بعض الأشياء التي اختلف الفقهاء في صحة هبتها

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > بعض الأشياء التي اختلف الفقهاء في صحة هبتها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

بعض الأشياء التي اختلف الفقهاء في صحة هبتها - الأقوال والأدلة

بعضُ الأشياءِ التي اختَلفَ الفُقهاءُ في صِحةِ هِبتِها:

١ - هِبةُ المَنفعةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَنفعةِ، كمَن عِندَه دارٌ مَثلًا، فقالَ لآخَرَ وهَبتُك سُكناها شَهرًا، مَثلًا، هل تُعتبرُ هِبةً أو عارِيةً؟

ذهَبَ الحَنفيةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في أحدِ الوَجهَين وهو المُعتمدُ إلى أنَّه يَصحُّ هِبةُ المَنفعةِ وتُملكُ باستيفائِها ومَحلُّها أمانةٌ في يَدِه.

قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «حَملتُك على هذه الدابةِ»؛ فإنَّه يَحتمِلُ الهِبةَ ويَحتمِلُ العارِيةَ، فاحتمَلَ تَمليكَ العَينِ واحتمَلَ تَمليكَ المَنافعِ، فلا بدَّ من النِّيةِ للتَّعيينِ.

ولو قالَ: «منَحتُك هذا الشَّيءَ»، أو قالَ: «هذا الشَّيءُ لكَ مِنحةً» فهذا لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ ذلك الشَّيءُ مما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ وإمَّا أنْ يَكونَ مما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا باستِهلاكِه.

فإنْ كانَ مما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ كالدارِ والثَّوبِ والدابةِ والأرضِ، بأنْ قالَ: «هذه الدارُ لك مِنحةً، أو هذا الثَّوبُ أو هذه الدابةُ أو هذه الأرضُ» فهو عارِيةٌ؛ لأنَّ المِنحةَ في الأصلِ عِبارةٌ عن هِبةِ المَنفعةِ أو ما له حُكمُ المَنفعةِ، وقد أُضيفَ إلى ما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكِه من السُّكنَى واللُّبسِ والرُّكوبِ والزِّراعةِ؛ لأنَّ مَنفعةَ الأرضِ زِراعتُها فكانَ هذا تَمليكَ المَنفعةِ من غيرِ عِوضٍ وهو تَفسيرُ الإعارةِ، وكذا إذا قالَ لأرضٍ

بَيضاءَ هذه الأرضُ لك طُعمةٌ كانَ عارِيةً؛ لأنَّ عَينَ الأرضِ مما لا يُطعمُ، وإنَّما يُطعمُ ما يَخرجُ منها، فكانَ طُعمةُ الأرضِ زِراعتَها، فكانَ ذلك حينَئذٍ إِعارةً، ولصاحِبِها أنْ يَأخذَها إذا لم يَكنْ فيها زَرعٌ، وإنْ كانَ فيها زَرعٌ فالقياسُ أنْ يَكونَ له وِلايةُ القَلعِ كالبِناءِ والغَرسِ، وفي الاستِحسانِ يُتركُ إلى وَقتِ الحَصادِ بأجرِ المِثلِ.

ولو منَحَه شاةً حَلوبًا أو ناقةً حَلوبًا أو بَقرةً حَلوبًا وقالَ: «هذه الشاةُ لك مِنحةً، أو هذه الناقةُ أو هذه البَقرةُ» كانَ عارِيةً، وجازَ له الانتِفاعُ بلَبنِها؛ لأنَّ اللَّبنَ وإنْ كانَ عَينًا حَقيقةً فهو مَعدودٌ من المَنافعِ عُرفًا وعادةً، فأُعطيَ له حُكمُ المَنفعةِ، كأنَّه أباحَ له شُربَ اللَّبنِ فيَجوزُ له الانتِفاعُ بلَبنِها، وكذلك لو منَحَه جَديًا أو عَناقًا كانَ له عارِيةً؛ لأنَّ الجَديَ مُعرَّضٌ أنْ يَصيرَ فَحلًا، والعَناقُ حَلوبًا.

وإنْ عنَى بالمِنحةِ الهِبةَ في هذه المَواضعِ فهو على ما عنَى؛ لأنَّه نوَى ما يَحتملُه لَفظُه، وفيه تَشديدٌ على نَفسِه.

وإنْ كانَ مما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ كالمَأكولِ والمَشروبِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ، بأنْ قالَ: «هذا الطَّعامُ لكَ مِنحةً، أو هذا اللَّبنُ أو هذه الدَّراهمُ والدَّنانيرُ» كانَ هِبةً؛ لأنَّ المِنحةَ المُضافةَ إلى ما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ لا يُمكنُ حَملُها على هِبةِ المَنفعةِ فيُحملُ على هِبةِ العَينِ، وهي تَمليكُها، وتَمليكُ العَينِ للحالِ من غيرِ عِوضٍ هو تَغييرُ الهِبةِ، هذا إذا كانَ الإِيجابُ مُطلقًا عن القَرينةِ.

فأمَّا إذا كانَ مَقرونًا بقَرينةٍ فالقَرينةُ لا تَخلو من أنْ تَكونَ وَقتًا أو أنْ تَكونَ شَرطًا، أو أنْ تَكونَ مَنفعةً؛ فإنْ كانَت القَرينةُ مَنفعةً بأنْ قالَ: «داري لكَ سُكنَى أو عُمرَى سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى أو هِبةَ سُكنَى أو سُكنَى هِبةٍ أو هي لك عُمرَى عارِيةً» ودفَعَها إليه فهذا كلُّه عارِيةٌ؛ لأنَّه لمَّا ذكَرَ السُّكنَى في قَولِه: «داري لكَ سُكنَى أو عُمرى سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى» دَلَّ على أنَّه أرادَ تَمليكَ المَنافعِ؛ لأنَّ قَولَه: «هذا لك» ظاهِرُه -وإنْ كانَ لتَمليكِ العَينِ- يَحتملُ تَمليكَ المَنفعةِ؛ لأنَّ الإِضافةَ إلى المُستعيرِ والمُستأجرِ مَنفعةٌ عُرفًا وشَرعًا.

وقَولُه: «سُكنَى» مَوضوعٌ للمَنفعةِ لا تُستعمَلُ إلا لها، فكانَ مُحكمًا، فجُعلَ تَفسيرًا للمُحتمَلِ وبَيانًا أنَّه أرادَ به تَمليكَ المَنفعةِ، وتَمليكُ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ هو تَفسيرُ العارِيةِ، وكذا قَولُه: «سُكنَى» بعدَ ذِكرِ الهِبةِ يَكونُ تَفسيرًا للهِبةِ؛ لأنَّ قَولَه: «هِبةٌ» يَحتملُ هِبةَ العَينِ ويَحتملُ هِبةَ المَنافعِ، فإذا قالَ: «سُكنى» فقد عيَّنَ هِبةَ المَنافعِ، فكانَ بَيانًا لمُرادِ المُتكلمِ أنَّه أرادَ هِبةَ المَنافعِ، وهِبةُ المَنفعةِ تَمليكُها من غيرِ عِوضٍ وهو مَعنى العارِيةِ.

وإذا قالَ سُكنَى هِبةٍ فمَعناها أنَّ سُكنَى الدارِ هِبةٌ لك، فكانَ هِبةَ المَنفعةِ، وهو تَفسيرُ العارِيةِ.

ولو قالَ: «هي لك عُمرِي تَسكنُها، أو هِبةٌ تَسكنُها، أو صَدقةٌ تَسكنُها» ودفَعَها إليه فهي هِبةٌ؛ لأنَّه ما فسَّرَ الهِبةَ بالسُّكنى؛ لأنَّه لم يَجعلْه نَعتًا فيَكونَ بَيانًا للمُحتمَلِ، بل وهَبَ الدارَ منه ثم شاوَرَه فيما يَعملُ بمِلكِه، والمَشورةُ في مِلكِ الغيرِ باطِلةٌ فتعلَّقَت الهِبةُ بالعَينِ.

وقَولُه: «تَسكنُها» بمَنزلةِ قَولِه: «لتَسكنَها»، كما إذا قالَ: «وهَبتُها لك لتُؤاجرَها»، ولو قالَ: «هي لك تَسكنُها» كانت هِبةً أيضًا؛ لأنَّ الإضافةَ بحَرفِ اللامِ إلى مَنْ هو أهلُ المِلكِ للتَّمليكِ، وقَولُه: «تَسكنُها» مَشورةٌ على ما بَيَّنَّا (١).

وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثانِي إلى أنَّه لا يَصحُّ هِبةُ المَنافعِ؛ لأنَّها ليسَت بتَمليكٍ؛ بِناءً على أنَّ ما وهَبَ منافِعَه عارِيةٌ (٢).

وسُئلَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ رحمة الله عليه: هل تَصحُّ هِبةُ المَنافعِ؟

فأجابَ -نفَعَ اللهُ به- بقَولِه: للأَصحابِ فيها وَجهانِ:

أحدُهما: أنَّها عارِيةٌ للدارِ لا تُملكُ مَنافعُها، بل تَكونُ إِباحةً.

والثاني: أنَّها هِبةٌ فتَكونُ أمانةً، فلا يَضمنُ الدارَ إنْ تلِفَت تحتَ يَدِه.

ورجَّحَ الزَّركشيُّ تَبعًا للماورديِّ الأولَ، ورجَّحَ البُلقينيُّ كالسُّنبكيِّ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٦، ١١٨)، و «المبسوط» (١٢/ ٩٦، ٩٧)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٥)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٩٣)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٦٣)، و «درر الحكام» (٢/ ٢٠١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٥، ٦)، و «شرح ميارة» (٢/ ٢٧٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩١)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و «حاشية عميرة» (٣/ ٢٧٣).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩١)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و «حاشية عميرة» (٣/ ٢٧٣)، و «المغني» (٥/ ٢٠٤)، و «المبدع» (٥/ ٣٧٠)، و «العدة شرح العمدة» (١/ ٢٦٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٩٩)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 569 - 572

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل