النوع الثاني: هبة المحجور عليه لفلس

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > النوع الثاني: هبة المحجور عليه لفلس

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

النوع الثاني: هبة المحجور عليه لفلس - الأقوال والأدلة

النَّوعُ الثاني: هِبةُ المَحجورِ عليه لفَلسٍ:

المُفلسُ إمَّا أنْ يَهبَ قبلَ الحَجرِ عليه، وإمَّا أنْ يَهبَ بعدَ الحَجرِ عليه؛ فإنْ وهَبَ قبلَ الحَجرِ عليه فتَصرفُه نافِذٌ وهِبتُه صَحيحةٌ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلمُ أحدًا خالَفَهم، ولأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه فنفَذَ تَصرفُه كغيرِه، ولأنَّ سَببَ المَنعِ الحَجرُ فلا يتقدَّمُ سَببُه، ولأنَّه مِنْ أهلِ التَّصرفِ ولم يُحجرْ عليه فأشبَهَ المَليءَ (١).

وإنْ كانَ المالِكيةُ نَصُّوا على أنَّ مَنْ أحاطَ الدَّينُ بمالِه له ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى قبلَ التَّفليسِ: وهي مَنعُه وعَدمُ جَوازِ التَّصرفِ في مالِه بغيرِ عِوضٍ فيما لا يَلزمُه مما لم تَجرِ العادةُ بفِعلِه من هِبةٍ وصَدقةٍ وعِتقٍ وما أشبَهَ ذلك، كخِدمةٍ وإقرارٍ بدَينٍ لمَن يَتَّهمُ عليه ويَجوزُ بَيعُه وشِراؤُه (٢).

وأمَّا إنْ وهَبَ بعدَ الحَجرِ عليه فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ هِبتَه بعدَ الحَجرِ عليه غيرُ نافِذةٍ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه بحُكمِ حاكِمٍ، فلم يَصحَّ تَصرُّفُه كالسَّفيهِ،

(١) «المغني» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٦٤).
(٢) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٧/ ٢٧٥)، ويُنظَرُ: «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٣).

ولأنَّ حُقوقَ الغُرماءِ تعلَّقَت بأعيانِ مالِه فلم يَصحَّ تَصرفُه فيها كالمَرهونةِ.

وقالَ المالِكيةُ: هِبةُ مَنْ أحاطَ الدَّينُ بمالِه مَوقوفةٌ على إِجازةِ الغَريمِ؛ فإنْ أجازَها صحَّت وإلا لم تَصحَّ (١).

وقالَ الشافِعيةُ في قَولٍ: يَقفُ تَصرفُه؛ فإنْ كانَ فيما بَقيَ من مالِه وَفاءُ الغُرماءِ نفَذَ وإلا بطَلَ (٢).

وذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ إلى أنَّ المُفلسَ لا حَجرَ عليه فيَصحُّ تَصرفُه في مالِه (٣).

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا السُّفهاءُ والمُفلِسونَ فلا خِلافَ عندَ مَنْ يَقولُ بالحَجرِ عليهم أنَّ هِبتَهم غيرُ ماضيةٍ (٤).

وقد تقدَّمَت المَسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ الحَجرِ، في حُكمِ الحَجرِ على المُفلسِ.

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٣).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٣٣٩)، وما بعدها، و «البيان» (٦/ ١٣١)، وما بعدها، و «مغني المحتاج» (٣/ ٧٨، ١٠٢)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٣٥٥)، وما بعدها، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٥٣)، وما بعدها، و «الديباج» (٢/ ٢١٠)، و «المغني» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٦٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٤٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٣).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٥٨، ٢٦٩)، و «الاختيار» (٢/ ١١٨، ١١٩)، و «اللباب» (١/ ٤٤٨، ٤٥٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١١، ٤١٢)، و «العناية شرح الهداية» (١٣/ ٢٣٠، ٢٣٨).
(٤) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.

٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)

وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 514 - 515

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله