الشرط الأول: أن يكون الشيء الموهوب موجودا

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الشرط الأول: أن يكون الشيء الموهوب موجودا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الشرط الأول: أن يكون الشيء الموهوب موجودا - الأقوال والأدلة

قالَ الحَنابِلةُ: ما صَحَّ بَيعُه من الأَعيانِ صحَّت هِبتُه؛ لأنَّها تَمليكٌ في الحَياةِ فتَصحُّ فيما يَصحُّ فيه البَيعُ، وما لا يَصحُّ بَيعُه لا تَصحُّ هِبتُه (١).

وقالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ في المَوهوبِ أنْ يَكونَ مالًا مُتقوَّمًا فلا تَجوزُ هِبةُ ما ليسَ بمالٍ أصلًا، كالمَيتةِ والدَّمِ وصَيدِ الحُرمِ والإِحرامِ والخِنزيرِ وغيرِ ذلك على ما ذُكرَ في البُيوعِ، ولا هِبةُ ما ليسَ بمالٍ مُطلقًا كأُمِّ الوَلدِ والمُدبِرِ المُطلقِ والمُكاتَبِ؛ لكَونِهم أَحرارًا من وَجهٍ، ولهذا لم يَجزْ بَيعُ هؤلاء، ولا هِبةُ ما ليسَ بمُتقوَّمٍ كالخَمرِ، ولهذا لم يَجزْ بَيعُها (٢).

وقد اشترَطَ الفُقهاءُ أيضًا بعضَ الشُّروطِ في الشَّيءِ المَوهوبِ، وبَيانُها على هذا التَّفصيلِ:

الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ الشَّيءُ المَوهوبُ مَوجودًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوهوبِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ الهِبةِ أو لا يُشترطُ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ لصِحةِ الهِبةِ أنْ يَكونَ المَوهوبُ مَوجودًا حالَ الهِبةِ؛ لأنَّه تَمليكٌ في الحالِ، وعليه لا يَصحُّ هِبةُ المَعدومِ وهو ما ليسَ مَوجودًا وَقتَ الهِبةِ، كما لو وهَبَه

(١) «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٩)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٩)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٧٤)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٣).

ما يُثمرُ نَخلُه هذا العامَ أو ما تَلِدُ غَنمُه في هذه السَّنةِ؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَمليكٍ في الحَياةِ فلم تَصحَّ في هذا كلِّه كالبَيعِ، ولأنَّ الهِبةَ تَمليكٌ للحالِ وتَمليكُ المَعدومِ مُحالٌ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ هِبةِ المَعدومِ.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ في المَذهبِ في جَوازِ هِبةِ المَجهولِ والمَعدومِ المُتوقَّعِ الوُجودِ (٢).

وجاءَ في «المُدونة الكُبرى»: (قُلتُ): أرأيتَ إنْ وهَبَ لرَجلٍ ما تَلدُ جاريتُه عَشرَ سِنينَ، أتَجوزُ هذه الهِبةُ أو لا؟ (قال): لم أسمَعْ من مالِكٍ في هذا شَيئًا، ولكنِّي سمِعتُ مالِكًا يَقولُ في الذي يَهبُ ثَمرةَ نَخلةٍ لرَجلٍ عِشرينَ سَنةً أو أقَلَّ أو أكثَرَ أنَّ ذلك جائِزٌ إذا حازَ المَوهوبُ له النَّخلَ أو جُعلَت له على يَدَيْ مَنْ يَحوزُ له، فالجاريةُ إنْ كانَ قد قبَضَها أو حازَها أو جُعلَت له على يَدِ مَنْ حازَها له فذلك جائِزٌ مِثلَ النَّخلِ، وإنْ لم يَحُزْها حتى يَموتَ رَبُّها أو تُحازَ له فالهِبةُ باطِلةٌ. (قُلتُ): فالهِبةُ في هذا والصَّدقةُ

(١) «المبسوط» (١٢/ ٧١، ٧٢)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٦٨)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٣)، و «الهندية» (٤/ ٣٧٤)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤٧)، و «المغني» (٥/ ٣٨٤)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٧).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 548 - 549

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده