الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الشرط السادس: أن يكون الموهوب متميزا عن غيره وغير متصل به
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةيُجوِّزْ أبو حَنيفةَ هِبةَ الواحِدِ من اثنَينِ لوُجودِ الشُّيوعِ وَقتَ القَبضِ، وهُما جَوَّزاها؛ لأنَّه لم يُوجدِ الشُّيوعُ في الحالَين، بل وُجِد أحدُهما دونَ الآخَرِ، وجَوَّزوا هبِةَ الاثنَين من واحِدٍ.
أمَّا أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه فلعَدمِ الشُّيوعِ في وَقتِ القَبضِ، وأمَّا هُما فلانعِدامِه في الحالَين؛ لأنَّه وُجدَ عندَ العَقدِ ولم يُوجدْ عندَ القَبضِ (١).
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ يَكونَ المَوهوبُ مُتميِّزًا عن غيرِه وغيرَ مُتصلٍ به:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوهوبِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مُتميِّزًا عن غيرِه وغيرَ مُتصلٍ به مِثلَ الصُّوفِ على الغَنمِ أو لا يُشترطُ وتَصحُّ هِبةُ الصُّوفِ على الغَنمِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى عَدمِ اشتِراطِ أنْ يَكونَ المَوهوبُ مُتميِّزًا عن غيرِه وغيرَ مُتصلٍ به، بل يَصحُّ هِبةُ الشَّيءِ وإنْ لم يَكنْ مُتميِّزًا عن غيرِه وإنْ كانَ مُتصلًا به كالصُّوفِ على ظَهرِ الحَيوانِ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَظهرُ لي صِحةُ هِبةِ الصُّوفِ على الظَّهرِ قَولًا واحِدًا (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٠، ١٢١)، و «المبسوط» (١٢/ ٧٤)، و «أحكام القرآن» (٢/ ١٥١)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٣٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩٣)، و «العناية» (١٢/ ٢٧٧، ٢٧٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٦٤، ٦٥)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٦).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥١٥)، و «الذخيرة» (٦/ ٢٣١)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى عَدمِ صِحةِ هِبةِ الصُّوفِ على ظَهرِ الحَيوانِ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ.
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصِحةِ الهِبةِ ألَّا يَكونَ المَوهوبُ مُتصلًا بما ليسَ بمَوهوبٍ اتِّصالَ الأجزاءِ؛ لأنَّ قَبضَ المَوهوبِ وَحدَه لا يُتصورُ، وغَيرُه ليسَ بمَوهوبٍ، فكانَ هذا في مَعنى المَشاعِ، وعلى هذا يَخرجُ ما إذا وهَبَ أرضًا فيها زَرعٌ دونَ الزَّرعِ، أو شَجرًا عليه ثَمرٌ دونَ الثَّمرِ، أو وهَبَ الزَّرعَ دونَ الأرضِ، أو الثَّمرَ دونَ الشَّجرِ وخَلَّى بينَه وبينَ المَوهوبِ له أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ المَوهوبَ مُتصلٌ بما ليسَ بمَوهوبٍ اتِّصالَ جُزءٍ بجُزءٍ فمنَعَ صِحةَ القَبضِ.
ولو جَذَّ الثَّمرَ وحصَدَ الزَّرعَ ثم سلَّمَه فارِغًا جازَ؛ لأنَّ المانِعَ من النَّفاذِ -وهو ثُبوتُ المِلكِ- قد زالَ.
ولو جمَعَ بينَهما في الهِبةِ فوهَبَهما جَميعًا وسلَّمَ مُتفرِّقًا جازَ، ولو فرَّقَ بينَهما في الهِبةِ فوهَبَ كلَّ واحِدٍ منهما بعَقدٍ على حِدةٍ بأنْ وهَبَ الأرضَ ثم الزَّرعَ أو الزَّرعَ ثم الأرضَ؛ فإنْ جمَعَ بينَهما في التَّسليمِ جازَتِ الهِبةُ فيهما جَميعًا، وإنْ فرَّقَ لا تَجوزُ الهِبةُ فيهما جَميعًا قدَّمَ أو أخَّرَ سَواءٌ، بخِلافِ الفَصلِ الأولِ؛ لأنَّ المانِعَ من صِحةِ القَبضِ هنا الاتِّصالُ وهو لا يَختلفُ، والمانِعُ هناك الشَّغلُ، وهو يَختلفُ، نَظيرُ هذا إذا وهَبَ نِصفَ الدارِ مَشاعًا من رَجلٍ ولم يُسلِّمْ إليه حتى وهَبَ النِّصفَ الباقيَ منه وسلَّمَ الكلَّ فهو يَجوزُ، ولو وهَبَ النِّصفَ وسلَّمَ ثم وهَبَ الباقيَ وسلَّمَ لا يَجوزُ، كذا هذا.
وعلى هذا يَخرجُ ما إذا وهَبَ لَبنًا في ضَرعٍ أو صُوفًا على ظَهرِ غَنمٍ؛ فإنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ اتِّصالَ هذه الأَشياءِ كالشُّيوعِ؛ لأنَّ المَوهوبَ مُتصلٌ بما ليسَ بمَوهوبٍ، وهذا يَمنعُ صِحةَ القَبضِ، وكذلك لو وهَبَه من شَريكِه لا يَجوزُ؛ لعَدمِ إمكانِ القَبضِ، لكنْ لو جَزَّ الصُّوفَ وسلَّمَه إليه جازَ؛ لزَوالِ المانِعِ.
وعلى هذا إذا وهَبَ دابَّةً وعليها حِملٌ بدونِ الحِملِ لا تَجوزُ، ولو رفَعَ الحِملَ عنها وسلَّمَها فارِغةً جازَ؛ لمَا قُلنا، بخِلافِ هِبةِ ما في بَطنِ جاريتِه أو ما في بَطنِ غَنمِه أو ما في ضَرعِها، أو هِبةِ سَمنٍ في لَبنٍ أو دُهنٍ في سِمسِمٍ أو زَيتٍ في زَيتونٍ أو دَقيقٍ في حِنطةٍ فهو يَبطُلُ وإنْ سلَّطَه على قَبضِه عندَ الوِلادةِ أو عندَ استِخراجِ ذلك؛ لأنَّ المَوهوبَ هناك ليسَ مَحلَّ العَقدِ لكَونِه مَعدومًا؛ لهذا لم يَجزْ بَيعُها فلا تَجوزُ هِبتُها، وهنا بخِلافِه على ما تَقدَّمَ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: ولا تَصحُّ هِبةُ مَجهولٍ لا يَتعذَّرُ عِلمُه كالحَملِ في البَطنِ واللَّبنِ في الضَّرعِ والصُّوفِ على الظَّهرِ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ، ومتى أذِنَ رَبُّ شاةٍ لإِنسانٍ في جَزِّ الصُّوفِ وحَلبِ الشاةِ كانَ إِباحةً لصُوفِها ولَبنِها لا هِبةً، وإنْ وهَبَ دُهنَ سِمسِمِه -وهو الشَّيرجُ قبلَ عَصرِه- أو زَيتَ زَيتونِه أو جِفتَه قبلَ عَصرِهما لم يَصحَّ كاللَّبنِ في الضَّرعِ وأَولى لكُلفةِ الاعتِصارِ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٥، ١٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ٦٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٦٦، ٦٨)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٨٠).
(٢) «المبدع» (٥/ ٣٦٦)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة
لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.
(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.