الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الهبة ترسل مع الرسول فيموت الواهب أو الموهوب له
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةالهِبةُ تُرسَلُ مع الرَّسولِ فيَموتُ الواهِبُ أو المَوهوبُ له:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أرسَلَ الواهِبُ هِبةً إلى صَديقٍ له مَثلًا مع إِنسانٍ فماتَ الواهِبُ أو المَوهوبُ له قبلَ أنْ تَصِلَ الهِبةُ إلى المَوهوبِ له، هل تَلزمُ وتَكونُ للمَوهوبِ له أم تَرجعُ إلى الواهِبِ؟ وهل يَفترقُ الحُكمُ إذا أرسَلَها مع رَسولٍ أو وَكيلِ المَوهوبِ له أو لا؟
فقالَ المالِكيةُ: إذا استصحَبَ الواهِبُ هَديةً لشَخصٍ في سَفرِه لآخَرَ غائِبٍ عن بَلدِ المُهدي ثم ماتَ الواهِبُ، أو أرسَلَ الهَديةَ له مع شَخصٍ ثم ماتَ الواهِبُ -أي: المُستصحِبُ أو المُرسِلُ- قبلَ وُصولِه أو وُصولِ رَسولِه بطَلَت الهِبةُ، سَواءٌ كانت لمُعيَّنٍ أو غيرِه لعَدمِ الحَوزِ قبلَ المانِعِ.
وكذا إنْ ماتَ المَوهوبُ له المُعيِّنُ لها، أي: الذي قصَدَ بها عَينَه دونَ وارِثِه بأنْ يَقولَ الواهِبُ: هي لفُلانٍ إنْ كانَ حَيًّا، سَواءٌ استَصحَبَها الواهِبُ معه أو أرسَلَها مع رَسولٍ، فتَبطُلُ الهِبةُ لعَدمِ القَبولِ من المَوهوبِ له، وتَرجعُ للواهِبِ إنْ كانَ حَيًّا أو لوارِثِه إنْ ماتَ.
ومَحلُّ البُطلانِ ما لم يُشهِدِ الواهِبُ في الصُّورِ الأربَعِ، أمَّا إنْ أشهَدَ أنَّها هَديةٌ لفُلانٍ حينَ الإِرسالِ، أو حينَ الاستِصحابِ؛ فإنَّها لا تَبطُلُ بمَوتِ المُرسَلِ إليه، ويَقومُ وارِثُه مَقامَه، ولا بمَوتِ الواهِبِ، فهذه صُورٌ أربَعٌ أيضًا، ومَفهومُ المُعيَّنةِ له أنَّها إنْ لم تُعيَّنْ له بأنْ قالَ حينَ أرسلَهَا أو حين استَصحَبَها: «هذه الهِبةُ لفُلانٍ إنْ كانَ حَيًّا، أو لوَرثتِه إنْ كانَ مَيِّتًا»؛ فإنَّها لا تَبطُلُ بمَوتِ المَوهوبِ له سَواءٌ أشْهَدَ الواهِبُ أو لا.
وكذا مَنْ دفَعَ مالًا لمَن يُفرِّقُه صَدقةً على الفُقراءِ والمَساكينِ ولم يُشهِدْ على ذلك، فلم يَتصدَّقْ به واستمَرَّ المالُ عندَه حتى ماتَ الواهِبُ؛ فإنَّ الصَّدقةَ تَبطلُ وتَرجعُ إلى وَرثةِ الواهِبِ أو المُتصدِّقِ، أمَّا إنْ أشْهَدَ على ذلك حين دفَعَ المالَ إلى مَنْ يَتصدَّقُ به؛ فإنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بمَوتِ الواهِبِ أو المُتصدِّقِ وتَرجعُ للفُقراءِ والمَساكينِ وهي من رأسِ المالِ.
وأمَّا بعدَ التَّفرقةِ فهي ماضيةٌ، فلو فرَّقَها أو بَعضَها بعدَ عِلمِه بالمانِعِ ضمِنَ الكُلَّ في الأولِ وما فُرِّقَ في الثاني (١).
قالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: مَنْ تَصدقَ على رَجلٍ بمِئةِ دِينارٍ وكتَبَ له كِتابًا لوَكيلِه ليَدفعَها إليه فقدِمَ على الوَكيلِ بالكِتابِ ودفَعَ إليه منها خَمسينَ وقالَ: «اذهَبْ، سأدفَعُ إليك الخَمسينَ الباقيةَ اليَومَ أو غَدًا»، فماتَ المُتصدِّقُ قبلَ أنْ يَقبِضَ المُتصدَّقُ عليه الخَمسينَ الباقيةَ من الوَكيلِ قالَ: لا شَيءَ له منها إذا لم يَقبِضْها حتى ماتَ المُتصدِّقُ، وليسَ له أكثَرُ من الخَمسينَ التي قبَضَها؛ لأنَّ التَّوكيلَ بمَنزِلتِه.
ابنُ رُشدٍ: هذا بيِّنٌ؛ لأنَّ يَدَ الوَكيلِ كيَدِ مُوكِّلِه (٢).
(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٦، ١٠٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩٧، ٤٩٨)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٩، ١٠)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١٥)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٧، ٨)، و «منح الجليل» (٨/ ١٤٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٠٨).
(٢) «مواهب الجليل» (٨/ ١٥).
وقالَ الشافِعيةُ: لو بعَثَ شَخصٌ هَديةً إلى إِنسانٍ فماتَ المُهدَى إليه قبلَ وُصولِ الهَديةِ إليه بَقيَت الهَديةُ للمُهدِي؛ لأنَّها لا تُملَكُ إلا بالقَبضِ، بدَليلِ «أنَّه لمَّا ماتَ النَّجاشيُّ قبلَ وُصولِ ما أهداه رَسولُ اللهِ ﷺ رَدَّه له وقسَّمه بينَ زَوجاتِه».
ولو ماتَ المُهدِي قبلَ وُصولِ ما أهداه للمُهدَى إليه لم يَكنْ للرَّسولِ حَملُها إلى المُهدَى إليه إلا بإذنِ الوارِثِ، وكذا المُسافِرُ إذا اشتَرى لأَصدقائِه هَدايا فماتَ قبلَ وُصولِها إليهم فهي له تَرِكةٌ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لو وهَبَ إِنسانٌ لغائِبٍ هِبةً وأنفَذَها مع رَسولِ المَوهوبِ له أو مع وَكيلِه ثم ماتَ الواهِبُ أو ماتَ المَوهوبُ له قبلَ وُصولِها إليه لزِمَ حُكمُها، وكانت للمَوهوبِ له؛ لأنَّ قَبضَ الرَّسولِ والوَكيلِ كقَبضِه فيَكونُ المَوتُ بعدَ لُزومِها فلا يُؤثِّرُ.
وإنْ أنفَذَها الواهِبُ مع رَسولِ نَفسِه ثم ماتَ الواهِبُ قبلَ وُصولِها إلى المَوهوبِ له أو ماتَ المَوهوبُ له بطَلَت الهِبةُ، وكانت للواهِبِ ولوَرثتِه لعَدمِ القَبضِ، وكذلك الحُكمُ في الهَديةِ، نَصَّ على ذلك.
قالَ أحمدُ في رِوايةِ أَبي طالِبٍ وأبي الحارِثِ في رَجلٍ أهدَى هَديةً فلم تَصِلْ إلى المُهدَى إليه حتى ماتَ؛ فإنَّها تَعودُ إلى صاحِبِها ما لم يَقبِضْها.
ورَوى بإسنادِه عن أُمِّ كُلثومٍ بِنتِ سَلمةَ قالَت: لمَّا تَزوجَ رَسولُ اللهِ ﷺ أُمَّ سَلمةَ قالَ لها: «إنِّي قد أهدَيتُ إلى النَّجاشيِّ حُلةً وأواقيَّ
(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٩)، و «حاشية إعانة الطالبين» (٣/ ٢٩٦).
من مِسكٍ، ولا أَرى النَّجاشيَّ إلا قد ماتَ، ولا أَرى هَديَتي إلا مَردودةً علَيَّ؛ فإنْ رُدَّت علَيَّ فهي لكِ» قالَت: فكانَ ما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ورُدَّت عليه هَديتُه، فأعطَى كلَّ امِرأةٍ من نِسائِه أُوقيةً من مِسكٍ، وأعطَى أُمَّ سَلمةَ بَقيةَ المِسكِ والحُلةَ (١). وبُطلانُ الهِبةِ إذا ماتَ الواهِبُ بعدَ بَعثِ رَسولِه بالهَديةِ لعَدمِ القَبولِ.
وعلى هذا إذا ماتَ صاحِبُ الهِبةِ قبلَ أنْ تَصِلَ إلى المُهدَى إليه رجَعَت إلى وَرثةِ المُهدِي وليسَ للرَّسولِ حَملُها بعدَ مَوتِ الواهِبِ إلى المَوهوبِ له إلا أنْ يأذَنَ له الوارِثُ؛ لأنَّ الحَقَّ صارَ إليه، وكذا حُكمُ هَديةٍ وصَدقةٍ؛ لأنَّهما نَوعان من الهِبةِ، وإنْ ماتَ المُتَّهَبُ أو الواهِبُ قبلَ القَبولِ أو ما يَقومُ مَقامَه بطَلَ العَقدُ؛ لأنَّه لم يَتمَّ، وكذا لو جُنَّ أو أُغميَ عليه (٢).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ: إذا وهَبَ هِبةً أو وعَدَ ثم ماتَ قبلَ أنْ تَصِلَ إليه، وقالَ عُبيدةُ -أي: السَّلمانِيُّ-: إنْ ماتَ وكانَت فُصِلت الهَديةُ والمُهدَى له حَيٌّ فهي لوَرثتِه -أي: وَرثةِ المُهدَى له-، وإنْ لم تَكنْ فُصِلت فهي لوَرثةِ الذي أهدَى. وقالَ الحَسنُ: أيُّهما ماتَ قبلُ فهي لوَرثةِ المُهدَى له إذا قبَضَها الرَّسولُ.
(١) رواه أحمد (٢٧٣١٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٥١١٤)، وقالَ الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٥/ ٢٢٢): إسناده حسن.
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١٢٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٧)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٨٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة
لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.
(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣١ - مسألة؛ قال: (ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه)
عِوَضٍ، فلَزِمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ. وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنْقُلُ المِلْكَ، فلم يَقِفْ لُزُومُه على القَبْضِ كالبَيْعِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ ما قُلْنَاه مَرْوِىٌّ عن أبي بكرٍ وعمرَ رَضِىَ اللَّه عنهما، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحَابةِ مُخَالِفٌ، فَرَوى عُرْوَةُ، عنْ عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَها جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا من مالِه بالعَالِيَةِ. فلما مَرِضَ، قال: يا بُنَيَّة، ما أحَدٌ أحَبُّ إلىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ، ولا أحَدٌ أعَزُّ علىَّ فَقْرًا منكِ، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ أخَوَاكِ وأُخْتَاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ . ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عبدٍ القارِىّ، أن عمَرَ بن الخَطَّابِ، قال: ما بالُ أقْوامٍ يَنْحَلُونَ أوْلَادَهُم، فإذا ماتَ أحَدُهُم، قال: مالِى، وفى يَدى. وإذا ماتَ هو ، قال: قد كنتُ نَحَلْتُه وَلَدِى. لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ، فإن ماتَ وَرِثَهُ. ورَوَى عُثْمانُ أن الوالِدَ يَحُوزُ لِوَلَدِه إذا كانوا صِغَارًا. قال المَرُّوذِىُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعمرُ وعُثْمانُ وعَلِىٌّ، أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ولأنَّها هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضةٍ، فلم تَلْزَمْ، كما لو ماتَ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقول: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ، والخَبَرُ مَحْمولٌ على المَقْبُوضِ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلى اللَّه تعالى، فخَالَفَ…
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.