٌ.

واستدَلَّ الجُمهورُ على جَوازِ التَّفضيلِ وعلى إِعطاءِ بعضِ الأَبناءِ دونَ بَعضٍ بقِصةِ أبي بَكرٍ رضي الله عنه لمَّا نحَلَ عائِشةَ رضي الله عنها دونَ سائِرِ وَلدِه، فرَوى الإمامُ مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ رضي الله عنها زَوجِ النَّبيِّ أنَّها قالَت: «إنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه نحَلَها جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالٍ بالغابةِ، فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما من الناسِ أحدٌ أحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعدي منكَ، ولا أعَزُّ علَيَّ فَقرًا بَعدي منك، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك من مالي جِدادَ عِشرين وَسقًا، فلو كُنْتِ جَددتِيه واحتَزتيه كانَ لك ذلك، وإنَّما هو مالُ الوارِثِ، وإنَّما هو أخواك وأُختاك، فاقتَسِموه على كِتابِ اللهِ. فقالَت: يا أبتِ واللهِ لو كانَ كذا وكذا لتَركتُه، إنَّما هو أَسماءُ، فمَن الأُخرى، قالَ: ذو بَطنٍ بِنتُ خارِجةَ أراها جارِيةً» (١).

واحتَجُّوا على ذلك أيضًا بقَولِ النَّبيِّ لبَشيرِ بنِ سَعدٍ: «أشهِدْ على هذا غيري»، فهذا يَدلُّ على أنَّه ليسَ بحَرامٍ؛ لأنَّه لو كانَ حَرامًا أو باطِلًا لمَا قالَ هذا الكَلامَ، وهو لا يأمُرُ بالإشهادِ على الباطِلِ، إلا أنْ يَتبيَّنَ أنَّه فِرارٌ من فَرائِضِ اللهِ تَعالى.

ولأنَّه تَصرُّفٌ في خالِصِ مِلكِه لا حَقَّ لأحَدٍ فيه، ولأنَّ الإِجماعَ مُنعقِدٌ على أنَّ للأبِ أنْ يَهبَ بعضَ مالِه لأجنَبيٍّ ولا يُعطيَ وَلدَه شَيئًا، فإذا اختارَ أنْ يُعطيَ أجنَبيًّا ويَحرِمَ وَلدَه كلَّهم كانَ له أنْ يُعطيَ بَعضَهم ويَحرِمَ بَعضَهم.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤٣٨)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٨).

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو نحَلَ بَعضًا وحرَمَ بَعضًا جازَ من طَريقِ الحُكمِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في خالِصِ مِلكِه لا حَقَّ لأحَدٍ فيه، إلا أنَّه لا يَكونُ عَدلًا، سَواءٌ كانَ المَحرومُ فَقيهًا تَقيًّا أو جاهِلًا فاسِقًا على قَولِ المُتقدِّمينَ من مَشايخِنا.

وأمَّا على قَولِ المُتأخِّرينَ منهم فلا بأسَ أنْ يُعطيَ المُتأدِّبينَ والمُتفقِّهينَ دونَ الفَسقةِ الفَجرةِ (١).

وقالَ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: ذكَرَ المُعلَّى بنُ مَنصورٍ عن أَبي يُوسفَ: لا بأسَ بأنْ يُؤثِرَ الرَّجلُ بعضَ وَلدِه على بَعضٍ إذا لم يُردِ الإضرارَ (٢).

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ الفُقهاءُ في هذا المَعنى، هل هو على الإِيجابِ أو على النَّدبِ؟ فأمَّا مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُه فأَجازوا أنْ يَخصَّ بعضَ وَلدِه دونَ بَعضٍ بالنِّحلةِ والعَطيةِ على كَراهيةٍ من بَعضِهم على ما يَأتي من أقاويلِهم في هذا البابِ، والتَّسويةُ أحَبُّ إلى جَميعِهم.

وكانَ مالِكٌ يَقولُ: إنَّما مَعنى هذا الحَديثِ الذي جاءَ فيه فيمَن نحَلَ بعضَ وَلدِه مالَه كلَّه، قالَ: وقد نحَلَ أَبو بَكرٍ رضي الله عنه عائِشةَ دونَ سائِرِ وَلدِه، حَكى ذلك عنه ابنُ القاسِمِ وأشهَبُ …

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٧).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٤٢).

ثم قالَ أَبو عُمرَ: أكثَرُ الفُقهاءِ على أنَّ مَعنى هذا الحَديثِ النَّدبُ إلى الخَيرِ والبِرِّ والفَضلِ، لا أنَّ ذلك واجِبٌ فَرضًا ألَّا يُعطيَ الرَّجلُ بعضَ وَلدِه دونَ بَعضٍ على ما ذهَبَ إليه أهلُ الظاهِرِ، والدَّليلُ على أنَّ ذلك كذلك على النَّدبِ لا على الإِيجابِ، مما احتَجَّ به الشافِعيُّ وغيرُه إِجماعُ العُلماءِ على جَوازِ عَطيةِ الرَّجلِ مالَه لغيرِ وَلدِه، فإذا جازَ أنْ يُخرجَ جَميعَ وَلدِه عن مالِه جازَ له أنْ يُخرجَ عن ذلك بَعضَهم.

وأمَّا قِصةُ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ هذه فقد رُويَ في حَديثِه أَلفاظٌ مُختلفةٌ أكثَرُها تَدلُّ على أنَّ ذلك على النَّدبِ لا على الإِيجابِ، منها قَولُ النَّبيِّ : «أعطَيتَ سائِرَ وَلدِك مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فاتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أولادِكم». قالَ: فرجَعَ فرَدَّ عَطيَّتَه (١)، فلم يَذكرْ في هذا الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ أمرَه أنْ يَرجعَ في عَطيَّتِه، وإنَّما فيه رجَعَ فَردٌ عن عَطيَّتِه.

وفي رِوايةٍ قالَ: «هذا جَورٌ»، وقالَ بَعضُهم: «هذه تَلجئةٌ، فأشهِدْ على هذا غيري»، وقالَ المُغيرةُ في حَديثِه: «أليس يَسرُّك أنْ يَكونوا في البِرِّ واللُّطفِ سَواءً؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فأشهِدْ على هذا غيري»، وذكَرَ مُجالِدٌ في حَديثِه: «إنَّ لهم عليكَ من الحَقِّ أنْ تَعدلَ بينَهم كما أنَّ لكَ عليهم من الحَقِّ أنْ يبَرُّوك».

(١) أخرجه البخاري (٢٤٤٧).

وفي رِوايةٍ: «إنَّ لبَنيكَ عليك من الحَقِّ أنْ تَعدلَ بينَهم، فلا تُشهِدْني على جَورٍ» فهذه الأَلفاظُ كلُّها مع قَولِه: «أشهِدْ على هذا غَيري»، دَليلٌ واضِحٌ على جَوازِ العَطيةِ، وأمَّا رِوايةُ مَنْ رَوى عن الشَّعبيِّ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ في هذا الحَديثِ: «أكُلَّ وَلدِك أعطَيتَه؟» قالَ: لا. قالَ: «فإنِّي لا أشهَدُ إلا على حَقٍّ» وكذلك رِوايةُ جابِرٍ عن النَّبيِّ في قِصةِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ هذه، فيَحتملُ ألَّا يَكونَ مُخالِفًا لما تقدَّمَ؛ لاحتِمالِه أنْ يَكونَ أرادَ الحَقَّ الذي لا تَقصيرَ فيه عن أَعلى مَراتبِ الحَقِّ، وإنْ كانَ ما دونَه حَقًّا، صَحَّ بهذا كلِّه مَذهبُ مالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ ومَن قالَ بقَولِهم في استِحبابِ تَركِ التَّفضيلِ بينَ الأَبناءِ في العَطيةِ، وإِمضائِه إذا وقَعَ؛ لأنَّ غايةَ ما في ذلك تَركُ الأفضَلِ، كما لو أَعطى لغيرِ رَحمِه وترَكَ رَحمَه كانَ مُقصِّرًا عن الحَقِّ وتاركًا للأفضَلِ، ونفَذَ مع ذلك فِعلُه (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لو فضَّلَ بَعضَهم أو وهَبَ لبَعضِهم دونَ بَعضٍ فمَذهبُ الشافِعيِّ ومالِكٍ وأبي حَنيفةَ أنَّه مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ، والهِبةُ صَحيحةٌ.

وقالَ طاوُسٌ وعُروةُ ومُجاهدٌ والثَّوريُّ وأحمدُ وإِسحاقُ وداودُ: هو حَرامٌ، واحتَجُّوا برِوايةِ: «لا أشهَدُ على جَورٍ» وبغيرِها من ألفاظِ الحَديثِ.

واحتَجَّ الشافِعيُّ ومُوافِقوه بقَولِه : «فأشهِدْ على هذا غيري»، قالوا: ولو كانَ حَرامًا أو باطِلًا لمَا قالَ هذا الكَلامَ.

(١) «التمهيد» (٧/ ٢٢٥، ٢٣٣) بتَصرفٍ يَسيرٍ.

فإنْ قيلَ: قالَه تَهديدًا. قُلنا: الأصلُ في كَلامِ الشارِعِ غيرُ هذا، ويَحتملُ عندَ إطلاقِه صيغةَ «أفعِلْ» على الوُجوبِ أو النَّدبِ؛ فإنْ تعذَّرَ ذلك فعلى الإِباحةِ.

وأمَّا قَولُه : «لا أشهَدُ على جَورٍ» فليسَ فيه أنَّه حَرامٌ؛ لأنَّ الجَورَ هو المَيلُ عن الاستِواءِ والاعتِدالِ، وكلُّ ما خرَجَ عن الاعتِدالِ فهو جَورٌ، سَواءٌ كانَ حَرامًا أو مَكروهًا، وقد وضَحَ بما قدَّمناه أنَّ قَولَه : «أشهِدْ على هذا غيري» يَدلُّ على أنَّه ليسَ بحَرامٍ، فيَجبُ تَأويلُ الجَورِ على أنَّه مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ هِبةَ بعضِ الأَولادِ دونَ بَعضٍ صَحيحةٌ، وأنَّه إنْ لم يَهبِ الباقين مِثلَ هذا استُحِبَّ رَدُّ الأولِ، قالَ أَصحابُنا: يُستحبُّ أنْ يَهبَ الباقينَ مِثلَ الأولِ؛ فإنْ لم يَفعلِ استُحبَّ رَدُّ الأولِ ولا يَجبُ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: يَنبَغي للوالِدِ وإنْ علا أنْ يَعدلَ بينَ أَولادِه في العَطيةِ؛ لحَديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ولئلَّا يُفضيَ بهم الأمرُ إلى العُقوقِ والتَّحاسدِ؛ فإنْ لم يَعدلْ فعَلَ مَكروهًا، لكنْ تَصحُّ الهِبةُ؛ لقَولِه في حَديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ: «فأرجِعْه» فلولا أنَّ الهِبةَ قد صحَّت لمَا أمَرَه بالرَّجعةِ.

وفي رِوايةٍ: «أنَّ النُّعمانَ بنَ بَشيرٍ قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمَّه قالَت: لا أَرضى حتى يَشهدَ رَسولُ اللهِ ، فلمَّا قالَ له ما قالَ من أنَّه لم يُعطِ جَميعَ وَلدِه مِثلَه قالَ له النَّبيُّ : «أشهِدْ على هذا غيري»،

(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٦٦، ٦٧).

فلو لم تَصحَّ الهِبةُ لمَا أمَرَه بأنْ يُشهدَ عليه غيرَه، وإنَّما امتنَعَ من أنْ يَشهدَ على ذلك، لئلَّا يَصيرَ ذلك سُنةً.

ولأنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه فضَّلَ عائِشةَ رضي الله عنها على غيرِها من أولادِه، فنحَلَها جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالِه دونَ سائِرِ أولادِه.

ورُويَ: «أنَّ عُمرَ رضي الله عنه وهَبَ ابنَه عاصِمًا دونَ عبدِ اللهِ وعُبيدِ اللهِ وزَيدٍ» (١)، وكذلك رُويَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ (٢) ولا مُخالفَ لهم.

ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يَجمعَ جَميعَهم جازَ أنْ يُعطيَ جَميعَهم، وجازَ أنْ يَفعلَ ذلك بجَميعِهم كالأجانِبِ، ولأنَّه لمَّا جازَت هِبةُ بعضِ الأَولادِ للأبِ جازَت هِبةُ الأبِ لبَعضِ الأَولادِ.

والأَولى في هذه الحالِ أنْ يُعطيَ الآخَرينَ ما يَحصُلُ به العَدلُ ولو رجَعَ جازَ، وإذا أعطَى وعدَلَ كُرهَ له الرُّجوعُ.

وكذا لو كانَ وَلدًا واحِدًا فوهَبَ له كُرهَ الرُّجوعُ إنْ كانَ الوَلدُ عَفيفًا بارًّا؛ فإنْ كانَ عاقًّا أو يَستعينُ بما أَعطاه في مَعصيةٍ فليُنذِرْه بالرُّجوعِ؛ فإنْ أصَرَّ لم يُكرهِ الرُّجوعُ (٣).

(١) رواه الشافعي في «المختصر» (٣/ ١٢٢)، وعنه البيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٧٨).
(٢) رواه الشافعي في «المختصر» (٣/ ١٢٢)، وعنه البيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٧٨).
(٣) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤٤، ٥٤٥)، و «البيان» (٨/ ١١١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٩١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٥٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٤)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٥٨١).

وقالَ أبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: ولم يَرَ ابنُ القاسِمِ إذا تصَدَّق بجَميعِ مالِه على بعضِ وَلدِه أنْ يَردَّ ذلك بقَضاءٍ، والأصلُ في هذه المَسألةِ حَديثُ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ أنَّ أَباه بَشيرًا أَتى به إلى رَسولِ اللهِ فقالَ: إنني نحَلتُ ابني هذا غُلامًا كانَ لي، فقالَ رَسولُ اللهِ : «أكُلَّ وَلدٍ نحَلتَه مِثلَ هذا؟» فقالَ: لا. فقالَ رَسولُ اللهِ : «فارتَجِعْه» فحمَلَ مالِكٌ الأمرَ بالارتِجاعِ في الحَديثِ على الوُجوبِ، وتأوَّلَه على أنَّه لم يَكنْ له مالٌ غيرُه، وحمَلَه ابنُ القاسِمِ على العُمومِ فيمَن خَصَّ بعضَ بَنيه ببَعضِ مالِه أو بجَميعِه، وتأوَّلَه على الندَّبِ وهو أظهَرُ؛ لأنَّه لم يَقُلْ : إنَّ ذلك لا يَجوزُ لك، وإنَّما أمَرَه بالارتِجاعِ لمَا كرِهَ له من تَفضيلِ بعضِ وَلدِه على بَعضٍ مَخافةَ أنْ يَكونَ ذلك سَببًا في أنْ يَعُقَّه مَنْ حرَمَه عَطيتَه، وأمَّا إذا أعطى بعضَ وَلدِه بعضَ مالِه -وإنْ كانَ جُلَّه- وأبقى لنَفسِه بَعضَه فلا اختِلافَ في المَذهبِ ولا بينَ فُقهاءِ الأَمصارِ، مالِكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ في أنَّ ذلك جائِزٌ، إلا أنَّه مَكروهٌ لمَا جاءَ من الأمرِ بأنْ يَعدلَ الرَّجلُ بينَ وَلدِه في العَطيةِ (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ للإِنسانِ أنْ يَهبَ جَميعَ مالِه للأجنَبيِّ، واختَلفوا في تَفضيلِ الرَّجلِ بعضَ وَلدِه على بَعضٍ في الهِبةِ أو في جَميعِ مالِه لبَعضِهم دونَ بَعضٍ.

(١) «البيان والتحصيل» (١٣/ ٣٧٠، ٣٧١)، و «الذخيرة» (٦/ ٢٨٩).

فقالَ جُمهورُ فُقهاءِ الأَمصارِ بكَراهيةِ ذلك له، ولكنْ إذا وقَعَ عندَهم جازَ.

وقالَ أهلُ الظاهِرِ: لا يَجوزُ التَّفضيلُ فَضلًا على أنْ يَهبَ جَميعَ مالِه.

وقالَ مالِكٌ: يَجوزُ التَّفضيلُ ولا يَجوزُ أنْ يَهبَ بَعضَهم جَميعَ المالِ دونَ بَعضٍ.

ودَليلُ أهلِ الظاهِرِ حَديثُ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، وهو حَديثٌ مُتَّفقٌ على صِحتِه وإنْ كانَ قد اختُلفَ في ألفاظِه، والحَديثُ أنَّه قالَ: إنَّ أَباه بَشيرًا أتى به إلى رَسولِ اللهِ ، فقالَ: إنِّي نحَلتُ ابني هذا غُلامًا كانَ لي. فقالَ رَسولُ اللهِ : «أكُلَّ وَلدِك نحَلتَه مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ رَسولُ اللهِ : «فارتَجِعْه» واتَّفقَ مالِكٌ والبُخاريُّ ومُسلمٌ على هذا اللَّفظِ، قالوا: والارتِجاعُ يَقتَضي بُطلانَ الهِبةِ.

وفي بعضِ أَلفاظِ رِواياتِ هذا الحَديثِ أنَّه قالَ عليه الصلاة والسلام: «هذا جَورٌ».

وعُمدةُ الجُمهورِ أنَّ الإِجماعَ مُنعقدٌ على أنَّ للرَّجلِ أنْ يَهبَ في صِحتِه جَميعَ مالِه للأجانِبِ دونَ أولادِه؛ فإنْ كانَ ذلك للأجنَبيِّ فهو للوَلدِ أحرَى.

واحتَجُّوا بحَديثِ أَبي بَكرٍ المَشهورِ «أنَّه كانَ نحَلَ عائِشةَ جِذاذَ عِشرينَ وَسقًا من مالِ الغابةِ، فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما من الناسِ أحدٌ أحَبُّ إلَيَّ غِنًى بعدي منك، ولا أعَزُّ علَيَّ فَقرًا بعدي منك، وإنِّي كُنْتُ

نحَلتُك جِذاذَ عِشرين وَسقًا، فلو كُنْتِ جَذذتيه واحتَزتيه كانَ لك، وإنَّما هو اليَومَ مالُ وارِثٍ» (١).

قالوا: وذلك الحَديثُ المُرادُ به النَّدبُ، والدَّليلُ على ذلك أنَّ في بعضِ رِواياتِه «ألستَ تُريدُ أنْ يَكونوا لك في البِرِّ واللُّطفِ سَواءً؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فأشهِدْ على هذا غيري».

وأمَّا مالِكٌ فإنَّه رأى أنَّ النَّهيَ عن أنْ يَهبَ الرَّجلُ جَميعَ مالِه لواحدٍ من وَلدِه هو أحرى أنْ يُحملَ على الوُجوبِ، فأوجَبَ عندَه مَفهومُ هذا الحَديثِ النَّهيَ عن أنْ يَخصَّ الرَّجلُ بعضَ أولادِه بجَميعِ مالِه.

فسَببُ الخِلافِ في هذه المَسألةِ مُعارضةُ القياسِ للَفظِ النَّهيِ الوارِدِ، وذلك أنَّ النَّهيَ يَقتَضي عندَ الأكثَرِ بصيغَتِه التَّحريمَ، كما يَقتَضي الأمرُ الوُجوبَ، فمَن ذهَبَ إلى الجَمعِ بينَ السَّماعِ والقياسِ حمَلَ الحَديثَ على النَّدبِ أو خصَّصَه في بعضِ الصُّورِ كما فعَل مالِكٌ، ولا خِلافَ عندَ القائِلينَ بالقِياسِ أنَّه يَجوزُ تَخصيصُ عُمومِ السُّنةِ بالقياسِ، وكذلك العُدولُ بها عن ظاهِرِها، أعني أنْ يَعدلَ بلَفظِ النَّهيِ عن مَفهومِ الحَظرِ إلى مَفهومِ الكَراهيةِ.

وأمَّا أهلُ الظاهِرِ فلمَّا لم يَجزْ عندَهم القياسُ في الشَّرعِ اعتَمَدوا ظاهِرَ الحَديثِ، وقالوا بتَحريمِ التَّفضيلِ في الهِبةِ (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٦)، ويُنظَرُ: «شرح السنة» (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٤٢، ١٤٤)، و «فتح الباري» (٥/ ٢١٤).

وذهَبَ الحَنابِلةُ وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ إلى أنَّه يَجبُ على الإِنسانِ أنْ يُسوِّيَ بينَ أولادِه في العَطيةِ إذا لم يَخصَّ أحدَهم بمَعنًى يُبيحُ التَّفضيلَ؛ فإنْ خَصَّ بَعضَهم بعَطيتِه أو فاضَلَ بينَهم فيها أثِمَ ووجَبَت عليه التَّسويةُ بأحدِ أمرَيْن:

إمَّا برَدِّ ما فضَّلَ به بَعضَهم، وإما بإتمامِ نَصيبِ الآخَرينَ ولو في مَرضِ المَوتِ حتى يَستَووا بمَن خصَّه أو فضَّلَه، ويَنبَغي أنْ يَكونَ على الفَورِ، كما لو زوَّجَ أحدَ بَنيه في صِحتِه وأدَّى عنه الصَّداقَ، ثم مرِضَ الأبُ مَرضَ المَوتِ المَخوفِ؛ فإنَّه يُعطي ابنَه الآخَرَ كما أعطَى الأولَ -على الصَّحيحِ كما سيأتي- ليَحصُلَ التَّعديلُ بينَهما، ولا يُمكنُ الرُّجوعُ هنا؛ لأنَّ الزَّوجةَ ملَكَت الصَّداقَ بالعَقدِ، ولا يُحسَبُ ما يُعطيه الأبُ من ابنِه الثانِي من الثُّلثِ مع أنَّه عَطيةٌ في مَرضِ المَوتِ؛ لأنَّه تَدارُكٌ للواجِبِ أشبَهَ قَضاءَ الدَّينِ، والرُّجوعُ المَذكورُ -أي: رُجوعُ المُخصِّصِ أو المُفضِّلِ بعدَ القَبضِ- يَختصُّ بالأبِ دونَ الأُمِّ وغيرِها، كالجَدِّ والابنِ والإِخوةِ والأَعمامِ.

والدَّليلُ على وُجوبِ التَّسويةِ بينَ الأولادِ ما رَواه البُخاريُّ عن حُصَينٍ عن عامِرٍ قالَ: سمِعتُ النُّعمانَ بنَ بَشيرٍ رضي الله عنهما وهو على المِنبَرِ يَقولُ: أَعطاني أَبي عَطيةً. فقالَت عَمرةُ بِنتُ رَواحةَ: لا أرضَى حتى تُشهدَ رَسولَ اللهِ . فأتى رَسولَ اللهِ فقالَ: إنِّي أعطَيتُ ابني من عَمرةَ بِنتِ رَواحةَ عَطيةً فأمرَتْني أنْ أُشهِدَك يا رَسولَ اللهِ. قالَ:

«أعطَيتَ سائِرَ وَلدِك مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فاتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أَولادِكم». قالَ: فرجَعَ فرَدَّ عَطيتَه (١).

وفي رِوايةٍ: أنَّ أَباه أَتى به إلى رَسولِ اللهِ فقالَ: إنِّي نحَلتُ ابني هذا غُلامًا. فقالَ: «أكُلَّ وَلدِك نحَلتَ مِثلَه؟» قالَ: لا، قالَ: «فأرجِعْه» (٢). وفي رِوايةٍ: قالَ: «فاردُدْه» (٣).

وفي رِوايةٍ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «يا بَشيرُ ألك وَلدٌ سِوى هذا؟». قالَ: نَعمْ. فقالَ: «أكُلَّهم وهَبتَ له مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فلا تُشهِدْني إذًا، فإنِّي لا أشهَدُ على جَورٍ» (٤).

وفي رِوايةٍ: فقالَ : «ألَه إخوةٌ». قالَ: نَعَمْ. قالَ: «أفكُلَّهم أعطَيتَ مِثلَ ما أعطَيتَه؟» قالَ: لا. قالَ: «فليسَ يَصلحُ هذا، وإنِّي لا أشهَدُ إلا على حَقٍّ» (٥).

وهذا الحَديثُ دَليلٌ على التَّحريمِ؛ لأنَّه سَمَّاه جَورًا وأمَرَ برَدِّه وامتنَعَ من الشَّهادةِ عليه، والجَورُ حَرامٌ، وإلا فمَن الذي يَطيبُ قَلبُه من المُسلِمينَ أنْ يَشهدَ على ما حكَمَ النَّبيُّ بأنَّه جَورٌ وأنَّه لا يَصلحُ وأنَّه على

(١) أخرجه البخاري (٢٤٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٤٦)، ومسلم (١٦٢٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢٣).
(٤) أخرجه البخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٦٢٣).
(٥) أخرجه مسلم (١٦٢٤).

خِلافِ تَقوى اللهِ ، وأنَّه خِلافُ العَدلِ، وهذا الحَديثُ من تَفاصيلِ العَدلِ الذي أمَرَ اللهُ به في كِتابِه وقامَت به السَّمواتُ والأرضُ وأُسِّست عليه الشَّريعةُ.

والأمرُ في هذا الحَديثِ يَقتَضي الوُجوبَ، ولأنَّ تَفضيلَ بَعضِهم يُورثُ بينَهم العَداوةَ والبَغضاءَ وقَطيعةَ الرَّحمِ، فمنعَ منه، كتَزويجِ المَرأةِ على عَمتِها أو خالتِها.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقَولُ أَبي بَكرٍ لا يُعارِضُ النَّبيَّ ولا يُحتجُّ به معه.

ويَحتملُ أنَّ أَبا بَكرٍ رضي الله عنه خصَّها بعَطيتِه لحاجَتِها وعَجزِها عن الكَسبِ والتَّسببِ فيه مع اختِصاصِها بفَضلِها وكَونِها أُمَّ المُؤمنينَ زَوجَ رَسولِ اللهِ وغيرِ ذلك من فَضائلِها.

ويَحتملُ أنْ يَكونَ قد نحَلَها ونحَلَ غيرَها من وَلدِه أو نحَلَها وهو يُريدُ أنْ يَنحلَ غيرَها فأدرَكَه المَوتُ قبلَ ذلك، ويَتعينُ حَملُ حَديثِه على أحدِ هذه الوُجوهِ؛ لأنَّ حَملَه على مِثلِ مَحلِّ النِّزاعِ مَنهيٌّ عنه، وأقَلُّ أحوالِه الكَراهةُ، والظاهِرُ من حالِ أبي بَكرٍ اجتِنابُ المَكروهاتِ، وقَولُ النَّبيَّ : «فأشهِدْ على هذا غِيري» ليسَ بأمرٍ؛ لأنَّ أدنَى أَحوالِ الأمرِ الاستِحبابُ والنَّدبُ، ولا خِلافَ في كَراهةِ هذا، وكيف يَجوزُ أنْ يَأمرَه بتَأكيدٍ مع أمرِه برَدِّه وتَسميتِه إِياهُ جَورًا؟ وحَملُ الحَديثِ على هذا حَملٌ لحَديثِ النَّبيِّ على التَّناقُضِ والتَّضادِّ، ولو أمَرَ النَّبيُّ -

بإشهادِ غيرِه امتثَلَ بَشيرٌ أمرَه ولم يَردَّ، وإنَّما هذا تَهديدٌ له على هذا، فيُفيدُ ما أفاده النَّهيُ عن إِتمامِه واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وهذا الحَديثُ -أي: حَديثُ النُّعمانِ- أشَدُّ مُوافَقةً للقُرآنِ من كلِّ قياسٍ على وَجهِ الأرضِ، وهو مُحكمُ الدِّلالةِ غايةَ الإِحكامِ، فرُدَّ بالمُتشابهِ من قَولِه: كلُّ أحَدٍ أحَقُّ بمالِه من وَلدِه ووالِدِه والناسِ أَجمَعينَ، فكَونُه أحَقَّ به يَقتَضي جَوازَ تَصرُّفِه فيه كما يَشاءُ وبقياسِ مُتشابهٍ على إِعطاءِ الأجانِبِ، ومن المَعلومِ بالضَّرورةِ أنَّ هذا المُتشابهَ من العُمومِ، والقياسُ لا يُقاوِمُ هذا المُحكَمَ المُبيَّنَ غايةَ البَيانِ (٢).

وقالَ في شَرحِه لسُننِ أَبي داودَ بعدَ أنْ ذكَرَ الرِّواياتِ الصَّحيحةَ في هذا:

وهذا صَريحٌ في أنَّ قَولَه «أشهِدْ على هذا غيري» ليسَ إذنًا، بل هو تَهديدٌ لتَسميتِه إياه جَورًا.

وهذه كلُّها أَلفاظٌ صَحيحةٌ صَريحةٌ في التَّحريمِ والبُطلانِ من عَشرةِ أوجُهٍ تُؤخذُ من الحَديثِ.

ومنها قَولُه: «أشهِدْ على هذا غيري»؛ فإنَّ هذا ليسَ بإذنٍ قَطعًا؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ لا يأذَنُ في الجَورِ وفيما لا يَصلحُ وفي الباطِلِ؛ فإنَّه

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٧، ٣٨٨)، و «الكافي» (٤/ ٤٦٤، ٤٦٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٦٩، ٢٧٣)، و «المبدع» (٥/ ٣٧١)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٦، ١٤٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٣، ٣٧٦)، و «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٣٩).
(٢) «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٣٩).

قالَ: «إنِّي لا أشهَدُ إلا على حَقٍّ» فدَلَّ ذلك على أنَّ الذي فعَلَه أَبو النُّعمانِ لم يَكنْ حَقًّا، فهو باطِلٌ قَطعًا.

فقَولُه إذَنْ: «أشهِدْ على هذا غيري» حُجةٌ على التَّحريمِ، كقَولِه تَعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقَولِه : «إذا لم تَستَحْيِ فاصنَعْ ما شِئتَ»، أي: الشَّهادةُ على هذا ليسَت من شَأني، ولا تَنبَغي لي، وإنَّما هي من شأنِ من يَشهدُ على الجَورِ والباطِلِ وما لا يَصلحُ، وهذا في غايةِ الوُضوحِ.

وقد كتَبتُ في هذه المَسألةِ مُصنَّفًا مُفرَدًا استَوفيتُ فيه أدِلتَها وبيَّنتُ مَنْ خالَفَ هذا الحَديثَ، ونَقضَها عليهم وباللهِ التَّوفيقُ (١).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ التَّعديلُ في عَطيةِ أولادِه على حَسبِ ميراثِهم، وهو مَذهبُ أحمدَ مُسلمًا كانَ الوَلدُ أو ذمِّيًّا، ولا يَجبُ على المُسلمِ التَّسويةُ بينَ أَولادِ أهلِ الذِّمةِ، ولا يَجبُ التَّسويةُ بينَ سائِرِ الأَقاربِ الذين لا يَرِثون، كالأَعمامِ والإخوةِ مع وُجودِ الأبِ، ويَتوجَّهُ في البَنينِ التَّسويةُ كآبائِهم؛ فإنْ فضَّلَ حيثُ منَعناه فعليه التَّسويةُ أو الرَّدُّ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ على الفَورِ، وإذا سوَّى بينَ أَولادِه في العَطاءِ فليسَ له أنْ يَرجعَ في عَطيةِ بَعضِهم، والحَديثُ والآثارُ تَدلُّ على وُجوبِ التَّعديلِ بينَهم في غيرِ التَّمليكِ أيضًا، وهو في مالِه ومَنفعتِه التي ملَّكهم والذي أباحَهم، كالمَسكنِ والطَّعامِ، ثم هنا نَوعان: نَوعٌ يَحتاجون إليه من النَّفقةِ في الصِّحةِ

(١) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٩/ ٣٣٤، ٣٣٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.

٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)

وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 472 - 487

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله