سادسا: ألا تزيد هبة المرأة المتزوجة على الثلث

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > سادسا: ألا تزيد هبة المرأة المتزوجة على الثلث

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

سادسا: ألا تزيد هبة المرأة المتزوجة على الثلث - الأقوال والأدلة

سادسًا: ألاَّ تَزيدَ هِبةُ المَرأةِ المُتزوجةِ على الثُّلثِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا وهَبَت المَرأةُ أقَلَّ من ثُلثِ مالِها فهِبتُها صَحيحةٌ نافِذةٌ.

إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو وهَبَت أكثَرَ من ثُلثِ مالِها، هل يَصحُّ أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا بلَغَت واجتمَعَ لها عَقلُها جازَ لها التَّصرفُ في مالِها بالهِبةِ أو غيرِها بِكرًا كانت أو ثَيِّبًا، ولا فَرقَ بينَها وبينَ البالِغِ من الرِّجالِ، فما جازَ من عَطايا الرَّجلِ البالِغِ الرَّشيدِ جازَ من عَطائِها (١).

واستدَلَّ الجُمهورُ على ذلك بما رَواه البُخاريُّ: في بابِ هِبةِ المَرأةِ لغيرِ زَوجِها وعِتقِها إذا كانَ لها زَوجٌ فهو جائِزٌ إذا لم تَكنْ سَفيهةً، فإذا كانَت سَفيهةً لم يَجزْ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]:

حدَّثَنا أَبو عاصِمٍ عن ابنِ جُرَيجٍ عن ابنِ أَبي مُليكةَ عن عَبادِ بنِ عبدِ اللهِ عن أَسماءَ رضي الله عنها قالَت: قُلتُ يا رَسولَ اللهِ: ما لي مالٌ إلا ما أدخَلَ علَيَّ الزُّبَيرُ فأتَصدَّقُ. قالَ: «تَصدَّقي ولا تُوعي فيُوعَى عليك».

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٣٥٢)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ١٠٧)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٤، ٢٥).

حدَّثَنا عُبَيدُ اللهِ بنُ سَعيدٍ حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ حدَّثَنا هِشامُ بنُ عُروةَ عن فاطِمةَ عن أَسماءَ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «أنفِقي ولا تُحصي فيُحصيَ اللهُ عليكِ، ولا تُوعي فيُوعيَ اللهُ عليك».

حدَّثَنا يَحيى بنُ بُكيرٍ عن اللَّيثِ عن يَزيدَ عن بُكَيرٍ عن كُرَيبٍ مَولى ابنِ عَباسٍ أنَّ مَيمونةَ بِنتَ الحارِثِ رضي الله عنها أخبَرتْه أنَّها أعتَقَت وَليدةً ولم تَستأذنِ النَّبيَّ ، فلمَّا كانَ يَومُها الذي يَدورُ عليها فيه قالَت: أشعَرتَ يا رَسولَ اللهِ أنِّي أعتَقتُ وَليدَتي؟ قالَ: أوَفعَلت؟ قالَت: نَعمْ. قالَ: أمَا إنَّكِ لو أَعطَيتِها أَخوالَك كانَ أعظَمَ لأَجرِك. وقالَ بَكرُ بنُ مُضرَ عن عَمرٍو عن بُكيرٍ عن كُرَيبٍ أنَّ مَيمونةَ أعتَقَت.

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرَ رحمة الله عليه: قَولُه: بابُ هِبةِ المَرأةِ لغيرِ زَوجِها وعِتقِها إذا كانَ لها زَوجٌ -أي: ولو كانَ لها زَوجٌ- فهو جائِزٌ إذا لم تَكنْ سَفيهةً، فإذا كانتَ سَفيهةً لم يَجزْ، وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وبهذا الحُكمِ قالَ الجُمهورُ، وخالَفَ طاوُوسٌ فمنَعَ مُطلقًا، وعن مالِكٍ: لا يَجوزُ لها أنْ تُعطيَ بغيرِ إذنِ زَوجِها، ولو كانَت رَشيدةً إلا من الثُّلثِ، وعن اللَّيثِ لا يَجوزُ مُطلقًا إلا في الشَّيءِ التافِهِ، وأدِلةُ الجُمهورِ من الكِتابِ والسُّنةِ كَثيرةٌ، واحتُجَّ لطاوُوسٍ بحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه رفَعَه: «لا تَجوزُ عَطيةُ امرأةٍ في مالِها إلا بإذنِ زَوجِها» أخرَجَه أبو داودَ والنَّسائيُّ. وقالَ ابنُ بَطَّالٍ: وأَحاديثُ البابِ أصَحُّ، وحمَلَها مالِكٌ على الشَّيءِ اليَسيرِ وجعَلَ حَدَّه الثُّلثَ فما دونَه، وذكَرَ المُصنفُ منها ثَلاثةَ أَحاديثَ (١).

(١) «فتح الباري» (٥/ ٢١٨).

وذهَبَ المالِكيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ هِبةَ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ في الزائِدِ على ثُلثِ مالِها صَحيحةٌ، لكنْ مَوقوفةٌ على إذنِ زَوجِها؛ فإنْ أجازَ ما زادَ على الثُّلثِ نفَذَ وإلا فلا (١).

والدَّليلُ على أنَّ المَرأةَ مَحجورةٌ لزَوجِها في تَبرُّعِها بما زادَ على الثُّلثِ قَولُ النَّبيِّ : «لا يَجوزُ لامرَأةٍ أمرٌ في مالِها إذا ملَكَ زَوجُها عِصمتَها».

وفي رِوايةٍ: «لا يَجوزُ لامرَأةٍ عَطيةٌ إلا بإذنِ زَوجِها» (٢) أي: فيما زادَ على الثُّلثِ؛ لأنَّ الثُّلثَ يَجوزُ التَّصرفُ فيه بإِجماعِ العُلماءِ، فثبَتَ أنَّ الثُّلثَ فما دونَه خارِجٌ عن عُمومِ الخَبَرِ.

ولقَولِ النَّبيِّ : «تُنكحُ المَرأةُ لأربَعٍ: لمالِها، ولحَسبِها، ولجَمالِها … » (٣).

وذلك يُفيدُ أنَّ للزَّوجِ حَقًّا في تَبقيةِ مالِها بيَدِها.

ولأنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ الزَّوجَ يَتجمَّلُ بمالِ زَوجتِه وله فيه مَعونةٌ وتَبقيةٌ، ويُبينُ ذلك أنَّ مَهرَ المِثلِ يَقِلُّ ويَكثُرُ بحَسبِ مالِها وكَثرتِه، كما يَقلُّ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٣)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٩٨).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام (٢/ ١٧٩، ١٨٤، ٢٠٧)، وأبو داود (٣٥٤٦، ٣٥٤٧)، والنسائي (٢٥٤٠، ٣٧٥٦، ٣٧٥٧)، وابن ماجه (٢٣٨٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٦٠، ٦١)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٦٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦).

ويَكثرُ بحَسبِ بُروزِها في الجَمالِ، وإذا ثبَتَ ذلك فليسَ لها إِبطالُ غَرضِ الزَّوجِ مما لأجلِه رغِبَ في نِكاحِها وكمُلَ لأجلِه صَداقُها.

وجاءَ في «المُدونةِ الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ رَجلًا تزوَّجَ امرَأةً على مِئةِ دينارٍ وهي ممَّن يَجوزُ قَضاؤُها في مالِها فوهَبَت مَهرَها لرَجلٍ أجنَبيٍ قبلَ أنْ تَقبضَه من الزَّوجِ وقبلَ أنْ يَبتنيَ بها الزَّوجُ، أيَجوزُ ذلك أو لا في قَولِ مالِكٍ؟

(قال): قالَ مالِكٌ في هِبةِ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ: إنَّه يَجوزُ ما صنَعَت في ثُلثِ مالِها؛ فإنْ كانَ ثُلثُ مالِها يَحملُ ذلك جازَت هِبتُها هذه، وإنْ كانَ ثُلثُ مالِها لا يَحملُ ذلك لم يَجزْ من ذلك، قَليلٌ ولا كَثيرٌ، كذلك قالَ مالِكٌ في كلِّ شَيءٍ صنَعَته المَرأةُ ذاتُ الزَّوجِ في مالِها. (قُلتُ): فإنْ كانَ ثُلثُ مالِها يَحملُ ذلك؟ (قال): ذلك جائِزٌ عندَ مالِكٍ إذا كانت ممَّن يَجوزُ أمرُها (١).

وقالَ ابنُ قَدامةَ رحمة الله عليه: الجاريةُ إذا بلَغَت وأُونِسَ رُشدُها بعدَ بُلوغِها دُفعَ إليها مالُها وزالَ الحَجرُ عنها، وإنْ لم تَتزوَّجْ، وبهذا قالَ عَطاءٌ والثَّوريُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ.

ونقَلَ أَبو طالِبٍ عن أحمدَ: لا يُدفعُ إلى الجاريةِ مالُها بعدَ بُلوغِها حتى تَتزوَّجَ وتَلِدَ، أو يَمضيَ عليها سَنةٌ في بَيتِ الزَّوجِ، رُويَ ذلك عن عُمرَ، وبه قالَ شُرَيحٌ والشَّعبيُّ وإِسحاقُ؛ لمَا رُويَ عن شُرَيحٍ أنَّه قالَ: عهِدَ إلَيَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه «ألَّا أُجيزَ لجاريةٍ عَطيةً حتى تَحولَ في بَيتِ

(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ٢٢٥، ٢٢٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٩١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٠٣)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ١٩٨).

زَوجِها حَولًا أو تَلِدَ وَلدًا» رَواه سَعيدٌ في سُننِه، ولا يُعرفُ له مُخالفٌ فصارَ إِجماعًا.

وقالَ مالِكٌ: لا يَدفعُ إليها مالَها حتى تَتزوَّجَ ويَدخلَ عليها زَوجُها؛ لأنَّ كلَّ حالةٍ جازَ للأبِ تَزويجُها من غيرِ إذنِها لم يَنفكَّ عنها الحَجرُ كالصَّغيرةِ.

ولنا: عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، ولأنَّها يَتيمةٌ بلَغَت وأُونِسَ منها الرُّشدُ فيُدفعُ إليها مالُها كالرَّجلِ، ولأنَّها بالِغةٌ رَشيدةٌ جازَ لها التَّصرفُ في مالِها كالتي دخَلَ بها الزَّوجُ.

وحَديثُ عُمرَ -إنْ صَحَّ- لم يُعلمِ انتِشارُه في الصَّحابةِ، ولا يُتركُ به الكِتابُ والقياسُ، على أنَّ حَديثَ عُمرَ مُختصٌّ بمَنعِ العَطيةِ فلا يَلزمُ منه المَنعُ من تَسليمِ مالِها إليها ومَنعُها من سائِرِ التَّصرفاتِ، ومالِكٌ لم يَعملْ به وإنَّما اعتمَدَ على إِجبارِ الأبِ لها على النِّكاحِ، ولنا أنْ نَمنعَ ذلك وإنْ سلَّمناه؛ فإنما أجبَرَها على النِّكاحِ؛ لأنَّ اختبارَها للنِّكاحِ ومَصالِحِه لا يُعلمُ إلا بمُباشرتِه، والبَيعُ والشِّراءُ والمُعاملاتُ مُمكِنةٌ قبلَ النِّكاحِ، وعلى هذه الرِّوايةِ إذا لم تَتزوَّجْ أصلًا احتمَلَ أنْ يَدومَ الحَجرُ عليها، عَملًا بعُمومِ حَديثِ عُمرَ، ولأنَّه لم يُوجَدْ شَرطُ دَفعِ مالِها إليها فلم يَجزْ دَفعُه إليها كما لو لم تَرشُدْ، وقالَ القاضِي: عندي أنَّه يُدفعُ إليها مالُها إذا عنَّسَت وبرَزَت للرِّجالِ، يَعني كبِرَت.

فَصلٌ: وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ للمَرأةِ الرَّشيدةِ التَّصرفُ في مالِها كلِّه بالتَّبرعِ والمُعاوضةِ، وهذه إحدَى الرِّوايتَينِ عن أحمدَ، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وابنِ المُنذرِ.

وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: ليسَ لها أنْ تَتصرَّفَ في مالِها بزِيادةٍ على الثُّلثِ بغيرِ عِوضٍ إلا بإذنِ زَوجِها، وبه قالَ مالِكٌ، وحُكي عنه في امرَأةٍ حلَفَت أنْ تُعتِقَ جاريةً ليسَ لها غَيرُها فحنَثَت ولها زَوجٌ فرَدَّ ذلك عليها زَوجُها، قالَ: له أنْ يَردَّ عليها وليسَ لها عِتقٌ؛ لمَا رُويَ «أنَّ امرَأةَ كَعبِ بنِ مالِكٍ أتَتِ النَّبيَّ بحُليٍّ لها فقالَ لها النَّبيُّ : «لا يَجوزُ للمَرأةِ عَطيةٌ حتى يأذَنَ زَوجُها، فهل استأذَنتِ كَعبًا؟» فقالَت: نَعمْ. فبعَثَ رَسولُ اللهِ إلى كَعبٍ فقالَ: «هل أذِنتَ لها أنْ تَتصدَّقَ بحُليِّها؟» قالَ: نَعمْ. فقبِلَه رَسولُ اللهِ » رَواه ابنُ ماجَه، رُويَ أيضًا عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ في خُطبةٍ خطَبَها: «لا يَجوزُ لامرَأةٍ عَطيةٌ في مالِها إلا بإذنِ زَوجِها؛ إذْ هو مالِكُ عِصمتِها» (١). رَواه أبو داودَ ولَفظُه عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا يَجوزُ لامرأةٍ عَطيةٌ إلا بإذنِ زَوجِها»، ولأنَّ حَقَّ الزَّوجِ مُتعلِّقٌ بمالِها؛ فإنَّ النَّبيَّ قالَ: «تُنكحُ المَرأةُ لمالِها وجَمالِها ودِينِها»، والعادةُ أنَّ الزَّوجَ يَزيدُ في مَهرِها من أجلِ مالِها ويَتبسَّطُ فيه ويَنتفعُ به، فإذا أعسَرَ بالنَّفقةِ أنظَرتْه فجَرى ذلك مجرَى حُقوقِ الوَرثةِ المُتعلقةِ بمالِ المَريضِ.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: تقدم.

ولنا: قَولُه تَعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وهو ظاهِرٌ في فكِّ الحَجرِ عنهم وإطلاقِهم في التَّصرفِ.

وقد ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «يا مَعشرَ النِّساءِ تَصدَّقنَ ولو مِنْ حُليِّكنَّ» (١)، وإنَّهنَّ تصدَّقنَ فقبِلَ صَدقتَهنَّ ولم يَسألْ ولم يَستفصِلْ، وأتَته زَينبُ امرأةُ عبدِ اللهِ وامرأةٌ أُخرى اسمُها زَينبُ فسألَتْه عن الصَّدقةِ، هل يَجزيهِنَّ أنْ يَتصدَّقنَ على أزواجِهنَّ وأيتامٍ لهُنَّ؟ فقالَ: نَعَمْ. ولم يَذكُرْ لهُنَّ هذا الشَّرطَ، ولأنَّ مَنْ وجَبَ دَفعُ مالِه إليه لرُشدِه جازَ له التَّصرفُ فيه من غيرِ إذنٍ كالغُلامِ، ولأنَّ المَرأةَ من أهلِ التَّصرفِ ولا حَقَّ لزَوجِها في مالِها، فلم يَملكِ الحَجرَ عليها في التَّصرفِ بجَميعِه كأُختِها، وحَديثُهم ضَعيفٌ وشُعيبٌ لم يُدركْ عبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو فهو مُرسلٌ، وعلى أنَّه مَحمولٌ على أنَّه لا يَجوزُ عَطيتُها لمالِه بغيرِ إذنِه بدَليلِ أنَّه يَجوزُ عَطيتُها ما دونَ الثُّلثِ من مالِها، وليسَ معهم حَديثٌ يَدلُّ على تَحديدِ المَنعِ بالثُّلثِ، فالتَّحديدُ بذلك تَحكُّمٌ ليسَ فيه تَوقيفٌ ولا عليه دَليلٌ، وقياسُهم على المَريضِ غيرُ صَحيحٍ لوُجوهٍ:

أحدُها: أنَّ المَرضَ سَببٌ يُفضي إلى وُصولِ المالِ إليهم بالميراثِ، والزَّوجيةُ إنَّما تَجعلُه من أهلِ الميراثِ، فهي أحدُ وَصفَيِ العِلةِ فلا يَثبتُ الحُكمُ بمُجرَّدِها، كما لا يَثبتُ للمَرأةِ الحَجرُ على زَوجِها ولا لسائِرِ الوَرثةِ بدونِ المَرضِ.

(١) أخرجه البخاري (١٣٩٣)، ومسلم (٧٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.

٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)

وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 519 - 525

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله