الشرط الرابع: أن يكون مملوكا في نفسه

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الشرط الرابع: أن يكون مملوكا في نفسه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

الشرط الرابع: أن يكون مملوكا في نفسه - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ يَكونَ مَملوكًا في نَفسِه:

نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّه يُشترطُ في المَوهوبِ أنْ يَكونَ مَملوكًا في نَفسِه فلا تَجوزُ هِبةُ المُباحاتِ؛ لأنَّ الهِبةَ تَمليكٌ، وتَمليكُ ما ليسَ بمَملوكٍ مُحالٌ (١).

الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ المَوهوبُ مَحوزًا (وهي هِبةُ المَشاعِ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في الشَّيءِ المَوهوبِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَحوزًا فلا تَصحَّ هِبةُ المَشاعِ أو لا يُشترطُ وتَصحُّ هِبةُ المَشاعِ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ هِبةَ المَشاعِ صَحيحةٌ ويَتأتَّى فيها القَبضُ كما يَجوزُ فيها البَيعُ، وسَواءٌ كانَ المَشاعُ مما يَنقسِمُ كالدُّورِ والأرَضين، أو مما لا يَنقسِمُ كالعَبدِ والثِّيابِ والجَواهرِ، وسَواءٌ كانَ مما يُقبضُ بالتَّخليةِ أو مما يُقبضُ بالنَّقلِ والتَّحويلِ.

واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)[النساء: ٤] ففي هذه الآيةِ دَليلٌ على جَوازِ هِبةِ المَشاعِ فيما يُقسَمُ؛ لإباحةِ اللهِ تَعالى لها تَمليكَ نِصفِ الفَريضةِ إياه بعدَ الطَّلاقِ، ولم

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٩)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٧٤)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٤).

يُفرقْ بينَ ما كانَ منها عَينًا أو دَينًا، ولا بينَ ما يَحتملُ القِسمةَ أو لا يَحتملُها، فوجَبَ بقَضيةِ الآيةِ جَوازُ هِبةِ المَشاعِ.

واحتَجُّوا على جَوازِ هِبةِ المَشاعِ بأنَّ وَفدَ هَوازنَ لمَّا جاؤُوا يَطلُبون من رَسولِ اللهِ أنْ يَردَّ عليهم ما غنِمَه منهم قالَ رَسولُ اللهِ : «أمَّا ما كانَ لي ولبَني عبدِ المُطلبِ فهو لكم» (١). وحَقُّه من ذلك مَشاعٌ لم يَتعيَّنْ.

وبما رَواه البُخاريُّ في بابِ هِبةِ الواحِدِ للجَماعةِ: وقالَت أسماءُ للقاسِمِ ابنِ مُحمدٍ وابنِ أبي عَتيقٍ: ورِثتُ عن أُختي عائِشةَ مالًا بالغابةِ وقد أعطاني به مُعاويةُ مِئةَ ألفٍ فهو لكما.

ثم رَوى عن سَهلِ بنِ سَعدٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ أُتيَ بشَرابٍ فشرِبَ وعن يَمينِه غُلامٌ وعن يَسارِه الأشياخُ، فقالَ للغُلامِ: إنْ أذِنتَ لي أعطَيتُ هؤلاء. فقالَ: ما كُنْتُ لأُوثِرَ بنَصيبي منك يا رَسولَ اللهِ أحدًا. فتَلَّه في يَدِه» (٢). فالنَّبيُّ سألَ الغُلامَ أنْ يَهبَ نَصيبَه من اللَّبنِ للأشياخِ، ومَعلومٌ أنَّ نَصيبَه منه لم يَكنْ مُميَّزًا، بل كانَ مَشاعًا في اللَّبنِ غيرَ مُتميِّزٍ ولا مُنفصلٍ في القَدحِ، ولا يُعرفُ ما كانَ يُشربُ مما كانَ يُتركُ للأشياخِ، ولأنَّه يَجوزُ بَيعُه جازَت هِبتُه (٣).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي (٣٦٨٨)، وأحمد (٦٧٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٦٢).
(٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ١٢٠، ١٢٢)، و «التمهيد» (٧/ ٢٣٨)، و «الكافي» (٥٢٩)، و «القوانين الفقهية» (٢٤١)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٣٤)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٩٧)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١٨)، و «الإفصاح» (٢/ ٥٢، ٥٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤٧)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٦١، ٢٦٢)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٦)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٨)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٨٨)، و «فتح الباري» (٥/ ٢٢٥، ٢٢٦).

وأمَّا كيفيةُ القَبضِ فقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلَفوا في هِبةِ المَشاعِ وكيف القَبضُ فيها …

فقالَ مالِكٌ: هِبةُ المَشاعِ جائِزةٌ ولا تَصحُّ إلا بقَبضِ الجَميعِ، وتَصحُّ للشَّريكِ في المَشاعِ إذا تخَلَّى الواهِبُ عنها وأخَذَها من يَدِه وانفرَدَ الشَّريكُ المَوهوبُ له بها.

وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأحمدُ وإِسحاقُ: تَصحُّ الهِبةُ في المَشاعِ، والقَبضُ فيها كالقَبضِ في البَيعِ سَواءٌ.

وقالَ أبو حَنيفةَ وأَصحابُه: الهِبةُ للمَشاعِ باطِلةٌ، ولا تَصحُّ إلا مَقبوضةً مَعلومةً مُفردةً كما يَصحُّ الرَّهنُ عندَهم، فيُفردُ المُرتهَنُ وكذلك المَوهوبُ له ويَقبضُه ولا شَركةَ فيه لغيرِه (١).

وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: المَشاعُ إمَّا أنْ يَكونَ مما يَنقسِمُ كالدُّورِ والأرضينَ، فهذا لا تَصحُّ هِبتُه.

وإمَّا أنْ يَكونَ مما لا يَنقسمُ كهِبةِ نِصفِ العَبدِ ونِصفِ الثَّوبِ ونِصفِ الجَوهرةِ، فهذا تَجوزُ هِبتُه، فإذا وهَبَ جُزءًا مُسمًّى وسلَّمَه بالتَّخليةِ جازَ،

(١) «الاستذكار» (٧/ ٢٣٢).

وهذا لأنَّ الحاجةَ تَمسُّ لإيجابِ التَّبرعِ فيما لا يَحتملُ القِسمةَ، فلو لم يَجزْ ذلك ضاقَ الأمرُ على الناسِ لإبطالِ هذا النَّوعِ من التَّصرفِ عليهم فيما لا يَحتملُ القِسمةَ أصلًا، بخِلافِ ما يَحتملُ القِسمةَ؛ فإنَّه يَتأخرُ فيه التَّصرفُ إلى القِسمةِ ولا يَبطلُ أصلًا فلا يَتحقَّقُ فيه الضَّرورةُ.

واحتَجُّوا على ذلك بقَولِهم: إنَّ هذا إِجماعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ فإنَّه رُويَ أنَّ سيِّدَنا أبا بَكرٍ رضي الله عنه قالَ في مَرضِ مَوتِه لسَيِّدتِنا عائِشةَ رضي الله عنها: «إنَّ أحَبَّ الناسِ إلَيَّ غِنًى أنتِ، وأعَزُّهم علَيَّ فَقرًا أنتِ، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالي بالعاليةِ، وإنَّكِ لم تَكوني قَبضتيه ولا حُزتيه وإنَّما هو اليَومَ مالُ الوارِثِ» (١)، اعتبَرَ سيِّدُنا الصِّدِّيقُ رضي الله عنه القَبضَ والقيمةَ في الهِبةِ لثُبوتِ المِلكِ؛ لأنَّ الحيازةَ في اللُّغةِ جَمعُ الشَّيءِ المُفرَّقِ في حَيِّزٍ، وهذا مَعنى القِسمةِ؛ لأنَّ الأَنصِباءَ الشائِعةَ قبلَ القِسمةِ كانت مُتفرقةً، والقِسمةُ تَجمعُ كلَّ نَصيبٍ في حَيِّزٍ.

ورُوي عن سيِّدِنا عُمرَ رضي الله عنه قالَ: «ما بالُ أحدِكم يَنحَلُ وَلدَه نِحَلًا لا يَحوزُها ولا يَقسمُها، ويَقولُ: إنْ مِتُّ فهو له، وإنْ ماتَ رجَعَت إلَيَّ، وَايمُ اللهِ لا يَنحَلُ أحدُكم وَلدَه نِحلةً لا يَحوزُها ولا يَقسمُها فيَموتُ إلا جعَلتُها ميراثًا لوَرثتِه» (٢) والمُرادُ من الحيازةِ القَبضُ هنا؛ لأنَّه ذكَرَها بمُقابلةِ القِسمةِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٤٣٩)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٧٢٩).

حتى لا يُؤديَ إلى التَّكرارِ، أخرَجَ الهِبةَ من أنْ تَكونَ مُوجبةً للمِلكِ بدونِ القَبضِ والقِسمةِ.

ورُويَ عن سيِّدِنا علِيٍّ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «مَنْ وهَبَ ثُلثَ كذا أو رُبعَ كذا لا يَجوزُ ما لم يُقاسِمْ» وكلُّ ذلك بمَحضرٍ من أَصحابِ رَسولِ اللهِ، ولم يُنقلْ أنَّه أنكَرَ عليهم مُنكرٌ فيَكونُ إِجماعًا.

ولأنَّ القَبضَ شَرطُ جَوازِ هذا العَقدِ، والشُّيوعُ يَمنعُ من القَبضِ؛ لأنَّ مَعنى القَبضِ هو التَّمكُّنُ من التَّصرفِ في المَقبوضِ، والتَّصرفُ في النِّصفِ الشائِعِ وَحدَه لا يُتصوَّرُ؛ فإنَّ سُكنَى نِصفِ الدارِ شائِعةً، ولُبسَ نِصفِ الثَّوبِ شائِعًا مُحالٌ، ولا يَتمكَّنُ من التَّصرفِ فيه بالتَّصرفِ في الكلِّ؛ لأنَّ العَقدَ لم يَتناولِ الكلَّ، وهكذا نَقولُ في المَشاعِ الذي لا يُقسمُ إنَّ مَعنى القَبضِ هناك لم يُوجدْ؛ لمَا قُلنا، إلا أنَّ هناك ضَرورةً؛ لأنَّه يُحتاجُ إلى هِبةِ بَعضِه، ولا حُكمَ للهِبةِ بدونِ القَبضِ، والشُّيوعُ مانِعٌ من القَبضِ المُمكنِ للتَّصرفِ ولا سَبيلَ إلى إزالةِ المانِعِ بالقِسمةِ لعَدمِ احتِمالِ القِسمةِ، فمَسَّت الضَّرورةُ إلى الجَوازِ وإقامةِ صُورةِ التَّخليةِ مَقامَ القَبضِ المُمكنِ من التَّصرفِ، ولا ضَرورةَ هنا؛ لأنَّ المَحلَّ مُحتمِلٌ للقِسمةِ فيُمكنُ إِزالةُ المانِعِ من القَبضِ المُمكنِ بالقِسمةِ.

أو نَقولُ: الصَّحابةُ رضي الله عنهم شرَطوا القَبضَ المُطلقَ، والمُطلقُ يَنصرفُ إلى الكاملِ، وقَبضُ المَشاعِ قَبضٌ قاصِرٌ لوُجودِه من حيثُ الصُّورةُ دونَ المَعنى على ما بَيَّنَّا، إلا أنَّه اكتُفيَ بالصُّورةِ في المَشاعِ الذي لا يَحتملُ

القِسمةَ للضَّرورةِ التي ذكَرنا، ولا ضَرورةَ هنا، فلزِمَ اعتِبارُ الكَمالِ في القَبضِ ولا يُوجدُ في المَشاعِ، ولأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَبرعٍ فلو صحَّت في مَشاعٍ يَحتملُ القِسمةَ لصارَ عَقدَ ضَمانٍ؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَملكُ مُطالبةَ الواهِبِ بالقِسمةِ فيَلزمُه ضَمانُ القِسمةِ، فيُؤدِّي إلى تَغييرِ المَشروعِ، ولهذا توقَّفَ المِلكُ في الهِبةِ على القَبضِ؛ لمَا أنَّه لو ملَكَه بالعَقدِ نَفسِه لثبَتَت له وِلايةُ المُطالبةِ بالتَّسليمِ، فيُؤدي إلى إيجابِ الضَّمانِ في عَقدِ التَّبرعِ، وفيه تَغييرُ المَشروعِ، كذا هذا، بخِلافِ مَشاعٍ لا يَحتملُ القِسمةَ؛ لأنَّه هناك لا يُتصوَّرُ إيجابُ الضَّمانِ على المُتبرعِ؛ لأنَّ الضَّمانَ ضَمانُ القِسمةِ، والمَحلُّ لا يَحتملُ القِسمةَ، فهو الفَرقُ.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو قسَّمَ ما وهَبَ وأفرَزَه ثم سلَّمَه إلى المَوهوبِ له جازَ؛ لأنَّ هِبةَ المَشاعِ عندَنا مُنعقدٌ مَوقوفٌ نَفاذُه على القِسمةِ، والقَبضُ بعدَ القِسمةِ هو الصَّحيحُ؛ إذِ الشُّيوعُ لا يَمنعُ رُكنَ العَقدِ ولا حُكمَه، وهو المِلكُ، ولا سائِرَ الشَّرائطِ، إلا القَبضَ المُمكنَ من التَّصرفِ، فإذا قسَّمَ وقبَضَ فقد زالَ المانِعُ من النَّفاذِ فيَنفذُ، وحَديثُ الصِّديقِ رضي الله عنه لا يَدلُّ عليه؛ فإنَّه قالَ لسَيِّدتِنا عائِشةَ رضي الله عنها: إنِّي كُنْتُ نحَلتُك جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالي. وكانَ ذلك هِبةَ المَشاعِ فيما يَنقسِمُ؛ لأنَّ النَّحلَ من ألفاظِ الهِبةِ، ولو لم يَنعقدْ لمَا فعَلَه الصِّديقُ رضي الله عنه؛ لأنَّه ما كانَ ليَعقدَ عَقدًا باطِلًا، فدَلَّ قَولُ الصِّديقِ رضي الله عنه على انعِقادِ العَقدِ في نَفسِه وتَوقُّفِ حُكمِه على القِسمةِ والقَبضِ، وهو عَينُ مَذهبِنا واللهُ أعلَمُ.

وكذلك لو وهَبَ نِصفَ دارِه من رَجلٍ ولم يُسلِّمْ إليه، ثم وهَبَ منه النِّصفَ الآخَرَ وسلَّمَ إليه جُملةً جازَ لمَا قُلنا.

ولو وهَبَ منه نِصفَ الدارِ وسلَّمَ إليه بتَخليةِ الكلِ ثم وهَبَ منه النِّصفَ الآخَرَ وسلَّمَ لم تَجُزِ الهِبةُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما هِبةُ المَشاعِ، وهِبةُ المَشاعِ فيما يُقسَمُ لا تَنفذُ إلا بالقِسمةِ والتَّسليمِ، ويَستَوي فيه الجَوابُ في هِبةِ المَشاعِ بينَ أنْ يَكونَ من أجنَبيٍّ أو شَركةِ شَريكِه، كلُّ ذلك يَجوزُ؛ لقَولِ جَماعةٍ من الصَّحابةِ رضي الله عنهم: «لا تَجوزُ الهِبةُ إلا مَقبوضةً مَحوزةً» من غيرِ فَصلٍ، ولأنَّ المانعَ هو الشُّيوعُ عندَ القَبضِ وقد وُجدَ، وعلى هذا الخِلافِ صَدقةُ المَشاعِ فيما يَنقسِمُ أنَّه لا يَجوزُ عندَنا خِلافًا للشافِعيِّ رحمة الله عليه.

وَجهُ قَولِه: أنَّ الشُّيوعَ لا يَمنعُ حُكمَ التَّصرفِ وهو المِلكُ، ولا شَرطَه وهو القَبضُ، ولا يَمنعُ جَوازَه كالمَفروضِ.

ولنا: أنَّ القَبضَ شَرطُ جَوازِ الصَّدقةِ، ومَعنى القَبضِ لا يَتحقَّقُ في الشائِعِ أو لا يَتكاملُ فيه لمَا بَيَّنَّا في الهِبةِ.

ولأنَّ التَّصدُّقَ تَبرعٌ كالهِبةِ، وتَصحيحُه في المَشاعِ يُصيِّرُها عَقدَ ضَمانٍ فيَتغيرُ المَشروعُ على ما بَيَّنَّا في الهِبةِ.

ولو وهَبَ شَيئًا يَنقسِمُ من رَجلَينِ كالدارِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ ونَحوِها وقَبَضاه لم يَجزْ عندَ أبي حَنيفةَ وجازَ عندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ، وأجمَعوا على أنَّه لو وهَبَ رَجلانِ من واحِدٍ شَيئًا يَنقسمُ وقبَضَه أنَّه يَجوزُ، فأبو حَنيفةَ يَعتبِرُ الشُّيوعَ عندَ القَبضِ وهما يَعتبرانِه عندَ العَقدِ والقَبضِ جَميعًا، فلم

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الثاني الطوارئ على المغصوب بالزيادة أو النقصان

فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتَهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهو الواجب في الغصب، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ الْمِثْلَ (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا) ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ.

وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ.

وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} المائدة: ٩٥ ; وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 559 - 565

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله