عدم تعليق الهبة على شرط ولا إضافتها إلى وقت

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > عدم تعليق الهبة على شرط ولا إضافتها إلى وقت

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

عدم تعليق الهبة على شرط ولا إضافتها إلى وقت - الأقوال والأدلة

الأولَ يُرجعُ فيه إلى الوَسطِ المُتعارَفِ، والثانِي ليسَ له ضابِطٌ، فامتنَعَ، وأُلحِقَ الخُلعُ بأحدِ الطَّرفَينِ الأولَينِ الذي لا يَجوزُ فيه الَغررُ مُطلقًا؛ لأنَّ العِصمةَ وإِطلاقَها ليسَا من بابِ ما يُقصدُ للمُعاوضةِ، بل شأنُ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ بغيرِ شَيءٍ، فهو كالهِبةِ، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَينِ والضابِطُ للبابَينِ والفِقهِ مع مالِكٍ رحمة الله عليه فيه (١).

٤ - عَدمُ تَعليقِ الهِبةِ على شَرطٍ ولا إِضافتُها إلى وَقتٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يَجوزُ تَعليقُها على شَرطٍ مِثلِ شَرطِ «إنْ دخَلَ زَيدٌ فلك ألفٌ، أو إن نجَحتَ فلك ألفُ دِينارٍ، أو إنْ جاءَ خالِدٌ فلك مِئةٌ، أو إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ فقد وهَبتُك»، أو لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ في الهِبةِ التَّنجيزُ، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ ولا إِضافَتُها إلى وَقتٍ؛ لأنَّ مُقتَضى التَّمليكِ هو الجَزمُ والتَّنجيزُ لذلك، فلا تَصحُّ أنْ تَكونَ مُعلَّقةً على أمرٍ مُتردِّدٍ بينَ الوُجودِ والعَدمِ؛ لأنَّ العَقدَ المُعلَّقَ على شَرطٍ يَجبُ ثُبوتُه عندَ ثُبوتِ الشَّرطِ الذي عُلِّق عليه؛ لأنَّه لو ثبَتَ التَّصرُّفُ قبلَ وُجودِ الشَّرطِ لاستَوجبَ ذلك وُجودَ المَشروطِ بدونِ الشَّرطِ، وذلك مُحالٌ.

لا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ بما له خَطرُ الوُجودِ والعَدمِ من دُخولِ زَيدٍ وقُدومِ خالِدٍ؛ لأنَّ الهِبةَ تَمليكُ العَينِ للحالِ وأنَّه لا يَحتمِلُ التَّعليقَ بالخَطرِ والإِضافةِ إلى الوَقتِ كالبَيعِ.

(١) «الفروق» (١/ ٣٤٧، ٣٤٨).

قالَ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه نَقلًا عن الخُلاصةِ: تَعليقُ الهِبةِ بالشَّرطِ باطِلٌ إنْ ذُكرَ بكَلمةِ «إنْ» وإنْ ذُكرَ بكَلمةِ «على» إنْ كانَ مُلائمًا بأنْ قالَ: «وهَبتُك هذا على أنْ تُعوِّضَني»، كذا صحَّتِ الهِبةُ والشَّرطُ، وإنْ كانَ الشَّرطُ مُخالفًا صحَّتِ الهِبةُ وبطَلَ الشَّرطُ …

ولو وهَبَ غُلامًا أو شَيئًا على أنَّ المَوهوبَ له بالخيارِ ثَلاثةَ أيامٍ، إنْ أجازَ قبلَ الافتِراقِ جازَ، وإنْ لم يَجزْ حتى افتَرقا لم يَجزْ.

ولو وهَبَ شَيئًا على أنَّ الواهِبَ بالخيارِ ثَلاثةَ أَيامٍ صحَّتِ الهِبةُ وبطَلَ الخيارُ؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدٌ غيرُ لازِمٍ فلا يَصحُّ فيها شَرطُ الخيارِ، كذا في «فَتاوى قاضيخان».

رَجلٌ له على آخَرَ ألفُ دِرهمٍ فقالَ: «إذا جاءَ غَدٌ فالألفُ لك»، أو قالَ: «أنتَ بَريءٌ منه»، أو قالَ: «إذا أدَّيتَ إلَيَّ نِصفَ المالِ فأنتَ بَريءٌ من النِّصفِ الباقي»، أو قالَ: «فلك النِّصفُ الباقِي»، فهو باطِلٌ، وكذا في «الجامِع الصَّغير» (١).

وقالَ الشافِعيةُ: ولا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ ك «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد وهَبتُك أو أبرَأتُك» (٢).

(١) «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٤٢٧)، ويُنظَرُ: «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٨)، و «البحر الرائق» (٦/ ١٩٨)، و «الهندية» (٤/ ٣٧٨، ٣٩٧)، و «غمز عيون البصائر» (٤/ ٤٤).
(٢) «أسنى المطالب» (٢/ ٤٧٩)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٧٥).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ بشَرطٍ؛ لأنَّها تَمليكٌ لمُعيَّنٍ في الحَياةِ فلم يَجزْ تَعليقُها على شَرطٍ كالبَيعِ؛ فإنْ علَّقَها على شَرطٍ كقَولِ النَّبيِّ لأُمِّ سَلمةَ: «إنْ رجَعَت هَديَّتُنا إلى النَّجاشيِّ فهي لكِ» (١) كانَ وَعدًا، لا هِبةً (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ وابنُ القَيمِ من الحَنابِلةِ إلى جَوازِ تَعليقِ الهِبةِ بالشَّرطِ؛ لأنَّه لا يُوجدُ خَبرٌ ثابِتٌ ولا إِجماعٌ على بُطلانِ الهِبةِ بالشَّرطِ.

قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فما الدَّليلُ على بُطلانِ تَعليقِ الهِبةِ بالشَّرطِ وقد صَحَّ عن النَّبيِّ أنَّه علَّقَ الهِبةَ بالشَّرطِ في حَديثِ جابِرٍ لمَّا قالَ: لو قد جاءَني مالُ البَحرَينِ لقد أعطَيتُك هكذا وهكذا وهكذا. فلم يَجِئْ حتى قُبِض النَّبيُّ ، فلمَّا جاءَ مالُ البَحرينِ، أمَرَ أَبو بَكرٍ مُناديًا فنادَى: مَنْ كانَ له عندَ رَسولِ اللهِ دَينٌ أو عِدةٌ فليَأتِنا، فأتَيتُه فقُلتُ: «إنَّ رَسولَ اللهِ قالَ لي كذا وكذا، فحَثى لي ثَلاثًا» (٣) فأنجَزَ ذلك له الصِّديقُ رضي الله عنه لمَّا جاءَ مالُ البَحرينِ بعدَ وَفاةِ رَسولِ اللهِ .

فإنْ قيلَ: كانَ ذلك وَعدًا، قُلنا: نَعمْ، والهِبةُ المُعلقةُ بالشَّرطِ وَعدٌ، وكذلك فعَلَ النَّبيُّ لمَّا بعَثَ إلى النَّجاشيِّ بهَديةٍ من مِسكٍ،

(١) رواه أحمد (٢٧٣١٧)، و «ابن حبان في صحيحه» (٥١١٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٨٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٦٤)، و «المحرر في الفقه» (١/ ٣٧٤)، و «المبدع» (٥/ ٣٦٧)، و «الإنصاف» (٧/ ١٣٣).
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٦٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
ركن الهبة

لِرَبِّ الْمَالِ هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ جَعَلَهُ أَمِينًا فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ ضَمِينًا فِيمَا جَعَلَهُ الْعَاقِدُ أَمِينًا.

وَلَوْ مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُوجَدْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ فِيمَا خَلَفَ، فَإِنَّهُ يَعُودُ دَيْنًا فِيمَا خَلَفَ الْمُضَارِبُ، وَكَذَا الْمُودِعُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَبْضِعُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَا تُعْرَفُ الْأَمَانَةُ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّجْهِيلِ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَدِيعَةِ، وَلَا تُصَدَّقُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْهَلَاكِ وَالتَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ الْمَالِ.

وَلَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ الْمَالَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، أَوْ عُلِمَ ذَلِكَ، يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانَةً فِي وَصِيَّةٍ، أَوْ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَيُصَدِّقُونَ عَلَى الْهَلَاكِ وَالدَّفْعِ إلَى صَاحِبِهِ، كَمَا يُصَدِّقُ الْمَيِّتُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الْهِبَةِ

رُكْنِ الْهِبَةِ

(كِتَابُ الْهِبَةِ)

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 290 - 292

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده