الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > ثانيا: الموهوب له
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةثانيًا: المَوهوبُ له:
يُشترطُ في المَوهوبِ له عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ أنْ يَكونَ فيه أهليةُ المِلكِ لمَا يُوهَبُ له من تَكليفٍ وغيرِه، فلا تَصحُّ لبَهيمةٍ (١).
وأمَّا غيرُ المُكلفِ كالصَّغيرِ والمَحجورِ عليه فيَقبلُ عنه وَليُّه:
قَبضُ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ والمَجنونِ والسَّفيهِ:
الابنُ إمَّا أنْ يَهبَ له الأبُ وإمَّا أنْ يَهبَ له أجنَبيٌّ …
أولًا: هِبةُ الأبِ لابنِه وقَبضُ الأبِ للهِبةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الأبِ إذا وهَبَ لابنِه هِبةً، هل يَملكُها الابنُ بالعَقدِ أو لا بدَّ من القَبضِ؟
ذهَبَ جَماهيرُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الأبَ إذا وهَبَ لابنِه الصَّغيرِ هِبةً ملَكَها الابنُ بالعَقدِ؛ لأنَّ المَوهوبَ في قَبضِ الأبِ، فيَنوبُ عن قَبضِ الهِبةِ، ويَكفي فيها الإشهادُ، وليسَ بشَرطٍ احتياطًا؛ للتَّحرُّزِ عن جُحودِ الوَرثةِ بعدَ مَوتِه أو جُحودِه بعدَ إدراكِ الوَلدِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ وهَبَ الأبُ لابنِه شَيئًا قامَ مَقامَه في القَبضِ والقَبولِ إنِ احتيجَ إليه، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه من أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا وهَبَ لوَلدِه الطِّفلِ دارًا بعَينِها أو عَبدًا بعَينِه وقبَضَه
(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٩٨)، و «الإقناع» (٢/ ٣٦٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨).
له من نَفسِه وأشهَدَ عليه أنَّ الهِبةَ تامةٌ، هذا قَولُ مالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ، ورَوَينا مَعنى ذلك عن شُرَيحٍ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ (١).
ثم إنْ كانَ المَوهوبُ مما يَفتقِرُ إلى قَبضٍ اكتُفيَ بقَولِه: «قد وهَبتُ هذا لابني وقبَضتُه له»؛ لأنَّه يُغني عن القَبولِ كما ذكَرنا، ولا يُغني قَولُه: قد قبِلتُه؛ لأنَّ القَبولَ لا يُغني عن القَبضِ، وإنْ كانَ مما لا يَفتقِرُ اكتُفيَ بقَولِه: قد وهَبتُ هذا لابني، ولا يَحتاجُ إلى ذِكرِ قَبضٍ ولا قَبولٍ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ هِبةَ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ في حِجرِه لا تَحتاجُ إلى قَبضٍ، وأنَّ الإِشهادَ فيها يُغني عن القَبضِ، وأنَّ وَليَّها أَبوه؛ لمَا رَواه مالِكٌ عن الزُّهريِّ عن ابنِ المُسيِّبِ أنَّ عُثمانَ قالَ: «مَنْ نحَلَ وَلدًا له صَغيرًا لم يَبلُغْ أنْ يَحوزَ نُحلَه فأعلَنَ بها وأشهَدَ عليها فهي جائِزةٌ وإنْ وَليَها أَبوه» (٢).
وقالَ القاضِي: لا بدَّ في هِبةِ الوَلدِ من أنْ يَقولَ: «قد قبِلتُه»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الهِبةَ عندَهم لا تَصحُّ إلا بإيجابٍ وقَبولٍ.
وقد ذكَرنا من قَبلُ أنَّ قَرائنَ الأَحوالِ ودِلالتَها تُغني عن لَفظِ القَبولِ، ولا أدَلَّ على القَبولِ من كَونِ القابِلِ هو الواهِبَ، فاعتِبارُ لَفظٍ لا يُفيدُ مَعنًى من غيرِ وُرودِ الشَّرعِ به تَحكُّمٌ لا مَعنى له، مع مُخالفتِه لظاهِرِ حالِ النَّبيِّ ﷺ وصَحابتِه، وليسَ هذا مَذهبًا لأحمدَ، فقد قالَ في رِوايةِ حَربٍ
(١) «الإجماع» (٦٠٠)، و «الإشراف» (٧/ ٨٣)، رقم (٤٣٣٣).
(٢) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٧١)، رقم (١٤٦١).
في رَجلٍ أشهَدَ بسَهمٍ من ضَيعتِه وهي مَعروفةٌ لابنِه وليسَ له وَلدٌ غَيرُه، فقالَ: أحَبُّ إلَيَّ أنْ يَقولَ عندَ الإشهادِ: «قد قبَضتُ له». قيلَ له: فإنْ سَها؟ قالَ: إذا كانَ مُفرَزًا رَجوتُ. فقد ذكَرَ أحمدُ أنَّه يَكتَفي بقَولِه: «قد قبَضتُه»، وأنَّه يَرجو أنْ يَكتفيَ مع التَّمييزِ بالإِشهادِ فحَسبُ، وهذا مُوافِقٌ للإِجماعِ المَذكورِ عن سائِرِ العُلماءِ.
وقالَ بعضُ أَصحابِنا: يَكتَفي بأحدِ لَفظَينِ: إمَّا أنْ يَقولَ: «قد قبِلتُه»، وإمَّا أنْ يَقولَ: «قبَضتُه»؛ لأنَّ القَبولَ يُغني عن القَبضِ، وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ ما ذكَرناه، ولا فَرقَ بينَ الأَثمانِ وغيرِها فيما ذكَرنا، وبه يَقولُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ.
وقالَ مالِكٌ: إنْ وهَبَ له ما يُعرَفُ بعَينِه كالأَثمانِ لم يَجزْ إلا أنْ يَضعَها على يَدِ غيرِه؛ لأنَّ الأبَ قد يُتلِفُ ذلك، ويتلفُ بغيرِ سَببِه، ولا يُمكنُ أنْ يُشهِدَ على شَيءٍ بعَينِه فلا يَنفعُ القَبضُ شيئًا.
ولنا: أنَّ ذلك مما لا تَصحُّ هِبتُه، فإذا وهَبَه لابنِه الصَّغيرِ وقبَضَه له وجَبَ أنْ تَصحَّ كالعُروضِ (١).
قالَ أَبو عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ حَديثَ عُثمانَ السابِقَ: على قَضاءِ عُثمانَ في هِبةِ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ جَماعةُ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ، إلا أنَّ أَصحابَنا يُخالِفون سائِرَ الفُقهاءِ في المَسكونِ والمَلبوسِ
(١) «المغني» (٥/ ٣٨٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٥٩).
والمَوقوفِ، فلا يَروْن إشهادَ الأبِ في ذلك حيازةً حتى يَخرجَ منها مُدةً أقَلُّها سَنةٌ من المَسكونِ ليَظهرَ فِعلُه ذلك، وإذا ركِبَ ما يُركبُ أو لبِسَ ما يُلبسُ فقد رجَعَ في هِبتِه.
وقد مَضى ما للعُلماءِ في رُجوعِ الأبِ وغيرِه في الهِبةِ والحَمدُ للهِ كَثيرًا.
قالَ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ من نحَلَ ابنًا له صَغيرًا ذَهبًا أو وَرِقًا ثم هلَكَ وهو يَليه فلا شَيءَ للابنِ من ذلك، إلا أنْ يَكونَ الأبُ عزَلَها بعَينِها أو دفَعَها إلى رَجلٍ وضَعَها لابنِه عندَ ذلك الرَّجلِ؛ فإنْ فعَلَ ذلك فهو جائِزٌ للابنِ (١).
إلى هنا انتَهَت رِوايةُ يَحيى.
وفي رِوايةِ أبي مُصعبٍ وغيرِه قالَ مالِكٌ: وإنْ كانت النِّحلةُ عَبدًا أو وَليدةً أو شَيئًا مَعلومًا مَعروفًا ثم أشهَدَ عليه وأعلَنَ ثم ماتَ الأبُ وهو يَلي ابنَه؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ لابنِه.
قالَ أبو عُمرَ: لا أعلَمُ خِلافًا بينَ الفُقهاءِ أهلِ الفَتوى بالأمصارِ وسائِرِ مَنْ تقَدَّمهم من العُلماءِ أنَّ الأبَ يَحوزُ لابنِه الصَّغيرِ ما كانَ في حِجرِه صَغيرًا أو كَبيرًا بالِغًا -أي: إذا كانَ سَفيهًا- كلَّ ما يَهبُ له ويُعطيه ويَتصدَّقُ به عليه من العُروضِ كلِّها والعَقارِ وكلِّ ما عَدا العَينَ، كما يَجوزُ له ما يُعطيه غيرَه وأنَّه يُجزئُه في ذلك الإشهادُ والإعلانُ، وإذا أشهَدَ فقد أعلَنَ إذا فَشا الإِشهادُ وظهَرَ.
(١) «الموطأ» (٢/ ٧٧١).
وقالَ مالِكٌ وأَصحابُه: إنَّ ما يَسكنُ الأبُ لا تَصحُّ فيه عَطيةٌ لابنِه الصَّغيرِ الذي في حِجرِه حتى يَخرجَ عن ذلك سَنةً ونَحوَها، ثم لا يَضرُّه رُجوعُه إليها وسُكناها ما لم يَمُتِ الأبُ فيها أو يَبلغِ الصَّغيرُ رُشدَه فهو لا يَقبضُها؛ فإنْ ماتَ الأبُ ساكِنًا فيها أو بلَغَ الابنُ رُشدًا فلم يَقبِضْها حتى يَموتَ الأبُ لم تَنفَعْه حيازَتُه لها تلك السَّنةَ، وجعَلوا جَوازَ الهِبةِ للصَّغيرِ مُتعلِّقًا بما يَكونُ من العافيةِ فيها؛ فإنْ سلِمَت في العافيةِ من الرَّهنِ فهي صَحيحةٌ وإنْ لحِقَها رَهنُ جَميعِ ما تقدَّمَ قبلَ ذلك.
وكذلك المَلبوسُ عندَهم إذا لبِسَ الأبُ شَيئًا من الثِّيابِ التي وهَبَها للصَّغيرِ من وَلدِه بطَلَت فيه هِبتُه، وما عدا المَلبوسَ والمَسكونَ يَكفي فيه الإِشهادُ على ما وصَفنا.
وأمَّا سائِرُ الفُقهاءِ؛ فهم على أنَّ الأبَ إذا أشهَدَ وأعلَنَ الشَّهادةَ بما يُعطيه لابنِه في صِحتِه فقد نفَذَ ذلك للابنِ ما كانَ صَغيرًا، وحيازةُ الأبِ له من نَفسِه كحيازَتِه له ما يُعطيه غيرُه لابنِه الناظِرِ له، ولا يَرهنُ عَطيتَه له في صِحتِه إذا كانَ صَغيرًا، ولا سُكناه ولا لِباسَه، كما لا يَضرُّه عندَ مالِكٍ إذا سكَنَ بعدَ السَّنةِ، ولا يُعدُّ ذلك منه رُجوعًا فيما أَعطى، كما لا يَكونُ ذلك رُجوعًا بعدَ السَّنةِ، وما قالَه العُلماءُ من ذلك هو ظاهِرُ فِعلِ عُثمانَ بمَحضرِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم من غيرِ نَكيرٍ وباللهِ التَّوفيقُ.
وأمَّا الذَّهبُ والوَرِقُ فقالَ مالِكٌ في مُوطَّئِه ما قد ذكَرناه في صَدرِ هذا البابِ، وظاهِرُه أنَّه إذا عزَلَها بعَينِها في ظَرفٍ وختَمَ عليها بخاتَمِه أو خاتَمِ
الشُّهودِ الذين أشهَدَهم جائِزةٌ للابنِ كما لو جعَلَها له عندَ رَجلٍ، وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ وأشهَبَ، وبه كانَ أبو عُمرَ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ هاشِمٍ شَيخُنا رحمة الله عليه يُفتي، وذكَرَ العُتبيُّ لابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّها لا تَجوزُ إلا أنْ يُخرجَها الأبُ عن يَدِه إلى يَدِ غيرِه يَحوزَها للابنِ، وأنَّه لا يَنفعُه خاتَمُه عليها، وبهذا كانَ يَقضي القاضِي أبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ يَبقى بنِ زَربٍ، وهذه المَسألةُ كانَت أحدَ الأَسبابِ التي أوجَبَت التَّباعدَ بينَه وبينَ أبي عُمرَ -رحمهما الله-.
واختَلَفوا في هِبةِ المَشاعِ من الغَنمِ وغيرِها يَهبُها الأبُ لابنِه الصَّغيرِ في حِجرِه، فرُويَ عن مالِكٍ أنَّه جائِزٌ، وبه قالَ ابنُ الماجِشونِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ لا يَحوزُ الأبُ لابنِه الصَّغيرِ إلا ما يَهبُه مَبروزًا مَقسومًا، قالَ: وإليه رجَعَ مالِكٌ وبه قالَ مُطرِّفٌ وأصبَغُ.
قالَ أَبو عُمرَ: ظاهِرُ حَديثِ عُثمانَ يَشهدُ لمَا قالَه مالِكٌ وابنُ الماجِشونِ، وهو الأصلُ المُجمَعُ عليه عندَ جُمهورِ العُلماءِ، ولا مُخالِفَ له من الصَّحابةِ.
واختَلَفوا فيمَن يَحوزُ للصَّغيرِ غيرِ أبيه ومَن يَقومُ له في الحيازةِ مَقامَ أبيه فيما يُعطيه، فرَوى يَحيى عن ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّ الأُمَّ لا تَحوزُ ما يُعطى لابنِها إلا أنْ تَكونَ عليه وَصيةً، قالَ: ولا يَحوزُ للطِّفلِ إلا مَنْ يَجوزُ له إِنكاحُه والمُباراةُ عليه والبَيعُ والشِّراءُ له.
قالَ يَحيى: وسمِعتُ ابنَ وَهبٍ يَقولُ: تَحوزُ الأُمُّ لوَلدِها ما تَهبُ لهم، وكذلك الجَدةُ والأَجدادُ وإنْ لم يَكونوا أَولياءَ عليه.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: لا تَحوزُ الأُمُّ ما يُوهَبُ لوَلدِها. وقالَ أشهَبُ: تَحوزُ لهم الوَصيةُ بهِبةٍ يَمضي معهم إلى الكِتابِ، ولا يَحوزُ لهم غيرُ ذلك، والوَصيُّ عندَهم يَحوزُ ما يُوهَبُ لليَتيمِ في حِجرِه، وأمَّا الشافِعيُّ فالجَدُّ عندَه يَقومُ مَقامَ الأبِ فيما يَهبُه للأَطفالِ من وَلدِ وَلدِه، يَحوزُ ذلك عليهم إلى أنْ يَبلُغوا مَبلغَ القَبضِ لأنفُسِهم، وأمَّا الكُوفيونَ فذكَرَ الطَّحاويُّ وغيرُه عن أَبي حَنيفةَ وأَصحابِه أنَّ الأُمَّ كالأبِ فيما تَهبُ لابنِها اليَتيمِ في حِجرِها عَبدًا أو مَتاعًا مَعلومًا إذا أشهَدَت على ذلك جازَ ولم تَرجعْ في شَيءٍ منه، وكذلك تَقبِضُ له من كلِّ مَنْ وهَبَ له شَيئًا يَصحُّ قَبضُه، وكذلك الوَصيُّ وكذلك مَنْ قبَضَ لليَتيمِ من الأجنَبيِّينِ ما أُعطي اليَتيمَ.
وذكَرَ الطَّحاويُّ أيضًا عنهم قالَ: وللأبِ أنْ يَقبضَ ما يَهبُ لابنِه الصَّغيرِ مما يَتصدَّقُ به عليهم، وكذلك مَنْ فَوقَه من الآباءِ إذا كانَ هو الذي أمَرَه، وقَبضُه من ذلك لنَفسِه إِشهادُه على ما كانَ منه وإعلانُه به (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وجُمهورُ فُقهاءِ الأَمصارِ على أنَّ الأبَ يَحوزُ لابنِه الصَّغيرِ الذي في وِلايةِ نَظرِه وللكَبيرِ السَّفيهِ الذي ما وهَبَه كما يَحوزُ لهما ما وهَبَه غيرُه لهما، وأنَّه يَكفي في الحيازةِ له إِشهادُه بالهِبةِ والإِعلانُ بذلك، وذلك كلُّه فيما عَدا الذَّهبَ والفِضةَ وفيما لا يَتعيَّنُ.
والأصلُ في ذلك عندَهم ما رَواه مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ
(١) «الاستذكار» (٧/ ٣٠٧، ٣١٠)، و «التمهيد» (٧/ ٢٤١، ٢٤٣)، و «البيان والتحصيل» (١٣/ ٣٥٩)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٩٦، ٩٧).
المُسيِّبِ أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ قالَ: «مَنْ نحَلَ وَلدًا له صَغيرًا لم يَبلُغْ أنْ يَحوزَ نُحلَه فأعلَنَ بها وأشهَدَ عليها فهي جائِزةٌ وإنْ وَليهَا أَبوه» (١).
وقالَ مالِكٌ وأَصحابُه: لا بدَّ من الحيازةِ في المَسكونِ والمَلبوسِ؛ فإنْ كانت دارًا سكَنَ فيها خرَجَ منها، وكذلك المَلبوسُ إنْ لبِسَه بطَلَت الهِبةُ، وقالوا في سائِرِ العُروضِ بمِثلِ قَولِ الفُقهاءِ، أَعني أنَّه يَكفي في ذلك إِعلانُه وإِشهادُه.
وأمَّا الذَّهبُ والوَرِقُ فاختَلَفت الرِّوايةُ فيه عن مالِكٍ، فرُويَ عنه أنَّه لا يَجوزُ إلا أنْ يُخرجَه الأبُ عن يَدِه إلى يَدِ غيرِه، ورُويَ عنه أنَّه يَجوزُ إذا جعَلَها في ظَرفٍ أو إناءٍ وختَمَ عليها بخاتَمٍ وأشهَدَ على ذلك الشُّهودَ.
ولا خِلافَ بينَ أَصحابِ مالِكٍ أنَّ الوَصيَّ يَقومُ في ذلك مَقامَ الأبِ.
واختَلَفوا في الأُمِّ، فقالَ ابنُ القاسِمِ لا تَقومُ مَقامَ الأبِ ورَواه عن مالِكٍ، وقالَ غيرُه من أَصحابِه تَقومُ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ.
وقالَ الشافِعيُّ: الجَدُّ بمَنزلةِ الأبِ، والجَدةُ عندَ ابنِ وَهبٍ أُمُّ الأُمِّ تَقومُ مَقامَ الأُمِّ والأُمُّ عندَه تَقومُ مَقامَ الأبِ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: وإذا وهَبَ الأبُ لابنِه الصَّغيرِ هِبةً ملَكَها الابنُ بالعَقدِ والقَبضِ فيه بإِعلامِ ما وهَبَه له، وليسَ الإشهادُ بشَرطٍ إلا أنَّ فيه احتِياطًا للتَّحرُّزِ عن جُحودِ الوَرثةِ بعدَ مَوتِه أو جُحودِه بعدَ إِدراكِ الوَلدِ؛ لأنَّ
(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٢/ ٧٧١)، رقم (١٤٦١).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٧، ٢٤٨).
المَوهوبَ في قَبضِ الأبِ فيَنوبُ عن قَبضِ الهِبةِ، ولا فَرقَ بينَ ما إذا كانَت في يَدِه أو في يَدِ مُودِعِه؛ لأنَّ يَدَ مُودِعِه كيَدِه، بخِلافِ ما إذا كانَ مَرهونًا أو مَغصوبًا أو مَبيعًا بَيعًا فاسِدًا؛ لأنَّه في يَدِ غيرِه أو في مِلكِ غيرِه، والصَّدقةُ في هذا كالهِبةِ.
وكذا إذا وهَبَت الأُمُّ لوَلدِها الصَّغيرِ وهو في عيالِها والأبُ مَيِّتٌ ولا وَصيَّ له؛ لأنَّ لها الوِلايةَ فيما تَرجعُ إلى حِفظِه وحِفظِ مالِه، وهذا مِنْ بابِه، وقُيِّد بمَوتِ الأبِ وعَدمِ الوَصيِّ؛ لأنَّه عندَ وُجودِهما ليسَ لها وِلايةُ القَبضِ، وكذا كلُّ مَنْ يَعولُه نحوَ الأخِ والعَمِّ والأجنَبيِّ جازَ له قَبضُ الهِبةِ لأجلِ اليَتيمِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في هِبةِ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ القَبضُ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: هِبةُ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ لا تُملكُ إلا بالقَبضِ كما هو مُقتَضى كَلامِهم في البَيعِ ونَحوِه، خِلافًا لمَا حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ (٢).
وقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ الواهِبُ للطِّفلِ هو وَليَّه؛ فإنْ كانَ الوَليُّ عليه الوَصيَّ أو الحاكِمَ أو أمينَه لم يَصحَّ قَبولُه له من نَفسِه ولا قَبضُه، بل
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٦٨)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٦)، و «العناية» (١٢/ ٢٨٣، ٢٨٦)، و «الاختيار» (٣/ ٥٩)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩٥، ٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٧٠، ٧٢)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٨، ٢٩٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٥).
(٢) «الإقناع» (٢/ ٣٦٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٩٣)، و «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» للبجيرمي (٣/ ٤٦٠).
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.