بأي شيء يحصل الإيجاب؟

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > بأي شيء يحصل الإيجاب؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

بأي شيء يحصل الإيجاب؟ - الأقوال والأدلة

بأيِّ شَيءٍ يَحصُلُ الإِيجابُ؟

يَحصلُ الإِيجابُ إمَّا باللَّفظِ (وهو إمَّا صَريحٌ أو كِنايةٌ) وإمَّا بالمُعاطاةِ وإمَّا بما يَدلُّ عليه عُرفًا، وفي هذا خِلافٌ وتَفصيلٌ بينَ المَذاهبِ، فالشافِعيةُ يَشتَرِطون اللَّفظَ من القادِرِ عليه في الإِيجابِ وكذا في القَبولِ، ولا تَصحُّ عندَهم الهِبةُ بالمُعاطاةِ، وتَصحُّ في الهَديةِ والصَّدقةِ على الصَّحيحِ في المَذهبِ.

والحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ يُصحِّحون الهِبةَ باللَّفظِ والمُعاطاةِ وكذا ما يَدلُّ عليها، كما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ.

قالَ الحَنفيةُ: الإِيجابُ رُكنٌ من الواهِبِ، وهو أنْ يَقولَ: «وهَبتُ هذا الشَّيءَ لك، أو ملَكتُه منكَ، أو جعَلتُه لك، أو هو لك، أو أعطَيتُه أو نحَلتُه، أو أهدَيتُه إليكَ، أو أطعَمتُك هذا الطَّعامَ أو حَملتُك على هذه الدَّابةِ»، ونَوَى به الهِبةَ.

أمَّا قَولُه: «وهَبتُ لك» فصَريحٌ في البابِ، وقَولُه: «ملَكتُك» يَجري مَجرى الصَّريحِ أيضًا؛ لأنَّ تَمليكَ العَينِ للحالِ من غيرِ عِوضٍ هو تَفسيرُ الهِبةِ، وكذا قَولُه: «جعَلتُ هذا الشَّيءَ لك»، وقَولُه: «هو لك»؛ لأن اللَّامَ المُضافةَ إلى مَنْ هو أهلٌ للمِلكِ للتَّمليكِ، فكانَ تَمليكُ العَينِ في الحالِ من غيرِ عِوضٍ، وهو مَعنى الهِبةِ، وكذا قَولُه: «أعطَيتُك»؛ لأنَّ العَطيةَ المُضافةَ إلى العَينِ في عُرفِ الناسِ هي تَمليكُها للحالِ من غيرِ عِوضٍ، وهذا مَعنى الهِبةِ، وكذا يُستعمَلُ الإِعطاءُ استِعمالَ الهِبةِ، يُقالُ: «أَعطاك اللهُ كذا

ووهَبَك» بمَعنًى، والنِّحلةُ هي العَطيةُ، يُقالُ: «فُلانٌ نحَلَ وَلدَه نِحلةً»، أي: أَعطاه عَطيةً، والهِبةُ بمَعنى العَطيةِ.

وقَولُه: «أطعَمتُك هذا الطَّعامَ» في مَعنى «أعطَيتُك»، وقَولُه: «حمَلتُك على هذه الدابةِ»؛ فإنَّه يَحتملُ الهِبةَ ويَحتملُ العارِيةَ؛ فإنَّه رُويَ أنَّ سيِّدَنا عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه حمَلَ رَجلًا على دابةٍ ثم رَآها تُباعُ في السُّوقِ، فأرادَ أنْ يَشتريَها، فسألَ رَسولَ اللهِ عن ذلك، فقالَ: لا تَرجعْ في صَدقتِك. فاحتمَلَ تَمليكَ العَينِ واحتمَلَ تَمليكَ المَنافعِ، فلا بدَّ من النِّيةِ للتَّعيينِ.

ولو قالَ: «منَحتُك هذا الشَّيءَ»، أو قالَ: «هذا الشَّيءُ لك مِنحةً»، فهذا لا يَخلو:

إمَّا أنْ يَكونَ ذلك الشَّيءُ ممَّا يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ وإمَّا أنْ يَكونَ ممَّا لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا باستِهلاكِه.

فإنْ كانَ ممَّا يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ كالدارِ والثَّوبِ والدابةِ والأرضِ بأنْ قالَ: «هذه الدارُ لك مِنحةً، أو هذا الثَّوبُ أو هذه الدابةُ أو هذه الأرضُ»، فهو عارِيةٌ؛ لأنَّ المِنحةَ في الأصلِ عِبارةٌ عن هِبةِ المَنفعةِ أو ما له حُكمُ المَنفعةِ، وقد أُضيفَ إلى ما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكِه من السُّكنَى واللُّبسِ والرُّكوبِ والزِّراعةِ؛ لأنَّ مَنفعةَ الأرضِ زِراعتُها، فكانَ هذا تَمليكَ المَنفعةِ من غيرِ عِوضٍ، وهو تَفسيرُ الإِعارةِ، وكذا إذا قالَ لأرضٍ بَيضاءَ: «هذه الأرضُ لك طُعمةً» كانَ عارِيةً؛ لأنَّ عَينَ الأرضِ ممَّا لا يُطعمُ،

وإنَّما يُطعمُ ما يَخرجُ منها، فكانَت طُعمةُ الأرضِ زِراعتَها، فكانَ ذلك حينَئذٍ إِعارةً، ولصاحبِها أنْ يَأخذَها إذا لم يَكنْ فيها زَرعٌ، وإنْ كانَ فيها زَرعٌ فالقِياسُ أنْ يَكونَ له وِلايةُ القَلعِ كالبِناءِ والغَرسِ، وفي الاستِحسانِ يُتركُ إلى وَقتِ الحَصادِ بأجرِ المِثلِ.

ولو منَحَه شاةً حَلوبًا أو ناقةً حَلوبًا أو بَقرةً حَلوبًا، وقالَ: «هذه الشاةُ لك مِنحةً، أو هذه الناقةُ، أو هذه البَقرةُ»، كانَ عارِيةً وجازَ له الانتِفاعُ بلَبنِها؛ لأنَّ اللَّبنَ -وإنْ كانَ عَينًا حَقيقةً- مَعدودٌ من المَنافعِ عُرفًا وعادةً، فأُعطيَ له حُكمُ المَنفعةِ، كأنَّه أباحَ له شُربَ اللَّبنِ فيَجوزُ له الانتِفاعُ بلَبنِها.

وكذلك لو منَحَه جَديًا أو عَناقًا كانَ له عارِيةً؛ لأنَّ الجَديَ مُعرَّضٌ أنْ يَصيرَ فَحلًا، والعَناقُ حَلوبًا، وإنْ عنَى بالمِنحةِ الهِبةَ في هذه المَواضعِ فهو على ما عنَى؛ لأنَّه نَوَى ما يَحتملُه لَفظُه وفيه تَشديدٌ على نَفسِه.

وإنْ كانَ ممَّا لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ كالمَأكولِ والمَشروبِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ، بأنْ قالَ: «هذا الطَّعامُ لك مِنحةً، أو هذا اللَّبنُ أو هذه الدَّراهمُ والدَّنانيرُ» كانَ هِبةً؛ لأنَّ المِنحةَ المُضافةَ إلى ما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ لا يُمكنُ حَملُها على هِبةِ المَنفعةِ فيُحملُ على هِبةِ العَينِ وهي تَمليكُها، وتَمليكُ العَينِ للحالِ من غيرِ عِوضٍ هو تَغييرُ الهِبةِ، هذا إذا كانَ الإِيجابُ مُطلقًا عن القَرينةِ.

فأمَّا إذا كانَ مَقرونًا بقَرينةٍ فالقَرينةُ لا تَخلو إمَّا أنْ يَكونَ وَقتًا وإمَّا أنْ يَكونَ شَرطًا وإمَّا أنْ يَكونَ مَنفعةً.

فإنْ كانَ وَقتًا -بأنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ»، أو صرَّح فقالَ: «جعَلتُ هذه الدارَ لك عُمري»، أو قالَ: «جعَلتُها لك عُمرَك»، أو قالَ: «هي لك عُمرَك أو حَياتَك، فإذا مِتَّ أنتَ فهي رَدٌّ علَيَّ»، أو قالَ: «جعَلتُها لكَ عُمري أو حَياتي، فإذا مِتُّ أنا فهي رَدٌّ على وَرثَتي» - فهذا كلُّه هِبةٌ، وهي للمُعمِرِ له في حَياتِه ولوَرثتِه بعدَ وَفاتِه والتَّوقيتُ باطِلٌ.

وإنْ كانت القَرينةُ شَرطًا نُظرَ إلى الشَّرطِ المَقرونِ؛ فإنْ كانَ ممَّا يَمنعُ وُقوعَ التَّصرُّفِ تَمليكًا للحالِ يَمنعُ صِحةَ الهِبةِ، وإلا فيَبطُلُ الشَّرطُ وتَصحُّ الهِبةُ، وعلى هذا يَخرجُ ما إذا قالَ: «أرقَبتُك هذه الدارَ»، أو صرَّح فقالَ: «جعَلتُ هذه الدارَ لك رُقبَى»، أو قالَ: «هذه الدارُ لك رُقبَى»، ودفَعَها إليه فهي عارِيةٌ في يَدِه، له أنْ يَأخذَها منه متى شاءَ، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وقالَ أَبو يُوسفَ: هذا هِبةٌ، وقَولُه: «رُقبَى» باطِلٌ.

ويَنبَغي أنْ يَنويَ؛ فإنْ عنَى به هِبةَ الرَّقبةِ يَجوزُ بلا خِلافٍ، وإنْ عنَى به مُراقبةَ المَوتِ لا يَجوزُ بلا خِلافٍ (١).

وقالَ في الهِنديةِ: أمَّا الأَلفاظُ التي تَقعُ بها الهِبةُ فأَنواعٌ ثَلاثةٌ: نَوعٌ تَقعُ به الهِبةُ وَضعًا، ونَوعٌ تَقعُ به الهِبةُ كِنايةً وعُرفًا، ونَوعٌ يَحتملُ الهِبةَ والعارِيةَ مُستوِيًا.

أمَّا الأولُ: فكقَولِه: «وهَبتُ هذا الشَّيءَ لك، أو مَلَّكتُه لك، أو جعَلتُه لك، أو هذا لك، أو أعطَيتُك، أو نَحلتُك هذا»، فهذا كلُّه هِبةٌ.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٥، ١١٧).

وأمَّا الثانِي: فكقَولِه: «كَسوتُك هذا الثَّوبَ أو أعمَرتُك هذه الدارَ»، فهو هِبةٌ. كذا لو قالَ: «هذه الدارُ لكَ عُمري أو عُمرَك أو حَياتي أو حَياتَك، فإذا مِتَّ فهو رَدٌّ علَيَّ»، جازَت الهِبةُ وبطَلَ الشَّرطُ.

وأمَّا الثالِثُ: فكقَولِه: «هذه الدارُ لك رُقبَى أو لك حَبسٌ»، ودفَعَها إليه فهي عارِيةٌ عندَهما، وعندَ أبي يُوسفَ -رحِمَه اللهُ تَعالى- هي هِبةٌ، كذا في «مُحيطِ» السَّرخَسيِّ، ولو قالَ: أطعَمتُك هذا الطَّعامَ؛ فإنْ قالَ: «فاقبِضْه» فهو هِبةٌ، وإنْ لم يَقُلْ: «فاقبِضْه» يَكنْ هِبةً أو عارِيةً، فقد اختلَفَ المَشايخُ رحمهم الله في شُروحِهم، كذا في «المُحيطِ»، ولو قالَ: «حمَلتُك على هذه الدابةِ» يَكونُ عارِيةً، إلا أنْ يَنويَ الهِبةَ، وقيلَ: هو من السُّلطانِ هِبةٌ، كذا في «الظَّهيريةِ».

والأصلُ في هذه المَسائلِ أنَّه إذا أتى بلَفظٍ يُنبِئُ عن تَمليكِ الرَّقبةِ يَكونُ هِبةً، وإذا كانَ مُنبِئًا عن تَمليكِ المَنفعةِ يَكونُ عارِيةً، وإذا احتمَلَ هذا وذاك يُنوَى في ذلك (١).

وقالَ المالِكيةُ: الهِبةُ تَصحُّ بصِيغةٍ تَدلُّ على التَّمليكِ صَريحًا كقَولِه: «وهَبتُ لك، أو هي هِبةٌ مِنِّي لك، أو أنا واهِبٌ لك هذا، أو مَلَّكتُك» ونَحوَه، أو كمُفهِمٍ مَعناها، وسَواءٌ كانَ مُفهمًا مَعنى الصِّيغةِ قَولًا، ك «خُذْ

(١) «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٧٥)، ويُنظَرُ: «الاختيار» (٣/ ٥٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٩، ٦٠)، و «اللباب» (١/ ٦٠١، ٦٠٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٣)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٨).

هذا، ولا حَقَّ لي فيه»، أو فِعلًا كدَفعِه له، وتَقومُ قَرينةٌ على إِخراجِه عنه وتَمليكِه للمُعطَى.

والفِعلُ كتَحليةِ أبٍ أو أُمِ وَلدِه بحُليٍّ ثم ماتَ؛ فإنَّه يَكونُ له ولا يُورثُ عن الأبِ وإنْ لم يَشهدْ بالتَّملُّكِ؛ لأنَّ التَّحليةَ قَرينةٌ عليه ما لم يَشهدْ بمُجردِ الإمتاعِ؛ فإنْ أشهَدَ بذلك لا تَكونُ التَّحليةُ حينَئذٍ هِبةً ولا تَمليكًا، بخِلافِ تَحليةِ الزَّوجةِ فمَحمولةٌ على الإِمتاعِ فقط، ما لم يَشهدْ بالتَّمليكِ، وهذا خاصٌّ بتحَليتِها بشَيءٍ وهي عندَه، وأمَّا ما يُرسلُه لها قبلَ البِناءِ بها هَديةً من ثِيابٍ وحُليٍّ؛ فإنَّه يُحملُ على التَّمليكِ إلا إذا سَماه عارِيةً، وإنْ لم يُسمِّ شَيئًا فالأصلُ فيه التَّمليكُ، فالمَدارُ على القَرائنِ والعادةِ.

وسَواءٌ كانَ الوَلدُ ذَكرًا أو أُنثى، صَغيرًا أو كَبيرًا، كانَت التَّحليةُ جائِزةً أو مُحرَّمةً (١).

وقالَ الشافِعيةُ: الإِيجابُ لَفظًا من الناطِقِ مع التَّواصلِ المُعتادِ رُكنٌ من أَركانِ الهِبةِ، ومن صَريحِ الإِيجابِ: «وهَبتُك، ومنَحتُك، وملَّكتُك بلا ثَمنٍ».

أمَّا الأخرسُ فيَكفيه الإشارةُ المُفهِمةُ.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وفي «الذَّخائرِ» أنَّ انعِقادَ الهِبةِ بالكِنايةِ مع النِّيةِ وبالاستيجابِ على الخِلافِ في البَيعِ، أي: فتَصحُّ، ومن الكِنايةِ الكِتابةُ، واختار في «المَجموعِ» صِحَّتَها بالمُعاطاةِ.

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٤)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٩٨).

وقَولُه لغيرِه: «كسَوتُك هذا الثَّوبَ»، كِنايةٌ في الهِبةِ؛ فإنْ قالَ الواهِبُ: «لم أُرِدْها»، صُدِّقَ؛ لأنَّه يَصلحُ للعارِيةِ فلا يَكونُ صَريحًا في الهِبةِ كالبَيعِ.

ولا يُشترطُ الإِيجابُ والقَبولُ في الهَديةِ على الصَّحيحِ، ولو في غيرِ المَطعومِ، بل يَكفي البَعثُ من المُهدِي، ويَكونُ كالإِيجابِ والقَبضِ من المُهدَى إليه، ويَكونُ كالقَبولِ؛ لأنَّ الهَدايا كانت تُحملُ إلى رَسولِ اللهِ من المُلوكِ وغيرِهم كالكِسوةِ والدَّوابِّ والجَواري فيَقبلُها، ولا لَفظَ هناك، وعلى هذا جَرى الناسُ في الأعصارِ، ولذلك كانوا يَبعَثونَ بها على أيدي الصِّبيانِ الذين لا عِبارةَ لهم.

وفي الصَّحيحَينِ: «كانَ الناسُ يَتحرَّونَ بهَداياهم يَومَ عائِشةَ رضي الله عنها»، ولم يُنقَلْ إِيجابٌ ولا قَبولٌ.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا الصَّحيحُ الذي عليه قَرارُ المَذهبِ، ونقَلَه الأَثباتُ من مُتأخِّري الأَصحابِ …

فإنْ قيلَ: هذا كانَ إباحةً، لا هَديةً وتَمليكًا، فجَوابُه أنَّه لو كانَ إباحةً لمَا تَصرَّفوا فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، ومَعلومٌ أنَّ ما قبِلَه النَّبيُّ كانَ يَتصرَّفُ فيه ويُملِّكُه غيرَه، ويُمكنُ أنْ يُحملَ كَلامُ مَنْ اعتبَرَ الإِيجابَ والقَبولَ على الأمرِ المُشعِرِ بالرِّضا دونَ اللَّفظِ، ويُقالُ: الإِشعارُ بالرِّضا قد يَكونُ لَفظًا وقد يَكونُ فِعلًا (١).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٠، ١٨١)، ويُنظَرُ: «البيان» (٨/ ١١٢، ١١٣)، و «الوسيط» (٥/ ٢٠٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٣٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٨).

وقالَ الحَنابلةُ: تَحصلُ الهِبةُ بما يَتعارَفُه الناسُ هِبةً من الإِيجابِ والقَبولِ والمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليها، فالإِيجابُ أنْ يَقولَ: «وهَبتُك، أو أهدَيتُ إليك، أو ملَّكتُك، أو هذا لك»، ونَحوَه من الأَلفاظِ الدالةِ على هذا المَعنى، والقَبولُ أنْ يَقولَ: «قبِلتُ، أو رَضيتُ»، أو نحوَ هذا.

وتَصحُّ بالمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليهما، وإنْ لم يَحصُلْ إِيجابٌ أو قَبولٌ.

ذكَر القاضِي وأَبو الخَطَّابِ أنَّ الهِبةَ والعَطيةَ لا بدَّ فيها من الإِيجابِ والقَبولِ، ولا تَصحُّ بدونِه سَواءٌ وُجدَ القَبضُ أو لم يُوجدْ.

والصَّحيحُ أنَّ المُعاطاةَ والأَفعالَ الدالةَ على الإِيجابِ والقَبولِ كافيةٌ، ولا يحتاجُ إلى لَفظٍ، اختارَه ابنُ عَقيلٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ كانَ يُهدِي ويُهدَى إليه، ويُعطِي ويُعطَى، ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ ويأمُرُ سُعاتِه بأَخذِها وتَفريقِها وكانَ أَصحابُه يَفعَلون ذلك، ولم يُنقلْ عنهم في ذلك إِيجابٌ ولا قَبولٌ، ولا أمْرٌ به ولا تَعليمُه لأحدٍ، ولو كانَ ذلك شَرطًا لنُقلَ عنهم نَقلًا مُشتهَرًا، وقد كانَ ابنُ عُمرَ على بَعيرٍ لعُمرَ فقالَ النَّبيُّ لعُمرَ «بِعنِيه»، فقالَ: هو لك يا رَسولَ اللهِ. فقالَ رَسولُ اللهِ : «هو لك يا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فاصنَعْ به ما شِئتَ»، ولم يُنقَلْ قَبولُ النَّبيِّ من عُمرَ ولا قَبولُ ابنِ عُمرَ من النَّبيِّ ، ولو كانَ شَرطًا لفعَلَه

النَّبيُّ وعلِمَه ابنُ عُمرَ، ولم يَكنْ ليأمُرَه أنْ يَصنعَ به ما شاءَ قبلَ أنْ يَقبلَه، ورَوى أبو هُريرةَ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ كانَ إذا أُتِيَ بطَعامٍ سألَ عنه؛ فإنْ قالوا: صَدقةٌ، قالَ لأَصحابِه: «كُلوا»، ولم يَأكلْ، وإنْ قالوا: هَديةٌ، ضرَب بيَدِه فأكَلَ معهم».

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْنا في أنَّ تَقديمَ الطَّعامِ بينَ يَدَيِ الضِّيفانِ والإذنَ في أكلِه لا يَحتاجان إلى إيجابٍ ولا قَبولٍ، ولأنَّه وُجدَ ما يَدلُّ على التَّراضي بنَقلِ المِلكِ فاكتُفيَ به كما لو وُجدَ الإِيجابُ والقَبولُ.

قالَ ابنُ عَقيلٍ: إنَّما يُشترطُ الإِيجابُ مع الإِطلاقِ وعَدمِ العُرفِ القائِمِ من المُعطِي والمُعطَى؛ لأنَّه إذا لم يَكنْ عُرفٌ يَدلُّ على الرِّضا فلا بدَّ من قَولٍ دالٍّ عليه، أمَّا مع قَرائنِ الأَحوالِ والدَّلائلِ فلا وَجهَ لتَوقُّفِه على اللَّفظِ، ألَا تَرى أنَّا اكتَفيْنا بالمُعاطاةِ في البَيعِ واكتَفيْنا بدِلالةِ الحالِ في دُخولِ الحَمَّامِ وهو إجارةٌ وبَيعُ أعيانٍ، فإذا اكتَفيْنا في المُعاوَضاتِ مع تَأكدِها بدِلالةِ الحالِ؛ فإنَّها تَنقُلُ المِلكَ من الجانبَينِ فلَأنْ نَكتفيَ بها في الهِبةِ أَولى.

وأمَّا النِّكاحُ فإنَّه يُشترطُ فيه ما لا يُشترطُ في غيرِه من الإشهادِ، ولا يَقعُ إلا قَليلًا، فلا يَشقُّ اشتِراطُ الإِيجابِ والقَبولِ فيه بخِلافِ الهِبةِ (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٢)، و «الإنصاف» (٧/ ١١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤٦).

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وكلُّ ما عَدَّه الناسُ بَيعًا أو هِبةً من مُتعاقِبٍ أو مُتراخٍ من قَولٍ أو فِعلٍ انعقَدَ به البَيعُ والهِبةُ (١).

وقالَ أيضًا: إنَّ هذه الأَسماءَ جاءَت في كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه مُعلقًا بها أحكامٌ شَرعيةٌ، وكلُّ اسمٍ لا بدَّ له من حَدٍّ، فمنه ما يُعلمُ حَدُّه باللُّغةِ كالشَّمسِ والقَمرِ والبَرِّ والبَحرِ والسَّماءِ والأرضِ، ومنه ما يُعلمُ بالشَّرعِ كالمُؤمنِ والكافِرِ والمُنافِقِ وكالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ، وما لم يَكنْ له حَدٌّ في اللُّغةِ ولا في الشَّرعِ فالمَرجعُ فيه إلى عُرفِ الناسِ، كالقَبضِ المَذكورِ في قَولِه : «مَنْ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَه»، ومَعلومٌ أنَّ البَيعَ والإجارةَ والهِبةَ ونَحوَها لم يَحُدَّ الشارِعُ لها حَدًّا لا في كِتابِ اللهِ ولا سُنةِ رَسولِه ولا نُقلَ عن أحدٍ من الصَّحابةِ والتابِعينَ أنَّه عيَّنَ للعُقودِ صِفةً مُعيَّنةً من الأَلفاظِ أو غيرِها، أو قالَ ما يَدلُّ على ذلك من أنَّها لا تَنعقِدُ إلا بالصِّيغِ الخاصةِ، بل قد قيلَ: إنَّ هذا القَولَ مما يُخالفُ الإِجماعَ القَديمَ ومِن البِدعِ، وليسَ لذلك حَدٌّ في لُغةِ العَربِ، بحيث يُقالُ: إنَّ أهلَ اللُّغةِ يُسمُّون هذا بَيعًا، ولا يُسمُّون هذا بَيعًا حتى يَدخلَ أحدُهما في خِطابِ اللهِ ، ولا يَدخلُ الآخَرُ، بل تَسميةُ أهلِ العُرفِ من العَربِ هذه المُعاقداتِ بَيعًا دَليلٌ على أنَّها في لُغتِهم تُسمَّى بَيعًا، والأصلُ بَقاءُ اللُّغةِ وتَقريرُها، لا نَقلُها وتَغييرُها.

(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٦٨، ٤٦٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
ركن الهبة

لِرَبِّ الْمَالِ هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ جَعَلَهُ أَمِينًا فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ ضَمِينًا فِيمَا جَعَلَهُ الْعَاقِدُ أَمِينًا.

وَلَوْ مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُوجَدْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ فِيمَا خَلَفَ، فَإِنَّهُ يَعُودُ دَيْنًا فِيمَا خَلَفَ الْمُضَارِبُ، وَكَذَا الْمُودِعُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَبْضِعُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَا تُعْرَفُ الْأَمَانَةُ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّجْهِيلِ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَدِيعَةِ، وَلَا تُصَدَّقُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْهَلَاكِ وَالتَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ الْمَالِ.

وَلَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ الْمَالَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، أَوْ عُلِمَ ذَلِكَ، يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانَةً فِي وَصِيَّةٍ، أَوْ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَيُصَدِّقُونَ عَلَى الْهَلَاكِ وَالدَّفْعِ إلَى صَاحِبِهِ، كَمَا يُصَدِّقُ الْمَيِّتُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الْهِبَةِ

رُكْنِ الْهِبَةِ

(كِتَابُ الْهِبَةِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 268 - 277

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده