شراء الإنسان صدقته بعدما أخرجها

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > شراء الإنسان صدقته بعدما أخرجها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

شراء الإنسان صدقته بعدما أخرجها - الأقوال والأدلة

إذا تصَدَّق الفَقيرُ على غَنيٍّ كانَ للمُتصدِّقِ حَقُّ الرُّجوعِ في القياسِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ على الغَنيِّ هِبةٌ كما أنَّ الهِبةَ على الفَقيرِ صَدقةٌ.

ومنهم مَنْ سَوَّى بينَ الفَقيرِ وبينَ الغَنيِّ، وأنَّه لا رُجوعَ في الصَّدقةِ سَواءٌ كانت الصَّدقةُ على فَقيرٍ أو غَنيٍّ؛ لأنَّه عبَّرَ عنها بلَفظِ الصَّدقةِ، ولو أرادَ الهِبةَ لعبَّرَ بلَفظِها، ولأنَّ الثَّوابَ قد يُطلبُ بالصَّدقةِ على الأغنياءِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ له نِصابٌ وله عِيالٌ لا يَكفيه ذلك، ففي الصَّدقةِ عليه ثَوابٌ، فلهذا لم يَرجعْ فيها، وهذا في الاستِحسانِ والأوَّلُ هو القِياسُ (١).

شِراءُ الإِنسانِ صَدقتَه بعدَما أخرَجَها:

اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُكرهُ للإِنسانِ إذا تصَدَّق بصَدقةٍ ثم وجَدَها تُباعُ أنْ يَشتريَها؛ لمَا رَواه الشَّيخانِ عن سالِمٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ رضي الله عنهما «كانَ يُحدِّثُ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ تصَدَّق بفَرسٍ في سَبيلِ اللهِ فوجَدَه يُباعُ فأرادَ أنْ يَشتريَه ثم أتى النَّبيَّ فاستأمَرَه فقالَ: لا تَعُدْ في صَدقتِك. فبذلك كانَ ابنُ عُمرَ رضي الله عنهما لا يَتركُ أنْ يَبتاعَ شَيئًا تصدَّقَ به إلا جعَلَه صَدقةً» (٢).

وعن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ حمَلَ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ فوجَدَه يُباعُ، فأرادَ أنْ يَبتاعَه، فسألَ رَسولَ اللهِ عن ذلك فقالَ: «لا تَبتَعْه ولا تَعُدْ في صَدقتِك» (٣).

(١) «المحيط البرهاني» (٦/ ٢٠٠)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٠٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٩١)، و «اللباب» (٦١٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٤١٨)، ومسلم (١٦٢١).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٢١).

وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ عن أبيه عن عُمرَ «أنَّه حمَلَ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ فوجَدَه عندَ صاحِبِه وقد أضاعَه، وكانَ قَليلَ المالِ، فأرادَ أنْ يَشتريَه فأتى رَسولَ اللهِ فذكَرَ ذلك له فقالَ: «لا تَشتَرِه وإنْ أعطَيتَه بدِرهمٍ، فإنَّ مَثَلَ العائِدِ في صَدقتِه كمَثَلِ الكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (١).

وعن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ عن الزُّبَيرِ بنِ العَوامِ رضي الله عنه «أنَّه حمَلَ على فَرسٍ يُقالُ له: غَمرٌ، أو غَمرةُ، فرَأى مُهرًا أو مُهرةً من أَفلائِها يُباعُ يُنسَبُ إلى فَرسِه فنَهى عنها» (٢).

والسَّببُ في نَهيِ النَّبيِّ عُمرَ أنْ يَرجعَ في صَدقتِه أنَّ المُتصدِّقَ إذا أرادَ الشِّراءَ يُسامِحُ في حَقِّه أو يَطلبُ هو المُسامحةَ فيَكونُ نَقضًا للصَّدقةِ في ذلك القَدرِ؛ لأنَّ رُوحَ الصَّدقةِ نَفضُ القَلبِ تَعلُّقَه بالمالِ، وإذ كانَ في قَلبِه مَيلٌ إلى الرُّجوعِ إليها بمُسامحةٍ لم يَتحقَّقْ كَمالُ النَّفضِ، وأيضًا فتَوفيرُ صُورةِ العَملِ مَطلوبٌ، وفي الاستِردادِ نَقضٌ لها، وهو سِرُّ كَراهيةِ المَوتِ في أرضٍ هاجَرَ منها، واللهُ أعلَمُ (٣).

إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَحرمُ ذلك أو يُكرهُ فقط، وهل يُفسخُ البَيعُ أو لا؟

فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ النَّهيَ في حَديثِ عُمرَ رضي الله عنه نَهيُ تَنزيهٍ لا تَحريمٍ:

(١) أخرجه مسلم (١٦٢١).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٣٩٣).
(٣) «حجة الله البالغة» (٥١٧).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قَولُه : «لا تَبتَعْه ولا تَعُدْ في صَدقتِك» هذا نَهيُ تَنزيهٍ لا تَحريمٍ، فيُكرهُ لمَن تَصدَّق بشَيءٍ أو أخرَجَه في زَكاةٍ أو كَفارةٍ أو نَذرٍ ونَحوِ ذلك من القُرباتِ أنْ يَشتريَه ممَّن دفَعَه هو إليه أو يَهبَه أو يَتملَّكَه باختيارِه منه، فأمَّا إذا ورِثَه منه فلا كَراهةَ فيه، وكذا لو انتقَلَ إلى ثالِثٍ ثم اشتَراه منه المُتصدِّقُ فلا كَراهةَ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ.

وقالَ جَماعةٌ من العُلماءِ: النَّهيُ عن شِراءِ صَدقتِه للتَّحريمِ واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: في ارتِجاعِ صَدقتِه بالبَيعِ:

قالَ أَصحابُنا: لا بأسَ لمَن أخرَجَ زَكاتَه أو كَفارةَ يَمينِه أنْ يَشتريَه ممَّن دفَعَه إليه، وهو قَولُ الأَوزاعيِّ.

وقالَ مالِكٌ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: أكرَهُ ذلك. وكذلك اللَّيثُ، قالَ الحَسنُ: وإنْ ورِثَها وجَّهها في الوَجهِ الذي كانَ وجَّهَها فيه أوَّلَ مَرةٍ، ولا يَكرهُ الحَسنُ ذلك في الهِبةِ.

وقالَ الشافِعيُّ: أكرَهُ للرَّجلِ شِراءَ صَدقتِه ولا أفسَخُه. وقالَ في كَفارةِ اليَمينِ: إنْ تَنزَّه عن شِرائِها أحَبُّ إلَيَّ.

(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١١/ ٦٢)، و «طرح التثريب» (٤/ ٨٦)، و «شرح أبي داود» للعيني (٦/ ٢٩٤).

وذكَرَ أَبو جَعفرٍ قِصةَ الفَرسِ التي باعَها عُمرُ فأرادَ شِراءَها فقالَ النَّبيُّ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك ولا تَشتَرِها» قالَ: وهذا أَولى مما قالَ مَنْ أباحَه، وأمَّا المِيراثُ فمَن ورِثَه فيَحلُّ له لحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أعطَيتُ أُمِّي حَديقةً حَياتَها، وإنَّها ماتَتْ فلم تَتركْ وارِثًا غَيري. فقالَ رَسولُ اللهِ : «وجَبَت صَدقتُك ورجَعَت إليك حَديقتُك» (١)، قالَ: وهذا يُوجبُ ألَّا يَجبَ عليه في المِيراثِ ألَّا يَتصدَّقَ به (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ حَديثَ عُمرَ رضي الله عنه: وهو نَهيُ نَدبٍ؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَستحْيِي فيُسامِحُه في ثَمنِه فيَصيرُ كالراجِعِ في بَعضِه، والرُّجوعُ مَكروهٌ (٣).

وقالَ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه بعدَ قَولِ النَّبيِّ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك»: والشِّراءُ لا يَكونُ رُجوعًا في الصَّدقةِ حُكمًا، والمُرادُ لا يَحلُّ الرُّجوعُ بطَريقِ الدِّيانةِ والمُروءةِ، وهو كقَولِهِ عليه الصلاة والسلام: «لا يَحلُّ لرَجلٍ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَبيتَ شَبعانَ وجارُه إلى جَنبِه طاوٍ» أي: لا يَليقُ ذلك بالدِّيانةِ والمُروءةِ وإنْ كانَ جائِزًا في الحُكمِ إذا لم يَكنْ عليه حَقٌّ واجِبٌ (٤).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (٦٧٣١)، وابن ماجه (٢٣٩٥).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٤٣٩، ٤٤٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٢).
(٤) «المبسوط» (١٢/ ٥٤).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ الفُقهاءُ في كَراهيةِ شِراءِ الرَّجلِ صَدقتَه الفَرضَ والتَّطوُّعَ إذا أخرَجَها عن يَدِه لوَجهِها ثم أرادَ شِراءَها من الذي صارَت إليه.

فقالَ مالِكٌ في «المُوطَّأِ» في رَجلٍ تَصدَّق بصَدقةٍ فوجَدَها مع غيرِ الذي تصَدَّق بها عليه تُباعُ أيَشتَريها؟ فقالَ: تَركُها أحَبُّ إلَيَّ. وقد رُويَ عنه أنَّه قالَ: لا يَشتريها.

وذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مالِكٍ: من حمَلَ على فَرسٍ فباعَه الذي حمَلَ عليه فوجَدَه الحامِلُ في يَدِ المُشتَري لا يَشتَريه أبَدًا، وكذلك الدَّراهمُ والثَّوبُ.

وقالَ عنه في مَوضعٍ آخَرَ من كِتابِه: مَنْ حمَلَ على فَرسٍ فباعَه ثم وجَدَه الحامِلُ في يَدِ الذي اشتَراه فتَركُ شِرائِه أفضَلُ.

قالَ أبو عُمرَ: كرِهَ مالِكٌ واللَّيثُ والحَسنُ بنُ حَيٍّ والشافِعيُّ شِراءَ الصَّدقةِ لمَن تَصدَّق بها، ولم يرَوْا لأحَدٍ أنْ يَشتريَ صَدقتَه؛ فإنِ اشتَرى أحَدٌ صدَقَته لم يَفسَخوا العَقدَ ولم يَردُّوا البَيعَ، ورأوُا التَّنزُّهَ عنها، وكذلك قَولُهم في شِراءِ الإِنسانِ ما يُخرجُه من كَفارةِ اليَمينِ مِثلَ الصَّدقةِ سَواءٌ.

قالَ أبو عُمرَ: إنَّما كرِهوا بَيعَها لهذا الحَديثِ، ولم يَفسَخوها؛ لأنَّها راجِعةٌ اليه بغيرِ ذلك المَعنى، وقد بيَّنَّا هذا الحَديثَ في قِصةِ هَديةِ بَريرةَ بما تصَدَّق به عليها، ويَحتملُ هذا الحَديثُ أنْ يَكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ وقَطعِ الذَّريعةِ إلى بَيعِ الصَّدقةِ قبلَ إخراجِها، أو يَكونَ مَوقوفًا على التَّطوُّعِ في التَّنزُّهِ.

وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه والأَوزاعيُّ: لا بأسَ لمَن أخرَجَ زَكاتَه وكَفارةَ يَمينِه أنْ يَشتريَه بثَمنٍ يَدفعُه إليه.

وقالَ قَتادةُ: البَيعُ في ذلك فاسِدٌ مَردودٌ؛ لأنَّي لا أعلَمُ الفَيءَ إلا حَرامًا.

وقالَ أهلُ الظاهِرِ: يُفسخُ البَيعُ في مِثلِ هذا؛ لأنَّه طابَقَ النَّهيَ ففُسِّرَ بظاهِرِ قَولِه : «لا تَشترِه ولا تَعُدْ في صَدقتِك»، ولم يَختلِفوا أنَّه مَنْ تصَدَّق بصَدقةٍ ثم رُزقَها أنَّها حَلالٌ له، رَواه عبدُ اللهِ بنُ بُرَيدةَ عن أبيه رضي الله عنه قالَ: «جاءتِ امرأةٌ إلى النَّبيِّ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي تصَدَّقت على أُمِّي بجاريةٍ، وإنَّها ماتَت، فقالَ: «آجَرَكِ اللهُ ورَدَّ عليكَ المِيراثَ» (١). ويَحتملُ حَديثُ هذا البابِ أنْ يَكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ للرِّوايةِ أنَّ بَيعَ الصَّدقةِ قبلَ إِخراجِها، أو يَكونَ مَوقوفًا على التَّطوُّعِ في التَّنزُّهِ عن شِرائِها.

وقالَ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: المَصيرُ إلى حَديثِ عُمرَ في الفَرسِ أَولى من قَولِ مَنْ أباحَ شِراءَ صَدقتِه.

قالَ أبو عُمرَ: استدَلَّ مَنْ أجازَ للمُتصدِّقِ به بعدَ قَبضِ المُتصدَّقِ عليه له على أنَّ نَهيَه عن شِرائِه على التَّنزُّهِ لا على التَّحريمِ بقَولِه في الخَمسةِ الذين تَحلُّ لهم الصَّدقةُ «أو لرَجلٍ اشتَراها بمالِه» فلم يَخصَّ المُعطي من غيرِ المُعطي وغيرِ ذلك على العُمومِ. وقالَ في هذا الحَديثِ

(١) أخرجه مسلم (١١٤٩)، وابن ماجه (٢٣٩٤).

أيضًا: «أو لرَجلٍ كانَ له جارٌ مِسكينٌ فتصَدَّق على المِسكينِ فأهداها المِسكينُ للغَنيِّ» (١)، وهذا في مَعنى قِصةِ بَريرةَ.

وأمَّا ما يُوجبُه تَهذيبُ الآثارِ في ذلك عندي فللقَولِ بأنَّه لا يَجوزُ شِراءُ ما تصَّدَق به؛ لأنَّ الخُصوصَ قاضٍ على العُمومِ؛ لأنَّه مُستبقٍ منه، ألَا تَرى أنَّه قد جاءَ في حَديثٍ واحدٍ، يَعني «إلا لمَن اشتَراها بمالِه» بما لم يَكنْ هذا المُتصدِّقُ لم يَكنْ كَلامًا مُتدافِعًا ولا مُعارِضًا مُجملَ الحَديثَينِ عِندي، على هذا استِعمالٌ لهما دونَ رَدِّ أحدِهما بالآخَرِ وباللهِ التَّوفيقُ (٢).

وقالَ الزَّرقانِيُّ رحمة الله عليه في شَرحِه على مُوطَّأِ الإمامِ مالِكٍ: قالَ يَحيى: سُئلَ مالِكٌ عن رَجلٍ تصَدَّق بصَدقةٍ فوجَدَها مع غيرِ الذي تصَدَّق بها عليه تُباعُ، أيَشتَريها؟ فقالَ: تَركُها أحَبُّ إلَيَّ؛ إذ لا فَرقَ بينَ اشتِرائِها من نَفسِ مَنْ تصَدَّق بها عليه أو مِنْ غيرِه في المَعنى، لرُجوعِه فيما ترَكَه للهِ تَعالى، كما حرَّمَ اللهُ على المُهاجِرين سُكنَى مَكةَ بعدَ هِجرتِهم منها للهِ ﷿، ولا يُفسخُ البَيعُ إنْ وقَعَ، مع أنَّ النَّهيَ يَقتَضي الفَسادَ للإِجماعِ على ثُبوتِ البَيعِ كما قالَ ابنُ المُنذرِ: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لاحتِمالِ أنَّ حَديثَ البابِ على

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٦٣٥، ١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، وأحمد (١١٥٥٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٣٦٨)، والحاكم في «المستدرك» (١٨٤٠)، ولفظه: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لخَمسةٍ: لغازٍ في سَبيلِ اللهِ، أو لعامِلٍ عليها، أو لغارِمٍ، أو لرَجلٍ اشتَراها بمالِه، أو لرَجلٍ كانَ له جارٌ مِسكينٌ فتَصدَّقَ على المِسكينِ فأهداها المِسكينُ للغَنيِّ».
(٢) «الاستذكار» (٣/ ٢٥٧، ٢٥٨)، و «التمهيد» (٣/ ٢٦٠، ٢٦٢).

التَّنزيهِ وقَطعِ الذَّريعةِ، ويَدلُّ له قَولُه في الخَمسةِ الذين تَحلُّ لهم الصَّدقةُ: «أو رَجلٍ اشتَراها بمالِه» فلم يَخصَّ المُتصدِّقَ من غيرِه، قالَ: وعِندي أنَّ الخُصوصَ قاضٍ على العُمومِ؛ لأنَّه مُستثنًى منه، فلو قيلَ: لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لمَن اشتَراها بمالِه ما لم يَكنْ هو المُتصدِّقَ لم يَكنْ مُعارَضًا، فيَستعملُ الحَديثَينِ دونَ رَدِّ أحدِهما، فيَمنعُ المُتصدِّقَ من شِراءِ صَدقتِه.

ولك أنْ تَقولَ: نَعَم، الخُصوصُ قاضٍ على العامِّ، لكنْ لا نُسلِّمُ إِفادتَه الحُرمةَ؛ لأنَّ غايةَ قَولِنا ما لم يَكنْ هو المُتصدِّقَ فلا تَحلُّ له، وعَدمُ الحِلِّ صادِقٌ بالكَراهةِ وإنِ احتَملَها واحتَملَ الحُرمةَ سقَطَ به الاستِدلالُ (١).

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رضي الله عنه: «وأكرَهُ للرَّجلِ شِراءَ صَدقتِه إذا وصَلَت إلى أهلِها ولا أفسَخُه».

قالَ الماوَرديُّ: ولذا كرِهتُ له شِراءَ ما تصَدَّقت به واجِبًا وتَطوُّعًا؛ لمَا رُويَ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه حمَلَ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ يُقالُ له الوَردُ، فرآه يُباعُ في السُّوقِ، فأرادَ أنْ يَشتريَه فقالَ له رَسولُ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك ولو أعطَيتَها نِصفَين، ودَعْها حتى تَكونَ هي ونِتاجُها لك يَومَ القيامةِ» (٢). ولأنَّه لا يُسامِحُ في ثَمنِها فيَنقُصُ من ثَوابِه، ولأنَّه لا يُتبِعُها نَفسَه فيُسترابُ له؛ فإنِ ابتاعَها كانَ البَيعُ جائِزًا، وإنْ كانَ مَكروهًا.

(١) «شرح الزرقاني» (٢/ ١٩٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقَدمَ بلفظٍ قَريبٍ.

وقالَ مالِكٌ: البَيعُ باطِلٌ استِدلالًا بحَديثِ عُمرَ رضي الله عنه ونَهيِ النَّبيِّ له أنْ يَعودَ في صَدقتِه.

والدِّلالةُ على جَوازِه ما رُويَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لخَمسةٍ، وذكَرَ منهم رَجلًا اشتَراها بمالِه» فكانَ على عُمومِه، ولأنَّ عَودَها إليه بغيرِ المَعنى الذي تَملكُه عليه غيرُ مَمنوعٍ منه، ألَا تَرى أنَّها لو عادَت إليه مِيراثًا جازَ؛ لمَا رُويَ أنَّ رَجلًا تصَدَّق على أَبيه بحَديقةٍ فماتَ فرجَعَت إليه، فقالَ النَّبيُّ : «قُبلَت صَدقتُك وبلَغَت مَحلَّها وصارَ ذلك مِيراثًا»، وإذا جازَ عَودُها إليه بالمِيراثِ جازَ عَودُها بالابتِياعِ، وتَحريرُ ذلك قِياسًا: أنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَملكَه إِرثًا جازَ أنْ يَملكَه ابتِياعًا كسائِرِ الأَموالِ.

فأمَّا حَديثُ عُمرَ ففيه جَوابانِ:

أحدُهما: أنَّ عُمرَ كانَ قد وقَفَ فَرسَه، وشِراءُ الوَقفِ باطِلٌ بوِفاقٍ.

والثاني: أنَّه مَحمولٌ على الكَراهةِ والاستِحبابِ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتَضي كَراهةَ العَقدِ دونَ فَسادِه كالنَّهيِ عن بَيعِ النَّجسِ وأنَّ يَبيعَ الرَّجلُ على بَيعِ أَخيه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليسَ لمُخرِجِ الزَّكاةِ شِراؤُها ممَّن صارَت إليه، ورُويَ ذلك عن الحَسنِ، وهو قَولُ قَتادةَ ومالِكٍ، قالَ أَصحابُ مالِكٍ: فإنِ اشتَراها لم يَنقضِ البَيعَ.

(١) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٣١، ٣٣٢).

وقالَ الشافِعيُّ وغيرُه: يَجوزُ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لخَمسةٍ … رَجلٍ ابتاعَها بمالِه».

ورَوى سَعيدٌ في سُننِه «أنَّ رَجلًا تصَدَّق على أُمِّه بصَدقةٍ ثم ماتَت، فسألَ النَّبيَّ فقالَ: «قد قبِلَ اللهُ صَدقتَك ورَدَّها إليكَ المِيراثُ» وهذا في مَعنى شِرائِها، ولأنَّ ما صَحَّ أنُ يُملكَ إِرثًا صَحَّ أنْ يُملكَ ابتِياعًا كسائِرِ الأَموالِ.

ولنا: ما رَوى عُمرُ أنَّه قالَ: حمَلتُ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ، فوجَدَه عندَ صاحِبِه وقد أضاعَه وكانَ قَليلَ المالِ، فأرادَ أنْ يَشتريَه، فأَتى رَسولَ اللهِ فذكَرَ ذلك له، فقالَ: «لا تَشترِه وإنْ أُعطيتَه بدِرهمٍ، فإنَّ مَثَلَ العائِدِ في صَدقتِه كمَثَلِ الكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (١) مُتَّفقٌ عليه.

فإنْ قيلَ: يَحتملُ أنَّها كانَت حَبسًا في سَبيلِ اللهِ فمنَعَه لذلك، قُلنا: لو كانَت حَبسًا لمَا باعَها للذي في يَدِه ولا هَمَّ عُمرُ بشِرائِها، بل كانَ يُنْكِرُ على البائعِ ويَمنعُه؛ فإنَّه لم يَكنْ يُقرُّ على مُنكرٍ فكيف يَفعلُه ويُعينُ عليه؟! ولأنَّ النَّبيَّ ما أنكَرَ بَيعَها، إنَّما أنكَرَ على عُمرَ الشِّراءَ مُعلِّلًا بكَونِه عائِدًا في الصَّدقةِ.

الثاني: أنَّنا نَحتجُّ بعُمومِ اللَّفظِ من غيرِ نَظرٍ إلى خُصوصِ السَّببِ؛ فإنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا تَعُدْ في صَدقتِك» أي: بالشِّراءِ، «فإنَّ العائِدَ

(١) أخرجه مسلم (١٦٢١).

في صَدقتِه كالعائِدِ في قَيئِه»، والأخذُ بعُمومِ اللَّفظِ أَولى من التَّمسُّكِ بخُصوصِ السَّببِ.

فإنْ قيلَ: فإنَّ اللَّفظَ لا يَتناولُ الشِّراءَ؛ فإنَّ العَودَ في الصَّدقةِ استِرجاعُها بغيرِ عِوضٍ وفَسخٍ للعَقدِ كالعَودِ في الهِبةِ، والدَّليلُ على هذا قَولُ النَّبيِّ : «العائِدُ في هِبتِه كالعائِدِ في قَيئِه» ولو وهَبَ إِنسانًا شَيئًا ثم اشتَراه منه جازَ.

قُلنا: النَّبيُّ ذكَرَ ذلك جَوابًا لعُمرَ حين سألَه عن شِراءِ الفَرسِ، فلو لم يَكُنِ اللَّفظُ مُتناوِلًا للشِّراءِ المَسؤولِ عنه لم يَكنْ مُجيبًا له، ولا يَجوزُ إِخراجُ خُصوصِ السَّببِ من عُمومِ اللَّفظِ لئلَّا يَخلوَ السُّؤالُ عن الجَوابِ، وقد رُويَ عن جابِرٍ أنَّه قالَ: «إذا جاءَ المُصدِقُ فادفَعْ إليه صَدقتَك، ولا تَشترِها، فإنَّهم كانوا يَقولونَ: ابتَعْها فأقولُ: إنَّما هي للهِ»، وعن ابنِ عُمرَ أنَّه قالَ: «لا تَشترِ طَهورَ مالِكَ»، ولأنَّ في شِرائِه لها وَسيلةً إلى استِرجاعِ شَيءٍ منها؛ لأنَّ الفَقيَر يَستحْيِي منه، فلا يُماكِسُه في ثَمنِها، ورُبَّما رخَّصَها له طَمعًا في أنْ يَدفعَ إليه صَدقةً أُخرى، ورُبَّما علِمَ أنَّه إنْ لم يَبعْه إياها استَرجَعها منه أو توهَّمَ ذلك، وما هذا سَبيلُه يَنبَغي أنْ يُجتنَبَ، كما لو شرَطَ عليه أنْ يَبيعَه إِياها.

وهو أيضًا ذَريعةٌ إلى إِخراجِ القيمةِ، وهو مَمنوعٌ من ذلك، أمَّا حَديثُهم فنَقولُ به، وأنَّها تَرجعُ إليه بالمِيراثِ، وليسَ هذا مَحلَّ النِّزاعِ.

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: كلُّ العُلماءِ يَقولونَ: إذا رجَعَت إليه بالمِيراثِ طابَتْ له إلا ابنَ عُمرَ والحَسنَ بنَ حَيٍّ، وليسَ البَيعُ في مَعنى المِيراثِ؛ لأنَّ المِلكَ ثبَتَ بالميراثِ حُكمًا بغيرِ اختيارِه، وليسَ بوَسيلةٍ إلى شَيءٍ مما ذكَرنا، والحَديثُ الآخَرُ مُرسلٌ، وهو عامٌّ، وحَديثُنا خاصٌّ صَحيحٌ، فالعَملُ به أَولى من كلِّ وَجهٍ.

فَصلٌ: فإنْ دعَت الحاجةُ إلى شِراءِ صَدقتِه مِثلَ أنْ يَكونَ الفَرضُ جُزءًا من حَيوانٍ لا يُمكنُ للفَقيرِ الانتِفاعُ بعَينِه ولا يَجدُ مَنْ يَشتريه سِوى المالِكِ لباقيه، ولو اشتَراه غيرُه لتَضرَّرَ المالِكُ بسُوءِ المُشاركةِ، أو إذا كانَ الواجِبُ في ثَمرةِ النَّخلِ والكَرمِ عِنبًا ورُطبًا فاحتاجَ الساعِي إلى بَيعِها قبلَ الجِذاذِ، فقد ذكَرَ القاضِي أنَّه يَجوزُ بَيعُها من رَبِّ المالِ في هذا المَوضعِ، وكذلك يَجيءُ في الصُّورةِ الأُولى وفي كلِّ مَوضعٍ دعَت الحاجةُ إلى شِرائِه لها؛ لأنَّ المَنعَ من الشِّراءِ في مَحلِّ الوِفاقِ إنَّما كانَ لدَفعِ الضَّررِ عن الفَقيرِ، والضَّررُ عليه في مَنعِ البَيعِ ههنا أعظَمُ، فدَفعُه بجَوازِ البَيعِ أَولى (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: الوَجهُ الثانِي والتِّسعونَ أنَّه نَهى المُتصدِّقَ عن شِراءِ صَدقتِه، ولو وجَدَها تُباعُ في السُّوقِ سَدًّا لذَريعةِ العَودِ فيما خرَجَ عنه ولو بعِوضِه؛ فإنَّ المُتصدِّقَ إذا مُنعَ من تَملُّكِ صَدقتِه بعِوضِها فتَملُّكُه إياها بغيرِ عِوضٍ أشَدُّ مَنعًا وأفطَمُ للنُّفوسِ عن تَعلُّقِها بما خرَجَت عنه للهِ، والصَّوابُ ما حكَمَ به النَّبيُّ من المَنعِ من شِرائِها مُطلقًا،

(١) «المغني» (٢/ ٢٧١، ٢٧٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوديعة
باب الاختلاف في المؤلفة

باب الاختلاف في المؤلفة

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لا مؤلفة فيجعل سهمهم وسهم سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ مَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ مَشْرُوحَةً بِدَلَائِلِهَا وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ مَقْصُورًا عَلَى ذِكْرِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا وَالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهَا فَاقْتَصَرْنَا مِنْهُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِلَى تَفْصِيلِ مَا أَوْرَدَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ قَدَّمَهُمَا فِي هَذَا الْفَصْلِ:

إِحْدَاهُمَا: فِي سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ.

وَالثَّانِيَةُ: فِي سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ.

فَأَمَّا سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ فَإِنَّ أبا حنيفة أَسْقَطَهُ وَزَعَمَ أَنْ لَا مُؤَلَّفَةَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ بِقُوَّةِ الدِّينِ وَإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَابِتٌ عَلَى الشَّرْحِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُمْ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ سَهْمًا فَلَمْ يَجُزْ نَسْخُهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ؛ وَلِأَنَّ مَا بَقِيَ لِلْإِسْلَامِ أَعْدَاءٌ يَلْزَمُ جِهَادُهُمْ بَقِيَ مُؤَلَّفَةٌ يُتَآلَفُ قُلُوبُهُمْ كَالْعَصْرِ الْأَوَّلِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 460 - 471

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل