الحالة الثانية: أن تكون الهبة بثواب

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الحالة الثانية: أن تكون الهبة بثواب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن تكون الهبة بثواب - الأقوال والأدلة

في حَقِّ الصَّغيرِ، فلا يَدخلُ تحتَ وِلايةِ الوَليِّ لقَولِه عليه الصلاة والسلام: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ في الإِسلامِ»، وقَولِه عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لا يَرحمْ صَغيرَنا فليسَ مِنَّا»، ولهذا لم يَملكْ طَلاقَ امرَأتِه وإِعتاقَ عَبدِه وسائِرَ التَّصرفاتِ الضارةِ المَحضةِ.

الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ الهِبةُ بثَوابٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا شرَطَ الأبُ العِوضَ وكانَت هِبةَ ثَوابٍ، هل يَجوزُ للأبِ أو الوَصيِّ أنْ يَهبَ من مالِ الصَّغيرِ بشَرطِ العِوضِ أو لا؟

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للأبِ أنْ يَهبَ من مالِ ابنِه الصَّغيرِ ولو كانَ بعِوضٍ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه في المالِ لحَقِّ نَفسِه، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ التَّبرعَ لا يَملكُ الهِبةَ لا بعِوضٍ ولا بغيرِ عِوضٍ، ولأنَّ الهِبةَ بشَرطِ العِوضِ تَقعُ تَبرعًا ابتِداءً ثم تَصيرُ بَيعًا في الانتِهاءِ، بدَليلِ أنَّها تُفيدُ المِلكَ قبلَ القَبضِ، ولو وقَعَت بَيعًا من حينِ وُجودِها لَمَا توقَّفَ المِلكُ فيه على القَبضِ؛ لأنَّ البَيعَ يُفيدُ الملِكَ بنَفسِه، دَلَّ على أنَّها وقَعَت تَبرعًا ابتِداءً، وهؤلاء لا يَملِكونَ التَّبرعَ فلم تَصحَّ الهِبةُ حين وُجودِها، فلا يُتصورُ أنْ تَصيرَ بَيعًا بعدَ ذلك (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٨، ١١٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٩٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢١)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٢٠).

إلا أنَّ الشافِعيةَ أَجازوا له أنْ يَهبَ من مالِ الصَّغيرِ إذا كانَت الهِبةُ بغِبطةٍ، قالَ الشَّيخُ زَكريا الأَنصاريُّ: ولا يَهبُ مالَه بثَوابٍ ولا غيرِه؛ لأنَّها تَبرعٌ، ولأنَّ الهِبةَ والعِتقَ لا يُقصدُ بهما العِوضُ، نَعمْ إنْ شرَطَ ثَوابًا مَعلومًا في الهِبةِ بغِبطةٍ جازَت بِناءً على ما مَرَّ في الخِيارِ من أنَّها إذا قُيِّدت بثَوابٍ مَعلومٍ كانَت بَيعًا (١).

وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنَّه يَجوزُ للأبِ أنْ يَهبَ من مالِ الصَّغيرِ إذا كانَ بعِوضٍ؛ لأنَّ كلَّ من يَملكُ البَيعَ يَملكُ الهِبةَ بعِوضٍ، ولأنَّ الهِبةَ تَمليكٌ، فإذا شُرطَ فيها العِوضُ كانت تَمليكًا بعِوضٍ وهذا تَفسيرُ البَيعِ، وإنَّما اختَلفَت العِبارةُ، ولا عِبرةَ باختِلافِها بعدَ اتِّفاقِ المَعنى كلَفظِ البَيعِ مع لَفظةِ التَّمليكِ.

ولهما أنَّ الهِبةَ بشَرطِ العِوضِ تَقعُ تَبرعًا ابتِداءً ثم تَصيرُ بَيعًا في الانتِهاءِ، بدَليلِ أنَّها تُفيدُ المِلكَ قبلَ القَبضِ، ولو وقَعَت بَيعًا من حينِ وُجودِها لَمَا توقَّفَ المِلكُ فيه على القَبضِ؛ لأنَّ البَيعَ يُفيدُ المِلكَ بنَفسِه، دَلَّ على أنَّها وقَعَت تَبرعًا ابتِداءً، وهؤلاء لا يَملِكونَ التَّبرعَ فلم تَصحَّ الهِبةُ حينَ وُجودِها فلا يُتصورُ أنْ تَصيرَ بَيعًا بعدَ ذلك (٢).

(١) «أسنى المطالب في شرح روض الطالب» (٢/ ٢١٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٨، ١١٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٩٥)، و «درر الحكام» (٢/ ٣٩٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 509 - 510

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله