ثالثا: أن يكون جائز التصرف غير محجور عليه

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > ثالثا: أن يكون جائز التصرف غير محجور عليه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

ثالثا: أن يكون جائز التصرف غير محجور عليه - الأقوال والأدلة

وقالَ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا الصَّغيرُ والمَجنونُ فلا خِلافَ في الحَجرِ عليهما (١).

وقد تقدَّمَت المَسألةُ في كِتابِ الحَجرِ من مَوسوعتِنا هذه بالتَّفصيلِ.

ثالِثًا: أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرفِ غيرَ مَحجورٍ عليه:

اشترَطَ الفُقهاءُ في الواهِبِ أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرفِ غيرَ مَحجورٍ عليه، والحَجرُ نَوعانِ:

النَّوعُ الأولُ: هِبةُ السَّفيهِ المَحجورِ عليه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّفيهِ إذا وهَبَ لغيرِه هِبةً هل يَصحُّ هِبتُه أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ السَّفيهَ لا يَصحُّ تَبرعُه بهِبةٍ ولا بغيرِها من أنواعِ التَّبرعاتِ -وكذا المُعاوضاتُ على ما سبَقَ في الحَجرِ-؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه، والمَحجورُ لا يَصحُّ تَصرفُه وإنَّما بطَلَت هِبتُه؛ لأنَّ الشأنَ في فِعلِه عَدمُ المَصلحةِ.

قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: لا تَصحُّ هِبةُ السَّفيهِ ولو أذِنَ فيها وَليُّه، وليسَ لوَليِّه أنْ يَهبَ من مالِه (٢).

إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إذا وهَبَ السَّفيهُ هِبةَ ثَوابٍ بغيرِ إذنِ وَليِّه فالوَليُّ مُخيَّرٌ بينَ الإِجازةِ والرَّدِّ.

(١) «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٩).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٥).

وأمَّا إنْ كانَت بغيرِ مُعاوضةٍ كهِبتِه لبَعضِ مالِه وصَدقةٍ فلا تَصحُّ ولو أذِنَ فيها الوَليُّ (١).

وذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ إلى صِحةِ تَصرفِ السَّفيهِ إذا بلَغَ عاقِلًا ثم سفِهَ، ولا يُحجرُ على الحُرِّ البالِغِ العاقِلِ السَّفيهِ عندَه، وتَصرفُه في مالِه بهِبةٍ أو بغيرِها جائِزٌ وإنْ كانَ مُبذِّرًا مُفسِدًا يُتلِفُ مالَه فيما لا غَرضَ له فيه، ولا مَصلحةَ، سَواءٌ كانَ يُبذرُ مالَه في الخَيرِ أو الشَّرِّ.

وإنَّما لم يُحجَرْ عليه عندَ أَبي حَنيفةَ لأنَّه مُخاطَبٌ عاقِلٌ، ولأنَّ في سَلبِ وِلايتِه إهدارَ آدَميتِه وإِلحاقَه بالبَهائمِ، وذلك أشَدُّ عليه من التَّبذيرِ وإضاعةِ المالِ، وهذا مما يَعرفُه ذَوو العُقولِ والنُّفوسِ الأبيَّةِ، ولا يَجوزُ تَحمُّلُ الضَّررِ الأَعلى لدَفعِ الضَّررِ الأدنَى (٢)، وقد تقدَّمَت المَسألةُ بتَفصيلِها في كِتابِ الحَجرِ.

(١) «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٧/ ٣٤٨، ٣٤٩).
(٢) «المبسوط» (٢٤/ ١٥٧، ١٥٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٧١)، و «الاختيار» (٢/ ١١٥، ١١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٤٤، ٢٤٦)، و «اللباب» (١/ ٤٤٤، ٤٤٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١٠)، و «الهداية» (٣/ ٢٨٢)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٩٥)، و «البحر الرائق» (٨/ ٩١)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٨٩٩)، و «الكافي» (١/ ٤٢٣)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤٠٣، ٤٢٢)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٠، ٣٨)، و «القوانين الفقهية» (٢١١)، و «المنتقى» (٦/ ١٠٧)، و «شرح حدود ابن عرفة» ص (٥٥٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٣)، و «الشرح الصغير مع بلغة السالك» (٩/ ٢٠١)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٢/ ١٩١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٦، ٤٨٧)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٢٠)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤١٠)، و «المغني» (٤/ ٣٠٣)، و «الإفصاح» (١/ ٤٣٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.

٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)

وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 512 - 513

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر