الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > الهبة لذي رحمه المحرم (غير الولد)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةشُريحًا رَأى الرُّجوعَ لها فيه، واحتَجَّ بقَولِه ﷾: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وإذا كانَت طالِبةً له لم تَطِبْ به نَفسًا.
قالَ ابنُ العَربيِّ: وهذا باطِلٌ؛ لأنَّها قد طابَتْ وقد أكَلَ فلا كَلامَ لها؛ إذْ ليسَ المُرادُ صُورةَ الأكلِ وإنَّما هو كِنايةٌ عن الإِحلالِ والاستِحلالِ، وهذا بَيِّنٌ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: بَيعُ المَهرِ قبلَ قَبضِه جائِزٌ، وقد نَصَّ أحمدُ على جَوازِ هِبةِ المَرأةِ صَداقَها من زَوجِها قبلَ قَبضِه (٢).
وقد تقدَّمَ كَلامُ ابنِ قُدامةَ رحمة الله عليه في تَفصيلِ مَذهبِ الحَنابلةِ في المَسألةِ السابِقةِ.
الهِبةُ لذي رَحمِه المَحرَمِ (غيرِ الوَلدِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإِنسانَ إذا وهَبَ لذوي رَحمِه المَحرَمِ غيرِ وَلدِه فلا رُجوعَ له فيه إذا قبَضَها.
قالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ نَصرٍ المَروزيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّها إذا كانَت لذي رَحمٍ مَحرَمٍ فلا رُجوعَ فيها (٣).
(١) «الجامع لأحكام القرآن» (٥/ ٢٥).
(٢) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٩/ ٢٨٠)، ويُنظَرُ: «المغني» (٧/ ١٧٧)، و «الكافي» (٣/ ٩٤).
(٣) «اختلاف العلماء» ص (٢٧٧).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: حصَلَ الاتِّفاقُ على أنَّ ما وهَبَه الإِنسانُ لذَوي رَحمِه المَحرَمِ غيرِ وَلدِه لا رُجوعَ فيه (١).
واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه سَمُرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانَت الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجِعْ فيها» (٢). وما رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها» (٣). ولأنَّ المَقصودَ منها مع القَريبِ المَحرَمِ صِلةُ الرَّحمِ وقد حصَلَ، وفي الرُّجوعِ قَطعُها، فلا يَرجعُ ولو كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا؛ لأنَّه واجِبُ الصِّلةِ ومَحلٌّ للصَّدقةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، ولقَبولِ الذِّمةِ والأمانِ فقد ترَكَ المُقاتلةَ (٤).
(١) «المغني» (٥/ ٣٩٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الحاكم في «المستدرك» (٢٣٢٤)، والدارقطني (٣/ ٤٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٦).
(٣) صحيحٌ مَوقوفًا: رواه مالك في «الموطأ» (١٤٤٠)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٨).
(٤) «المبسوط» (١٢/ ٥٣، ٥٤)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٢)، و «الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٢٧)، و «الاختيار» (٣/ ٦٢، ٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٧٤، ٧٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩٨)، و «نصب الراية» (٤/ ٢١٦)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٩٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٦، ١٠٧)، و «العناية» (١٢/ ٢٩٦، ٣٠٠)، و «اللباب» (١/ ٦٠٧، ٦٠٩)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٨١)، و «الاستذكار» (٧/ ٢٣٥، ٢٣٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، رقم (١١٠٤)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤٥، ٥٤٦)، و «البيان» (٨/ ١٢٤، ١٢٥)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٩١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٦٤)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٩)، و «تحفة المحتاج مع حاشية الرواني والعبادي» (٧/ ٥٩٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٨٤)، و «الديباج» (٢/ ٥٤٧)، و «المغني» (٥/ ٣٩٨)، و «الكافي» (٢/ ٤٦٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٦ - مسألة؛ قال: (ولا يحل لواهب أن يرجع في هبته، ولا لمهد أن يرجع في هديته، وإن لم يثب عل
مِيرَاثُه بحالٍ. والأمُّ لا تَأْخُدُ؛ لأنَّها لا وِلَايةَ لها. والجَدُّ أيضًا لا يَلِى على مالِ وَلَدِ ابْنِه، وشَفَقَتُه قاصِرَةٌ عن شَفَقَةِ الأبِ، ويُحْجَبُ به في المِيراثِ، وفي وِلَايةِ النِّكاحِ. وغيرُهما من الأقارِبِ والأجانِبِ لبس لهم الأخْذُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيه؛ لأنَّه إذا امْتَنَعَ الأخْذُ في حَقّ الأُمِّ والجَدِّ، مع مُشَارَكتِهِما للأبِ في بعض المَعَانِى، فغيرُهما ممَّن لا يُشَارِكُ الأبَ في ذلك أَوْلَى.
٩٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَلَا لِمُهْدٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هدِيَّتِه، وَإنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا)
يعني وإن لم يُعَوَّضْ عنها . وأرادَ من عَدا الأبَ؛ لأنَّه قد ذَكَرَ أنَّ للأبِ الرُّجُوعَ، بقوله: "أُمِرَ بِرَدِّه" . فأما غيرُه فليس له الرُّجُوعُ في هبَتِه ولا هَدِيّتِه. وبهذا قال الشافِعيُّ وأبو ثَوْرٍ. وقال النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: مَنْ وَهَبَ لغير ذِى رَحِمٍ، فله الرُّجُوعُ، ما لم يُثَبْ عليها، ومن وَهَبَ لذى رَحِمٍ، فليس له الرُّجُوعُ. ورُوى ذلك عن عمرَ بن الخَطَّابِ ، رَضِىَ اللَّه عنه، واحْتَجُّوا بما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الرَّجُلُ أحَقُّ بِهِبَتِهِ، مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا" . رَوَاه ابنُ ماجه، في "سُنَنِه" . وبقَوْلِ عمرَ، ولأنَّه لم يَحْصُلْ له عنها عِوَضٌ، فجازَ له الرُّجُوعُ فيها، كالعارِيَّةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العائِدُ في هِبَتِه، كَالْعائِدِ في قَيْئِهِ" . وفي لَفْظٍ: "كَالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ" . وفي رِوَايةٍ إنَّه "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِد فِي هِبَتِه كالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه" . مُتَّفَقٌ عليه ، وأيضا
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.