هبة أحد الزوجين للآخر

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الهبة وشروطها > هبة أحد الزوجين للآخر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

هبة أحد الزوجين للآخر - الأقوال والأدلة

هِبةُ أحدِ الزَّوجَين للآخَرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ أحدِ الزَّوجَين للآخَرِ إذا لم يُشترَطْ فيها ثَوابٌ ولا عَدمُه، هل تَقتَضي الثَّوابَ أو لا؟

أولًا: هِبةُ الزَّوجِ لزَوجتِه:

اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -على تَفصيلٍ سيأتي بَيانُه- على أنَّ الزَّوجَ إذا وهَبَ لزَوجتِه شَيئًا وحازَتْه فلا رُجوعَ له فيه؛ لأنَّ المَقصودَ به صِلةُ الرَّحمِ.

ثانيًا: هِبةُ الزَّوجةِ لزَوجِها:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَت الزَّوجةُ لزَوجِها هل لها الرُّجوعُ فيما وهَبَته أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا وهَبَت لزَوجِها شَيئًا فلا رُجوعَ لها فيما وهَبَته، سَواءٌ كانَ مَهرًا أو غيرَه.

والرِّوايةُ الثانيةُ عن الإمامِ أَحمدَ: لها الرُّجوعُ مُطلقًا.

وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ فيها تَفصيلٌ: إذا وهَبَت له مَهرَها؛ فإنْ كانَ سألَها ذلك رَدَّه إليها، رضِيَت أو كرِهَت؛ لأنَّها لا تَهبُ إلا مَخافةَ غَضبِه أو إضرارٍ بها بأنْ يَتزوجَ عليها، وإنْ لم يَكنْ سألَها وتبَرَّعت به فهو جائِزٌ.

وهذا تَفصيلُ كَلامِ الفُقهاءِ في هِبةِ الزَّوجَين للآخَرِ:

قالَ الحَنفيةُ: ما وهَبَه أحدُ الزَّوجَين للآخَرِ لا رُجوعَ له فيه؛ لأنَّ هِبةَ أحدِ الزَّوجَين للآخَرِ تُحقِّقُ ما بينَهما من الأُلفةِ والمَودةِ، فكانَ المَقصودُ منها الصِّلةَ وقد حصَلَت، وفي الرُّجوعِ قَطيعةُ الرَّحمِ والأُلفةِ؛ لأنَّها تُورثُ الوَحشةَ والنَّفرةَ، فلا يَجوزُ، صِيانةً للرَّحمِ عن القَطيعةِ وإبقاءً للزَّوجيةِ على الأُلفةِ والمَودةِ، ولأنَّ المَقصودَ بها صِلةُ الرَّحمِ؛ لأنَّ الزَّوجيةَ أُجرِيت مجرَى القَرابةِ، بدَليلِ أنَّه يَحصلُ بها الإِرثُ في جَميعِ الأَحوالِ، وسَواءٌ كانَ أحدُ الزَّوجَين مُسلمًا أو كافِرًا، لشُمولِ المَعنى.

وإنَّما يُنظرُ إلى هذا وَقتَ الهِبةِ حتى لو وهَبَ لأجنَبيةٍ ثم تزوَّجَها فله الرُّجوعُ؛ لأنَّ العَقدَ أوجَبَ له الرُّجوعَ قبلَ التَّزويجِ فكذا بعدَه، ولو وهَبَت له ثم تزَوَّجته كانَ لها الرُّجوعُ، وإنْ وهَبَ لزَوجتِه أو وهَبَت له ثم أبانَها فليسَ له ولا لها الرُّجوعُ؛ لأنَّ العَقدَ وقَعَ غيرَ مُوجِبٍ للرُّجوعِ؛ لأنَّ المُعتبَرَ المَقصودُ وَقتَ العَقدِ (١).

وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا هِبةُ كلِّ واحدٍ من الزَّوجَين لصاحِبِه؛ فإنَّ أبا بَكرةَ قد حدَّثَنا قالَ ثَنا أبو عُمرَ قالَ: أخبَرَنا حَمادُ ابنُ سَلمةَ عن أيُّوبَ عن مُحمدٍ «أنَّ امرأةً وهَبَت لزَوجِها هِبةً ثم رجَعَت فيها

(١) «الهداية شرح البداية» (٣/ ٢٢٨)، و «الاختيار» (٣/ ٦٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٨١)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ٩٨)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٠٧)، و «العناية» (١٢/ ٣٠١)، و «اللباب» (١/ ٦١٠)، و «ابن عابدين» (٨/ ٤٦١).

فاختَصَما إلى شُريحٍ، فقالَ للزَّوجِ: شاهِداك أنَّهما رأياها وهَبَت لك من غيرِ كُرهٍ ولا هَوانٍ وإلا فيَمينُها، لقد وهَبَت لك عن كُرهٍ وهَوانٍ» فهذا شُريحٌ قد سألَ الزَّوجَ البَينةَ أنَّها وهَبَت له لا عن كُرهٍ بعدَ ارتِجاعِها في الهِبةِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ السُّنةَ لو ثبَتَت عندَه على ذلك لرَدَّ الهِبةَ إليها ولم يُجِزْ لها الرُّجوعَ فيها، وقد كانَ مِنْ رأيِه أنَّ للواهِبِ الرُّجوعَ في هِبتِه إلا مِنْ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ، فجعَلَ المَرأةَ في هذا كذي الرَّحمِ المَحرَمِ، فهكذا نَقولُ.

وأمَّا هِبةُ الزَّوجِ لامرَأتِه فإنَّ أَبا بَكرةَ حدَّثَنا قالَ: ثَنا أبو عُمرَ قالَ: أخبَرَنا أبو عَوانةَ عن أَبي مَنصورٍ قالَ: قالَ إِبراهيمُ: «إذا وهَبَت المَرأةُ لزَوجِها أو وهَبَ الرَّجلُ لامرأتِه فالهِبةُ جائِزةٌ، وليسَ لواحدٍ منهما أنْ يَرجعَ في هِبتِه».

حدَّثَنا سُليمانُ بنُ شُعيبٍ عن أَبيه عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ عن أَبي حَنيفةَ عن حَمادٍ عن إِبراهيمَ أنَّه قالَ: الزَّوجُ والمَرأةُ بمَنزِلةِ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ، إذا وهَبَ أحدُهما لصاحِبِه لم يَكنْ له أنْ يَرجعَ. فجعَلَ الزَّوجَين في هذه الأَحاديثِ كذي الرَّحمِ المَحرَمِ، فمنَعَ كلَّ واحدٍ منهما من الرُّجوعِ فيما وهَبَ لصاحِبِه، فهكذا نَقولُ، وقد وصَفْنا في هذا ما ذهَبتُ إليه في الهِباتِ وما ذكَرنا من هذه الآثارِ؛ إذْ لم نَعلمْ عن أحدٍ مِثلَ مَنْ رَويناها عنه خِلافًا لها، فتَرَكنا النَّظرَ من أجلِها وقَلَّدناها، وقد كانَ النَّظرُ لو خُلِّينا وإيَّاه خِلافَ ذلك، وهو ألَّا يَرجعَ الواهِبُ في الهِبةِ لغيرِ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ؛ لأنَّ مِلكَه قد زالَ عنها بهِبتِه إِياها، وصارَ للمَوهوبِ له دونَه، فليسَ له نَقضُ ما قد ملَكَ عليه إلا برِضاءِ مالِكِه، ولكنَّ اتِّباعَ الآثارِ وتَقليدَ أئِمةِ أهلِ العِلمِ أَولى،

فلذلك قَلَّدناها واقتَدَينا بها، وجَميعُ ما بَيَّنَّا في هذا البابِ قَولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ رَحمةُ اللهِ عليهم أجمَعينَ (١).

وقالَ المالِكيةُ: إذا وهَبَ أحدُ الزَّوجَينَ لصاحِبِه مَتاعًا من مَتاعِه؛ فإنَّ الهِبةَ نافِذةٌ صَحيحةٌ وإنْ لم يَرفعْ يدَه عن هِبتِه للضَّرورةِ، وإذا طلَبَ الواهِبُ منهما الثَّوابَ على هِبتِه فلا يُصدَّقُ في أنَّه وهَبَ للثَّوابِ لقَضاءِ العُرفِ على نَفيِ الثَّوابِ في ذلك؛ لأنَّ الشأنَ قَصدُ كلِّ واحدٍ منهما عندَ الهِبةِ للآخَرِ التَّعاطُفَ والتَّواصلَ، إلا أنْ يَشترطَ أحدُهما عندَ الهِبةِ للآخَرِ الإِثابةَ أو تَقومَ قَرينةٌ على قَصدِها أو يَجريَ العُرفُ بها؛ فإنَّه يُصدَّقُ ويَأخذُ ما ادَّعاه من الثَّوابِ.

وهذا في غيرِ المَسكوكِ من الذَّهبِ والفِضةِ، وأمَّا هو فلا يُصدَّقُ إلا لشَرطٍ أو عُرفٍ فيُعملُ به.

قالَ في «المُدوَّنة»: لا يُقضى بينَ الزَّوجَين بالثَّوابِ في الهِبةِ، ولا بينَ والِدٍ ووَلدِه إلا أنْ يَظهرَ ابتِغاءُ الثَّوابِ بينَهم، مِثلَ أنْ تَكونَ للمَرأةِ جاريةٌ فارِهةٌ فطلَبَها منها زَوجُها وهو مُوسِرٌ فأعطَته إِياها، تُريدُ بذلك استِغزارَ صِلتِه، والرَّجلُ كذلك يَهبُ لامرأتِه، والابنُ لأبيه مما يَرى أنَّه أرادَ بذلك استِغزارَ ما عندَ أبيه؛ فإنْ كانَ مِثلُ ذلك مما يَرى الناسُ أنَّه وَجهُ ما طُلبَ في هِبتِه ففي ذلك الثَّوابُ؛ فإنْ أثابَه وإلا رجَعَ كلُّ واحدٍ منهما في هِبتِه، وإنْ لم يَكنْ وَجهُ ما ذكَرنا فلا ثَوابَ بينَهما (٢).

(١) «شرح معاني الآثار» (٤/ ٨٣، ٨٤).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥١٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١٨) «مواهب الجليل» (٨/ ٢٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٣٤)، و «منح الجليل» (٨/ ٢١٧).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ المَروزيُّ: قُلتُ (لأحمدَ): هِبةُ المَرأةِ لزَوجِها، وهِبةُ الرَّجلِ لامرأتِه؟ قالَ: كلُّ (هذا) واحِدٌ، لا يَرجعُ في شَيءٍ من هذا.

(قالَ إِسحاقُ: كلَّما وهَبَت المَرأةُ لزَوجِها تَكرِمةً فلها أنْ تَرجعَ، وليسَ للزَّوجِ أنْ يَرجعَ) (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ما وهَبَ الزَّوجُ لامرَأتِه لا رُجوعَ له فيه، فأمَّا هِبةُ المَرأةِ لزَوجِها فعن أحمدَ فيه رِوايتانِ:

إحداهُما: لا رُجوعَ لها فيها، وهذا قَولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والنَّخعيِّ ورَبيعةَ ومالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأيِ، وهو قَولُ عَطاءٍ وقَتادةَ.

والأُخرى: لها الرُّجوعُ، قالَ الأثرَمُ: سمِعتُ أحمدَ يُسألُ عن المَرأةِ تَهبُ ثم تَرجعُ، فرأيتُه يَجعلُ النِّساءَ غيرَ الرِّجالِ، ثم ذكَرَ الحَديثَ: «إنَّما يَرجعُ في المَواهِبِ النِّساءُ وأَشرارُ الأَقوامِ» (٢)، وذكَرَ حَديثَ عُمرَ: «إنَّ

(١) «مسائل الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه» (٢/ ٤٤٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٤٢٠)، رقم (٢١٧٠١) قالَ: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ، عن مُعاويةَ بنِ صالحٍ، عن رَبيعةَ بنِ يَزيدَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ، قالَ: «كُنْتُ جالسًا عندَ فَضالةَ، فأَتاه رَجلانِ يَختصِمانِ في بازٍ، فقالَ أحدُهما: وهَبتُ له بازِي رَجاءَ أنْ يُثيبَني، وأخَذَ بازيَ ولم يُثِبْني، فقالَ له الآخَرُ: وهَبَ لي بازَه، ما سأَلتُه، ولا تَعرضتُ له، فقال: رُدَّ عليه بازَه، أو أثِبْه، فإنَّما يَرجعُ في المَواهِبِ النِّساءُ وأَشرارُ الأَقوامِ».

النِّساءَ يُعطينَ أَزواجَهنَّ رَغبةً ورَهبةً، فأيُّما امرَأةٍ أعطَت زَوجَها شَيئًا فأرادَت أنْ تَعتصِرَه فهي أحَقُّ به» (١)، رَواه الأثرَمُ بإسنادِه، وهذا قَولُ شُرَيحٍ والشَّعبيِّ وحَكاه الزُّهريُّ عن القُضاةِ.

وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى ثالِثةٌ نقَلَها أبو طالِبٍ: إذا وهَبَت له مَهرَها؛ فإنْ كانَ سألَها ذلك رَدَّه إليها، رضِيَت أو كرِهَت؛ لأنَّها لا تَهبُ إلا مَخافةَ غَضبِه أو إِضرارِه بها بأنْ يَتزوجَ عليها، وإنْ لم يَكنْ سألَها وتبَرَّعت به فهو جائِزٌ، فظاهِرُ هذه الرِّوايةِ أنَّه متى كانَت مع الهِبةِ قَرينةُ مَسألتِه لها أو غَضبِه عليها أو ما يَدلُّ على خَوفِها منه، فلها الرُّجوعُ؛ لأنَّ شاهِدَ الحالِ يَدلُّ على أنَّها لم تَطِبْ بها نَفسُها وإنَّما أباحَه اللهُ تَعالى عندَ طِيبِ نَفسِها بقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)[النساء: ٤]، وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ الرِّوايةُ الأُولى، وهو اختيارُ أَبي بَكرٍ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)[النساء: ٤]، وعُمومُ الأَحاديثِ التي قدَّمناها.

فيَكونُ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ:

(إِحداها): ليسَ لها الرُّجوعُ كالأجنَبيِّ، (والثانية): لها الرُّجوعُ مُطلقًا لحَديثِ عُمرَ، (والثالِثةُ): التَّفصيلُ الذي ذكَرناه (٢).

(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٣٣١)، رقم (٢١٧٣١).
(٢) «المغني» (٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٨٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢١٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٨٢).

وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وإنْ سألَ زَوجٌ امرأتَه هِبةَ مَهرِها فوهَبَته له ثم ضَرَّها فلها الرُّجوعُ، أو قالَ زَوجٌ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ لم تُبرئيني»، فأبرَأتْه من مَهرِها ثم ضَرَّها بطَلاقٍ أو غيرِه فلها الرُّجوعُ فيما وهَبَته من المَهرِ أو أبرَأتْه منه؛ لأنَّ شاهِدَ الحالِ يَدلُّ على أنَّها لم تَطِبْ به نَفسًا، وإنَّما أباحَه اللهُ عن طِيبِ نَفسِها بقَولِه : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)[النساء: ٤]، وغيرُ الصَّداقِ كالصَّداقِ، قالَه في شَرحِ المُنتَهى، ويُؤيدُه قَولُ عُمرَ: «إنَّ النِّساءَ يُعطينَ أزواجَهنَّ رَغبةً ورَهبةً، فأيُّما امرَأةٍ أعطَت زَوجَها شَيئًا فأرادَت أنْ تَعتصِرَه فهي أحَقُّ به» (١)، رَواه الأثرَمُ وقالَ الحارِثيُّ: المَشهورُ عنه -أي: عن الإمامِ- ألَّا رُجوعَ لواحدٍ من الزَّوجَين فيما وهَبَ للآخَرِ، إلا أنْ تَهبَ المَرأةُ مَهرَها لسُؤالٍ منه ونَحوِ ذلك فلها أن تَرجعَ، إلا إنْ تَبرَّعت بمَهرِها من غيرِ مَسألةِ الزَّوجِ فلا رُجوعَ لها نَصًّا، واحتَجَّ في رِوايةِ أحمدَ بنِ إِبراهيمَ الكُوفيِّ بقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] (٢).

وقالَ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ هِبةِ الرَّجلِ لامرَأتِه والمَرأةُ لزَوجِها: قالَ إِبراهيمُ: جائِزةٌ. وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: لا يَرجِعانِ. واستَأذنَ النَّبيُّ نِساءَه في أنْ يُمرَّضَ في بَيتِ عائِشةَ، وقالَ النَّبيُّ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه»، وقالَ الزُّهريُّ فيمَن قالَ لامرأتِه:

(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٣٣١)، رقم (٢١٧٣١).
(٢) «كشاف القناع» (٤/ ٣٨٢).

«هَبي لي بعضَ صَداقِك أو كلَّه»، ثم لم يَمكُثْ إلا يَسيرًا حتى طلَّقَها فرجَعَت فيه، قالَ: يُردُّ إليها إنْ كانَ خلَبَها، وإنْ كانت أعطَتْه عن طِيبِ نَفسٍ ليسَ في شَيءٍ من أمرِه خَديعةٌ جازَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] (١).

قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في الزَّوجَينِ يَهبُ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، فقالَ جُمهورُ العُلماءِ: ليسَ لواحدٍ منهما أنْ يَرجعَ فيما يُعطيه للآخَرِ، هذا قَولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والنَّخعيِّ وعَطاءٍ ورَبيعةَ، وبه قالَ مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والكُوفيونَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ، وفيها قَولٌ آخَرُ، وهو أنَّ لها أنْ تَرجعَ فيما أعطَته، وليسَ له أنْ يَرجعَ فيما أعطاها، رُويَ هذا عن شُرَيحٍ والشَّعبيِّ والزُّهريِّ، قالَ الزُّهريُّ: ما رأيتُ القُضاةَ إلا يُقيلون المَرأةَ فيما وهَبَت لزَوجِها ولا يُقيلون الرَّجلَ فيما وهَبَ لامرَأتِه. ورَوى عبدُ الرَّزاقِ عن الثَّوريِّ عن سُليمانَ الشَّيبانِيِّ قالَ: كتَبَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ أنَّ النِّساءَ يُعطينَ رَغبةً ورَهبةً، فأيُّما امرَأةٍ أعطَت زَوجَها فشاءَت أنْ تَرجعَ رجَعَت.

والقَولُ الأولُ أحسَنُ لقَولِه : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، ورُويَ عن علِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ أنَّه قالَ: «إذا اشتَكى أحدُكم فليَسألِ امرَأتَه ثَلاثةَ دَراهمَ، ويَشتَرِ بها عَسلًا، ويأخُذْ من ماءِ السَّماءِ فيَتداوَ به، فيَجمَعْ هَنيئًا مَريئًا وماءً مُباركًا»، فلو كانَ لهُنَّ فيه رُجوعٌ لم يَكنْ هَنيئًا

(١) «صحيح البخاري» (٢/ ٩١٤).

مَريئًا، ألا تَرى أنَّ ما وهَبَه أزواجُ النَّبيِّ له من أيامِهنَّ ولياليهِنَّ، وأنْ يُمرَّضَ في بَيتِ عائِشةَ لم يَكنْ لهُنَّ فيه رُجوعٌ؛ لأنَّه كانَ عن طِيبِ نَفسٍ منهُنَّ لا عن عِوضٍ.

واختَلَفوا فيما وهَبَ أحدُ الزَّوجَين لصاحِبِه، هل يَحتاجُ إلى حِيازةٍ وقَبضٍ؟ فقالَ ابنُ أَبي ليلَى والحَسنُ البَصريُّ: الصَّدقةُ جائِزةٌ وإنْ لم يَقبِضْها.

وقالَ النَّخعيُّ وقَتادةُ: ليسَ بينَ الزَّوجَين حِيازةٌ. وقالَ ابنُ سِيرينَ وشُرَيحٌ ومَسروقٌ والشَّعبيُّ: لا بدَّ في ذلك من القَبضِ، وهو قَولُ الثَّوريِّ والكُوفيِّين والشافِعيِّ وهي رِوايةُ أشهَبَ عن مالِكٍ، قالَ مالِكٌ: إنَّ ما وهَبَ الرَّجلُ لامرَأتِه والمَرأةُ لزَوجِها وهو في أيدِيهما كما كانَ، حَوزٌ ضَعيفٌ لا يَصحُّ.

وله قَولٌ آخَرُ، رَوى ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ في «العُتْبية» في الرَّجلِ يَهبُ لامرأتِه خادِمًا ولا يُخرجُها عن البَيتِ الذي هما فيه، ويَهبُها دارًا يَسكنانها أو تَهبُ له ذلك أنَّ ذلك جائِزٌ للمَرأةِ، ورَوى عِيسى عن ابنِ القاسِمِ في الرَّجلِ يَهبُ لامرأتِه دارًا يَسكنانها ثم يَسكنانِ بعدَ ذلك فيها، أو المَرأةُ تَفعلُ مِثلَ ذلك ففرَّقَ بينَهما، قالَ: إذا كانَ الزَّوجُ هو الواهِبَ فالصَّدقةُ غيرُ تامةٍ؛ لأنَّ عليه أنْ يُسكنَ زَوجتَه، فكأنَّه هو مُسكنُها، فإذا كانَت المَرأةُ هي الواهِبةَ فالصَّدقةُ جائِزةٌ؛ لأنَّه يَسكنُ ما حَوزُه لنَفسِه (١).

(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ١٠٦، ١٠٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في شرائط ركن الهبة

لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَدْخُلُ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ جَمِيعًا فِي الْعَقْد لِأَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْتَحَقَ بِالْعَدَمِ فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ وَكَذَا الْعِتْقُ بِأَنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا أَنَّهُ يَصِحُّ الْعِتْقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَعْتِقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ جَمِيعًا لِمَا قُلْنَا.

(وَأَمَّا) الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَصِيَّةُ بِأَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا لِأَنَّهُ لَمَا جَعَلَ الْجَارِيَةَ وَصِيَّةً لَهُ وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ أَبْقَى مَا فِي بَطْنِهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ وَالْمِيرَاثُ يُجْرَى فِيمَا فِي الْبَطْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِرَجُلٍ وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَغَلَّتَهَا لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْغَلَّةَ وَالْخِدْمَةَ لَا يُجْرَى فِيهِمَا الْمِيرَاثُ بِانْفِرَادِهِمَا بِدُونِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِخِدْمَتِهَا وَغَلَّتِهَا لِإِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لَا تَصِيرُ الْغَلَّةُ وَالْخِدْمَةُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ بَلْ تَعُودُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ وَمَا افْتَرَقَا إلَّا لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا قال: دارى لك عمرى. أو هى لك عمرك. فهى له ولورثته من بعده)

فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها ، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ" . من "المُسْنَدِ" . قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.

٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 402 - 410

ارجع إلى أركان الهبة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل