الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > موانع الرجوع في الهبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 26 دقيقة قراءةمَوانِعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ:
ذكَرَ الفُقهاءُ الذين أَجازوا الرُّجوعَ في الهِبةِ سَواءٌ كانَت فيما وهَبَ الأبُ لابنِه أو الذين أجازوا الرَّجوعَ مُطلقًا إذا لم يُثَبْ منها مَوانعَ تَمنعُ من الرُّجوعِ فيها، وهي على التَّفصيلِ التالي:
أولًا: مَوانعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ عندَ الحَنفيةِ:
١ - أنْ يُعوِّضَه عن الهِبةِ: فإذا عوَّضَه سقَطَ الرُّجوعُ؛ لقَولِه ﷺ: «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثبْ منها» (١)، أي: ما لم يُعوَّضْ عنها، ولأنَّه إذا قبَضَ العِوضَ فقد سلَّمَ له بدَلَها فلا يَرجعُ كالبَيعِ، ويُعتبَرُ في العِوضِ ما يُعتبَرُ في الهِبةِ من اشتِراطِ القَبضِ وعَدمِ الإِشاعةِ، وسَواءٌ كانَ العِوضُ قَليلًا أو كَثيرًا من جِنسِ الهِبةِ أو مِنْ غيرِ جِنسِها، وسَواءٌ دفَعَ العِوضَ في العَقدِ أو بعدَه، وصُورتُه أنْ يَذكُرَ لَفظًا يَعلمُ الواهِبُ أنَّه عِوضٌ عن هِبتِه، بأنْ يَقولَ: «خُذْ هذا عِوضًا عن هِبتِك أو مُكافأةً عنها أو بدَلَها أو في مُقابَلتِها أو مُجازاةً عليها أو ثوابَها» وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه عِوضٌ في هذا كلِّه إذا سلَّمَه وقبَضَه الواهِبُ، أما لو وهَبَ له هِبةً ولم يَقُلْ له شَيئًا من هذه الأَلفاظِ ولم يَعلمْ أنَّها عِوضٌ عن هِبتِه كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَرجعَ في هِبتِه إذا لم يَحدُثْ في المَوهوبِ ما يَمنعُ الرُّجوعَ وليسَ للمُعوَّضِ أنْ يَرجعَ في العِوضِ؛ لأنَّه سلَّمَ له ما في مُقابلتِه، وهو سُقوطُ الرُّجوعِ، وإنْ عوَّضَه عن نِصفِ الهِبةِ
(١) رواه ابن ماجه (٢٣٨٧)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٤)، والدارقطني (٣/ ٤٤)، والديلمي (٤/ ٤٣٥). قالَ المناوي (٦/ ٣٧١): قالَ ابنُ حَجرٍ: سندُه ضَعيفٌ.
كانَ له أنْ يَرجعَ في النِّصفِ الآخَرِ وألَّا يَرجعَ في الذي عوَّضَه عنه، وإنْ عوَّضَه بعضَ ما وهَبَ له عن باقيها لم يَكنْ عِوضًا كما إذا وهَبَ له مِئةَ دِرهمٍ فعوَّضَه دِرهمًا منها لم يَكنْ عِوضًا، وكانَ للواهِبِ الرُّجوعُ في المِئةِ.
وكذا إذا وهَبَه دارًا وعوَّضَه شَيئًا منها؛ لأنَّ مَقصودَ الواهِبِ بهذا لم يَحصُلْ؛ لأنَّا نَعلمُ أنَّه لم يَهبْ مِئةً في تَحصيلِ دِرهمٍ منها، ألَا تَرى أنَّها كانت كلَّها في يَدِه، وسَواءٌ كانَ العِوضُ من المَوهوبِ له أو من أجنَبيٍّ؛ لأنَّه لإِسقاطِ حَقِّ الرُّجوعِ في الشَّرعِ يَصحُّ من الأجنَبيِّ كبَدلِ الخُلعِ (١).
(١) قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه في «بدائع الصنائع» (٦/ ١٢٩، ١٣١): ومنها -أي: من مَوانِعِ الرُّجوعِ- العِوضُ لمَا رَوينا عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثَبْ منها»، أي: ما لم يُعوَّضْ، ولأنَّ التَّعويضَ دَليلٌ على أنَّ مَقصودَ الواهِبِ هو الوُصولُ إلى العِوضِ، فإذا وصَلَ فقد حصَلَ مَقصودُه فيُمنعُ الرُّجوعُ، وسَواءٌ قلَّ العِوضُ أو كثُرَ؛ لمَا رَوينا من الحَديثِ من غيرِ فَصلٍ.
فنَقولُ: العِوضُ نَوعانِ: مُتأخِّرٌ عن العَقدِ ومَشروطٌ في العَقدِ.
أمَّا العِوضُ المُتأخرُ عن العَقدِ فالكَلامُ فيه يَقعُ في مَوضعَينِ:
أحدُهما: في بَيانِ شَرطِ جَوازِ هذا التَّعويضِ وصَيرورةِ الثاني عِوضًا.
والثاني: في بَيانِ ماهيَّةِ هذا التَّعويضِ.
أمَّا الأولُ: فله شَرائِطُ ثَلاثةٌ: الأولُ: مُقابلةُ العِوضِ بالهِبةِ: وهو أنْ يَكونَ التَّعويضُ بلَفظٍ يَدلُّ على المُقابلةِ، نَحوَ أنْ يَقولَ: «هذا عِوضٌ من هِبتِك، أو بَدلٌ عن هِبتِك، أو مَكانَ هِبتِك، أو نحَلتُك هذا عن هِبتِك أو تَصدَّقتُ بهذا بَدلًا عن هِبتِك أو كافأتُك أو جازَيتُك أو آتَيتُك»، وما يَجري هذا المَجرى؛ لأنَّ العِوضَ اسمٌ لمَا يُقابلُ المُعوَّضَ فلا بُدَّ من لَفظٍ يَدلُّ على المُقابلةِ، حتى لو وهَبَ إنسانٌ لإنسانٍ شَيئًا وقبَضَه المَوهوبُ له ثم إنَّ المَوهوبَ له أيضًا وهَبَ شَيئًا للواهِبِ ولم يَقُلْ: «هذا عِوضٌ من هِبتِك» ونَحوَ =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك مما ذكَرنا لم يَكُنْ عِوضًا، بل كانَ هِبةً مُبتدأةً، ولكلِّ واحِدٍ منهما حَقُّ الرُّجوعِ؛ لأنَّه لم يَجعلِ الباقيَ مُقابَلًا بالأولِ؛ لانعِدامِ ما يَدلُّ على المُقابلةِ، فكانت هِبةً مُبتدأةً فيَثبتُ فيها الرُّجوُع.
والثاني: ألَّا يَكونَ العِوضُ في العَقدِ مَملوكًا بذلك العَقدِ، حتى لو عوَّضَ المَوهوبُ له الواهِبَ بالمَوهوبِ لا يَصحُّ ولا يَكونُ عِوضًا.
وإنْ عوَّضَه ببَعضِ المَوهوبِ عن باقيه فإنْ كانَ المَوهوبُ على حالِه التي وقَعَ عليها العَقدُ لم يَكُنْ عوضًا؛ لأنَّ التَّعويضَ ببَعضِ المَوهوبِ لا يَكونُ مَقصودَ الواهِبِ عادةً؛ إذْ لو كانَ ذلك مَقصودَه لأمسَكَه ولم يَهَبْه فلم يَحصُلْ مَقصودُه بتَعويضِ بَعضِ ما دخَلَ تحتَ العَقدِ، فلا يَبطُلُ حَقُّ الرُّجوعِ، وإنْ كانَ المَوهوبُ قد تَغيَّرَ عن حالِه تَغيُّرًا يَمنعُ الرُّجوعَ فإنَّ بَعضَ المَوهوبِ يَكونُ عِوضًا عن الباقي؛ لأنَّه بالتَّغيُّرِ صارَ بمَنزلةِ عَينٍ أُخرى فصلُحَ عِوضًا، هذا إذا وهَبَ شَيئًا واحِدًا أو شَيئَينِ في عَقدٍ واحِدٍ، فأمَّا إذا وهَبَ شَيئَينِ في عَقدَينِ فعوَّضَ أحدُهما عن الآخَرِ فقد اختُلفَ فيه، قالَ أَبو حَنيفةَ عليه الرحمةُ ومُحمدٌ: يَكونُ عِوضًا، وقالَ أَبو يُوسفَ: لا يَكونُ عِوضًا.
وَجهُ قَولِ أَبي يُوسفَ أنَّ حَقَّ الرُّجوعِ ثابِتٌ في غيرِ ما عِوضٍ؛ لأنَّه مَوهوبٌ، وحَقُّ الرُّجوعِ في الهِبةِ ثابِتٌ شَرعًا، فإذا عُوِّض يَقعُ عن الحَقِّ المُستحَقِّ شَرعًا فلا يَقعُ مَوقعَ العِوضِ، بخِلافِ ما إذا تغيَّرَ المَوهوبُ فجعَلَ بَعضَه عِوضًا عن الباقي أنَّه يَجوزُ، وكانَ مَكانًا عِوضًا؛ لأنَّ حَقَّ الرُّجوعِ قد بطَلَ بالتَّغيُّرِ فجازَ أنْ يَقعَ مَوقعَ العِوضِ.
وَجهُ قَولِهما إنَّهما ملَكا بعَقدَين مُتباينَين فجازَ أنْ يُجعلَ أحدُهما عِوضًا عن الآخَرِ وهذا لأنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ مَقصودُ الواهِبِ من هِبتِه الثانيةِ عَودَ الهِبةِ الأُولى؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَهبُ شَيئًا ثم يَبدو له الرُّجوعُ، فصارَ المَوهوبُ بأحدِ العَقدَين بمَنزلةِ عَينٍ أُخرى بخِلافِ ما إذا عوَّضَ بَعضُ المَوهوبِ عن الباقي وهو على حالِه التي وقَعَ عليها العَقدُ؛ لأنَّ بَعضَ المَوهوبِ لا يَكونُ مَقصودَ الواهِبِ، فإنَّ الإنسانَ لا يَهبُ شَيئًا ليُسلَّمَ له بَعضُه عِوضًا عن باقيه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقَولُه: حَقُّ الرُّجوعِ ثابِتٌ شَرعًا، نَعَمْ، لكنَّ الرُّجوعَ في الهِبةِ ليس بواجِبٍ، فلا يَمتنعُ وُقوعُه عن جِهةٍ أُخرى كما لو باعَه منه.
ولو وهَبَ له شَيئًا وتصَدَّق عليه بشَيءٍ فعوَّضَه الصَّدقةَ من الهِبةِ كانت عِوضًا بالإجماعِ على اختِلافِ الأصلَينِ.
أمَّا على أصلِ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ -رحمهما الله- فلا يُشكلُ؛ لأنَّهما لو ملَكا بعَقدَينِ مُتَّفِقَينِ لجازَ أنْ يَكونَ أحدُهما عِوضًا عن الآخَرِ، فعندَ اختِلافِ العَقدَين أَوْلى.
وأمَّا على أصلِ أَبي يُوسفَ رحمة الله عليه فلأنَّ الصَّدقةَ لا يَثبتُ فيها حَقُّ الرُّجوعِ فوقَعَت مَوقعَ العِوضِ.
والثالِثُ سَلامةُ العِوضِ للواهِبِ، فإنْ لم يَسلَمْ بأنْ استُحِقَّ من يَدِه لم يَكُنْ عِوضًا، وله أنْ يَرجعَ في الهِبةِ؛ لأنَّ بالاستِحقاقِ تَبيَّنَ أنَّ التَّعويضَ لم يَصحَّ، فكأنَّه لم يُعوَّضْ أصلًا، فله أنْ يَرجعَ إنْ كانَ المَوهوبُ قائِمًا بعَينِه لم يَهلِكْ ولم يَزددْ خَيرًا ولم يَحدُثْ فيه ما يَمنعُ الرُّجوعَ، فإنْ كانَ قد هلَكَ أو استَهلَكه المَوهوبُ له لم يَضمنْه، كما لو هلَكَ أو استَهلَكه قبلَ التَّعويضِ، وكذا إذا ازداد خَيرًا لم يَضمنْ كما قبلَ التَّعويضِ.
وإنِ استحَقَّ بَعضَ العِوضِ وبَقيَ بَعضٌ فالباقي عِوضٌ عن كلِّ المَوهوبِ، وإنْ شاء رَدَّ ما بَقيَ من العِوضِ ويَرجعُ في كلِّ المَوهوبِ إنْ كانَ قائِمًا في يَدِه ولم يَحدُثْ فيه ما يَمنعُ الرُّجوعَ، وهذا قَولُ أصحابِنا الثَّلاثةِ.
وقالَ زُفرُ: يَرجعُ في الهِبةِ بقَدرِ المُستحَقِّ من العِوضِ.
وَجهُ قَولِه: إنَّ مَعنى المُعاوضةِ ثبَتَ من الجانبَينِ جَميعًا، فكما أنَّ الثانيَ عِوضٌ عن الأولِ فالأولُ يَصيرُ عِوضًا عن الثاني، ثم لو استحَقَّ بَعضَ الهِبةِ الأُولى كانَ للمَوهوبِ له أنْ يَرجعَ في بَعضِ العِوضِ، فكذا إذا استحَقَّ بَعضَ العِوضِ كانَ للواهِبِ أنْ يَرجعَ في بَعضِ الهِبةِ تَحقيقًا للمُعاوضةِ.
ولنا: أنَّ الباقيَ يَصلحُ عِوضًا عن كلِّ الهِبةِ، ألَا تَرى أنَّه لو لم يُعوِّضْه إلا به في الابتِداءِ كانَ عِوضًا مانِعًا عن الرُّجوعِ، فكذا في الانتِهاءِ بل أوْلى؛ لأنَّ البَقاءَ أسهَلُ، إلا أنَّ
٢ - أو تَزيدُ زِيادةً مُتصلةً: فإذا حدَثَت في الشَّيءِ المَوهوبِ زيادةٌ مُتصلةٌ سَواءٌ كانت بفِعلِ المَوهوبِ له أو بفِعلِ غيرِه، وسَواءٌ كانت مُتولَّدةً من الشَّيءِ المَوهوبِ أو ليسَت مُتولَّدةً منه، بأنْ كانت جاريةً هَزيلةً فسمِنَت، أو دارًا فبَنى فيها أو حفَرَ فيها بِئرًا أو ثَوبًا فصبَغَه بعُصفُرٍ أو قطَعَه وخاطَه قَميصًا؛ فإنَّ في جَميعِ ذلك لا رُجوعَ له؛ لأنَّه لا وَجهَ له إلى الرُّجوعِ في الهِبةِ دونَ الزِّيادةِ لعَدمِ الإِمكانِ، ولا مع الزِّيادةِ لعَدمِ دُخولِها تحتَ العَقدِ، ولو وهَبَ له جاريةً فحبَلَت في يَدِ المَوهوبِ له لم يَكنْ له أنْ يَرجعَ فيها قبلَ انفِصالِ الوَلدِ؛ لأنَّها مُتصلةٌ بزيادةٍ لم تَكنْ مَوهوبةً، وإنْ وهَبَ له جاريةً حامِلًا أو بَهيمةً حامِلًا فرجَعَ فيها قبلَ الوَضعِ إنْ كانَ رُجوعُه قبلَ أنْ تَمضيَ مُدةٌ يَعلمُ فيها زيادةَ الحَملِ جازَ وإلا فلا.
أمَّا الزِّيادةُ المُنفصلةُ فإنَّها لا تَمنعُ الرُّجوعَ سَواءٌ كانت مُتولَّدةً من الشَّيءِ المَوهوبِ كاللَّبنِ والثَّمرةِ أو غيرَ مُتولَّدةٍ منه كالكَسبِ والغَلةِ؛ لأنَّ هذه الزَّوائدَ لم يَرِدْ عليها العَقدُ، وكذلك لا يَرِدُ عليها الفَسخُ، كما أنَّه يُمكنُ فَسخُ العَقدِ دونَ الزِّيادةِ بخِلافِ الزِّيادةِ المُتصلةِ كما تقدَّمَ.
وكذا نُقصانُ الشَّيءِ المَوهوبِ لا يَمنعُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ الواهِبَ لمَّا كانَ له حَقُّ الرُّجوعِ في كلِّ المَوهوبِ كانَ له الرُّجوعُ في بَعضِه مع بَقائِه، فكَذا عندَ نُقصانِه.
= للواهِبِ أنْ يَردَّه ويَرجعَ في الهِبةِ؛ لأنَّ المَوهوبَ له غَرَّه حيثُ عوَّضَه لإسقاطِ الرُّجوعِ بشَيءٍ لم يُسلَّمْ له فيَثبتُ له الخيارُ.
٣ - أنْ يَموتَ أحدُ المُتعاقِدينِ: لأنَّه بمَوتِ المَوهوبِ له يَنتقلُ المِلكُ إلى الوَرثةِ فصارَ كما إذا انتقَلَ في حَياتِه، وإنْ ماتَ الواهِبُ فوارِثُه أجنَبيٌّ عن العَقدِ؛ لأنَّه ما أوجَبَه.
٤ - أنْ تَخرجَ الهِبةُ من مِلكِ المَوهوبِ له؛ لأنَّ الخُروجَ حصَلَ بتَسليطِه، وسَواءٌ خرَجَت ببَيعٍ أو هِبةٍ أو غيرِ ذلك، ولو أخرَجَ بَعضَها عن مِلكِه فله الرُّجوعُ فيما بَقيَ دون الزائِلِ، ولو وهَبَها المَوهوبُ له لآخَرَ ثم رجَعَ فيها كانَ للأولِ أنْ يَرجعَ فيها.
٥ - هَلاكُ المَوهوبِ: لأنَّ الرُّجوعَ في شَيءٍ يَستدعي قيامَ المَرجوعِ فيه، وهَلاكُه يُنافيه، ولو ادَّعى المَوهوبُ له هَلاكَه صُدِّق بلا حَلِفٍ؛ لأنَّه مُنكِرٌ لوُجوبِ الرَّدِّ عليه فأشبَهَ المُودَعَ.
٦ - أنْ يَهبَ هِبةً لذي رَحمٍ مَحرَمٍ منه فلا رُجوعَ فيها، بحيث لو كانَ أحدُهما أُنثَى والآخَرُ ذَكرًا لم يَحلَّ له نِكاحُها، مِثلَ أنْ يَهبَ لأبيه أو لجَدِّه أو لعَمِّه أو لخالِه لم يَجزْ أنْ يَرجعَ عليه بعدَ الإِقباضِ؛ لمَا رَواه سَمُرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانَت الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجعْ فيها» (١). والحُجةُ فيه بمَفهومِ الشَّرطِ؛ لأنَّ مَعناه: إذا كانَت لغيرِ مَحرَمٍ فله الرُّجوعُ، بل هو مُصرحٌ به في أثَرِ عُمرَ رضي الله عنه الذي رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الحاكم في «المستدرك» (٢٣٢٤)، والدارقطني (٣/ ٤٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٦).
على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها، ومَن وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أرادَ بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (١). وهذا نَصٌ في البابِ، ولأنَّ المَقصودَ منها مع القَريبِ المَحرَمِ صِلةُ الرَّحمِ وقد حصَلَ، وفي الرُّجوعِ قَطعُها، فلا يَرجعُ ولو كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا؛ لأنَّه واجِبُ الصِّلةِ ومَحلٌّ للصَّدقةِ لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ولقَبولِ الذِّمةِ والأَمانِ فقد ترَكَ المُقاتلةَ.
هذا إذا كانَ قد سلَّمَها لذي رَحِمِه المَحرَمِ، أمَّا قبلَ ذلك فله الرُّجوعُ.
وإنْ وهَبَ لذي رَحمٍ غيرِ مَحرَمٍ كابنِ العَمِّ، أو مَحرَمٍ غيرِ رَحمٍ كالأخِ من الرَّضاعةِ جازَ له الرُّجوعُ فيما وهَبَ له، والرَّحمُ المَحرَمُ الذي مَحرميَّتُه لا من الرَّحمِ كابنِ عَمٍّ هو أخٌ رَضاعًا.
قالَ السَّمرقَنديُّ: الرَّحمُ صاحِبُ القَرابةِ، والمَحرَمُ هو الذي تَحرُمُ مُناكَحتُه.
فلو كانَ الرَّحمُ مَحرَمًا من الرَّضاعِ أو المُصاهرةِ لا يَمتنعُ الرُّجوعُ؛ لعَدمِ وُجوبِ صِلتِه، ولذا لا يَجبُ إنفاقُه عليه عندَ عَجزِه وإنْ كانت صِلتُه مَندوبًا إليها.
٧ - وكذلك ما وهَبَه أحدُ الزَّوجَينِ للآخَرِ: لأنَّ هِبةَ أحدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ تُحقِّقُ ما بينَهما من الأُلفةِ والمَودةِ، فكانَ المَقصودُ منها الصِّلةَ،
(١) صَحِيحٌ موقوفًا: رواه مالك في «الموطأ» (١٤٤٠)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (١١٨٠٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)
فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)
ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.