الشرط الثاني: أن يكون معلوما: فلا تصح هبة المجهول

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الشرط الثاني: أن يكون معلوما: فلا تصح هبة المجهول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

الشرط الثاني: أن يكون معلوما: فلا تصح هبة المجهول - الأقوال والأدلة

والحَبسُ والنِّحلُ سَواءٌ؟ أيَّ ذلك كانَ فهو جائِزٌ؟ (قالَ): نَعَمْ، إذا قبَضَ فهو جائِزٌ (١).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: يَجوزُ هِبةُ المَعدومِ، كأنْ يَهبَه ثَمرَ شَجرِه هذا العامَ أو عَشرةَ أعوامٍ (٢).

الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ مَعلومًا: فلا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَجهولِ، مِثلَ أنْ يَهبَ رَجلٌ نَصيبَه في مِيراثِ رَجلٍ أو نَصيبِه في دارٍ لا يَدري مِقدارَه، وكالحَملِ في البَطنِ واللَّبنِ في الضَّرعِ، أو: «وهَبتُك أحدَ الثَّوبَينِ»، هل يَصحُّ أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- إلى أنَّه يُشترطُ في الشَّيءِ المَوهوبِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ؛ لأنَّه عَقدُ تَمليكٍ لا يَصحُّ تَعليقُه بالشُّروطِ فلم يَصحَّ في المَجهولِ كالبَيعِ (٣).

(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ١٢٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٧٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٦٨)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٣)، و «الهندية» (٤/ ٣٧٤)، و «درر الحكام» (٢/ ٣٤٣)، و «البيان» (٨/ ١٢١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩١)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٧٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٧١)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٠)، و «المغني» (٥/ ٣٨٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٧)، و «الإفصاح» (٢/ ٥٧، ٥٨).

قالَ الشافِعيةُ: لا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ ك «وهَبتُك أحدَ العَبدَينِ أو الثَّوبَينِ» كما لا يَصحُّ بَيعُه.

إلا أنَّهم استَثنَوْا بعضَ المَسائلِ، منها: ما إذا لم يَعلمِ الوَرثةُ مِقدارَ ما لكلٍّ منهم من الإرثِ، كما لو خلَّفَ وَلدينِ أحدُهما خُنثَى.

ومنها: لو اصطَلحَ الذين وُقفَ المالُ بينَهم على تَساوٍ أو تَفاوُتٍ جازَ، ولا بدَّ أنْ يَجريَ بينَهم تَواهُبٌ، وهذا التَّواهبُ لا يَكونُ إلا عن جَهالةٍ، ولكنَّها تُحتمَلُ للضَّرورةِ.

ومنها: إذا اختلَطَ حَمامُ بُرجَين فوهَبَ صاحِبُ أحدِهما نَصيبَه للآخَرِ؛ فإنَّه يَصحُّ على الصَّحيحِ، وإنْ كانَ مَجهولَ القَدرِ والصِّفةِ للضَّرورةِ، ومِثلُ ذلك لو اختلَطَت حِنطتُه بحِنطةِ غيرِه، أو مائِعُه بمائعِ غيرِه، أو ثَمرتُه بثَمرةِ غيرِه.

ومنها: صُوفُ الشاةِ المَجعولةِ أُضحيةً ولَبنُها.

ومنها: لو قالَ: أنتَ في حِلٍّ مما تَأخذُ من مالي أو تُعطي أو تَأكلُ؛ فإنَّه يَجوزُ له الأكلُ دونَ الأخذِ والإعطاءِ؛ لأنَّ الأكلَ إِباحةٌ وهي تَصحُّ مَجهولةً بخِلافِهما.

وإنْ قالَ: وهَبتُ لك جَميعَ مالي أو نِصفَ مالي صَحَّت إنْ كانَ المالُ

أو نِصفُه مَعلومًا لهما وإلا فلا؛ لأنَّ هذا لا يَصحُّ بَيعُه، وما لا يَصحُّ بَيعُه لا تَصحُّ هِبتُه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ وحَربٍ: لا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ. وقالَ في رِوايةِ حَربٍ: إذا قالَ: «وهَبتُ شاةً من غَنمي لك» لم يَجُزْ، وبه قالَ الشافِعيُّ.

ويُحتملُ أنَّ الجَهلَ إذا كانَ في حَقِّ الواهِبِ منَعَ الصِّحةَ؛ لأنَّه غَررٌ في حَقِّه، وإنْ كانَ من المَوهوبِ له لم يَمنعْها؛ لأنَّه غَررٌ في حَقِّه، فلم يُعتبَرْ في حَقِّه العِلمُ بما يُوهَبُ له كالمُوصى له.

وقالَ مالِكٌ: تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ؛ لأنَّه تَبرعٌ فصَحَّ في المَجهولِ كالنَّذرِ والوَصيةِ.

ووَجهُ الأولِ أنَّه عَقدُ تَمليكٍ لا يَصحُّ تَعليقُه بالشُّروطِ فلم يَصحَّ في المَجهولِ كالبَيعِ بخِلافِ النَّذرِ والوَصيةِ (٢).

والصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ أنَّ المَوهوبَ المَجهولَ تارةً يَتعذَّرُ عِلمُه وتارةً لا يَتعذَّرُ عِلمُه.

(١) «البيان» (٨/ ١٢١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩١)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٧٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٧١)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٧٦، ٢٧٨).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٨٧).

فإنْ تعذَّرَ عِلمُه كزَيتٍ اختلَطَ بزَيتٍ، أو شَيرَجٍ أو دَقيقٍ اختلَطَ بدَقيقٍ آخَرَ فوهَبَ أحدُهما للآخَرِ مِلكَه منه، أو اختلَطَ مالُ اثنَينِ على وَجهٍ لا يَتميَّزُ فوهَبَ أحدُهما لرَفيقِه نَصيبَه منه، يَصحُّ للحاجةِ كالصُّلحِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.

وظاهِرُ كَلامِ ابنِ قُدامةَ وأكثَرِ الأَصحابِ أنَّه لا يَصحُّ لإطلاقِهم عَدمُ الصِّحةِ في هِبةِ المَجهولِ من غيرِ تَفصيلٍ، وهو ظاهِرُ رِوايةِ أَبي داودَ وحَربٍ السابقَتَين في كَلامِ ابنِ قُدامةَ.

وإنْ لم يَتعذَّرْ عِلمُه كالحَملِ في البَطنِ واللَّبنِ في الضَّرعِ والصُّوفِ على الظَّهرِ فالصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّها لا تَصحُّ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ، ومَتى أذِنَ رَبُّ شاةٍ لإِنسانٍ في جَزِّ الصُّوفِ وحَلبِ الشاةِ كانَ إباحةً لصُوفِها ولَبنِها لا هِبةً.

ولو قالَ: «خُذْ من هذا الكِيسِ ما شِئتَ»، كانَ له أخذُ ما به جَميعًا، ولو قالَ: «خُذْ من هذه الدَّراهمِ ما شِئتَ»، لم يمَلكْ أخذَها كلَّها؛ إذِ الكيسُ ظَرفٌ فإذا أخَذَ الظَّرفَ حسُنَ أنْ يُقالَ «أخَذَ من الكيسِ ما فيه» ولا يَحسُنُ أنْ يُقالَ: «أخَذتُ من الدَّراهمِ كلِّها» (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٢، ١٣٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٥٩، ٣٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٠)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٧٧)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤٧).

وذهَبَ المالِكيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ والحارِثيُّ إلى جَوازِ هِبةِ المَجهولِ.

قالَ المالِكيةُ: تَصحُّ الهِبةُ في كلِّ مَملوكٍ يُنقلُ وإنْ كانَ مَجهولَ العَينِ أو القَدرِ لهما أو لأحدِهما، ولو خالَفَ ظَنَّه بكَثيرٍ على التَّحقيقِ، كما لو وهَبَ أو تصَدَّق بميراثِه من فُلانٍ لظَنِّه أنَّه يَسيرٌ فإذا هو كَثيرٌ، أو وهَبَ له ما في جَيبِه ظَنًّا أنَّه دِرهمٌ لكَونِ عادَتِه أنَّه لا يَجعلُ فيه أزيَدَ من ذلك فوجَدَ فيه عَشرةَ مَحابيبَ، فلا رُجوعَ له على الصَّحيحِ في المَذهبِ، كما قالَه ابنُ عبدِ الحَكمِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: له رَدُّ عَطيتِه. قالَ الدُّسوقيُّ: وهو ضَعيفٌ (١).

وقالَ المَوَّاقُ رحمة الله عليه: حَكى مُحمدٌ الإِجماعَ على جَوازِ هِبةِ المَجهولِ. ومِن «المُدونة»: مَنْ وهَبَ مُورِّثَه وهو لا يَدري كم هو جازَ، والغَررُ في الهِبةِ لغيرِ الثَّوابِ يَجوزُ (٢).

والقاعِدةُ عندَ المالِكيةِ أنَّه لا تأثيرَ للغَررِ في بابِ التَّبرعاتِ، قالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: الفَرقُ الرابِعُ والعِشرونَ بينَ قاعِدةِ ما تُؤثِّرُ فيه الجَهالاتُ والغَررُ وقاعِدةِ ما لا يُؤثِّرُ فيه ذلك من التَّصرفاتِ:

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٤٩٠، ٤٩٢).
(٢) «التاج والإكليل» (٥/ ٦)، ويُنظَرُ: «الكافي» (٥٢٩)، و «البيان والتحصيل» (١٣/ ٤٢٣)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦٤، ٢٦٥)، رقم (١١٠٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٢، ١٠٣)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣، ٤)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣٩٤)، و «الشرح الصغير» (٩/ ٢٠٣)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٥٧٩).

ورَدَت الأَحاديثُ الصَّحيحةُ في نَهيِه عليه السلام عن بَيعِ الغَررِ وعن بَيعِ المَجهولِ، واختَلفَ العُلماءُ بعدَ ذلك، فمنهم مَنْ عمَّمَه في التَّصرفاتِ، وهو الشافِعيُّ فمنَعَ من الجَهالةِ في الهِبةِ والصَّدقةِ والإِبراءِ والخُلعِ والصُّلحِ وغيرِ ذلك، ومنهم من فصَّلَ -وهو مالِكٌ- بينَ قاعِدةِ ما يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ وهو بابُ المُماكَساتِ والتَّصرفاتِ المُوجِبةِ لتَنميةِ الأَموالِ وما يُقصدُ به تَحصيلُها، وقاعِدةِ ما لا يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ، وهو ما لا يُقصدُ لذلك، وانقسَمَت التَّصرفاتُ عندَه ثَلاثةَ أَقسامٍ، هي: طَرفانِ وواسِطةٌ …

فالطَّرفان: أحدُهما: مُعاوضةٌ صِرفةٌ، فيُجتنَبُ فيها ذلك إلا ما دعَت الضَّرورةُ إليه عادةً كما تقدَّمَ أنَّ الجَهالاتِ ثَلاثةُ أقسامٍ، فكذلك الغَررُ والمَشقةُ.

وثانيهما: ما هو إِحسانٌ صِرفٌ لا يُقصدُ به تَنميةُ المالِ، كالصَّدقةِ والهِبةِ والإبراءِ؛ فإنَّ هذه التَّصرفاتِ لا يُقصدُ بها تَنميةُ المالِ، بل إنْ فاتَتْ على مَنْ أحسَنَ إليه بها فلا ضَررَ عليه؛ فإنَّه لم يَبذلْ شَيئًا، بخِلافِ القِسمِ الأولِ إذا فاتَ بالغَررِ والجَهالاتِ ضاعَ المالُ المَبذولُ في مُقابلتِه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ مَنعَ الجَهالةِ فيه، أمَّا الإِحسانُ الصِّرفُ فلا ضَررَ فيه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإحسانِ التَّوسعةَ فيه بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ؛ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه، فإذا وهَبَ له عَبدَه الآبِقَ جازَ أنْ يَجدَه، فيَحصلَ له ما يَنتفعُ به، ولا ضَررَ عليه إنْ لم يَجدْه؛ لأنَّه لم يَبذلْ شَيئًا، وهذا فِقهٌ جَميلٌ، ثم إنَّ

الأَحاديثَ لم يَرِدْ فيها ما يَعمُّ هذه الأَقسامَ حتى نَقولَ يَلزمُ منه مُخالفةُ نُصوصِ صاحِبِ الشَّرعِ، بل إنَّما ورَدَت في البَيعِ ونَحوِه.

وأمَّا الواسِطةُ بينَ الطَّرفَين فهي النِّكاحُ، فهو مِنْ جِهةِ أنَّ المالَ فيه ليسَ مَقصودًا وإنَّما مَقصدُه المَودةُ والأُلفةُ، والسُّكونُ يَقتَضي أنْ يَجوزَ فيه الجَهالةُ والغَررُ مُطلقًا، ومِن جِهةِ أنَّ صاحِبَ الشَّرعِ اشتَرطَ فيه المالَ بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتَضي امتِناعَ الجَهالةِ والغَررِ فيه، فلو وُجدَ الشَّبَهان توسَّطَ مالِكٌ فجوَّزَ فيه الغَررَ القَليلَ دونَ الكثيرِ، نحوَ عَبدٍ من غيرِ تَعيينٍ، وشَورةِ -أي: مَتاعِ- بَيتٍ، ولا يَجوزُ على العَبدِ الآبِقِ والبَعيرِ الشارِدِ؛ لأنَّ الأولَ يُرجعُ فيه إلى الوَسطِ المُتعارَفِ والثانِي ليسَ له ضابِطٌ فامتنَعَ، وأُلحقَ الخُلعُ بأحدِ الطَّرفَينِ الأوَّلَينِ الذي لا يَجوزُ فيه الغَررُ مُطلقًا؛ لأنَّ العِصمةَ وإِطلاقَها ليسَت من بابِ ما يُقصدُ للمُعاوضةِ، بل شأنُ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ بغيرِ شَيءٍ فهو كالهِبةِ، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَين والضابِطُ للبابَينِ، والفِقهُ مع مالِكٍ رحمة الله عليه فيه (١).

وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه عمَّن وهَبَ أو أباحَ لرَجلٍ شَيئًا مَجهولًا، هل يَصحُّ كما لو أباحَه ثَمرَ شَجرةٍ في قابِلٍ؟ ولو أرادَ الرُّجوعَ هل يَصحُّ؟

فأجابَ: تنازَعَ العُلماءُ في هِبةِ المَجهولِ، فجوَّزَها مالِكٌ حتى جوَّزَ أنْ يَهبَ غيرَه ما ورِثَه من فُلانٍ وإنْ لم يَعلمْ قَدرَه، وإنْ لم يَعلمْ أثُلثٌ هو أم

(١) «الفروق» (١/ ٣٤٧، ٣٤٩).

رُبعٌ، وكذلك إذا وهَبَه حِصةً من دارٍ ولا يَعلمُ ما هي، وكذلك يَجوزُ هِبةُ المَعدومِ، كأنْ يَهبَه ثَمرَ شَجرِه هذا العامَ أو عَشرةَ أعوامٍ، ولم يُجوِّزْ ذلك الشافِعيُّ، وكذلك المَعروفُ في مَذهبِ أبي حَنيفةَ وأحمدَ المَنعُ من ذلك، لكنَّ أحمدَ وغيرَه يُجوِّزونَ في الصُّلحِ على المَجهولِ والإِبراءِ منه ما لا يُجوِّزُه الشافِعيُّ، وكذلك أبو حَنيفةَ يُجوِّزُ من ذلك ما لا يُجوِّزُه الشافِعيُّ؛ فإنَّ الشافِعيَّ يَشترطُ العِلمَ بمِقدارِ المَعقودِ عليه في عامةِ العُقودِ وكذلك عِوضُ الخُلعِ، وكذلك الصَّداقُ، وفيما شُرطَ على أهلِ الذِّمةِ، وأكثَرُ العُلماءِ يُوسِّعونَ في ذلك، وهو مَذكورٌ في مَوضعِه، ومَذهبُ مالِكٍ في هذا أرجَحُ.

وهذه المَسألةُ مُتعلقةٌ بأصلٍ آخَرَ، وهو أنَّ عُقودَ المُعاوضةِ كالبَيعِ والنِّكاحِ والخُلعِ تَلزمُ قبلَ القَبضِ، فالقَبضُ مُوجبُ العَقدِ، ومُقتَضاه ليسَ شَرطًا في لُزومِه، والتَّبرعاتُ كالهِبةِ والعارِيةِ فمَذهبُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ أنَّها لا تَلزمُ إلا بالقَبضِ، وعندَ مالِكٍ تَلزمُ بالعَقدِ، وفي مَذهبِ أحمدَ نِزاعٌ كالنِّزاعِ في المُعيَّنِ، هل يَلزمُ بالعَقدِ أو لا بدَّ من القَبضِ، وفيه عنه رِوايتانِ، وكذلك في بعضِ صُورِ العارِيةِ، وما زالَ السَّلفُ يُعيرونَ الشَّجرةَ ويَمنَحونَ المَنايحَ وكذلك هِبةُ الثَّمرِ واللَّبنِ الذي لم يُوجدْ، ويَروْن ذلك لازِمًا، ولكنَّ هذا يُشبهُ العارِيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ بالعَقدِ يَحدثُ شَيئًا بعدَ شَيءٍ كالمَنفعةِ، ولهذا كانَ هذا مما يَستحقُّه المَوقوفُ عليه كالمَنافعِ، ولهذا تَصحُّ المُعاملةُ بجُزءٍ من هذا كالمُساقاةِ، وأمَّا إباحةُ ذلك فلا نِزاعَ بينَ العُلماءِ فيه، وسَواءٌ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 550 - 557

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله