ثانيا: القبول

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > ثانيا: القبول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ثانيا: القبول - الأقوال والأدلة

فإذا لم يَكنْ له حَدٌّ في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ كانَ المَرجعُ فيه إلى عُرفِ الناسِ وعاداتِهم، فما سَمَّوْه بَيعًا فهو بَيعٌ، وما سَمَّوْه هِبةً فهو هِبةٌ (١).

ثانيًا: القَبولُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يُشترطُ لها القَبولُ أو يَكفي القَبضُ ويَقومُ مَقامَ القَبولِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ -وهو القياسُ- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ، وهو قَولٌ للحَنابِلةِ إلى أنَّه يُشترطُ القَبولُ؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدٌ، وقيامُ العَقدِ يَكونُ بالإِيجابِ والقَبولِ؛ لأنَّ مِلكَ الإِنسانِ لا يَنتقِلُ للغيرِ ما لم يَملِكْ من طَرفِه للغيرِ ويُوجبُ المالِكُ ذلك، كما أنَّ إِيجابَ الهِبةِ هو إِلزامُ المِلكِ للغيرِ ولا إِلزامَ بدونِ قَبولٍ.

ولا يُقالُ: إنَّه لا يُشترطُ القَبولُ في ذلك؛ لأنَّ الأمرَ المُلزَمَ به فيه فائِدةُ المُلزِمِ؛ لأنَّه ليسَ لأحدٍ أنْ يُثبتَ مِلكًا لآخَرَ بدونِ رِضاءِ ذلك الآخَرِ (٢).

قالَ الحَنفيةُ: ولأنَّ الهِبةَ تَصرُّفٌ شَرعيٌّ، والتَّصرُّفُ الشَّرعيُّ وُجودُه شَرعًا باعتِبارِه، وهو انعِقادُه في حَقِّ الحُكمِ (التَّمليكِ)، والحُكمُ لا يَثبتُ بالإِيجابِ نَفسِه فلا يَكونُ الإِيجابُ نَفسُه هِبةً شَرعًا بدونِ قَبولٍ، ولهذا لم يَكُنِ الإِيجابُ بدونِ القَبولِ في البَيعِ بَيعًا فكذا هذا (٣).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٥، ١٦).
(٢) «درر الحكام» (٢/ ٣٤٨).
(٣) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٥)، و «الاختيار» (٣/ ٥٨)، و «الهداية» (٣/ ٢٢٤)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٩، ٦٠)، و «العناية» (١٢/ ٢٦٥)، و «اللباب» (١/ ٦٠١، ٦٠٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٣)، و «ابن عابدين» (٥/ ٦٨٨).

ولأنَّ مِلكَ الإِنسانِ لا يَنتقِلُ للغيرِ ما لم يَملِكْ من طَرفِه للغيرِ ويُوجِبُ المالِكُ ذلك، كما أنَّ إِيجابَ الهِبةِ هو إِلزامُ المِلكِ للغيرِ ولا إِلزامَ بدونِ قَبولٍ، ولأنَّه ليسَ لأحدٍ أنْ يُثبتَ مِلكًا لآخَرَ بدونِ رِضاءِ ذلك الآخَرِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: القَبولُ والحِيازةُ مُعتبَرانِ، إلا أنَّ القَبولَ رُكنٌ والحِيازةَ شَرطٌ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: القَبولُ لَفظًا من الناطِقِ مع التَّواصلِ المُعتادِ رُكنٌ من أَركانِ الهِبةِ، ومن صَريحِ القَبولِ: «قبِلتُ واتَّهبتُ ورَضيتُ».

أمَّا الأخرَسُ فيَكفيه الإشارةُ المُفهِمةُ.

ويُستَثنى من اعتبارِ الإِيجابِ والقَبولِ مَسائلُ:

منها: ما لو وهَبَت المَرأةُ نَوبَتَها من ضَرَّتِها لم يُحتَجْ لقَبولِها على الصَّحيحِ.

ومنها: ما يَخلعُه السُّلطانُ على الأُمراءِ والقُضاةِ وغيرِهم، لا يُشترطُ فيه القَبولُ لجَريانِ العادةِ بذلك.

ومنها: ما لو اشتَرى حُليًّا لوَلدِه الصَّغيرِ وزيَّنَه به؛ فإنَّه يَكونُ تَمليكًا له

(١) «درر الحكام» (٢/ ٤٣٨).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩٦)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٥)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ٢٠٧).

بخِلافِ ما لو اشتَراه لزَوجتِه؛ فإنَّه لا يَصيرُ مِلكًا لها، والفَرقُ بينَهما أنَّ له وِلايةً على الصَّغيرِ بخِلافِ الزَّوجةِ.

ويَردُّ هذا قَولُ الشَّيخَينِ وغيرِهما؛ فإنْ وهَبَ للصَّغيرِ ونَحوِه وَليٌّ غيرُ الأبِ والجَدِّ قبِلَ له الحاكِمُ، وإنْ كانَ أبًا أو جَدًّا توَلَّى الطَّرفَينِ فلا بدَّ من الإِيجابِ والقَبولِ.

ويَقبلُ الهِبةَ للصَّغيرِ ونَحوِه ممَّن ليسَ أهلًا للقَبولِ الوَليُّ؛ فإنْ لم يَقبلِ انعزَلَ الوَصيُّ، ومِثلُه القَيِّمُ وأثِما لتَركِهما الأحَظَّ بخِلافِ الأبِ والجَدِّ لكَمالِ شَفقتِهما.

ويَقبلُها السَّفيهُ نَفسُه، وكذا الرَّقيقُ لا سَيِّدُه، وإنْ وقَعَت له.

ولا يُشترطُ الإِيجابُ والقَبولُ في الهَديةِ على الصَّحيحِ ولو في غيرِ المَطعومِ، بل يَكفي البَعثُ من المُهدِي، ويَكونُ كالإِيجابِ والقَبضِ من المُهدَى إليه، ويَكونُ كالقَبولِ؛ لأنَّ الهَدايا كانت تُحملُ إلى رَسولِ اللهِ من المُلوكِ وغيرِهم كالكِسوةِ والدَّوابِّ والجَواري فيَقبلُها ولا لَفظَ هناك، وعلى هذا جَرى الناسُ في الأعصارِ، ولذلك كانوا يَبعَثونَ بها على أيدي الصِّبيانِ الذين لا عِبارةَ لهم.

وفي الصَّحيحَينِ «كانَ الناسُ يَتحرَّونَ بهَداياهم يومَ عائِشةَ رضي الله عنها» ولم يُنقَلْ إِيجابٌ ولا قَبولٌ.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا الصَّحيحُ الذي عليه قَرارُ المَذهبِ ونقَلَه الأَثباتُ من مُتأخِّري الأَصحابِ.

فإنْ قيلَ: هذا كانَ إِباحةً لا هَديةً وتَمليكًا، فجَوابُه أنَّه لو كانَ إِباحةً لمَا تصَرَّفوا فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، ومَعلومٌ أنَّ ما قبِلَه النَّبيُّ كانَ يَتصرَّفُ فيه ويَملِكُه غيرُه، ويُمكنُ أنْ يُحملَ كَلامُ من اعتبَرَ الإِيجابَ والقَبولَ على الأمرِ المُشعِرِ بالرِّضا دونَ اللَّفظِ، ويُقالُ: الإِشعارُ بالرِّضا قد يَكونُ لَفظًا وقد يَكونُ فِعلًا (١).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: وذكَر القاضِي في «المُجرَّدِ» وأبو الخَطَّابِ وأبو الفَرجِ الشِّيرازيُّ أنَّ الهِبةَ والعَطيةَ لا بدَّ فيهما من الإِيجابِ والقَبولِ، ولا تَصحُّ بدونِه سَواءٌ وُجدَ القَبضُ أو لم يُوجَدْ، قالَه المُصنِّفُ وغيرُه.

قالَ في «الفائِقِ»: وهو ضَعيفٌ (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ في الاستِحسانِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ الشافِعيةِ كابنِ الصَّباغِ وغيرِه إلى أنَّ القَبولَ ليسَ رُكنًا من أَركانِ الهِبةِ ولا الهَديةِ ولا الصَّدقةِ (وهو قَولُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ في الهَديةِ والصَّدقةِ) بل يَكفي الفِعلُ الدالُّ على القَبولِ.

ووَجهُ الاستِحسانِ عندَ الحَنفيةِ أنَّ الهِبةَ في اللُّغةِ عِبارةٌ عن مُجردِ إِيجابِ المالِكِ من غيرِ شَريطةِ القَبولِ، وإنَّما القَبولُ والقَبضُ لثُبوتِ

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٠، ١٨١)، و «البيان» (٨/ ١١٢، ١١٣)، و «الوسيط» (٥/ ٢٠٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٣٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٥)، و «الديباج» (٢/ ٥٣٨).
(٢) «الإنصاف» (٧/ ١١٩)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٩).

حُكمِها لا لوُجودِها في نَفسِها، فإذا أوجَبَ فقد أتَى بالهِبةِ فترتَّبَ عليها الأَحكامُ.

والدَّليلُ على أنَّ وُقوعَ التَّصرُّفِ هِبةٌ لا يَقفُ على القَبولِ ما رُويَ أنَّ الصَّعبَ بنَ جَثَّامةَ أهدَى إلى النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام حِمارَ وَحشٍ وهو بالأَبواءِ.

وفي رِوايةٍ بوَدَّانَ: فرَدَّه النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام وقالَ: «لَولا أنَّا حَرامٌ وإلا لقَبِلنا»، فقد أطلَقَ الراوِي اسمَ الإِهداءِ بدونِ القَبولِ، والإِهداءُ من أَلفاظِ الهِبةِ.

ورُويَ: «أنَّ سَيِّدَنا أَبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه دَعا سَيِّدتَنا عائِشةَ رضي الله عنها في مَرضِ مَوتِه فقالَ لها: إنِّي كُنْتُ نَحلتُك جِدادَ عِشرينَ وَسقًا من مالي بالعاليةِ، وإنَّكِ لم تَكوني قَبضتِيه ولا حرَزتِيه وإنَّما هو اليَومَ مالُ الوارِثِ» أطلَقَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه اسمَ النِّحلةِ بدونِ القَبضِ، والنِّحلةُ من أَلفاظِ الهِبةِ، فثبَتَ أنَّ الهِبةَ في اللُّغةِ عِبارةٌ عن إِيجابِ المِلكِ نَفسِه.

والأصلُ أنَّ مَعنى التَّصرُّفِ الشَّرعيِّ هو ما دَلَّ عليه اللَّفظُ لُغةً بخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّه اسمُ الإِيجابِ مع القَبولِ، فلا يُطلقُ اسمُ البَيعِ لُغةً وشَريعةً على أحدِهما دونَ الآخَرِ، فما لم يُوجَدا لا يَتَّسمُ التَّصرُّفُ بسِمةِ البَيعِ، ولأنَّ المَقصودَ من الهِبةِ هو اكتِسابُ المَدحِ والثَّناءِ بإظهارِ الجُودِ والسَّخاءِ، وهذا يَحصلُ بدونِ القَبولِ بخِلافِ البَيعِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٥)، و «الاختيار» (٣/ ٥٨)، و «الهداية» (٣/ ٢٢٤)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٩، ٦٠)، و «العناية» (١٢/ ٢٦٥)، و «اللباب» (١/ ٦٠١، ٦٠٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٣)، و «ابن عابدين» (٥/ ٦٨٨).

وقالَ الحَنابِلةُ: وتَحصلُ الهِبةُ بما يَتعارفُه الناسُ هِبةً من الإِيجابِ والقَبولِ والمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليها، وإنْ لم يَحصُلْ إِيجابٌ أو قَبولٌ فالمُعاطاةُ والأَفعالُ الدالةُ على الإِيجابِ والقَبولِ كافيةٌ في الهِبةِ ولا يُحتاجُ إلى لَفظٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ كانَ يُهدي ويُهدَى إليه ويُعطِي ويُعطَى ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ ويَأمرُ سُعاتِه بأَخذِها وتَفريقِها، وكانَ أَصحابُه يَفعَلونَ ذلك ولم يُنقَلْ عنهم في ذلك إِيجابٌ ولا قَبولٌ ولا أمْرٌ به ولا تَعليمُه لأحدٍ، ولو كانَ ذلك شَرطًا لنُقلَ عنهم نَقلًا مُشتهَرًا، وقد كانَ ابنُ عُمرَ على بَعيرٍ لعُمرَ فقالَ النَّبيُّ لعُمرَ: «بِعنِيه»، فقالَ: هو لك يا رَسولَ اللهِ. فقالَ رَسولُ اللهِ : «هو لك يا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فاصنَعْ به ما شِئتَ» ولم يُنقَلْ قَبولُ النَّبيِّ من عُمرَ ولا قَبولُ ابنِ عُمرَ من النَّبيِّ ، ولو كانَ شَرطًا لفعَلَه النَّبيُّ وعلِمَه ابنُ عُمرَ، ولم يَكنْ ليَأمرَه أنْ يَصنعَ به ما شاءَ قبلَ أنْ يَقبلَه، ورَوى أَبو هُريرةَ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ كانَ إذا أُتِيَ بطَعامٍ سألَ عنه؛ فإنْ قالوا: صَدقةٌ، قالَ لأَصحابِه: «كُلوا»، ولَم يَأكلْ، وإنْ قالوا: هَديةٌ، ضرَبَ بيَدِه فأكَلَ معهم».

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْنا في أنَّ تَقديمَ الطَّعامِ بينَ يَدَيِ الضِّيفانِ والإِذنَ في أكلِه لا يَحتاجانِ إلى إِيجابٍ ولا قَبولٍ، ولأنَّه وُجِد ما يَدلُّ على التَّراضي بنَقلِ المِلكِ فاكتُفيَ به، كما لو وُجدَ الإِيجابُ والقَبولُ (١).

وقالَ ابنُ حَزمٍ -ونقَله عنه ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ-: واتفَقوا على أنَّ المُتصدَّقَ عليه أو المَوهوبَ له أو المُهدَى إليه إذا لم يَقبلْ شَيئًا من ذلك راجِعٌ إلى واهِبِه وأنَّه حَلالٌ له تَملُّكُه (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٣٨٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٢)، و «الإنصاف» (٧/ ١١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٦٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٤٦)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٨٤، ٣٨٥).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (٩٦)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٣٨)، رقم (٣٢١٣).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 278 - 284

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل