الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > ب- العمرى والرقبى
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 32 دقيقة قراءةب- العُمرَى والرُّقبى:
أولاً: العُمرَى:
تَعريفُ العُمرَى:
العُمرَى: هي أنْ يَقولَ: «جعَلتُ داري هذه لك عُمرَى»، أو يَقولَ: «قد جعَلتُها لك عُمرَك أو مُدةَ حَياتِك»، فتَكونَ له مُدةَ حَياتِه وعُمرِه، فإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعمِرِ إنْ كانَ حَيًّا أو إلى وارِثِه إنْ كانَ مَيِّتًا، وسُميتْ عُمرَى لتَملُّكِه إِياها مُدةَ عُمرِه وحَياتِه، وإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعمِرِ، ومنه قَولُه تَعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] يَعني أسكَنَكم فيها مُدةَ أَعمارِكم فصِرتُم عُمَّارَها، وكانَ الناسُ في الجاهِليةِ على ما وصَفنا في العُمرَى (١).
حُكمُ العُمرَى:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العُمرَى، هل تَعودُ للمُعمِرِ إذا ماتَ مَنْ أُعمِرَ له أو هي للمُعمِرِ له حَياتَه وبعدَ مَوتِه تَكونُ لوَرثتِه ولا تَعودُ للمُعمِرِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العُمرَى جائِزةٌ للمُعمِرِ في حالِ حَياتِه ولوَرثتِه من بعدِ مَوتِه، يَملكُها مِلكَ رَقبةٍ لا مِلكَ مَنفعةٍ، وأنَّ الشَّرطَ باطِلٌ، وذلك لقَولِه ﷺ: «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (٢)؛ فالنَّبيُّ
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٣٩)، و «تهذيب اللغة» (٢/ ٢٣٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه النسائي (٢/ ١٣٦)، وأبو داود (٣٥٥٦)، والطحاوي (٢/ ٢٤٨)، والبيهقي (٦/ ١٧٥).
ﷺ أَجازَ العُمرَى وأَبطَلَ الشَّرطَ، وهو قَولُه: فإذا ماتَ تُردُّ عليه، وبُطلانُه لا يُؤثِّرُ في بُطلانِ العَقدِ لمَا بَيَّنَّا أنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ كما يَقولُ الحَنفيةُ.
وفي حَديثِ أَبي هُريرةَ وجابِرٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «العُمرَى جائِزةٌ لأَهلِها … » (١).
وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما قالَ: «قَضى النَّبيُّ ﷺ بالعُمرَى أنَّها لمَن وُهبَت له» (٢).
وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: «أعمَرت امرَأةٌ بالمَدينةِ حائِطًا لها ابنًا لها، ثم تُوفِّيَ وتُوفِّيَت بعدَه وترَكَت وَلدًا وله إِخوةٌ بَنونَ للمُعمِرةِ، فقالَ وَلدُ المُعمِرةِ: رجَعَ الحائِطُ إلينا، وقالَ بَنو المُعمَرِ: بل كانَ لأبينا حَياتَه ومَوتَه. فاختَصَموا إلى طارِقٍ مَولى عُثمانَ فدَعا جابِرًا فشهِدَ على رَسولِ اللهِ ﷺ بالعُمرَى لصاحِبِها، فقَضى بذلك طارِقٌ ثم كتَبَ إلى عبدِ المَلِكِ فأخبَرَه ذلك وأخبَرَه بشَهادةِ جابِرٍ، فقالَ عبدُ المَلِكِ: صدَقَ جابِرٌ. فأمضَى ذلك طارِقٌ، فإنَّ ذلك الحائِطَ لبَني المُعمَرِ حتى اليَومِ» (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه البخاري (٢٤٨٣)، ومسلم (١٦٢٥)، رواه أبو داود (٣٥٥٨)، والترمذي (١٣٥١)، والنسائي (٣٧٣٩)، وابن ماجه (٢٣٨٣)، والبيهقي (٦/ ١٧٥)، وأحمد (٣/ ٣٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٨٢).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
وعن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أمسِكوا عليكم أموالَكم ولا تُفسِدوها فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للذي أعمَرَها حَيًّا وميِّتًا ولعَقبِه» (١).
وعن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي له ولعَقبِه يَرثُها مَنْ يَرثُه من عَقبِه» (٢).
فهذه الأَحاديثُ تَدلُّ على أنَّ العُمرَى لا تَرجعُ للمُعمِرِ، وهي للمُعمَرِ له في حَياتِه ولوَرثتِه من بعدِه، وأنَّ الشَّرطَ بالرَّدِّ إليه بعدَ مَوتِ المُعمِرِ له باطِلٌ، لكن لا يُفسِدُ العُمرَى، وهي نَوعٌ من الهِبةِ يُعتبَرُ فيها ما يُعتبَرُ في الهِبةِ ويُبطلِهُا ما يُبطِلُ الهِبةَ، فيَملكُها المُعمَرُ مِلكًا تامًّا رَقبتَها ومَنافعَها، واشتَرَطوا فيها القَبضَ على أُصولِهم في الهِباتِ، قالوا: ومَن أعمَرَ رَجلًا شَيئًا في حَياتِه فهو له حَياتَه، وبعدَ وَفاتِه لوَرثتِه؛ لأنَّه قد ملَكَ رَقبتَها، وشَرطُ المُعطي وذِكرُه العُمرَى والحياةَ باطِلٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أبطَلَ شَرطَه وجعَلَها بَتلةً -أي عَطيةً ماضيةً غيرَ راجِعةٍ إلى الواهِبِ- للمُعطَى، وسَواءٌ قالَ: «هي مِلكُ حَياتِك وهي لك ولعَقِبِك بعدَك عُمرَى حَياتِهم، أو ما عِشتَ وعاشوا»، كلُّ ذلك باطِلٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أبطَلَ الشَّرطَ في ذلك، وإذا بطَلَ شَرطُه لنَفسِه في حَياةِ المُعمَرِ فكذلك حَياةُ عَقبِه الشَّرطُ أيضًا باطِلٌ، وكلُّ شَرطٍ أبطَلَه اللهُ ﷾ أو رَسولُه ﷺ فهو مَردودٌ؛ لأنَّ في إِنفاذِه تَحليلَ الحَرامِ.
(١) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٥٣)، والنسائي (٣٧٤٢).
قالَ الحَنفيةُ: العُمرَى جائِزةٌ للمُعمَرِ في حالِ حَياتِه ولوَرثتِه من بعدِ مَوتِه، ومَعناه أنْ يَجعلَ دارَه له عُمرَه بشَرطِ إذا ماتَ ذلك الآخَرُ يَردُّها عليه، فيَصحُّ التَّمليكُ ويَبطُلُ الشَّرطُ، والهِبةُ لا تَبطُلُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ.
وفي «اليَنابيعِ» صُورةُ العُمرَى أنْ يَقولَ: «جعَلتُ دارِي هذه لك عُمرِي، أو جعَلتُها لك عُمرَك، أو هي لك حَياتَك، فإذا مِتَّ فهي رَدٌ علَيَّ، فهذه الأَلفاظُ كلُّها هِبةٌ، وهي له ولوَرثتِه من بَعدِه، والشَّرطُ باطِلٌ وهو رَدُّ الدارِ إذا ماتَ المُعمَرُ، وإذا كانَت هِبةً اعتُبِرَ فيها ما يُعتبَرُ في الهِبةِ ويُبطِلُها ما يُبطلُ الهِبةَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لَفظُ العُمرَى والرُّقبَى من أَلفاظِ الهِبةِ، لكنَّها صِيغةٌ مَخصوصةٌ، فالعُمرَى من العُمرِ، لذِكرِ لَفظِ العُمرِ فيها والرُّقبَى من الرُّقوبِ؛ لأنَّ كلًّا منهما يَرقُبُ مَوتَ صاحِبِه، فإذا أقَّتَ الواهِبُ الهِبةَ بعُمرِ المُتَّهبِ بأنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ» مَثلًا، أي: جعَلتُها لكَ عُمرَك أو حياتَكَ، أو ما عِشتَ أو حَييتَ أو نحوَ ذلك، فإذا مِتَّ فهي لوَرثتِك أو لعَقِبِك. فهي هِبةٌ حُكمًا، ولكنَّه طوَّلَ العِبارةَ، فيُعتبَرُ قَبولُها وتَلزمُ بالقَبضِ وتَكونُ لوَرثتِه عَملًا بالأَحاديثِ السابِقةِ، فإذا ماتَ فالدارُ لوَرثتِه؛ فإنْ لم يَكونوا فلبَيتِ المالِ، ولا تَعودُ للواهِبِ بحالٍ.
(١) «الهداية» (٣/ ٢٣٠)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٨٨)، و «العناية» (١٢/ ٣٢٣)، و «الاختيار» (٣/ ٦٥)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٠٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٨، ١٠٩)، و «اللباب» (١/ ٦١٢)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٩٣).
قالوا: وليسَ لنا مَوضعٌ يَصحُّ فيه العَقدُ ويُلغَى فيه الشَّرطُ الفاسِدُ المُنافي لمُقتَضاه إلا هذا، وهي على ثَلاثِ حالاتٍ:
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَصحابُنا: العُمرَى ثَلاثُ حَالاتٍ:
إِحداها: أنْ يَقولَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ فإذا مِتَّ فهي لوَرثتِك أو لعَقِبِك»، فتَصحُّ بلا خِلافٍ، ويَملِكُ بهذا اللَّفظِ رَقبةَ الدارِ، وهي هِبةٌ لكنَّها بعِبارةٍ طَويلةٍ، فإذا ماتَ فالدارُ لوَرثتِه؛ فإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ فلبَيتِ المالِ، ولا تَعودُ إلى الواهِبِ بحالٍ، خِلافًا لمالِكٍ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقتصِرَ على قَولِه: «جَعلتُها لك عُمرَكَ» ولا يَتعرَّضَ لمَا سِواه، ففي صِحةِ هذا العَقدِ قَولان للشافِعيِّ، أصَحُّهما -وهو الجَديدُ- صِحتُه، وله حُكمُ الحالة الأُولى، والثانِي -وهو القَديمُ- أنَّه باطِلٌ، وقالَ بعضُ أَصحابِنا: إنَّما القَولُ القَديمُ أنَّ الدارَ تَكونُ للمُعمَرِ حياتَه، فإذا ماتَ عادَت إلى الواهِبِ أو وَرثتِه؛ لأنَّه خصَّه بها حَياتَه فقط. وقالَ بَعضُهم: القَديمُ أنَّها عارِيةٌ يَستردُّها الواهِبُ متى شاءَ، فإذا ماتَ عادَت إلى وَرثتِه.
الثالِثةُ: أنْ يَقولَ: «جعَلتُها لك عُمرَك فإذا مِتَّ عادَت إلَيَّ أو إلى وَرثتِي إنْ كُنْتُ مِتُّ». ففي صِحتِه خِلافٌ عندَ أَصحابِنا، منهم مَنْ أبطَلَه والأصَحُّ عندَهم صِحتُه، ويَكونُ له حُكمُ الحالةِ الأُولى، واعتمَدوا على الأَحاديثِ الصَّحيحةِ المُطلقةِ: «العُمرَى جائِزةٌ» وعدَلوا به عن قِياسِ الشُّروطِ الفاسِدةِ والأصَحُّ الصِّحةُ في جَميعِ الأَحوالِ، وأنَّ المَوهوبَ له يَملكُها مِلكًا تامًّا يَتصرَّفُ فيها بالبَيعِ وغيرِه من التَّصرُّفاتِ، هذا مَذهبُنا، وقالَ أَحمدُ: تَصحُّ العُمرَى المُطلَقةُ
دونَ المُؤقتةِ. وقالَ مالِكٌ في أشهَرِ الرِّواياتِ عنه: العُمرَى في جَميعِ الأَحوالِ تَمليكٌ لمَنافعِ الدارِ مَثلًا، ولا يَملكُ فيها رَقبةَ الدارِ بحالٍ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ بالصِّحةِ كنَحوِ مَذهبِنا، وبه قالَ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وأبو عُبَيدةَ، وحُجةُ الشافِعيِّ ومُوافِقيه هذه الأَحاديثُ الصَّحيحةُ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: العُمرَى والرُّقبَى نَوعانِ من الهِبةِ يَفتَقرانِ إلى ما تَفتقرُ إليه سائِرُ الهِباتِ من الإِيجابِ والقَبولِ والقَبضِ، أو ما يَقومُ مَقامَ ذلك عندَ مَنْ اعتبَرَه.
وصُورةُ العُمرَى أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «أعمَرتُك دارِي هذه، أو هي لك عُمرِي، أو ما عِشتُ، أو مُدةَ حَياتِك أو ما حَييتَ»، أو نحوَ هذا، سُمِّيت عُمرى لتَقييدِها بالعُمرِ، وبذلك تَكونُ له ولوَرثتِه مِنْ بعدِه لحَديثِ جابِرٍ السابِقِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّ العُمرَى تَنقُلُ المِلكَ إلى المُعمَرِ، وبهذا قالَ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ وابنُ عُمرَ وابنُ عباسٍ وشُرَيحٌ ومُجاهدٌ وطاوُسٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ، ورُويَ ذلك عن علِيٍّ.
(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٧٠، ٧١)، و «المهذب» (١/ ٤٤٨)، و «البيان» (٨/ ١٣٧، ١٣٨)، و «الوسيط» (٥/ ٢١٠، ٢١١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٤، ١٨٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤٤، ٥٤٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٩، ٤٩٠)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «الديباج» (٥٣٩، ٥٤٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٧٥، ٢٧٦).
وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ: العُمرَى تَمليكُ المَنافعِ، لا تُملكُ بها رَقبةُ المُعمَرِ بحالٍ، ويَكونُ للمُعمَرِ السُّكنى، فإذا ماتَ عادَت إلى المُعمِرِ، وإنْ قالَ: «له ولعَقِبِه»، كانَ سُكناها لهم، فإذا انقَرَضوا عادَت إلى المُعمِرِ، واحتَجَّا بما رَوى يَحيى بنُ سَعدٍ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ قالَ: سمِعتُ مَكحولًا يَسألُ القاسِمَ بنَ مُحمدٍ عن العُمرَى ما يَقولُ الناسُ فيها؟ فقالَ القاسِمُ: ما أدرَكتُ الناسَ إلا على شُروطِهم في أموالِهم وما أعطَوْا. وقالَ إِبراهيمُ بنُ إِسحاقَ الحَربيُّ عن ابنِ الأَعرابيِّ: لم يَختلِفِ العَربُ في العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارِ والإِحبالِ والمِنحةِ والعَريةِ والعارِيةِ والسُّكنَى والإِطراقِ أنَّها على مِلكِ أَربابِها، ومَنافِعُها لمَن جُعِلت له. ولأنَّ التَّمليكَ لا يَتأقَّتُ، كما لو باعَه إلى مُدةٍ، فإذا كانَ لا يَتأقَّتُ حُملَ قَولُه على تَمليكِ المَنافعِ؛ لأنَّه يَصحُّ تَوقيتُه.
ولنا: ما رَوى جابِرٌ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: «أمسِكوا عليكم أموالَكم ولا تُفسِدوها فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للذي أَعمَرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (١) رَواه مُسلمٌ.
وفي لَفظٍ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالعُمرَى لمَن وُهبَ له» مُتَّفقٌ عليه.
ورَوى ابنُ ماجَه عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا رُقبَى، فمَن أرقَبَ شَيئًا فهو له حَياتَه ومَوتَه».
(١) أخرجه مسلم (١٦٢٥).
وعن زَيدِ بنِ ثابِتٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ العُمرَى للوارِثِ».
وقد رَوى مالِكٌ حَديثَ العُمرَى في مُوطَّئِه، وهو صَحيحٌ رَواه جابِرٌ وابنُ عُمرَ وابنُ عباسٍ ومُعاويةُ وزَيدُ بنُ ثابِتٍ وأَبو هُريرةَ، وقَولُ القاسِمِ لا يُقبَلُ في مُخالَفةِ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ والتابِعينَ، فكيف يُقبَلُ في مُخالفةِ قَولِ سَيِّدِ المُرسَلين؟! ولا يَصحُّ أنْ يُدَّعى إِجماعُ أهلِ المَدينةِ لكَثرةِ مَنْ قالَ بها منهم، وقَضى بها طارِقٌ بالمَدينةِ بأمرِ عبدِ المَلِكِ بنِ مَروانَ، وقَولُ ابنِ الأَعرابيِّ: إنَّها عندَ العَربِ تَمليكُ المَنافعِ لا يَضرُّ إذا نقَلَها الشَّرعُ إلى تَمليكِ الرَّقبةِ كما نقَلَ الصَّلاةَ من الدُّعاءِ إلى الأَفعالِ المَنظومةِ، ونقَلَ الظِّهارَ والإِيلاءَ من الطَّلاقِ إلى أَحكامٍ مَخصوصةٍ، قَولُهم: إنَّ التَّمليكَ لا يَتأقَّتُ: قُلنا: فلذلك أبطَلَ الشَّرعُ تَأقيتَها وجعَلَها تَمليكًا مُطلَقًا.
فَصلٌ: إذا شُرطَ في العُمرَى أنَّها للمُعمَرِ وعَقِبِه، فهذا تَأكيدٌ لحُكمِها، وتَكونُ للمُعمَرِ ووَرثتِه، وهذا قَولُ جَميعِ القائِلينَ بها، وإذا أطلَقَها فهي للمُعمَرِ ووَرثتِه أيضًا؛ لأنَّها تَمليكٌ للرَّقبةِ فأشبَهَت الهِبةَ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العُمرَى إنَّما هي تَمليكُ مَنفعةِ شَيءٍ مَملوكٍ -عَقارًا كانَ أو غيرَه، كفَرسٍ وبَعيرٍ- مُدةَ حَياةِ المُعطِي بغيرِ عِوضٍ إِنشاءً، وليسَت تَمليكَ رَقبةٍ، كقَولِه: «أسكَنتُك هذه الدارَ عُمرَك أو وَهبتُك سُكناها عُمرَك». ولا يُشترطُ لَفظُ الإِعمارِ، بل ما دَلَّ على تَمليكِ المَنفعةِ.
(١) «المغني» (٥/ ٣٩٩، ٤٠١)، و «الكافي» (٢/ ٤٧٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٢، ٣٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠٢، ٤٠٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٥٠، ٣٥١).
ورجَعَت العُمرَى -بمَعنى الشَّيءِ المُعمَرِ- إذا ماتَ المُعمَرُ للمُعمِرِ إنْ كانَ حَيًّا أو وَرثتِه يَومَ مَوتِه إذا مات.
جاءَ في «المُدونة الكُبرى»: في الرَّجلِ يُعمِرُ الرَّجلَ دارَه حَياتَه أو عَبدَه أو دابَّتَه:
(قُلتُ): أرأيتَ إنْ قالَ: «قد أعمَرتُك هذه الدارَ حَياتَك»، أو قالَ: «هذا العَبدَ أو هذه الدابةَ». (قالَ) هذا جائِزٌ عندَ مالِكٍ، وتَرجعُ بعدَ مَوتِه إلى الذي أعمَرَها أو إلى وَرثتِه. (قُلتُ)؛ فإنْ أعمَرَ ثَوبًا أو حُليًّا؟ (قال) لم أسمَعْ من مالِكٍ في الثِّيابِ شَيئًا، وقد أخبَرتُك بقَولِ مالِكٍ، وأمَّا الحُليُّ فأراه بمَنزِلةِ الدُّورِ.
في الرَّجلِ يَقولُ: «دارِي صَدقةٌ سُكنَى»:
(قُلتُ) أرَأيتَ إنْ قالَ: «دارِي هذه لكَ صَدقةً سُكنَى»؟ (قال)؛ فإنَّما له سُكناها صَدقةً، وليسَ له رَقبتُها. (قُلتُ) أتَحفَظُه عن مالِكٍ؟ (قال) هذا رَأيي. (قُلتُ): أرأيتَ إنْ قالَ: «قد حبَستُ عَبدي هذا عليكُما»، ثم يَقولُ: «هو للآخَرِ منكما»؟ (قال): هذا جائِزٌ عندَ مالِكٍ، وهو للآخَرِ منهما يَبيعُه ويَصنعُ به ما يَشاءُ؛ لأنَّه إنَّما حبَسَ عليهما ما داما حَيَّينِ، فإذا ماتَ أحَدُهما فهو هِبةٌ للآخَرِ يَبيعُه ويَصنعُ به ما يَشاءُ.
في الرَّجلِ يَقولُ: «قد أسكَنتُك هذه الدارَ وعَقِبَك»، فماتَ وماتَ عَقِبُه:
(قُلتُ): أرأيتَ إنْ قُلتُ لرَجلٍ: «قد أسكَنتُك هذه الدارَ عَقِبَك من بَعدِك»، فماتَ وماتَ عَقِبُه مِنْ بَعدِه أتَرجِعُ إلَيَّ أو لا؟ (قالَ): نَعمْ، تَرجعُ إليك إلا أنْ
يَقولَ: «قد حَبستُها على فُلانٍ وعلى عَقِبِه حَبسًا صَدقةً»، فإذا قالَ ذلك ولم يَقُلْ: سُكنَى لك ولوَلدِك؛ فإنَّه إذا انقرَضَ الرَّجلُ وعَقِبُه رجَعَت إلى أقرَبِ الناسِ بالمُحبسِ حَبسًا عليه. (قُلتُ): فإنْ كانَ المُحبِسُ حَيًّا؟ (قالَ): لا تَرجعُ إليه على حالٍ من الحالاتِ، ولكنْ تَرجعُ إلى أقرَبِ الناسِ منه حَبسًا عليهم. (قُلتُ): رِجالًا كانوا أو نِساءً؟ (قالَ): نَعمْ، تَرجعُ إلى أَولى الناسِ بمِيراثِه من وَلدِه أو عَصبتِه، ذُكورِهم وإناثِهم، يَدخلونَ في ذلك. (قُلتُ): وهذا الذي سألتُكَ عنه من هذه المَسائلِ كلِّها قَولُ مالِكٍ؟ (قال): نَعمْ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لكنَّ مالِكًا رحمة الله عليه لم يَقُلْ بظاهِرِ هذا الحَديثِ -أي: حَديثِ جابِرٍ المَذكورِ في البابِ- لمَا رَواه عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ أنَّه سمِعَ مَكحولًا الدِّمشقيَّ يَسألُ القاسِمَ ابنَ مُحمدٍ عن العُمرَى وما يَقولُ الناسُ فيها، فقالَ القاسِمُ: «ما أدرَكتُ الناسَ إلا على شُروطِهم في أَموالِهم وفيما أعطَوْا» والقاسِمُ قد أدرَكَ جَماعةً من الصَّحابةِ وكِبارِ التابِعينَ.
وقالَ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ العُمرَى تَرجعُ إلى الذي أعمَرَها إذا لم يَقلْ: «لك ولعَقِبِك» إذا ماتَ المُعمَرُ، وكذلك إذا قالَ: هي لك ولعَقبِك تَرجعُ إلى صاحِبِها أيضًا بعدَ انقِراضِ عَقبِ المُعمَرِ؛ لأنَّه على شَرطِه في عَقبِ المُعمَرِ كما هو على شَرطِه في المُعمَرِ، ورَقبتُها عندَ مالِكٍ وأَصحابِه على مِلكِ صاحِبِها أبدًا، تَرجعُ إليه إنْ كانَ حَيًّا، أو إلى وَرثتِه بعدَه،
(١) «المدونة الكبرى» (١٥/ ٩١، ٩٢).
وضَمانُها منهم، ولا يَملِكُ بلَفظِ العُمرَى والإِعمارِ عندَ مالِكٍ رَقبةَ شَيءٍ من العَطايا، وإنَّما ذلك عندَه كلَفظِ السُّكنَى والإِسكانِ، سَواءٌ، لا يَملِكُ بذلك إلا المَنافعَ دونَ الرِّقابِ، وهي أَلفاظٌ عندَهم لا يَملِكُ بها الرِّقابَ، وإنَّما يَملِكُ بها المَنافعَ، منها العُمرَى والسُّكنَى والعارِيةُ والإِطراقُ والمِنحةُ والأَحبالُ والإِفقارُ وما كانَ مِثلَها.
قالَ أَبو إِسحاقَ الحَربيُّ: سمِعتُ ابنَ الأَعرابيِّ يَقولُ: لم تَختلِفِ العَربُ في أنَّ هذه الأَسماءَ على مِلكِ أَربابِها، ومَنافعُها لمَن جُعِلت له العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارُ والإِحبالُ والعَريةُ والسُّكنَى والإِطراقُ.
وممَّا احتَجَّ به أَصحابُ مالِكٍ فيما ذهَبوا إليه من رَدِّ حَديثِ جابِرٍ هذا، بأنْ قالوا: هو حَديثٌ مَنسوخٌ ولم يَصحَبْه العَملُ.
وقالَ بَعضُهم: لعَلَّ حامِلَه وُهِمَ، ومِثلُ هذا من القَولِ لا يُعترَضُ به الأَحاديثُ الثابِتةُ عندَ أحدٍ من العُلماءِ إلا بأنْ يَتبيَّنَ النَّسخُ بما لا مَدفعَ فيه.
وممَّا احتَجُّوا به أيضًا ما رَواه ابنُ القاسِمِ وغَيرُه عن مالِكٍ قالَ: رَأيتُ مُحمدًا وعَبدَ اللهِ ابنَيْ أبي بَكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، فسمِعتُ عبدَ اللهِ يُعاتِبُ مُحمدًا -ومُحمدٌ يَومَئذٍ قاضٍ- فيَقولُ له: ما لك لا تَقضي بالحَديثِ الذي جاءَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في العُمرَى، حَديثِ ابنِ شِهابٍ عن أَبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن جابِرٍ؟ فيَقولُ له مُحمدٌ: يا أَخي، لم أجِدِ الناسَ على هذا، وأَباه الناسُ. فهو يُكلِّمُه ومُحمدٌ يَأباه، قالَ مالِكٌ: ليسَ عليه العَملُ، ولوَدِدتُ أنَّه مُحِيَ.
ومن أحسَنِ ما احتَجُّوا به أنْ قالوا: مِلكُ المُعمِرِ المُعطِي ثابِتٌ بإِجماعٍ قبلَ أنْ يُحدِثَ العُمرَى، فلَمَّا أحدَثَها اختَلفَ العُلماءُ، فقالَ بَعضُهم: قد أَزالَ لَفظُه ذلك مِلكَه عن رَقبةِ ما أَعمَرَه، وقالَ بَعضُهم: لم يَزُلْ مِلكُه عن رَقبةِ مالِه بهذا اللَّفظِ، والواجِبُ بحَقِّ النَّظرِ ألَّا يَزولَ مِلكُه إلا بيَقينٍ، وهو الإِجماعُ؛ لأنَّ الاختِلافَ لا يَثبُتُ به يَقينٌ، وقد ثبَتَ أنَّ الأَعمالَ بالنِّياتِ، وهذا الرَّجلُ لم يَنوِ بلَفظِه ذلك إِخراجَ شَيءٍ عن مِلكِه، وقد اشتَرطَ فيه شَرطًا فهو على شَرطِه؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «المُسلِمونَ على شُروطِهم» (١).
قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: فإذا أعمَرَه حَياتَه وأسكَنَه حَياتَه فهو شَيءٌ واحِدٌ؛ فإنْ أرادَ المُعمَرُ أنْ يَكريَها؛ فإنَّه يَكريها قَليلًا قَليلًا، ولا يُبعدُ الكِراءَ، قالَ: وللمُعمَرِ أنْ يَبيعَ مَنافعَ الدارِ وسُكنَاه فيها من الذي أعمَرَه ولا يَبيعَها من غيرِه (٢).
وقالَ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: وقَضى بها طارِقٌ بالمَدينةِ، وقالَ إِبراهيمُ بنُ إِسحاقَ الحَربيُّ عن ابنِ الأَعرابيِّ: لم يَختلفِ العَربُ في العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارِ والإِحمالِ والمِنحةِ والعَريةِ والعارِيةِ والسُّكنَى والإِطراقِ أنَّها على مِلكِ أَربابِها، ومَنافعُها لمَن جُعلَت له، والخَصمُ يَدَّعي أنَّ الشَّرعَ نقَلَها والأصلُ عَدمُ النَّقلِ؛ لأنَّ تَمليكَ الرِّقابِ متى اشتُرطَ فيه التَّأقيتُ فسَدَ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٢) «التمهيد» (٧/ ١١٣، ١١٦).
كالبَيعِ، وههنا لم يَفسُدْ، فيُصرفُ إلى المَنافعِ؛ لأنَّها لا يُفسدُها التَّأقيتُ، بل شُرطَ في بعضِ صُورِها، والخَصمُ يَدَّعي أنَّ الشَّرعَ أبطَلَ التأقيتَ تَصحيحًا للمِلكِ، ونحن نَدَّعي أنَّ الشَّرعَ اعتبَرَه، والإبطالُ على خِلافِ الدَّليلِ فيَكونُ مَذهبُنا أرجَحَ لُغةً وشَرعًا، ولأنَّ التَّبرُّعَ على خِلافِ الأَصلِ خالَفناه في المَنافعِ فيَبقى في الرِّقابِ على مُقتَضى الأَصلِ تَعليلًا للمُخالفةِ (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: العُمرَى عندَنا تَمليكُ المَنافعِ دونَ الرَّقبةِ، فإذا قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ حَياتَك»، وقالَ: «لعَقِبِك» أو لم يَقلْ؛ فإنَّها تَكونُ له مُدةَ حَياتِه، فإذا ماتَ أو انقرَضَ عَقِبُه -إنْ ذكَرَ العَقِبَ- عادَت مِلكًا للمُعمِرِ أو لوَرثتِه إنْ كانَ قد ماتَ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: تَكونُ مِلكًا للمُعمَرِ؛ فإنْ ماتَ ولا وارِثَ له تَكونُ لبَيتِ المالِ.
ودَليلُنا: أنَّ تَمليكَ الرِّقابِ من حَقِّه أنْ يَقعَ مُطلقًا متى بدا غيرَ مُؤقَّتٍ بوَقتٍ يَزولُ بمَجيئِه، ألَا تَرى أنَّه لو قالَ: «بِعتُك هذا العَبدَ إلى مَجيءِ زَيدٍ، أو إلى رأسِ الشَّهرِ لم يَصحَّ، فإذا ثبَتَ ذلك وكانَ المالِكُ قد علَّقَ التَّمليكَ بعُمرِ المُعطَى، عُلمَ أنَّه لم يُرِدْ تَمليكَ الرَّقبةِ، فوجَبَ حَملُه على ما يَصحُّ وهو تَمليكُ المَنافعِ؛ لأنَّ التَّوقيتَ يَدخلُ فيها دونَ تَمليكِ الأعيانِ، ولأنَّ تَمليكَ الرِّقابِ لا يَصحُّ أنْ يَتوقَّتَ، أصلُه إذا كانَ بعِوضٍ، وهو البَيعُ وغَيرُه، ولأنَّه أجَلٌ عُلقَ التَّمليكُ بالانتِهاءِ إليه فلم يَثبُتْ به مِلكُ الرَّقبةِ كقُدومِ زَيدٍ،
(١) «الذخيرة» (٦/ ٢١٧).
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.