موافقة القبول للإيجاب

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > موافقة القبول للإيجاب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

موافقة القبول للإيجاب - الأقوال والأدلة

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: والهِبةُ كبَيعٍ في تَقدُّمِ القَبولِ على الإِيجابِ، فتَصحُّ في الحالِ التي يَصحُّ فيها البَيعُ وتَبطُلُ فيما يَبطُلُ فيه (١).

٣ - مُوافقةُ القَبولِ للإِيجابِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يُشترطُ في صيغَتِها أنْ يُوافقَ القَبولُ الإِيجابَ أو لا؟

فذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه يُشترطُ في الصِّيغةِ أنْ يُوافقَ القَبولُ الإِيجابَ، فلو وهَبَ له شَيئًا فقبِلَ نِصفَه أو وهَبَ له ثَوبَينِ فقبِلَ أحدَهما لم يَصحَّ كالبَيعِ؛ لأنَّها عَقدٌ ماليٌّ مِثلُه، فأُعطيَت حُكمَه (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثانِي -وكِلا الوَجهَينِ مُصحَّحانِ في المَذهبِ- إلى أنَّه لا يُشترطُ مُطابقةُ القَبولِ للإيجابِ، فلو وهَبَ له شَيئًا فقبِلَ نِصفَه أو وهَبَ له ثَوبَينِ فقبِلَ أحدَهما صَحَّ خِلافًا للبَيعِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّه مُعاوضةٌ، وقد يَتضرَّرُ البائِعُ بالتَّبعيضِ لانتِقاصِ قيمةِ الباقي بخِلافِ الهِبةِ، فاغتُفِرَ فيها ما لم يُغتفَرْ فيه، ولمَا رَواه أحمدُ عن يَعلى بنِ مُرةَ رضي الله عنه «أنَّ امرَأةً جاءَت إلى النَّبيِّ معَها صَبيٌّ لها به لَممٌ، فقالَ النَّبيٌّ : «اخرُجْ عَدوَّ اللهِ، أنا رَسولُ اللهِ». قالَ: فبَرَأ فأهدَتْ

(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٦١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٦).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٥، ٤٦٦)، وكشاف القناع» (٤/ ٣٦١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٣٩٦).

إليه كَبشَينِ وشَيئًا من أقِطٍ وشَيئًا من سَمنٍ، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ : «خُذِ الأقِطَ والسَّمنَ وأحدَ الكَبشَينِ ورُدَّ عليها الآخَرَ» (١). ففي هذا أنَّ النَّبيَّ لم يَقبَلِ الجَميعَ (٢).

ويُفهمُ من كَلامِ المالِكيةِ عَدمُ اشتِراطِ مُطابقةِ القَبولِ للإِيجابِ.

قالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: الفَرقُ الرابِعُ والعِشرونَ بينَ قاعِدةِ ما تُؤثَرُ فيه الجَهالاتُ والغَررُ وقاعِدةُ ما لا يُؤثَرُ فيه ذلك من التَّصرُّفاتِ:

ورَدَت الأَحاديثُ الصَّحيحةُ في نَهيِه عليه السلام عن بَيعِ الغَررِ وعن بَيعِ المَجهولِ، واختَلفَ العُلماءُ بعدَ ذلك، فمنهم مَنْ عمَّمَه في التَّصرُّفاتِ وهو الشافِعيُّ، فمنَعَ من الجَهالةِ في الهِبةِ والصَّدقةِ والإِبراءِ والخُلعِ والصُّلحِ وغيرِ ذلك.

ومنهم مَنْ فصَّلَ -وهو مالِكٌ- بينَ قاعِدةِ ما يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ وهو بابُ المُماكَساتِ والتَّصرُّفاتِ المُوجبةِ لتَنميةِ الأَموالِ وما يُقصَدُ به تَحصيلُها، وقاعِدةِ ما لا يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ، وهو ما لا يُقصدُ لذلك، وانقسَمَت التَّصرُّفاتُ عندَه إلى ثَلاثةِ أَقسامٍ: طَرَفانِ وواسِطةٌ، فالطَّرفانِ أحدُهما: مُعاوَضةٌ صِرفةٌ فيُجتنَبُ فيها ذلك، إلا ما دعَت

(١) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٧٥٨٤، ١٧٥٩٩)، وقالَ الهيثمي في «المجمع» (٩/ ٦): رَواه أحمدُ ورِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ.
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٨٨)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٥٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٥، ٤٦٦).

الضَّرورةُ إليه عادةً كما تقدَّمَ أنَّ الجَهالاتِ ثَلاثةُ أقسامٍ، فكذلك الغَررُ والمَشقةُ.

وثانيهما: ما هو إِحسانٌ صِرفٌ لا يُقصدُ به تَنميةُ المالِ، كالصَّدقةِ والهِبةِ والإبراءِ؛ فإنَّ هذه التَّصرفاتِ لا يُقصدُ بها تَنميةُ المالِ، بل إنْ فاتَتْ على مَنْ أحسَنَ إليه بها فلا ضَررَ عليه؛ فإنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، بخِلافِ القِسمِ الأولِ إذا فاتَ بالغَررِ والجَهالاتِ ضاعَ المالُ المَبذولُ في مُقابَلتِه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ مَنعَ الجَهالةِ فيه، أمَّا الإِحسانُ الصِّرفُ فلا ضَررَ فيه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإِحسانِ التَّوسعةَ فيه بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه، فإذا وهَبَ له عَبدَه الآبِقَ جازَ أنْ يَجدَه فيَحصُلَ له ما يَنتفعُ به، ولا ضَررَ عليه إنْ لم يَجِدْه؛ لأنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، وهذا فِقهٌ جَميلٌ، ثم إنَّ الأَحاديثَ لم يَردْ فيها ما يَعُمُّ هذه الأَقسامَ حتى نَقولَ: يَلزمُ منه مُخالفةُ نُصوصِ صاحِبِ الشَّرعِ، بل إنَّما ورَدَت في البَيعِ ونَحوِه.

وأمَّا الواسِطةُ بينَ الطَّرفَينِ فهي النِّكاحُ فهو من جِهةِ أنَّ المالَ فيه ليسَ مَقصودًا وإنَّما مَقصِدُه المَودَّةُ والأُلفةُ، والسُّكونُ يَقتَضي أنْ يَجوزَ فيه الجَهالةُ والغَررُ مُطلقًا، ومِن جِهةِ أنَّ صاحِبَ الشَّرعِ اشتَرطَ فيه المالَ بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتَضي امتِناعَ الجَهالةِ والغَررِ فيه، فلو وجدَ الشَّبهينِ توسَّطَ مالِكٌ فجوَّزَ فيه الغَررَ القَليلَ دونَ الكَثيرِ نحوَ عَبدٍ من غيرِ تَعيينٍ وشَورةِ بَيتٍ ولا يَجوزُ على العَبدِ الآبِقِ والبَعيرِ الشارِدِ؛ لأنَّ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 287 - 289

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده