من قال: أسكنتك داري أو منحتك داري

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > من قال: أسكنتك داري أو منحتك داري

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

من قال: أسكنتك داري أو منحتك داري - الأقوال والأدلة

ولم يُفسِدْها الشَّرطُ؛ لأنَّه ليسَ بشَرطٍ على المُعمِرِ وإنَّما شَرطُ ذلك على وَرثتِه، ومَتى لم يَكُنِ الشَّرطُ مع المَعقودِ معه لم يُؤثِّرْ فيه.

وأمَّا قَولُه في الحَديثِ الآخَرِ: «إنَّه أَعطى عَطاءً وقَعَت فيه المَواريثُ» فهذه الزِّيادةُ من كَلامِ أَبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، كذلك رَواه ابنُ أَبي ذِئبٍ، وفصَّلَ هذه الزِّيادةَ فقالَ عن النَّبيِّ : «إنَّه قَضى فيمَن أُعمِرَ عُمرى له ولعَقبِه فهي له بَتلةٌ لا يَجوزُ للمُعطي فيها شَرطٌ ولا مَثنويةٌ» قالَ أَبو سَلمةَ: لأنَّه أَعطَى عَطاءً وقَعَت فيه المَواريثُ (١) (٢).

مَنْ قالَ: أسكَنتُك داري أو مَنحتُك داري:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ لآخَرَ: «أسكَنتُك داري هذه حَياتَك ولعَقِبِك مِنْ بَعدِك»، هل هي عُمرَى وتَدخُلُ في حُكمِ الهِبةِ أو هي عارِيةٌ؟ للعُلماءِ تَفصيلٌ فيها.

(١) أخرجه مسلم (١٦٢٥)، والنسائي (٣٧٤٧).
(٢) «المغني» (٥/ ٤٠٠، ٤٠١)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٦٧)، ويُنظَرُ: «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٦)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٢٨)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٧٥)، و «شرح الزرقاني على الموطأ» (٤/ ٦١) (٧/ ٣٢٨، ٣٢٩)، و «الذخيرة» (٦/ ٢١٦، ٢١٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١٩)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٧٠، ٧١)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٥٤١)، و «المهذب» (١/ ٤٤٨)، و «البيان» (٨/ ١٣٩)، و «الوسيط» (٥/ ٢١٠، ٢١١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٤، ١٨٥)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤٤، ٥٤٥)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٩، ٤٩٠)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و «الديباج» (٥٣٩، ٥٤٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ٢٧٥، ٢٧٦).

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيُّ -كما حَكاه ابنُ قُدامةَ عنه- والحَنابِلةُ إلى أنَّ قَولَه: «أسكَنتُكَ داري عُمرَكَ أو دارِي لك سُكنَى، أو منَحتُك دارِي عُمرِي أو عُمرَك» فهذه عارِيةٌ، له الرُّجوعُ فيها متى شاءَ؛ لأنَّ المَنافعَ إنَّما تُستَوفَى شَيئًا فشَيئًا بمُضيِّ الزَّمانِ، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منه.

فقالَ الحَنفيةُ: إنْ كانت القَرينةُ مَنفعةً بأنْ قالَ: «دارِي لك سُكنَى أو عُمرَى سُكنَى، أو صَدقةَ سُكنَى، أو هِبةَ سُكنَى، أو سُكنَى هِبةٍ، أو هي لك عُمرى عارِيةٍ»، ودفَعَها إليه، فهذا كلُّه عارِيةٌ؛ لأنَّه لمَّا ذكَر السُّكنَى في قَولِه: «دارِي لك سُكنَى، أو عُمرِي سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى» دلَّ على أنَّه أرادَ تَمليكَ المَنافعِ؛ لأنَّ قَولَه «هذا لك» ظاهِرُه وإنْ كانَ لتَمليكِ العَينِ لكنَّه يَحتملُ تَمليكَ المَنفعةِ؛ لأنَّ الإضافةَ إلى المُستعيرِ والمُستأجرِ مَنفعةٌ عُرفًا وشَرعًا.

وقَولُه «سُكنَى» " مَوضوعٌ للمَنفعةِ لا تُستعمَلُ إلا لها، فكانَ مُحكمًا فجُعلَ تَفسيرًا للمُحتمَلِ وبَيانًا أنَّه أرادَ به تَمليكَ المَنفعةِ، وتَمليكَ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ هو تَفسيرُ العارِيةِ، وكذا قَولُه: «سُكنَى» بعدَ ذِكرِ الهِبةِ يَكونُ تَفسيرًا للهِبةِ؛ لأنَّ قَولَه: «هِبةٌ» يَحتمِلُ هِبةَ العَينِ ويَحتملُ هِبةَ المَنافعِ، فإذا قالَ: «سُكنى» فقد عيَّنَ هِبةَ المَنافعِ، فكانَ بَيانًا لمُرادِ المُتكلمِ أنَّه أرادَ هِبةَ المَنافعِ، وهِبةُ المَنفعةِ تَمليكُها من غيرِ عِوضٍ، وهو مَعنى العارِيةِ.

وإذا قالَ: «سُكنَى هِبةٍ» فمَعناها أنَّ سُكنَى الدارِ هِبةٌ لك، فكانَ هِبةَ المَنفعةِ، وهو تَفسيرُ العارِيةِ.

ولو قالَ: «هي لك عُمرِي تَسكنُها»، أو «هي هِبةٌ تَسكنُها» أو «صَدقةٌ تَسكنُها»، ودفَعَها إليه فهي هِبةٌ؛ لأنَّه ما فسَّرَ الهِبةَ بالسُّكنَى؛ لأنَّه لم يَجعلْه نَعتًا، فيَكونُ بَيانًا للمُحتمَلِ، بل وهَبَ الدارَ منه ثم شاوَرَه فيما يَعملُ بمِلكِه، والمَشورةُ في مِلكِ الغيرِ باطِلةٌ، فتَعلَّقَت الهِبةُ بالعَينِ.

وقَولُه «تَسكنُها» بمَنزلةِ قَولِه «لتَسكنَها»، كما إذا قالَ: «وهَبتُها لك لتُؤاجِرَها» ولو قالَ: «هي لك تَسكنُها»، كانت هِبةً أيضًا؛ لأنَّ الإضافةَ بحَرفِ اللامِ إلى مَنْ هو أهلُ المِلكِ للتَّمليكِ، وقَولُه: «تَسكنُها» مَشورةٌ على ما بَيَّنَّا.

وإنْ قالَ: «أسكَنتُك داري هذه حَياتَك ولعَقِبِك من بَعدِك»، فهذه عارِيةٌ؛ لأنَّه صرَّحَ بلَفظِ الإِسكانِ، وهو تَصرُّفٌ في المَنفعةِ دونَ العَينِ، وقَولُه: «لعَقِبِك بعدَك» عَطفٌ، والعَطفُ للاشتِراكِ، فمَعناه سُكناها لعَقِبِك من بعدِك فهي هِبةٌ له، وذِكرُ العَقِبِ لَغوٌ؛ لأنَّ قَولَه: «هي لك» تَمليكٌ لعَينِها منه وبعدَ ما هلَكَ عنها منه لا يَبقى له وِلايةُ إِيجابِها لغيرِه، فكانَ قَولُه: «ولعَقِبِك من بَعدِك» لَغوًا، بخِلافِ الأولِ؛ فإنَّ بعدَ إِيجابِ المَنفعةِ له بطَريقِ العارِيةِ يَبقى له وِلايةُ الإِيجابِ لغيرِه، فكانَ كَلامُه عارِيةً في حَقِّه وفي حَقِّ عَقبِه بعدَه، وله أنْ يَأخذَها متى شاءَ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١١٨)، و «المبسوط» (١٢/ ٩٦، ٩٧)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٨٥)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٩٣)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٦٣)، و «درر الحكام» (٦/ ٤٩٩).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ إِعمارُ المَنفعةِ ولا إِرقابُها، فلو قالَ رَبُّ بَيتٍ لآخَرَ: «سُكنَى هذه الدارِ لك عُمرَك، أو مَنحتُكَ البَيتَ عُمرَك» فعارِيةٌ، قالَ في «القاموسِ»: منَحَه الناقةَ جعَلَ له وبَرَها ولبَنَها وولَدَها، وهي المِنحةُ والمَنيحةُ، أو قالَ: «منَحتُك غَلةَ البَيتِ لك عُمرَك»، أو قالَ رَبُّ بُستانٍ «مَنحتُكَ سُكنَى البُستانِ عُمرَك» فعارِيةٌ، أو قالَ رَبُّ عَبدٍ: «منَحتُك خِدمتَه لك عُمرَك»، فعارِيةٌ وإباحةٌ تَلزمُ في قَدرِ ما قبَضَه من غَلةٍ قبلَ رُجوعِ المانِحِ، وعُلمَ منه أنَّ للمانِحِ الرُّجوعَ في مِنحتِه متى شاء في حَياةِ المَمنوحِ وبعدَ مَوتِه؛ لأنَّه هِبةُ مَنفعةٍ، فله الرُّجوعُ فيها متى شاء؛ لأنَّ المَنافعَ إنَّما تُستوفَى شَيئًا فشَيئًا بمُضيِّ الزَّمانِ، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منه، وتَبطُلُ بمَوتِ أحدِهما (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: وإنْ قالَ: «سُكناها لك عُمرَك»، كانَ له أخذُها، أي: وَقتَ أحَبَّ؛ لأنَّ السُّكنَى ليسَت كالعُمرَى والرُّقبَى.

أمَّا إذا قالَ: «سُكنَى هذه الدارِ لك عُمرَك، أو اسكُنْها عُمرَك» أو نحوَ ذلك، فليسَ ذلك بعَقدٍ لازِمٍ؛ لأنَّه في التَّحقيقِ هِبةُ المَنافعِ، والمَنافعُ إنَّما تُستوفَى بمُضيِّ الزَّمانِ شَيئًا فشَيئًا، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منها واستَوفاه بالسُّكنى، وللمُسكِنِ الرُّجوعُ متى شاءَ، وأيُّهما ماتَ بطَلَت

(١) «المبدع» (٥/ ٣٧٠)، و «العدة شرح العمدة» (١/ ٢٦٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٠٥)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣٩٩)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٣).

الإِباحةُ، وبهذا قالَ أكثَرُ العُلماءِ وجَماعةُ أهلِ الفَتوى منهم الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرَّأيِ ورُويَ معنى ذلك عن حَفصةَ.

وقالَ الحَسنُ وعَطاءٌ وقَتادةُ: هي كالعُمرَى، تَكونُ له ولعَقِبِه؛ لأنَّها في مَعنى العُمرَى فيَثبتُ فيها مِثلُ حُكمِها، وحُكيَ عن الشَّعبيِّ أنَّه إذا قالَ: «هي لك، اسكُنْ حتى تَموتَ»، فهي له حَياتَه ومَوتَه، وإنْ قالَ: «دارِي هذه اسكُنْها حتى تَموتَ»؛ فإنَّها تَرجعُ إلى صاحِبِها؛ لأنَّه إذا قالَ: «هي لك»، فقد جعَلَ له رقَبَتها فتَكونُ عُمرَى، فإذا قالَ: «اسكُنْ دارِي هذه»؛ فإنَّما جعَلَ له نَفعَها دونَ رَقبتِها فتَكونُ عارِيةً.

ولنا: أنَّ هذا إِباحةُ المَنافعِ، فلم يَقعْ لازِمًا كالعارِيةِ، وفارَقَ العُمرَى؛ فإنَّها هِبةٌ للرَّقبةِ، فأمَّا إذا قالَ: «هذه لك، اسكُنْها حتى تَموتَ»؛ فإنَّه يَحتملُ: «لك سُكناها حتى تَموتَ»، وتَفسيرُها بذلك دَليلٌ على أنَّه أرادَ السُّكنَى، فأشبَهَ ما لو قالَ: «هذه لك سُكناها»، وإذا احتَملَ أنْ يُريدَ به الرَّقبةَ واحتَملَ أنْ يُريدَ السُّكنَى فلا نُزيلُ مِلكَه بالاحتِمالِ (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ: «أعمَرتُك دارِي، أو أسكَنتُك دارِي»، أو ما دَلَّ على تَمليكِ المَنفعةِ ك «أسكَنتُك»، ونَحوِه من الأَلفاظِ الدالةِ على تَمليكِ المَنفعةِ ك «وهَبتُك سُكناها أو استِغلالَها عُمرَك»، فهي عُمرَى -أي: هِبةٌ- يَملكُ بها مَنافعَ الدارِ دونَ رَقبتِها؛ فإنْ كانَت مُقيدةً بأجَلٍ، بأنْ قالَ:

(١) «المغني» (٥/ ٤٢٠).

«أعمَرتُك، أو أسكَنتُك هذه الدارَ سَنةً أو عَشرًا، أو حَياتي»، كانَت على ما أَعطَى، وإنْ أطلَقَ ولم يُقيِّدْ كانَ مَحمَلُه على عُمرِ المُعطِي، وإنْ عقَّبَها فقالَ: «أعمَرتُكها، أو أسكَنتُكها أنتَ وعَقِبَك» لم تَرجعْ إليه حتى يَنقرضَ العَقِبُ.

ورَجعتِ العُمرَى -بمَعنى الشَّيءِ المُعمَرِ- إذا ماتَ المُعمَرُ مِلكًا للمُعمِرِ أو وارِثِه إنْ مات، والمُرادُ وارِثُه يَومَ مَوتِ المُعمَرِ، لا وارِثُه يَومَ المَرجوعِ.

والعُمرَى كالهِبةِ في الحَوزِ، بمَعنى أنَّ حَوزَها قبلَ المانعِ شَرطٌ في تَمامِها فتَلزمُ بالقَولِ ويُجبَرُ المُعمِرُ على دَفعِها للمُعمَرِ ليَحوزَها؛ فإنْ حصَلَ المانِعُ للمُعمِرِ قبلَ أنْ يَحوزَها المُعمَرُ بطَلَت إنْ لم يَحصُلْ من المُعمَرِ جِدُّ في طَلبِها قبلَ المانعِ.

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا يَملكُ بلَفظِ العُمرَى والإِعمارِ عندَ مالِكٍ رَقبةَ شَيءٍ من العَطايا، وإنَّما ذلك عندَه كلَفظِ السُّكنَى والإِسكانِ سَواءٌ لا يَملكُ بذلك إلا المَنافعَ دونَ الرِّقابِ، وهي أَلفاظٌ عندَهم لا يَملكُ بها الرِّقابَ وإنَّما يَملكُ بها المَنافعَ، منها العُمرَى والسُّكنَى والعارِيةُ والإِطراقُ والمِنحةُ والإِحبالُ والإِفقارُ وما كانَ مِثلَها.

قالَ أَبو إِسحاقَ الحَربيُّ: سمِعتُ ابنَ الأعرابيِّ يَقولُ: لم تَختلِفِ العَربُ في أنَّ هذه الأَسماءَ على مِلكِ أربابِها، وأنَّ مَنافِعَها لمَن جُعلَت له العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارُ والإِحبالُ والعَريةُ والسُّكنَى والإِطراقُ (١).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: فإذا أعمَرَه حَياتَه وأسكَنَه حَياتَه فهو شَيءٌ واحِدٌ؛ فإنْ أرادَ المُعمَرُ أنْ يَكريَها فإنَّه يَكريها قَليلًا قَليلًا، ولا يَبعُدُ الكِراءُ، قالَ: وللمُعمَرِ أنْ يَبيعَ مَنافعَ الدارِ وسُكناه فيها من الذي أعمَرَه ولا يَبيعَها من غيرِه (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: إذا أتى بلَفظِ الإِسكانِ فقالَ: «أسكَنتُك هذه الدارَ حَياتَك»، فالجُمهورُ على أنَّ الإِسكانَ عندَهم -أو الإِخدامَ- بخِلافِ العُمرَى، وإنْ لفَظَ بالعَقِبِ فسَوَّى مالِكٌ بينَ التَّعميرِ والإِسكانِ.

وكان الحَسنُ وعَطاءٌ وقَتادةُ يُسوُّون بينَ السُّكنَى والتَّعميرِ في أنَّها لا تَنصرفُ إلى المَسكنِ أبدًا على قَولِ الجُمهورِ في العُمرَى.

والحَقُّ أنَّ الإِسكانَ والتَّعميرَ مَعنًى واحِدٌ مَفهومٌ منهما، وأنَّه يَجبُ أنْ يَكونَ الحُكمُ -إذا لم يُصرحْ بذِكرِ العَقِبِ- على ما ذهَب إليه أهلُ الظاهِرِ (٢).

(١) «التمهيد» (٧/ ١١٣، ١١٦)، ويُنظَرُ: «الذخيرة» (٦/ ٢١٧) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و «تفسير القرطبي» (١/ ٢٩٩)، و «مواهب الجليل» (٨/ ١٨، ١٩)، و «شرح مختصر خليل» للخرشي (٧/ ١١١، ١١٢)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و «حاشية الصاوي» (٩/ ٢٤٣)، و «شرح الزرقاني» (٤/ ٦٠).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٤٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 319 - 325

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله